أطفالنا.. هل يعرفون أبوليوس؟

أطفالنا.. هل يعرفون أبوليوس؟

لا شك أن أساس النهضة السليمة تقرره النخب الوطنية التي تمتلك قدرة في الاستيعاب والتحليل والتصور والتنفيذ، ولا يمكن تصور بلد مثل الجزائر مفتقرا إلى هذه الكفاءات التي تنتشر عبر العالم مؤكدة تفوقها وإبداعها في مختلف الميادين.

وأذكر أنني شاركت قبل سنوات إلى جانب الدكتور الأعرج واسيني في لقاء دعا إليه وزير التربية السابق نور الدين صالح ضم نخبة من الخبراء الجزائريين في مختلف المجالات الفكرية والأدبية والعلمية والدينية إلى جانب أعضاء من اللجنة الوطنية للمناهج، وأقيمت ورشات للتشاور انتهت بتوصيات أهمها ضرورة الاهتمام بالأدب الجزائري والتنسيق مع الهيئات المشتغلة في هذا الحقل.. لكن يبدو أن الهيئات التي أشرفت على وضع الكتاب المدرسي لم تكلف نفسها عناء البحث في مؤلفات الكتاب الجزائريين وهم يعدّون بالمئات لانتقاء نصوص تتناسب وأطوار التعليم المختلفة.. ورغم أنه عقدت لقاءات محتشمة مع بعض الأساتذة الذين أوكلت لهم مهمة وضع النصوص ومعالجاتها البيداغوجية فإنني شخصيا لم ألمس ما كنت أتمناه ويتمناه غيري من الكتّاب لصالح المدرسة الجزائرية..ولا أعتقد أن الوزير أبو بكر بن بوزيد لن يكون معتزّا بكتاب يحفل بأسماء جزائرية.. وقد رأيت اهتمامه كبيرا عندما فاتحته في الأمر منذ أيّام.

إن ما دفعني إلى كتابة هذا المقال هو كوني اطلعت على الكتاب المدرسي في عديد البلدان وكانت الغلبة فيها للنصوص "المحلية والوطنية"، ولا أتصور مدرسة في غواتيمالا أو أوغندا أو بنغلاديش أو كندا أو بولونيا أو لبنان تعطي الأسبقية لكاتب جزائري في برامجها الدراسية ولو كان حائزا على جائزة نوبل.. بينما نقوم نحن بذلك ليس بدافع البحث عن النص الأفضل ولكن يؤسفني أن أقولها بمرارة.. نتيجة عدم اهتمام القائمين على ذلك بالأدب الجزائري الذي يتوفر على نصوص راقية جدا، وعدم متابعة لما ينشر سنويا من إصدارات فكرية وأدبية.

إنني لا أتصوّر مجتمعا مشهودا له بالحيوية وقدرة الانتقال من الحالة المغلقة إلى الحالة الأكثر اتساعا كالمجتمع الجزائري، عاجزا عن إدراك الأفكار الجديدة التي تعطي دفعا إيجابيا للمدرسة وتحرر عقل التلميذ أكثر بما يتناسب ورغبة الوصول إلى مستوى من النهضة والتنمية لتجاوز إخفاقات الماضي، وهي في مجملها إخفاقات معرفية بالدرجة الأولى. وإذا كان الخبراء الجزائريون قد أشبعوا ملف المنظومة التربوية نقاشا وتحليلا ووصلوا إلى ما وصلوا إليه من تصورات وحلول، فأعتقد أن الذي أغفله هؤلاء في زخم نقاشاتهم هو روح المدرسة، وملح مناهجها، وأعني بذلك الجانب الثقافي والفكري والإبداعي، إذ أن التفكير اتجه بصورة آلية  نحو تخليص المدرسة من بعض الترسبات ذات اللبوس السياسية.

إن عدم إيلاء الثقافة أهمية كبرى في المنهج الدراسي، والاكتفاء بالقليل، يعني عـزل هذا الفرد عن تاريخه وتراثه وهويته.. فإن لم ينشأ هذا التلميذ منذ الأطوار الأولى للتعليم على رموز بلده الثقافية والفكرية والفنية والأدبية فماذا تفيد معرفته لها بعد أن يكون على أبواب التقاعد؟، إن لم يعرف هذا التلميذ أبوليوس والقديس أوغستين وابن رشيق، وابن خلدون والشاب الظريف، وأبو الفضل النحوي، والمغيلي والمقّري وعلماء بجاية وورجلان وتوات وتلمسان وغرداية وبسكرة.. وكلهم أثروا المكتبة الإنسانية بآثارهم في مختلف الآداب والفنون. وإذا لم يعرف التلميذ الجزائري حمدان خوجة، وسليمان بن صيام الرحالة المجهول، والذي عرفني به، مستشرق انكليزي منذ سنوات، وكذلك رواد الإصلاح الديني وباعثي الحركة الصحفية والمسرحية منذ عشرينيات القرن الماضي.. وإذا لم يعرف التلميذ الجزائري سي محند أومحند ومبارك جلواح ورمضان حمود ومفدي زكريا ومحمد العيد وكاتب ياسين ومالك بن نبي، ومحمد ذيب، وأبو القاسم سعد الله، ومحفوظ قداش، ويحي بوعزيز، ومالك حداد ومولود معمري، والطاهر وطار، ورشيد بوجدرة وعبد الحميد بن هدوقة، وعبد الله الركيبي، ومرزاق بقطاش وواسيني الأعرج وأجيال من الكتاب والمبدعين المتألقين الذين تجاوز عددهم الألفين منذ الاستقلال، ممن لهم إسهامات جادة في الحياة الثقافية الوطنية والعالمية.. فهل سننتظر من هذا التلميذ أن يبني هويّته من فراغ؟.

إننا لا نريد أن نحرم التلميذ الجزائري من معرفة أدباء وكتاب عرب وأجانب.. لكننا نريده بالمقابل أن يكون عارفا ـ على الأقل- لا ملما، بأدباء بلده ورموز أمته في الفكر والإبداع، من خلال المناهج الدراسية التي لا نريدها أن تكتفي بـ "أدب المقابر" ويكتفي التلميذ بتعريف متواتر هو "ولد.. و توفي "، بينما نرى أعمال أدبائنا وهم أحياء تدرس في جامعات عالمية، في حين أنهم مجهولون في الداخل أو أنهم معروفون في أوساط إعلامية فقط.. ولنا في هذا كثير من الأمثلة التي تشعرنا بالفخر هناك وبالخيبة هنا..

وأذكر أنه عندما فاز نجيب محفوظ بجائزة نوبل في العام 1988 تحول من مجرد أديب إلى بطل قومي يعتز به المصريون مثلما يعتزون بالنيل والأهرامات.. وهذا يكشف عن شعور كبير بالانتماء، واعتزاز بحضور الأدب العربي في فضاء الأدب العالمي، ولعلنا بحاجة إلى هذا الشعور لأنه يعمق الوحدة الوطنية ويسهم في تهذيب الذوق وزيادة المقروئية بما يقلص نسبة عدم الإقبال على الكتاب كمصدر أساس من مصادر المعرفة..

وخطأ أن تكتب.. خطيئة أن تنسى

Share this