إنجيل دييغو.. وكنيسة مارادونا

 إنجيل دييغو.. وكنيسة مارادونا

 

اخترت نشر هذا المقال اليوم لسبب ستعرفونه لاحقا.

ابتدع أمريكيان حيلة درّت عليهما مالا وفيرا، وتتمثل في إنشاء شركة مهمتها بيع أراض على القمر للراغبين (..) فتهافتَ عليهما فنانون ورجال أعمال حجزوا لأنفسهم مساحات قمرية ومنحهم سندات تمليك (..) علما أن مواطنين من اليمن السعيد رفعا دعوى ضد الأمريكان بحجة أن القمر ملك لهما ولا يحق لأي كان التصرف فيه، وإن كنت شخصيا لا أعرف إلى اليوم المحكمة التي رفعت أمامها الدعوى..

هذه واحدة من غرائب ما نقرأ ونسمع.. إنما الأغرب أن تظهر في مدينة روزاريو (شمال الأرجنتين) كنيسة مارادونا بمبادرة من صحفيين أرجنتينيين هما هرنان أميز وأليخاندرو فيرون يعشقان مارادونا (طبعا أيّام مجده) إلى درجة أغضبت بابا الفاتيكان وأحرجته لأنه لم يفهم موقع هذه الكنيسة الغريبة في منظومة الكنائس المسيحية، خاصة وأن كنيسة مارادونا تشهد انتشارا رهيبا في العالم بلغ عدد أتباعها ثمانين ألف وزيادة من بينهم رونالدينيو وميسي وأوين ولينيكر. ويتفق المؤسسان على أن هذه الكنيسة التي تضم عشاق نجم الكرة العالمي مارادونا وأن ديانتهم هي كرة القدم ولهذه الكرة إله يسمى مارادونا (..) ويضيفان بأن كل ذلك يتم في إطار كرة القدم لا غير، إنما بطقوس كنسية، مع احترام تعاليم الأديان والكنائس الأخرى، ولا تهدف إلى الإساءة إليها (..) . ومن طقوس كنيسة مارادونا التي ظهرت أول مرة في العام 1998 إحياؤها عيدين هما رأس السنة، والعام المارادوني الجديد، مع مناسبات أخرى. إذ أن العيد الأول يكون يوم 29 أكتوبر ويستمر إلى اليوم الموالي وهو تاريخ ميلاد مارادونا، وإذ يحضر الآلاف من أتباع الكنيسة ومريدي نجم الملاعب والمتاعب والكوكايين (..) ويتم خلال هذا العيد وضع شاشة ضخمة تبث من خلالها أهم وأجمل أهداف مارادونا، ويدعى أحد المقربين منه ليقدم شهادة عن عبقريته وتفرّده أو بعض الطرائف المرتبطة بحياة هذا اللاعب الذي أدخله الجنون خانة التأليه (..) أما السنة الجديدة في عرف الكنيسة فإنها تبدأ من العام 1960 تاريخ ميلاد مارادونا، وبالتالي فأتباعها يؤرخون حاليا بكونهم في العام 51 ب.م.م (بعد ميلاد مارادونا). ومن أهم الأحداث التي تحييها الكنيسة هي يوم 22 يونيو 1986 اليوم الذي عبث فيه مارادونا بالإنكليز مجتمعين وبالحكم التونسي علي بن ناصر الذي مسحت فيه موسى المباراة (..) ويعزز هذا الاحتفال الكنسي المتميز بعرض لهدفي مارادونا مع التعليق المصاحب للمباراة بصوت المعلق الأرجنتيني الشهير هيغو موراليس..

وليت الأمر توقف عند هذا الحد بل انتقلت الكنيسة إلى مستوى آخر من الممارسة التطبيقية لتعاليمها الكروية، فتعميد الأوفياء يتم من خلال القسم على إنجيل الكنيسة وهو كتاب "أنا دييغو" الذي يتضمن السيرة الذاتية للنجم الأرجنتيني. وأكثر من هذا فإن المتزوجين الجدد يقومون بطقوس الزواج وفق تعاليم كنيسة روزاريو المارادونية بولوج ملعب يكون مارادونا لعب فيه مثل نيولز أولد بويز وإعلان الارتباط المقدس مدى الحياة بالقسم على إنجيل مارادونا وكرة إلى جانبه (..).

ويكشف مؤسسا كنيسة مارادونا أنهما لو كانا يملكان مبنى كبيرا لكان عدد الأتباع غير معدود، وبالتالي فقد اعتمدا طريقة الانخراط بواسطة الموقع الالكتروني الذي يشهد توافد الآلاف من مختلف بلدان العالم، إذ تم تسجيل ارتفاع في عدد الملتحقين من القارات الخمس..
ويعترف مسؤولو مدينة روزاريو أنهم كانوا يشعرون بتهميش قبل ظهور كنيسة مارادونا، والآن صار يتوافد عليها أتباعها باستمرار، مما أكسبها شهرة ببعديها الديني والرياضي، وهم مدينون بهذا للصحفيين أميز وفيرون صاحبي فكرة هذه الكنيسة العجيبة في تعاليمها..
السؤال الكبير الذي يطرح نفسه بإلحاح بعد تكريس هذه الكنيسة في الواقع الثقافي والاجتماعي الأرجنتيني، هو ماذا لو يظهر آخرون ويدعون إلى تأسيس كنيسة ميسي باعتبار أنه أرجنتيني مثل مارادونا ومثله لعب في برشلونة، ومثله أيضا سجل هدفين ربما أجمل قليلا من مارادونا أمام خيتافي حين راوغ فريقا بأكمله، وأمام إشبيلية حين سجل بيده واحتسب الهدف.. فهل يمكنه أن يظفر بكنيسة لوحده أم أن يصير شريكا في عرش كنيسة روزاريو خاصة وأنه ابن هذه المدينة؟

إنّ ظاهرة كهذه بحاجة إلى مناقشة أعمق لأن الذين قالوا قبل مائة وعشرين عاما "الدين أفيون الشعوب"، وتبعهم آخرون بقولهم بل "الكرة هي أفيون الشعوب"، الآن وقد اختلطت الكرة بالدين فمن يجرؤ على الفصل بين التراب والطحين؟

غدا يحتفل مارادونا بعيد ميلاده الحادي والخمسين.. مبروك.

Share this