الخوف من عقل لا يفكر..

الخوف من عقل لا يفكر..

 

لا يمكن لأي تغيير أو إعادة تشكل في الوعي أو البنية الفكرية أن يتم خارج حدود العقل البشري. فكل شيء منوط بالإنسان الذي يمتلك قدرة التفكير والتصور وصناعة الحضارة.

وإذا تأملنا مسار الإنسان عبر التاريخ نلمس حالة من تصاعد الفكر التنويري وبروز حالة موازية هي الفكر التدميري، وليس أدل على ذلك من أن الفضاء المتوسطي مثلا، وهو الفضاء الأكثر إنتاجا للمعرفة والحضارة، يظل الفضاء الأكثر إنتاجا للحروب والصراعات عبر التاريخ، ولا غرابة أن نجد هذه البحر بضفتيه يقدم للعالم لدى الإغريق شاعرا عظيما مثل هوميروس ويقدم أيضا محاربا عظيما هو الإسكندر المقدوني، ونجد لدى الرومان فيرجيل الشاعر مثلما نجد نيرون الذي أحرق روما، ونجد في إفريقيا فيلسوفا كبيرا مثل القديس أوغسطين مثلما يذكر التاريخ قائدا عسكريا عظيما هو حنبعل، ونجد أيضا فيلسوفا عقلانيا هو ابن رشد وقائدا عسكريا هو طارق بن زياد.

لا نختلف اليوم في أن كثيرا من الأدبيات التي تنتجها مخابر الفكر الإنساني شرقا وغربا تحمل كثيرا من مؤشرات الإخفاق في الإرتقاء بالحالة الإنسانية إلى مستوى فهم ما يحدث من شروخ واهتزازات، فمن قائل بنهاية التاريخ وسيادة قوة معينة، وفي هذا اعتداء على العقل، وقدرة الإنسان في إعادة صياغة قيم ومفاهيم مغايرة تتأسس على منظومة القيم الثابتة، كالحرية والعدل والتسامح والحق في الاختلاف، والحاجة المستمرة للتنمية. ومن قائل بصدام الحضارات وفي هذا قصور في الرؤية التي تحدد طرفي صراع فيما أن العالم يدرك أن هذين الطرفين وأطرافا أخرى تواجه انحرافا خطيرا في سلوك جماعات بشرية بجنوحها نحو العنف والإرهاب، وهي ليست نتاج فكرة دينية أو إيديولوجية فحسب، إنما الحاجة إلى تفكيكها وفهم أسباب ظهورها وانتشارها وسبل مقاومتها والحد منها، سيكشف أن تعاطي الإرهاب ليس مقرونا بأمة دون أخرى، أو دين دون آخر.. وبالتالي فكل الحضارات تدفع فاتورة الاختلال في الوعي والممارسة. ومن هنا، جاءت أفكار أخرى تدعو إلى تحالف الحضارات، وتفاعل الحضارات، وتصالح الحضارات.. وكلها تحمل دلالات الوعي بحتمية بناء جدار حضاري واحد للوقوف ضد تغوّل هذه الآفات البشرية التي أجزم أنها لا تختلف عن الأوبئة التي تقلق راحة الإنسان اليوم من جنون البقر إلى أنفلونزا الطيور والخنازير.

إن حوار الحضارات الذي وجدت الأمم والشعوب نفسها تتجه إليه اليوم مكرهة رغم اختلال الموازين، محكوم عليه بأن يجيب عن أسئلة تتكرر كل يوم، أسئلة مليئة بالمفارقات تتلخص في أن اليد التي ضربت دار السلام إحدى العواصم الفقيرة هي التي ضربت نيويورك إحدى عواصم الثروة والتفوق، واليد التي فجرت محطات سكة الحديد بمدريد ولندن هي التي فجرت مطار الجزائر ومنتجعات بالي، واليد التي أطلقت صواريخها على أطفال قانا بلبنان هي التي أحالت فنادق شرم الشيخ إلى رماد، واليد التي ضربت معبد جربة بتونس هي التي أودت بحياة الوزيرة أنا ليند بستوكهولم.. واليد التي وضعت عشرات القنابل في شوارع بلفاست هي نفسها التي قتلت همرشولد، واليد التي حاولت اغتيال البابا في شوارع روما هي التي قتلت كينيدي في دالاس، واليد التي قتلت راجيف غاندي هي التي اغتالت أمه.. كثيرة هي الأيدي وكثيرون هم الضحايا.. فمهما اختلفت الأيدي فإن الإثم واحد، ومهما اختلفت لبوس القتلة فإن الجريمة واحدة.

فكل خطوة يقطعها العالم في اتجاه فهم ذاته وتحديد أسباب اختلالاته باللجوء إلى الحوار واعتماد قيمة التسامح والتعاون، يقلص المسافة بين فعل التنوير كمنطلق للوعي وفعل التدمير كمحصلة لانحراف العقل وبروز ثقافة الرفض والشك والتمرد والرغبة في التغيير بالقوة والفوضى وتعليق كل الأخطاء والخطايا على شماعة الدين وهو براء من كل تصرف تنبذه الشرائع والنواميس، ولا تقره الأمم والشعوب.

أعرف أن العالم اليوم غارق في كثير من الأدبيات من التنوع الثقافي وحوار الحضارات إلى مجتمع المعلومات وثورة الاتصال، ولكنني أدرك أن الأصل في كل ذلك، الثقافة والحضارة وصناعة شبكات التواصل، هو الإنسان، هو العقل الذي مثلما يبحث في أصل الذرة، يفكر في اكتشاف مجاهيل الكواكب والمجرات.. وهو الذي بقدر إيمانه بأن مصير الإنسانية واحد، تحول الأنانية أحيانا دون فهمه لهذا المصير. ولنا أن نسأل ونحن ندخل أعتاب الألفية الثالثة بهذه الأرمادة من الفتوحات العلمية والتكنولوجية الخارقة، كيف يمكن أن نحقق توازنا بين شمال همه الأمن وجنوب همه التنمية، وبين هذين الهمين تكبر أسئلة كبيرة في هذا العالم، منها أسئلة الحق في التنمية بما تحمله من أبعاد، كالتعليم والصحة والتعبير والتفكير وو.. لكن الاختلال الأكبر هو الحق في المعرفة واكتساب القدرة في التطور.

ورغم أن القراءة التي يقدمها كثير من الخبراء فيها مسحة من التشاؤم لاقتناعهم بأن حروب المستقبل لن تكون كما يقول البعض، من أجل الماء فحسب، إنما من أجل المعرفة. أي أن الحداثة في أعلى مستوياتها تقتضي أن تقوم حروب لتكريس الاحتكار، وأخذها بالقوة من الأمم الأخرى. فمقولة "التاريخ تصنعه القوة" ليست مقولة ساذجة، إنما هو الواقع الذي يؤكد ذلك، وبالتالي فمن يمتلك القدرة العسكرية والقوة المعرفية، كفيل بصناعة تاريخه وتاريخ غيره.. غير أنه صار يبحث عمن يحاوره لأنه خائف وخائف جدا.

 

Share this