كرة + سياسة + مال = عنف

كرة + سياسة + مال = عنف

سُئل خبير رياضي عن رأيه في ميسي فقال "ليس هناك أيّ نظام كروي في الأرض يستطيع إيقاف هذا اللاعب". وهو ما دفعني إلى البحث في سر اجتذاب الكرة للملايين من  البشر.. فوقعت عيني على مقال كتبه مانويل مونتالبان في "لوموند ديبلوماتيك" قبل سنوات حول ظاهرة الكرة وتحوّلها إلى ما يشبه الدين اللائكي الباحث عن إله جديد، فيتساءل الكاتب إن كان بيرلسكوني قادرا على بلوغ سدة رئاسة الحكومة الإيطالية لولا رئاسته لنادي ميلانو الشهير بنجومه الأسطورية فان باستن وريكارد وغوليت؟ فهو يمتلك كثيرا من وسائل الإعلام الثقيلة ذات الجماهيرية الواسعة، فضلا عن امتلاكه أيضا شخصية كارزمية جذابة.. مما دفع الشباب الإيطالي إلى انتخابه باعتباره رجلا ينشد "الانتصار" باستمرار سواء كرجل أعمال أو كرئيس فريق ذي إنجازات خارقة.. ولا غرابة أن يكون عنوان حزبه "فورزا إيطاليا" الذي بقي طويلا في الحكم وسقط بسقوط الفريق وانطفاء شعلة نجومه..

ويذكر الكاتب في تحليله أن رئيس النادي القوي يحيط به عادة جملة من الشخصيات السياسية والاقتصادية والجامعية وحتى الدينية لأنه قويّ.. والقوي ينجذب إليه الناس، فأن تكون رئيسا لميلانو أو مارسيليا يتطلب ذلك عملا أكبر من البحث عن أي منصب آخر.. بل إنّ تأثير نوادي الكرة على أيّ انتخابات يدفع السياسيين ورؤساء الأحزاب إلى مغازلة الأندية ورؤسائها وأنصارها. ويذهب الكاتب إلى أن من بين أسباب الحرب الأهلية في يوغسلافيا سابقا هو خلاف كرويّ أشعل نعرة العرقية.. وأكثر من هذا فبسبب فرض عقوبة إدارية على فريق محلي اشتعلت إشبيلية في العام 1996 وكادت تتطور إلى ما لا يمكن لمياه الأطلسي أن تطفئ ناره.. ويذكر أحد علماء الأنتربولوجيا إلى أن السياسيين ينفذون ما يقرره الآخرون وفي مقدمتهم رؤساء الأندية، لأنه الأكثر قربا من الجماهير.. ومن هنا فإن الكرة أخذت في المجتمعات الحديثة مكان الوسط بين السياسة والدين..

علماء الاجتماع يصوّرون وضع الكرة في أي مجتمع على أنها لا تختلف كثيرا عن أي دولة تتهيأ للحرب، فمشاهد المباريات تتسم دائما بأن هناك تحضيرا لمواجهة تصل الحد الذي يكون فيه الخصم عدوا، لهذا لا نبدي استغرابا من أنّ الجماهير المشجعة القادمة من الأرياف ليست أكثر من جنود وأن أصحاب المال والنفوذ يصل بهم الأمر إلى درجة تمويل بعض المجموعات المناصرة لارتكاب العنف ضد الفريق الخصم وجمهوره.. فيكون تصرّفهم وكأنه بدافع ديني أو قومي ولو داخل البلد الواحد.. وفي بطولات العالم كثيرٌ من الأندية التي تمثل الأنموذج في هذا. وبروز ظاهرة الهوليغانيزم أو السلوك الوندالي العنيف كما هو الشأن بالنسبة للكاتب الأمريكي بيل بودفورد الذي يروي قصته مع الهوليغانيزم، وكيف وجد نفسه عاشقا للعنف ومتعلقا بالذين يمارسونه (..) والمفارقة أن هذا الكاتب كان يهدفُ أصلا إلى تفكيك مفهوم العنف ميدانيا فوجدَ نفسه منبهرا به فغرق فيه.. شأنه في ذلك شأن الكاتب الأمريكي الحائز على نوبل للآداب أرنست هيمنغواي الذي صار مدمنا على مشاهدة صراع الثيران والحروب الأهلية وصيد الحيوانات المتوحشة.. أي أنه محبّ للدم حتى أنهى حياته برصاصة في الفم.

ويرى الكاتب بيتر مارش في كتابه "خداع العنف" الصادر في العام 1978 أن من "محاسن" عنف الملاعب أنه يجنب الانفجار الاجتماعي في كثير من الأحيان، لأنه متنفس للغاضبين، وينطلق في تحليله من كون الجماهير، مهما كانت طبقاتها الاجتماعية، هي جزء من طبقة واحدة.. ويعزز الكاتب كونراد لونز القول بأن "المناصر المتعصب" يحمل في آن واحد توحّش الذئب وعطفه (..) أي يكون عنيفا مع خصومه ورقيقا مع أنصار ناديه..

ولم يتأخر الشعراء والفنانون في التغني بفضائل نجوم الكرة، بعيدا عن عنفها، فهذا عازف الموسيقى البرازيلي الشهير فينيسيوس دي موراييس يؤلّف لحنا على إيقاع السّامبا أهداه للنجم البرازيلي غارينيشا جاء فيه "على مسافة قدم من ديدي، غارينشا يتقدم، الكرة ملتصقة بقدميه، يتهيأ للمرور، يراوغ واحدا، ثم يراوغ اثنين. ويرتاح قليلا وكـأنه يعدّ عظمة اللحظة..".

ويبقى الجميع مدينا للمدرب الكبير سيزار مينوتي الذي يعود إليه فضل التأسيس لهذه الفلسفة التي حاولت أن توجد الفرق بين كرة قدم اليمين، وكرة قدم اليسار.. حيث استقر الرأي على أنّ الكرة التي تحمل إبداعا ذاتُ منحى يساري، أما كرة القدم التي تتسم بالعنف والغش فهي ذات منحى يميني.. ولا مجال لجعل الكرة دينا لائكيا جديدا..

 

كرة + سياسة + مال = عنف

 

سُئل خبير رياضي عن رأيه في ميسي فقال "ليس هناك أيّ نظام كروي في الأرض يستطيع إيقاف هذا اللاعب". وهو ما دفعني إلى البحث في سر اجتذاب الكرة للملايين من  البشر.. فوقعت عيني على مقال كتبه مانويل مونتالبان في "لوموند ديبلوماتيك" قبل سنوات حول ظاهرة الكرة وتحوّلها إلى ما يشبه الدين اللائكي الباحث عن إله جديد، فيتساءل الكاتب إن كان بيرلسكوني قادرا على بلوغ سدة رئاسة الحكومة الإيطالية لولا رئاسته لنادي ميلانو الشهير بنجومه الأسطورية فان باستن وريكارد وغوليت؟ فهو يمتلك كثيرا من وسائل الإعلام الثقيلة ذات الجماهيرية الواسعة، فضلا عن امتلاكه أيضا شخصية كارزمية جذابة.. مما دفع الشباب الإيطالي إلى انتخابه باعتباره رجلا ينشد "الانتصار" باستمرار سواء كرجل أعمال أو كرئيس فريق ذي إنجازات خارقة.. ولا غرابة أن يكون عنوان حزبه "فورزا إيطاليا" الذي بقي طويلا في الحكم وسقط بسقوط الفريق وانطفاء شعلة نجومه..

ويذكر الكاتب في تحليله أن رئيس النادي القوي يحيط به عادة جملة من الشخصيات السياسية والاقتصادية والجامعية وحتى الدينية لأنه قويّ.. والقوي ينجذب إليه الناس، فأن تكون رئيسا لميلانو أو مارسيليا يتطلب ذلك عملا أكبر من البحث عن أي منصب آخر.. بل إنّ تأثير نوادي الكرة على أيّ انتخابات يدفع السياسيين ورؤساء الأحزاب إلى مغازلة الأندية ورؤسائها وأنصارها. ويذهب الكاتب إلى أن من بين أسباب الحرب الأهلية في يوغسلافيا سابقا هو خلاف كرويّ أشعل نعرة العرقية.. وأكثر من هذا فبسبب فرض عقوبة إدارية على فريق محلي اشتعلت إشبيلية في العام 1996 وكادت تتطور إلى ما لا يمكن لمياه الأطلسي أن تطفئ ناره.. ويذكر أحد علماء الأنتربولوجيا إلى أن السياسيين ينفذون ما يقرره الآخرون وفي مقدمتهم رؤساء الأندية، لأنه الأكثر قربا من الجماهير.. ومن هنا فإن الكرة أخذت في المجتمعات الحديثة مكان الوسط بين السياسة والدين..

علماء الاجتماع يصوّرون وضع الكرة في أي مجتمع على أنها لا تختلف كثيرا عن أي دولة تتهيأ للحرب، فمشاهد المباريات تتسم دائما بأن هناك تحضيرا لمواجهة تصل الحد الذي يكون فيه الخصم عدوا، لهذا لا نبدي استغرابا من أنّ الجماهير المشجعة القادمة من الأرياف ليست أكثر من جنود وأن أصحاب المال والنفوذ يصل بهم الأمر إلى درجة تمويل بعض المجموعات المناصرة لارتكاب العنف ضد الفريق الخصم وجمهوره.. فيكون تصرّفهم وكأنه بدافع ديني أو قومي ولو داخل البلد الواحد.. وفي بطولات العالم كثيرٌ من الأندية التي تمثل الأنموذج في هذا. وبروز ظاهرة الهوليغانيزم أو السلوك الوندالي العنيف كما هو الشأن بالنسبة للكاتب الأمريكي بيل بودفورد الذي يروي قصته مع الهوليغانيزم، وكيف وجد نفسه عاشقا للعنف ومتعلقا بالذين يمارسونه (..) والمفارقة أن هذا الكاتب كان يهدفُ أصلا إلى تفكيك مفهوم العنف ميدانيا فوجدَ نفسه منبهرا به فغرق فيه.. شأنه في ذلك شأن الكاتب الأمريكي الحائز على نوبل للآداب أرنست هيمنغواي الذي صار مدمنا على مشاهدة صراع الثيران والحروب الأهلية وصيد الحيوانات المتوحشة.. أي أنه محبّ للدم حتى أنهى حياته برصاصة في الفم.

ويرى الكاتب بيتر مارش في كتابه "خداع العنف" الصادر في العام 1978 أن من "محاسن" عنف الملاعب أنه يجنب الانفجار الاجتماعي في كثير من الأحيان، لأنه متنفس للغاضبين، وينطلق في تحليله من كون الجماهير، مهما كانت طبقاتها الاجتماعية، هي جزء من طبقة واحدة.. ويعزز الكاتب كونراد لونز القول بأن "المناصر المتعصب" يحمل في آن واحد توحّش الذئب وعطفه (..) أي يكون عنيفا مع خصومه ورقيقا مع أنصار ناديه..

ولم يتأخر الشعراء والفنانون في التغني بفضائل نجوم الكرة، بعيدا عن عنفها، فهذا عازف الموسيقى البرازيلي الشهير فينيسيوس دي موراييس يؤلّف لحنا على إيقاع السّامبا أهداه للنجم البرازيلي غارينيشا جاء فيه "على مسافة قدم من ديدي، غارينشا يتقدم، الكرة ملتصقة بقدميه، يتهيأ للمرور، يراوغ واحدا، ثم يراوغ اثنين. ويرتاح قليلا وكـأنه يعدّ عظمة اللحظة..".

ويبقى الجميع مدينا للمدرب الكبير سيزار مينوتي الذي يعود إليه فضل التأسيس لهذه الفلسفة التي حاولت أن توجد الفرق بين كرة قدم اليمين، وكرة قدم اليسار.. حيث استقر الرأي على أنّ الكرة التي تحمل إبداعا ذاتُ منحى يساري، أما كرة القدم التي تتسم بالعنف والغش فهي ذات منحى يميني.. ولا مجال لجعل الكرة دينا لائكيا جديدا..

Share this