فساد بدرجة خمسة نجوم..

فساد بدرجة خمسة نجوم..

إقامة حفل خرافي في قصر زيوريخ، توزّع فيها الجوائز على أفضل نجوم الموسم، بحضور عشرات الشخصيات الرياضية العالمية، لن يكون الغربال الذي يغطي عورة الفيفا ويكشف فضائحها التي لا تنتهي.. ولا يعني جلوس بلاتر محاطا ببيلي على يساره، وشاكيرا على يمينه، أنّ الأمور تسير وفق ما يريد السويسري الفاقد لقوّة اكتسبها خلال إدارته للأمانة العامة للاتحاد الدولي في عهد العجوز البرازيلي جواو هافلانج... فهذا الرئيس السابق للاتحاد الأوروبي لينارت جوهانسون يطالب بفتح تحقيق مفصّل حول تلاعب بلاتر بأصوات مؤتمر 1998 التي أوصلته سدة الفيفا..

والمفارقة أنّه كلّما بلغت الكرة مستوى من التألق والتأثير في السياسة الدولية، لدرجة أن مفكّرا عالميا قال بأن شروط نشوء الدولة لا يكتفي بالأرض والشعب والجيش والعلم والنشيد والدستور.. بل يضاف إلى ذلك فريق كرة قدم (..) إلاّ صاحبتها انهيارات أخلاقية، وفضائح تحطّ من شأن الهيئة والقائم عليها.. فهذا ميسي يبدع في ملاعب العالم، وهذا بلاتر يبدع في ضرب خصومه، وبينهما تتحرك آلة الصحف المختصّة، في الإشادة بالنجم الأرجنتيني، والحط من قيمة الساعة السويسرية المتآكلة بفعل سير عقاربها ضد.. الوقت.

قفز بلاتر إلى كرسيّ هافلانج بعد أن أزاح منافسين له يعرف جيّدا ما في بطونهم، ولكن ناعورة الكرة لم تتوقف، وطاحونة الفيفا بدأت تأكل الرؤوس، عندما اختلفت المصالح، فهذا بلاتر يأكل رأس محمد بن همّام لأن القطري تجرّا على ملامسة الكرسي الفيفوي، وقيل إنّ بن همّام كان كبش محرقة بين قطر التي فازت بورقة تنظيم مونديال 2022، وبلاتر الذي يكون هدّد بكشف المستور وإفساد العرس القطري. وسكت بن همّام، ثم استدار نحو وارنر وأغرقه في وحل فساده، وأغلق أفواه رؤوس أخرى أكبرها عيسى حاتو.. وظلّ يشهر سيفه يمينا ويسارا، يتوعّد من يقترب من مدينة الكرة المقدسة..

والغريب أنّ بلاتر لم يستثن بين هؤلاء، كبير الفيفا جواو هافلانج، وهو يطرق بقامته الفارعة المائة عام، فأخرج له من الدرج ملف فساد مسكوت عنه، فلم العجوز البرازيلي بدّا من تقديم استقالته حتى لا يكون عرضة لفضيحة بين أحفاده، وألاّ يدخل ماراكانا في مونديال 2014 منحني الرأس.. وشعر بلاتر أنّه أسكت الجميع، إلى أن خرج العجوز السويدي جوهانسون من صمته ليطالب بفتح تحقيق عن الغش الذي استخدمه بلاتر في 1998 ليفوز بكرسي الفيفا.. وأعتقد أنّ كلام الرئيس السابق للاتحاد الأوروبي، يختلف عن كلام رؤساء اتحادات القارات الأخرى، لأن المسألة فيها إنّ ولكنّ.. وفيها ما يمكنه أن يجرّ بلاتر إلى وضعيات غير محمودة العواقب. فهل سيخرج بلاتر هذه المرة من ورطة أوقع فيها غيره، أم أنّ الرجل الذي خرج هشّا من مؤتمر الفيفا الأخير، سيكمل عهدته بتحالفات غير طبيعية ليحفظ ماء وجه سويسرا، حافظة المال العالمي..

 

 

وللتذكير ففي السنوات الأخيرة صدرت كتب كثيرة تتحدث عن الفساد الذي استشرى في جسم الاتحاد الدولي لكرة القدم، وأضحت أمور كثيرة محل تداول في صالونات الاتحادات الوطنية وصفحات الصحف، ولم يعد من الممكن تغطية الصفقات المشبوهة واستخدام النفوذ في مملكة بلاتر.. ولكن ما أن ينعقد مؤتمر الفيفا حتى يمسح كل شيء وكأن الملائكة اختارت زيوريخ لتقيم إلى الأبد حيث الطهارة والنقاوة والصدق. وحين تشرع الناعورة في العمل تبدأ الأيدي الخفية في العبث والنهب والنصب والرشوة وشراء الذمم، وليس هناك من يجرؤ على أن يكشف المستور، ومع ذلك فإن الكرة تدور..

فمنذ سنوات أوردت وسائل الاعلام أن الشرطة في إسبانيا اكتشفت كميات كبيرة من الكوكايين وليس الكوكاكولا.. هربها موظفون لدى الفيفا من الأرجنتين حيث كانوا يقومون بمهمة لصالح الاتحاد الدولي.. وهؤلاء الموظفين هم من اللاعبين والمدربين السابقين الذي يعملون لصالح الفيفا، ويبدو أنهم استغلوا انتسابهم لهذه الهيئة الدولية للقيام بأنشطة يعاقب عليها القانون.

هؤلاء الذين ينتسبون للفيفا، كانوا يعلمون أنهم ذهبوا إلى قارة تشتهر بالكوكايين، وأرادوا التأكد من أن مارادونا الذي استهلك كميات كبيرة كادت تودي به، هو أرجنتيني فعلا، وأنه تخلى عن تلك المادة السامة لتفتح أمامه أبواب شهرة جديدة ربّما ستنهي قريبا في الإمارات.. وليتهم ذهبوا إلى كولومبيا حيث امبراطورية الكوكايين للبحث عن إيسكوبار، ليس الرجل الذي أتعب دولة بأكملها ومات قتيلا على سطح منزل يأويه، بل أقصد إيسكوبار اللاعب الذي أردته رصاصتان بعد أن حملّته عصابات الكرة مسؤولية الهزيمة في مباراة لكرة القدم.. فبدل أن يذهب موظفو بلاتر لدراسة أسباب العنف السياسي في كرة القدم، راحوا يجلبون الكوكايين لكسب المال غير الحلال..

المفارقة العجيبة أن بلاتر، الذي لم تزعجه العنصرية المستشراة في الملاعب، لم يتبرأ من تصرفات هؤلاء المغامرين، ولم يدن ما فعلوه باسم الفيفا، أو يطلب توظيف آخرين غير ملوثين، ربّما لأنهم يعرفون أن فساد الصغار يغطيه فساد أكبر لا يمكن لأمين عام الأمم المتحدة بان كي مون ولا مدعي عام محكمة الجنايات الدولية أوكامبو أن يفتح بشأنه ملفا أو تسقط جراءه رؤوس.. لأن الجلد المنفوخ بقدر خفة وزنه يظل ثقيلا بمتاعبه وفضائح ملاعبه..

 

Share this