عام أوله قرمز وآخره هرمز

عام أوله قرمز وآخره هرمز

 غريب هذا العام الذي انقضى ولم يرحل، فهو يجرّ خلفه تبعات أحداث ليست ككل الأحداث بدأت بقرمز وانتهت بهرمز (..) أما القرمز فأعني بها لون الدّم، وهو الأحمر القاني، هكذا جاء في القواميس والمعاجم التي تتحدث عن اللون القرمزي الذي غطّى أجزاء واسعة من الشارع العربي على امتداد العام 2011 حيث اندلعت ثورات أطاحت رؤوسا ما كان لها أن تسقط لولا أن التسونامي العربي كان أحمر على خلاف التسونامي الياباني الأصفر الذي دمّر مدنا بأكملها وكاد يحدث كارثة نووية بعد أن امتدت آثاره إلى مفاعلات فوكوشيما.. أما هرمز فأعني به المضيق الذي كلّما شعرت إيران أنّ هناك من يمسك بخناقها، أمسكت هي بخناق نصف العالم في عزّ الشتاء، وهددت بتعطيل مصانعه، إمكانية وصول سعر برميل النفط إلى مائتي دولار.. فمن يقوى على الدفع؟ ولأن هرمز في يدها، فإنّها تختار متى تمارس سياسة ليّ العنق والذراع.. وهي البارعة في المصارعة التقليدية (..) ثم إنّ هذا يعطيها وقتا إضافيا لتخصيب كميات أخرى من اليورانيوم، فالوقت ملائم جدّا، إذ أنّ أوروبا تبحث عن حلّ لعُمْلتها، وأمريكا تغادر المنطقة، والعرب يبتلعهم الشارع، وكلّ واحد يكنس أمام باب بيته..

عام 2011 عربيٌّ بامتياز، وإنْ شهد العالم أشياء تُحسب ضمن الأحداث المثيرة، سواء كانت كبيرة في وقعها أو صغيرة في وقائعها، فهذه اليونان لا تختلف عن شركة أعلنت إفلاسها، ولم يبق إلاّ عرضها في المزاد العلني، أو بيعها بالتقسيط، بفعل أزمة اليورو التي جاوزت مديونيتها الألف مليار يورو، أنست العالم أزمة الرّهن العقاري بأمريكا، فزعماء القارة العجوز لا يغمض لهم جفنٌ منذ أن سمعوا في شوارعهم من يطالب بالعودة إلى الليرة والمارك والفرنك.. ففيها "الخير والبركة" أما العملة الموحّدة فإنها أرهقت العائلات، التي أضحت عاجزة عن التخطيط لموازنتها السنوية.. وأفسدت هذه الأوضاع على العالم متابعة أفراح قصر بيرمنغهام بزواج الأمير وليام وكيت ميدلتون، أو زواج أمير موناكو ألبير بشارلين الذي لم يحجب عن الفرنسيين متابعة أخبار إنجاب ساركوزي وكارلا طفلتهما جيوليا، مثلما لم توقف أفراح الفرنسيين والإنكليز انتشار فضيحة دومينيك ستراوس كَانْ الذي أصاحت به خادمة فندق، وقضت على طموحه في بلوغ سدّة الإليزي (..). ولم يكن العام حافلا بالأفراح والمسرات فحسب، بل شهد رحيل الرّجل الذي غيّر حياة الناس من خلال منتجات "إيبل" الرقمية المثيرة، ستيف جوبز، السوري الدّم، الأمريكي العقل، العالمي التأثير..

وإذا كانت نواقيس الخطر ظلت تدقّ لأشهر طويلة هذا العام، معلنة عن جفاف قاتل ومجاعة مدمّرة في القرن الإفريقي، فإنّ العالم أشعل الشموع لميلاد الطفلة الفلبينية دانيكا مسجّلا بلوغ عدد سكان المعمورة سبعة ملايير.. وإن بدا هناك تنازع بين عديد البلدان الميسورة التي ادعت أحقيتها بالمولود الذي أكمل حلقة الصفر التاسع بعد السبعة (..) بينما في مناطق أخرى تقتل المجاعة الملايين في صمت كل يوم..

ربّما يكون أوباما أكثر السعداء من زعماء العالم في 2011، إذ أنّ الذكرى العاشرة لأحداث 11 سبتمبر حملت إليه تأشيرة دخول سباق رئاسيات 2012 بورقة قويّة، وذلك بالقضاء على عدوّ أمريكا، الرقم 1، أسامة بن لادن، المختفي بباكستان، في عملية استعرض فيها الجيش الأمريكي منتهى الذكاء والدقة والسريّة.. ورغم أنّ العالم لم يرَ صورًا لزعيم القاعدة قتيلا، فإنّ الأمريكان يقولون إنهم يراعون مشاعر المسلمين، وأنهم استعانوا بفتوى دينية تبيح لهم رمي جثته في البحر حتى لا يتحوّل قبره إلى مزار.. ولم ينتظر خلفُه في القاعدة أيمن الظواهري طويلا، ليعلن أنّه القائد الجديد، والمبشر بفتوحات في الشرق والغرب. أمّا السعيد الآخر فهو الصّين التي قفزت إلى المركز الثاني كأقوى اقتصاد عالمي بعد أمريكا، مواصلة انتشارها في كلّ القارات..

ورغم كلّ هذا فإنّ 2011 يبقى عربيا بامتياز، ينقضي فلا يترك وراءه سوى أخبار الربيع العربي الدامي، وقليل من الأخبار السعيدة. إذ يذكر الناس البوعزيزي وكيف أنه كان فتيل ثورة الياسمين التي جعلت من منصف المرزوقي المطارد في مطارات العالم رئيسا لجمهورية تونس بعد هروب بن علي، وكيف أنّ المصريين في ميدان التحرير انتفضوا ليراجعوا حساباتهم مع آل مبارك، ومثلهم يفعل الليبيون الذين خاضوا حربًا مع القذافي انتهت إلى موت تراجيدي.. وينقضي العام في اليمن بعد تصالح الثلاثي علي وعبد الله وصالح بعد أشهر من التجاذب بين ساحتي الستين والسبعين.. وينقضي العام ليظلّ السوريون يتأرجحون بين شارع تتقاذفه السياسة ومراقبو الجامعة والفيتو الروسي-الصيني وأسد لا ينزعج مما يحدث في عرينه.

ينقضي العام في العراق وقد غادر آخر جنديّ أمريكي أرض الرافدين، تاركا وراءه ذكريات مُرّة مع بريمر وأبو غريب والزرقاوي والقتل على الهوية، ويفتح أبواب العام الجديد على عراق استبدل الرفقاء بالفرقاء، ومؤكّدا أنّ فتنة الطائفية كانت نائمة فقط (..) في المنطقة الخضراء.

ينقضي العام 2011، وهذا السودان الذي نعرفه في خرائط المناهج المدرسية، لم يعد الأكبر مساحة بعد أن اختار الجنوبيون الانفصال، وتغيير بوصلتهم السياسية، بالاقتراب من إسرائيل، فلولاها، كما يقول زعيمهم سيلفا كير، ما عرفت دولته ضوء النهار.

واختارت بلدان عربية أخرى القيام بإصلاحات، لتستبق غضبا مؤجّلا، أو تفكّك ألغاما سريعة الانفجار..

ينقضي عام الشارع العربي الغاضب، وليس فيه من إنجاز مختلف سوى نجاح قطر في  دخول نادي الموندياليين، باقتطاع تأشيرة تنظيم مونديال 2022 بعد أن رفعت سقف التحدّي عاليا أمام منافسيها، وأعطت العرب فسحة من التنافس والإثارة بتنظيم ألعاب عربية متميّزة جدّا..

يرحل العام تاركا وراءه إرثا عربيا ستحمله الأجيال في صورة أسئلة لن تجد لها أجوبة جاهزة. ويرحل العام ليجتاز عتبة العام الجديد، وهو يسأل هل تقدر أوروبا على إعادة ترميم عملتها الآيلة للتفكك؟ وهل ينجح الدب الروسي في التغلب على مصاعبه؟ وهل تأمن أمريكا على بغداد وكابول بعد العودة إلى الديار بنصف انتصار؟ وهل ما قاله تشافيز من أنّ التكنولوجيا الأمريكية هي التي تزرع السرطان في أجساد حكام أمريكا الجنوبية صحيح؟ وهل سيؤدّب الزعيم الجديد لبيانغ يانغ الجارة سيوول لأنها لم تحترم روح عظيم الأمة كيم جونغ إيل؟ وهل سيخرج أردوغان وساركوزي من حرب الذاكرة التي استثمرا فيها تاريخا لا يعنيهما؟ وهل سينسي ليونيل ميسي العالم الملك بيلي ووصيفه ماردونا ليكون ملك ملوك الجلد المنفوخ؟ وهل سيأخذ الفيسبوك قدرا من الراحة لتحلّ محلّه وسائط أخرى لا تستثمر في الشارع ولا في ويكيليكس ولكن في أمور أخطر؟ وهل ستصدق نبوءات العرافين الذي يبشرّون بأمّة عربية لا مكان فيها للمتنبي وأدونيس؟.. لم يبق لي كلام أكتبه..

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Share this