آخر أخبار ونشاطات عزالدين ميهوبي

مدوناتي - Mes Blogs

زعيتر

زعيتر

بسمرته الدافئة، وكلماته الرقيقة، كان يقابلني الشهيد جمال الدين زعيتر، أيام كنّا نؤدي فترة الخدمة العسكرية قريبا من حديقة صوفيا، فنتحدّث في كلّ شيء، الأدب والثقافة والسياسة والفن والرياضة، ونروي النّكت الجديدة عشية مشاركة المنتخب الوطني في مونديال مكسيكو 1986، وأذكر أنه قال لي "إذا فشل سعدان في الحصول على كأس العالم أمر طبيعي فهو سيلعب ضد البرازيل وإسبانيا.. لكنه عليه ألا يفشل في نيل كأس الجزائر". ويضحك جمال، ويطلب منّي نكتة شبيهة، فأقول له "إذا فشل في نيل كأس الجزائر، عليه ألاّ يسقط إلى الدرجة الثانية..". ولا يتوقف جمال عن رواية ما يجري في القسم الثقافي لجريدة الجمهورية، وملحقها الثقافي المتميّز، وكيف كان المرحوم عمار بلحسن والشهيد بختي بن عودة، يعملان على أن يكون كلّ عدد، حاملا لقضايا وأفكار جديدة، وأنهما لا يقبلان بأقل من فضيحة أو هزّة عنيفة في المشهد الأدبي..
زارني في سطيف، وحين سألته إن كان قطع تلك الرحلة الطويلة لأجل رؤيتي، قال لي "علمت أنّ أصول عائلتي من الحضنة، فجئت لأخبرك وأزور المكان..". وكان ينشر لي بعض نصوصي الشعرية، وبقينا على تواصل، إلى أن بلغني خبر اغتياله في مقبرة قديّل وهو يقرأ الفاتحة على قبر أمّه.. ذنبه أن يكتب ويفكّر، ويحبّ أمّه كأيّ طفل.. غير إرهابي..

 

نبيه برّي

نبيه برّي

في العام 1991 التقيت به في جدّة. اقتربت منه، وقدّمت نفسي، فرحّب بي، وسألني عن الجزائر في فترة كانت الأوضاع متوترة عقب حرب الخليج، ثم راح يثني على دور الجزائر في مساعدة لبنان بعد حرب أهلية مدمّرة.
طلبت منه إجراء حوار لصالح يومية الشعب التي كنت أرأس تحريرها يومذاك، فلم بمانع، وقال لي "أنا جاهز.. فهل أنت جاهز بأسئلتك وجهاز تسجيلك". فاستأذنته في ربع ساعة، لإعداد ذلك، ولم يمانع، فقد شعرت أنه كان مرتاحا للحديث معي ولجريدة جزائرية. وحاورته في كلّ شيء، ولم يرفض أي سؤال. شكرته ومضيت..
بعد عشر سنوات، انعقد المؤتمر البرلماني العربي بالجزائري، وكنت يومها نائبا بالمجلس الشعبي الوطني، وكلّفني الأستاذ عبد القادر بن صالح، بإعداد "إعلان الجزائر" مع ممثلين لبعض البلدان العربية، وفي ختام المؤتمر قرأت الإعلان أمام الحضور، ولم أغادر المنبر، حتّى سمعت صوتا يناديني "السيد النائب.. تفضل"، فكان نبيه برّي، الذي قال لي ولبن صالح وهو يتأمّل وجهي "لست غريبا عنّي.. أذكر وجهك. أين التقينا؟"، قلت له "لم تخطئ السيد الرئيس، فقد حاورتك قبل عشر سنوات لصالح جريدة الشعب". فضرب على الطاولة بيده وهو يقول "لم تتغيّر ملامحك.. أنت هو هو.. تركت الصحافة لتكون نائبا تطارده الصحافة؟". ضحك من كان حاضرا، ثم قال لي "أين الحوار الذي أجريته معي. لقد وعدتني بإرسال نسخة منه.". لم أجد ما أقوله..

 

مولود قاسم

مولود قاسم

في بداية عهدي بالعمل الصحفي، كتبت عمودا في جريدة الشعب، يتعلّق باجتماع للأطباء النفسانيين بمدينة سطيف، تحدّث فيه الجميع باللغة الفرنسية، إلاّ طبيبة فرنسية، قالت للحاضرين بلغة المتنبّي "اسمحوا لي إن تحدّثت بلغتكم الجميلة، الساحرة" فأسقط في أيدي الجميع، فاحمرّت واصفرت واسوذّت وجوههم، وكأن الأرض أطبقت عليهم.. فاتصل المرحوم مولود قاسم بالجريدة طالبا إيضاحات منّي على المكان والزمان، بهدف توبيخ المشاركين في الملتقى، والتنويه بموقف تلك المرأة التي انتصرت للعربية.
وفي مطلع التسعينيات، وصلني كتابان من السويد، باللغة الاسكندنافية، لكاتب مغربّي،  فقلّبتهما في كلّ الاتجاهات، ولم أفهم شيئا سوى أنّ لهما علاقة بتاريخ المغرب والانقلاب على الملك الحسن الثاني، فتذكّرت أنّ الوحيد الذي يمكنه أن يفكّ شفرة الكتابين هو مولود قاسم الملمّ بلغات أوروبا الشمالية، واتصلت به، ليطلب منّي الحضور إلى بيته، وهناك قابلته في قبو تراكمت فيه الكتب والأوراق، وما أن أعطيته الكتابين حتى قال لي "هذان الكتابان لن يقرأهما سوى اثنين، أنا وسفيرنا في ستوكهولم محمد الشريف ساحلي". وبعد أن خاض معي في مسائل سياسية، وعدم رضاه عن الذي يحدث في البلد، خرج معي إلى ساحة البيت، ثم انتبهت إلى أنّه يجد صعوبة في وضع قدمه على السلّم، وحين رفعها قليلا، رأيت قطرات دم مجمّة في راحة القدم.. وبعد أيّام أدركت أنّ ذلك لم يكن سوى سرطان الدّم الذي أودى بالرّجل الذي أحبّه الجزائريون، لأنّه كان مختلفا تماما..

 

عاشور شرفي

عاشور شرفي

هادئ تماما، عندما تتحدث معه. يبدو وكأنّه غير جاد فيما يقول، لا يرى إلا باسما، وقد يطلق ضحكته إذا سمع شيئا فيه مفارقة. وعندما ترى أعماله الكبرى، من معاجم وموسوعات تتساءل متى يكتب هذا الرجل، ومن أين له بالوقت ليعرف كلّ شيء عن الساسة والكتاب والمثقفين والفنانين والصحفيين..  فيصدر كلّ عام موسوعة يمكن من خلالها قراءة تاريخ الجزائر السياسي والثقافي.
هو مولود عاشور، الصحفي بالمجاهد اليومي. منذ أن أصدر قبل 12 عاما موسوعة الذاكرة الجزائرية، انخرط بكامل جوارحه في وضع معاجم أخرى، تتطلب فرق بحث وجهد مالي وبشري، لكنّني لم أسمع منه ولو مرّة واحدة شكوى من نقص مال، وهو يعرف أنّه عصب كلّ مشروع، ولا يشكو نقص وقت، وهو الذي لا ينام إلا قليلا، ولا يستمتع براحة مثل كثيرين.. وأشعر أنّه الأكثر فائدة بين الكتاب الجزائريين فيما ينتجه باستمرار من أعمال مؤلفات توثّق لمسيرة شعب، ثقافيا وسياسيا، ويمنح الأكاديميين والمهتمين  كنزا من المعلومات المدوّنة بكثير من العناية والتدقيق.
حاولت مرّة أن امتحنه فيما يتعلّق بالمعلومات التي دوّنها بشأني في الذاكرة الجزائرية، فقال لي "أنا لم أكتب شيئا من فراغ، لأنني اعتمدت على حوار صحفي صدر لك في إحدى الجرائد. إن كان ما قلته غير صحيح، فما عليك إلاّ أن تقبل أخطائي.." وراح يضحك.

 

بوكشاش

بوكشاش

هو ذاكرة الحركة الأدبية الجزائرية بامتياز.. يحتفظ بقصاصات صحف ومجلات تؤرخ لتجارب مختلفة، لأسماء قديمة وجديدة في المشهد الثقافي والأدبي في الجزائر. هو الأخضر الرحموني، المعروف سابقا ببوكشاش..
هو مهندس معماري، غير أنه كان أكثر ارتباطا بحركة الأدب والثقافة والابداع  في الجزائر، يكتب أحيانا شعرا ومقالات، لكنّة يمتلك ذاكرة فيل بسكريّ (..) فعندما يدور الحديث حول مقال أو حوار أو قصيدة نشرت في صحيفة ما، يكون بحوزته الخبر اليقين، فيأتي بها وبتفاصيلها دون الحاجة إلى أن يوثق ذلك في وسيلة إلكترونية..
كنّا نستعين بالأخضر، في معرفة ما نكتب أو ننشر، وهو من يحتفظ بأخبارنا ومشاركاتنا في الندوات والمهرجانات والملتقيات، ونلجأ إليه عندما نختلف في معلومة أو تاريخ.
إنّه كنز من الوثائق التي تؤرخ لمسار طويل في الحركة الأدبية الجزائرية، ومخزون من الذاكرة التي يمكن اعتمادها في الدراسات الأكاديمية والجامعية التي تهتم بالأدب الجزائري ورموزه، خاصة في السبعينيات والثمانينيات، حيث كانت الساحة الأدبية تزخر بكثير من الأسماء التي شقت طريقها وسط تجاذبات أيديولوجية وفكرية وجمالية، يبقى الأخضر شاهدا عليها، وموثقا لها، وحافظا لما اتسمت به من صراعات وملاسنات ومشاحنات ومدابزات أحيانا (..). وإذا كانت كتابات الأخضر تتجه أحيانا نحو التذكير برموز الإصلاح والأدب في فترة ما قبل الاستقلال، فإنّه يمتلك المادة الكافية والكفيلة بإعادة تحميض خارطة المشهد الأدبي في فترة الانتقال من لغة الحزب الواحد إلى اللغة المتعددة.. الأحزاب، وتصفية الحساب. بوركت أيها الأديب المهندس.

 

روراوة

روراوة

هذا الرجل لا يمكن له إلاّ أن يكون ناجحا، لأنّ قدرته في استثمار مخزون تجربته الطويلة في الإدارة وخبرته في التسيير، تمكّنه من تقديم القيمة المضافة في أيّ موقع يكون فيه.. تعرّفت عليه قبل عشرين عاما.. أي بعد أكثر من عشرين عاما قضاها في قطاعي الثقافة والإعلام.. بمعنى أنّ له من الرصيد ما يفوق أربعين عاما في خدمة البلد.
تعرفت على الحاج محمد روراوة، أيّام كأس إفريقيا للأمم بالجزائر سنة 1990، التي عاد فيها اللقب الإفريقي الوحيد للجزائر، وكان رئيسا للجنة التنظيم .. وواكبت رحلته في مؤسسة النشر والإشهار، غير أنني اكتشفت كفاءة الرجل في إدارته لفعاليات سنة الجزائر الثقافية بفرنسا 2003، وأبان فيها على حسّ ثقافي راقٍ، بدعم الكتّاب، وكل أنواع الإبداع.. وأذكر أنّه قال لي يومها "أريد منك أن تُخرج إلى النور أسماءً جديدة، كتّابا ومترجمين..". وعندما اقتربت منه أكثر في إدارته لاتحاد كرة القدم، فهمت أسرار نجاح هذا الرجل، وهي الذكاء والمرونة والتواضع، فلا يُعلى عليه عربيا، ولا يؤخذ بغير رأيه إفريقيا، ولا يمكن الاستغناء عن تجربته دوليا.. فهو رقم ثابت في كل المعادلات، فإذا كان مقتدرا في قيادة سفينة الإصلاح الكروي وطنيا وعربيا وإفريقيا، بإرساء دعائم الإحتراف، فإنه من طينة أولئك الذين شعارهم على الدوام "ممنوع الفشل..".

 

بلحسن

بلحسن

قد تعاشر امرأً سنوات عديدة، فلا تعرف عنه إلاّ ما ظهر، ويمكن أن تعرفه بتفاصيله (..) في يوم واحد.. إنّما هذا مشروط برحلة خارج البلد. بهذا المنطق تعرّفتُ على مناقب الكاتب الراحل عمّار بلحسن، ذي القامة الفارهة، والهندام البهيّ ..
كان ذلك في العام 1988 ببغداد، حين شاركنا معاً ضمن وفد ثقافي في مهرجان المربد السنوي.. وهناك خبرتُ الكاتب والأديب والإنسان. كان عميقا في ثقافته، واضحا في أفكاره، عنيدا إزاء من يكرهه على ما لا يقبل، مرحا في المجالس الحميمية..
كنتُ أحيانا أنبّهه إلى أنّه يشبه المدخنة، كونه يستبدل سيجارة بأخرى، فيقول لي ضاحكا "لو جرّبتَ ذلك ما قلت لي هذا..". وفي جولة قادتنا إلى مجمّع الشهداء ببغداد، كانت لنا جلسة مع الراحل يوسف إدريس، وهناك أدركت قيمة عمّار، حين راح يحدّثه عن أعماله بتفصيل جعل الروائي المصري يقول له "يبدو أنك قرأتني أكثر مما أعرف عن نفسي.."، ويقيم عمار، مقاربات بين كتابات إدريس وغيره، فشعرت أنّه استحوذ على اهتمام صاحب "الندّاهة" الذي عُرف عنه أنّه استعلائي في علاقاته بالناس، وأسعدني كثيرا، أن هذا الناقد والقاص القادم من وهران، يعطي صورة المثقف المقتدر، الذي يكتب كثيرا، يقرأ كثيرا، ولا يتحدث إلاّ قليلا.. فكلّ وقته للإبداع والإمتاع.

 

الطاهر ومان

الطاهر ومان

اقتطع من حيّز شقّته الصغيرة ببوسماعيل ورشة لرسم لوحاته، فهي بمثابة أبنائه الذين يولدون تباعا في حديقة ألوان لا يعرف سرّها إلاّ هو.. ولا يبتكر أشكالا جديدة، إلاّ هو.. إذ له في كلّ موسم تقليعة فنّية غير مسبوقة، وينتج تشكيلات مبهرة بأحجام قد تصل حجم علبة السيجارة لتصل سقف البيت (..). هو لا يتوقف عن الإبداع ..
الطاهر الذي زيّن قبل ثلاثين عاما أو يزيد أغلفة الكتاب والشعراء الجزائريين، برسومات متفرّدة، حتّى لُقّب بشاعر الألوان، ومنح النصّ الأدبي الجزائري مسحة من سريالية الطفل القادم من الجنوب، حاملا أسراره المجنّحة، باحثا عن فضاءات تسع خياله الملتهب.
قبل ثلاثين عاما، تعرّفت على الطاهر، وأدركت حجم هواجسه، إذ أنّه التحف الحريّة وآمن بالانطلاق، فداس على الحدود لتبتلعه زنزانة ملعونة في حديقة العقيد (..) وعاد يوزّع وروده بين الناس بعد شهور من المعاناة.. وواصل رحلته مع الإبداع، ليكون اسما مضيئا في حركة التشكيل العربي والعالمي.. ولم تتوقف معاناته.
كان يأتيني في اتحاد الكتاب الجزائريين، فيحدّثني عن متاعبه، ويغضب كثيرا لأنّ العالم من حوله لم يفهمه، وقبل أن يخرج يقول لي "لا أريدك أن تتوقف عن الرسم.. إنّ لك يدا تعرف طريقها إلى الفكرة واللون..".
كان يأتيني صباحا وفي يده فنجان قهوة، ولا يغادرني إلاّ في آخر المساء، ولم يشرب قهوته، فقد شرب المرّ طويلا..

 

شاهين

شاهين

بعضهم يولد وفي فمه ملعقة من ذهب، وهم أبناء الملوك والأثرياء.. وبعضهم يولد وفي فمه ملعقة من خشب، وهم أبناء المزاليط والفقراء، وبعضهم يولد وفي يده كاميرا لتصوير الملعقتين، وهم رجال السينما، بينهم حامينا وراشدي وشاهين وغيرهم من رجال الفن السابع، السابح في خيالات الإنسان والكون.
يوسف شاهين تعرفت عليه من خلال عيد أفلامه، باب الحديد، إسكندرية ليه، عودة الإبن الضال، جميلة، المصير، اليوم السادس.. وتعرفت عليه في جلسة حضرها مثقفون ورجال سياسة عندنا بينهم حبيب شوقي، قبل سنوات بجنان الميثاق ويومها كان الرجل يطل" على الثمانين بوجه شاب لا يريد أن يمتد إليه البياض والتجاعيد.. سألته عن آخر مشاريعه، فقال لي "أمنيتي أن أنجز فيلما عن شيء يربط بين مصر والجزائر.." فقلت له "عندي فكرة، وأعتقد أنها ستروق لك.. وهي تكاد تكون جاهزة كسيناريو.." ففتح عينين ككاميرا وأذنيه كرادار، وقال لي ارو لي القصة. فرحت أسرد قصة الملك يوبا الثاني وزواجه من كليوباترا سيليني بأدق التفاصيل، وكأنني عايشت تلك الحقبة التي شهدت صراع يوليوس قيصر ومارك أنطونيو وسقوط كليوباترا الفرعونية وانهيار زاما.. وكان شاهين منجذبا إلي، ومندهشا مما أقوله، إلى أن أنهيت السرد الذي بدا مشوقا، فقال لي "هذا ما أريد.. ارسل إلي النص، وسيكون الفيلم الذي حلمت به.. إنها قصة رائعة.
 ثم أردف قائلا "لا أعرف لماذا لم ينتبه السينمائيون إلى قصة تبدأ في الاسكندرية وتكبر في روما وتنتهي في الجزائر..
شرعت في إعادة كتابة يوبا وكليوباترا.. لم أكد أنه كتابة النص حتى سقطت برقية تقول: مات شاهين..

 

حسين طلبي

حسين طلبي

لا يختلف اثنان في أنّ هذا الرجل لا يمكن له أن يتكرّر في أيّامنا هذه.. فهو الذي قضى حياته مهندسا في منشآت ومقاولات عديد الشركات في الخليج، لم يترك الجزائر وهو هناك، في الكويت أو دبي أو أبو ظبي. لا يتوقف عن الكتابة وعقد الندوات، والاحتفاء بالجزائريين الذين يقصدون تلك البلاد لأيّ حاجة كانت..
أنا أعرف هذا الرجل الجزائري الرائع. فإذا كان هناك اخترق المنابر الإعلامية، والصحف والمجلات، ولا تمرّ مناسبة من تاريخ الجزائر، إلا ويعيدها إلى الأذهان، محتفيا بأعياد الثورة والاستقلال، وناشرا لمؤلفات، يقرأ من خلالها واقع بلده بعيون في الغربة..
هو هكذا المهندس محمد حسين طلبي، الرجل المثقف، النشيط، الذي يطرق كلّ الأبواب ليساعد جزائريين في مواقف صعبة (..) ولا يتردد في القول إننا مقصّرون في حقّ تاريخنا وثورتنا، ونبقي دائما الفراغ حولنا عندما نكون في بلاد بعيدة.. إن ثورتنا أكبر من أن نتخيّلها عندما نقترب من الآخر، وثقافتنا أعمق مما لا ندري عندما نضعها أمام الآخر. لا ينقصنا شيء، سوى قليل من العمل الصادق لأجل الجزائر..
حسين، الذي يستحق أعلى الأوسمة، فهو سفير للجزائر بلا حدود، يقدّم أوراق اعتماده للبسطاء من الناس، لأنّه يثق بعبقرية الشعب الذي أنجب أمثاله.. وله في فادي ابنه الفنان المتألق صورة الأصيل بن الأصيل، سليل الأرض التي لا تنبت إلا الخير.

 

غرينيتش.. على توقيت جزائري!

غرينيتش.. على توقيت جزائري!

دث هذا في خريف 1999 حين رن هاتف المكتب ليكلمني أحدهم بلغة إنكليزية قحة.. حاولت جاهدا تفكيك بعض طلاسمها الطالعة من أسلاك الهاتف اللندني لكن دون جدوى ولم أفهم سوى wait a minute  التي تعلمتها من مدرسة الإنكليزية قبل ثلاثين عاما (!)، وانتظرت ثوان قليلة ليكلمني أحدهم بلكنة فرنسية هي أقرب إلى فرنسية الممثل وودي ألن أو المطربة جين بيركين (..)، حيث قدم لي نفسه كأحد القائمين على مشروع عالمي اسمه تجارب الألفية يرصد تجارب الشعوب وإنجازاتها في كل المجالات.. فقد فكر الفتى الإنكليزي البارع توني بلير، أو مثلما يتباهى به أحفاد الملكة فيكتوريا، ومن ورائه نخبة من مهندسي السياسة البريطانية وهم "شيوخ العالم" في هذا شرقا وغربــا، في كيفية الاحتفاء بقدوم ألفية جديدة.. ولم يجدوا أفضل من تسجيل ما حققته البشرية في كل الميادين من فنون ومعارف وأديان وسياسة وإبداع وأدب ورياضة، و توظيف أرقى الوسائل التكنولوجية من خلال إقامة أجنحة مختصة يؤمها الزوار من كل العالم.. وهذا المعلم الثقافي السياحي العجيب يتوزع على مساحة شاسعة أطلق عليها قبة الألفية أو "الدّوم" في حي غرينيتش الشهير الذي يضبط عليه العالم عقارب ساعاته..
محدثي قال لي: "لقد وقع بين أيدينا ديوان شعر صغير عنوانه     A Candle  for my Country   واخترنا مقطعا من قصيدة لك رأينا أن نضمها  إلى النصوص التي تم انتخابها لتكون من بين قصائد الشعراء العشرين الذين تقع  بلدانهم على خط غرينيتش وهي انجلترا، فرنسا، إسبانيا، الجزائر، مالي، بوركينا فاسو، غانا، نيجيريا، فهل توافق؟ "، قلت له: " طبعا أوافق.. فهذا شيء يشرفني ويشرف بلدي " ، وأضاف محدثي قائلا: "إننا نريد أن ننقش شعرك باللغتين العربية والإنكليزية فنأمل أن ترسل لنا النص الأصلي"، وتسهيلا لمهمة المنظمين أرسلت النص إلى الصديق الكاتب العراقي صمويل شمعون المقيم في لندن، ويصدر مع زوجته الكاتبة مارغريت أوبانك مجلة بانيبال Banipal التي تعنى بالآداب العربية، إذ قام بمساعدة هذه الهيئة في كتابة النص بالعربية وهو النص الوحيد بين النصوص العشرين المختارة الذي نقش بحروف عربية..
وعندما زرت المكان في شتاء 2000 مع صمويل شمعون أسعدني أن رأيت مجموعة أطفال إنجليز وهي تغني هذا المقطع الشعري الذي لم أكن أتوقع أن يصل إلى بلاد الضباب دون أدنى حساب.. وقد اختار المنظمون مقاطع أخرى لشعراء وكتاب جزائريين كبار هم مالك حداد ومحمد ديب والصحفي الشاعر مزيان وراد.. والطريف في كل هذا أنني عندما ذهبت إلى لندن سألت بعض الجزائريين المقيمين بها وبعض موظفي سفارتنا أيضا إن كانوا على علم بالأمر فأنكروا ذلك وأبدى بعضهم عجبا من هذا الإهتمام الإنكليزي..
في حقيقة الأمر أن الحظ لعب معي وكسبت.. فأنا لست أشهر من شعراء جزائريين كبار قدموا كثيرا للشعر وللتاريخ.. إنما من حسن حظي أنني اجتهدت في ترجمة بعض القصائد  إلى الإنكليزية بهدف الاقتراب من الآخر الذي لا يفهمنا أو يجد صعوبة في الوصول إلينا.. وأتت أكلها في ظرف كانت فيه بلادنا بحاجة إلى أي نقطة مضيئة تنسي الآخرين جزائر الدم والإرهاب.. وتكشف لهم عن جزائر الفرح والإبداع !.
وكان آخر من أخبرته بحكاية هذه المقطوعات الشعرية المنقوشة على خط غرينيتش الكاتب الصحفي مصطفى صواق المقيم هو الآخر في لندن فقال لي إن الدّوم أسال حبرا كثيرا بين الإنكليز لأنه كلف الخزينة مبالغ مالية ضخمة ليس من اليسير استعادتها من خلال الزيارات السياحية.. وبالتالي فإن الحكومة عرضت دُوم الألفية للبيع لتجاوز العجز الذي سجل في السنة الأولى لتدشينه.. وحتى لا يكون الدوم سببا في سقوط بلير صاحب الفكرة!.
شيء واحد يحز في نفسي أنني لا أملك مالا لأشتري تلك الرخامة التي خلدت الجزائر وأدباء من الجزائر واللغة العربية أيضا وأبقيها على ذلك الخط الذي يضبط توقيت البشرية على إيقاع الشعر العربي الجزائري.
وأما المقطع الشعري الذي كتبته عام 1994 وترجمه إلى الإنكليزية الأستاذ عمر زياني ووقع عليه اختيار المنظمين فهو:
وطني أكبر مني
وأنا أكبر من كل الجراحْ
وطني قطعة سكر
وبقايا حلم طفل في " نوفمبر"
وطني نغمة ناي
عزفتها يد أطفال بـ "ماي"
ويدي عصفورة دون جناح
وعيوني قمر يختزن الضوء
بأضلاع الصباحْ.
وأذكر أنني عندما سألت أحد أعضاء اللجنة القائمة على مشروع الألفية لماذا اخترتم هذا المقطع الشعري دون غيره قال لي: "لأنه جميل أولا.. ولأنه لا يتضمن سياسة.. نريد شعرا للإنسان أولا !.".

 

المجلة التي أزعجت ملاحدة فرنسا..

المجلة التي أزعجت ملاحدة فرنسا..

تعترف مجلة "علم وحياة" الفرنسية الذائعة الصيت أن العدد الذي خصصته لفكرة "الله.. لماذا لا يزول أبدا"... أثار وما زال يثير كثيرا من ردود الفعل المختلفة بين مؤيد ممن غمرهم الإيمان، ومن الملحدين من أنكروا وجود الخالق ولا معنى للخلود (..) وتعترف المجلة أن مسألة "الحتمية" في المسألة المقدسة نالت حظا أوفر من نقاش القراء والمهتمين..    وأنا واحد منهم.
هذه المجلة التي مضى على وجودها سنوات طويلة، هي من أكثر المجلات العلمية التي تفتح في كل مرة ملفا مختلفا تماما عن الذي سبقه، وتسعى إلى إماطة اللثام عن قضايا علمية       غير مرئية، أو لها تماس مع الدين أو الخرافة أو الأسطورة  أو العرافة والتنجيم.. فهي تجمع بين روح العلم وتأويلات العقل الأصغر والإيمان المبني على قناعات مكتسبة أو موروثة.

وعندما تثير المجلة مسألة "ا لله لماذا لا يزول أبدا " فهي منذ البداية تنطلق من قناعة إيمانية ثابتة هي أن الله خالق السماوات والأرض وما بينهما من كائنات وعوالم.. لكن هناك            من لا يعترف بوجود الله ولا بخلوده أو زواله.. ولفت نظري رد من ( جمعية ملحدي البيريني الشرقية ) إذ يقول الناطق باسم الجمعية  إن معدل عمر أعضائها 72 عاما وأن عميد الملحدين فيها بلغ 92 عاما.. ما شاء الله (..) وأنهم يحتجون على فكرة طرحتها المجلة هي أن " الإيمان بالله يقوي الرجاء بالحياة على الأرض "، وأن الملحدين يرون غير ذلك، فهم يرجعون العمر المديد لاعتبارات وراثية، وأسلوب الحياة المتبع، والمناخ، و..و..، ويمكن أيضا للعقل البشري أن يطيل في عمر الإنسان إذا استخدم القوة النفسية الكامنة فيه (..)، ويرى ملحد آخر  في رسالة للمجلة المذكورة " لا تتفاجأوا إذا عرفتم أن قارئا عجوزا ملحدا بلغ الـ 85 من عمره مستاء جدا ومحبط مما نشرتم حول موضوع الله.. لماذا لا يزول أبدا، وأنتم رجال علم ،عليكم أن تعلموا أن ليس هناك شيء خالدا، فالأديان مثل الحضارات، للأسف، تنتهي إلى الموت"..
ورغم أن مجلة "علم وحياة" حاولت أن تقنع شيوخ الإلحاد في فرنسا بأنها لم تخطئ، فإنها  ربما تكون عمقت إلحادهم وجعلتهم يكفرون بها وبعلميتها، ومن يدري فربما ردوا عليها بمجلة عنوانها " الله.. لن يخلد أبدا " ولن يخسروا شيئا ما دام  لا يفصلهم عن القبر سوى شبر واحد.
وأذكر أن مجلة "المسار المغاربي" التي كانت تصدر في نهاية الثمانينيات في الجزائر طرحت استبيانا في أوساط الناس بسؤال جريء جدا، في ظل تصاعد المد الإسلامي في الشارع الجزائري، هو " هل فكرة الله ستزول في العام 2000؟ "، وحدثت جلبة في الشارع واستنكار لدى الجوامع والمؤسسات الدينية، وصار مسئولو المجلة مهددين، وتم توقيفها فيما بعد، لكن الجواب لم يأت بعد الاستبيان، وجاء بعد 15 عاما على ظهر مجلة فرنسية " الله.. لماذا لن يزول أبدا"...
هذا ما كان من أمر ملاحدة فرنسا ورجال علمها.. أما ما كان من أمر حركة التنصير في بلاد الجزائر، فإن المسألة تتطلب كثيرا من البحث والمتابعة، إذ أن القساوسة الذين صاحبوا جيوش الاحتلال كانوا يتقدمون الجنرالات ويعملون على محو كل أثر للإسلام واستبدال ذلك بكل  ما هو صليبي.. ولنا في التاريخ شواهد كثيرة.. فهذا القس زويمر يقول: " لم نأت أرض الجزائر للنزهة، إنما جئنا لتبديل دين بدين، ولغة بلغة، وعادات بعادات.. هكذا أرادت فرنسا وهكذا طلب منا المسيح "..
ربما يبدو هذا غريبا لأن هذا قد قيل منذ قرن ونصف.. لكن الذي يجري منذ سنوات فقط         في الجزائر يبدو أعمق من ذلك، فقد تم ضبط شبكة تنصيرية تعمل في كثير من المناطق في الشمال كما في الجنوب.. إذ تم توقيف عدد من الأفراد العاملين ضمن مجموعات تقوم بتوزيع الإنجيل مترجما إلى العربية والأمازيغية فضلا عن أفلام حول سيرة السيد المسيح مترجمة إلى الأمازيغية وبدأ يظهر أتباع لهذه الحركة التبشيرية التي اختارت المكان والزمان في ظرف كانت عيون الجزائريين شاخصة فيما يحدث من قتل وإرهاب وتدمير.
إن السنوات التي مرت بها الجزائر منذ توقيف انتخابات 1991 وما انجر عنها من تفكيك لبنية الدولة، وتدمير لنسيج المجتمع، وانهيار تام لمعنويات الجزائريين أمام مشاهد الموت الجماعي، والقتل البشع، وظهور جماعات تدعى " الغاضبون على الله " ،يقومون بما لم يقم به الخمير الحمر وإيفان الرهيب.
هذه السنوات جعلت بعض الناس يرون فيما تقوم به الجماعات الإرهابية الضالة "مبررا" لتبديل الدين، واختيار عقيدة أخرى لا يقتل فيها الناس باسم الإسلام وتطهير الأمة من الكفار والآثمين، وانتشرت مثل هذه الدعوات في أوساط الشباب المهيأ لأي هبة ريح ليغير قميصه الديني بأي قميص آخر.
وحدثني أحد الأصدقاء عن قرية في منطقة القبائل تيزي وزو، قائلا إن عددا من شبابها التحقوا بعد غوايات مستمرة بالمسيحية، وحدث أنهم أثناء جلسة روحية في أحد المنازل، ضرب زلزال المنطقة يوم 21 مارس 2003 ففزع من في القاعة، ولكن أغلبهم وجدوا أنفسهم في جامع القرية وهم يقولون "لا إله إلا الله محمدا رسول الله"، فهل كان اختيارهم للصليب مجرد خدعة للحصول على "فيزا" للإقامة  في فرنسا وكندا؟ كما يقولون، أم أنها فعلا محاولة للهروب  من وضع فرضته الجماعات الإرهابية على السكان.. غير الآمنين.

 

حتى بريجيت قالت "لا للحرب.."

حتى بريجيت قالت "لا للحرب.."

انتبهت السيدة "ب.ب" إلى أن البشر أيضا يتعرضون للقتل البشع وليست الحيوانات فقط التي تتعرض للإبادة بفعل الإنسان، وأن ما شهدته "قانا" ينسي ما تتعرض له الفيلة في كينيا وقطعان الغنم في يوم النحر لدى المسلمين أيام عيد الأضحى..
بريجيت باردو سيدة السينما الفرنسية والعالمية قبل خمسين عاما، درست الفلسفة ثم انتبهت إلى أن الله وهبها جمالا وحسنا فاتجهت إلى السينما وصارت نجمة الشباك الأولى بلا منازع في العالم كله.. وعندما بلغت سن اليأس وأدركت أن الفأس في الرأس انسحبت من عالم السينما لتختار وجهة أخرى هي الدفاع عن الحيوانات.. ولا غرابة إن كان بيتها حظيرة لكل أنواع الحيوانات من قردة وقطط وكلاب ودواجن وخنازير وأبقار.. وأسست في سبيل ذلك جمعية عالمية لا هم لها إلا إعلان الحرب على كل من يؤذي قطا أو كلبا (..) ووجدت في دعم الإعلام لها سلاحا توجهه نحو من لا يحمون الحيوانات ويتركونها عرضة للقتل والإبادة..

لم تكن بريجيت تخفي ميولها الداعمة لإسرائيل، وربما كانت تنظر إليها كحيوان أليف يسعى العرب لقتله والتخلص منه (..) وربما كانت تنظر إلى الكيان العبري وكأنه حيوان "الباندا" الآيل للإنقراض فصارت مدافعا شرسا عن شارون وشامير وقبلهما بيجن ومائير.. وربطت العرب والمسلمين بما يقومون به سنويا من نحر للملايين من رؤوس الغنم تنفيذا لشعيرة دينية لا تريد بريجيت أن تفهمها.. فالذين يقتلون، كما تقول، البقر يقتلون البشر.. وكأن أتباع شارون يرمون على أطفال لبنان وفلسطين ورودا في الليل وعطورا في النهار..
بريجيت في الحرب على لبنان 2006 شاهدت ربّما عن طريق الخطأ (..) في التلفزيون الفرنسي صورا لأطفال قانا وهم يسحبون من تحت الأنقاض، ويبدو أنها شعرت بشيء من الألم (..) فقالت لعمير بيراتس "عليك أن توقف الحرب فورا" وكأن وزير الحرب الإسرائيلي ظل ينتظر رسالة من السيدة "ب.ب" ليأمره جيشه بالتوقف عن قتل المدنيين وتدمير البنية التحتية للبنان (..) لا ينقصه سوى رسالة من ممثلة سينمائية.
لا بأس إن قلنا، لقد حصل تطور كبير في فهم السيدة باردو لمعنى الإبادة والقتل، وأنها انتقلت في آخر عمرها من الدفاع عن الحيوان إلى الدفاع عن الإنسان.. ومع هذا نقول إن بريجيت سجلت موقفا لم تجرؤ عليه حكومات عربية (..) مع الإحتفاظ بموقفي حسين فهمي وجمال سليمان اللذين رميا ورقة اعتمادهما سفيرين للنوايا الحسنة في مكتب كوفي عنان احتجاجا على العدوان والقتل الذي تمارسه إسرائيل أمام أنظار العالم..
في زاوية أخرى من العالم وجد ستيفن سبيلبيرغ فرصة استعادة صورته المشوهة لدى اليهود بعد فيلمه "ميونيخ" الذي استعاد فيه مخطط الانتقام الذي قامت به إسرائيل بعد مقتل 11 رياضيا من بعثتها للإلعاب الأولمبية بميونيخ 1972 إذ قدم رؤية مختلفة عما كان يريده الإسرائليون من إدانة للعرب.. بل إنه جعل الذين يقومون من اليهود بعمليات الثأر يسألون في النهاية عن السبب الذي يدفعهم إلى القتل والإنتقام.. ويقرر البطل الرئيس الهجرة والإقامة بعيدا عن تل أبيب (..).
سبيلبيرغ وجد في الحرب على لبنان فرصة تصالحه مع أبناء ديانته فمنح إسرائيل مليون دولار للتكفل بالنازحين من شمالها بفعل صواريخ حزب الله.. المختار التي تهطل يوميا على شعب الله.. المحتار.
فأشهر مخرج سينمائي شهده العالم في الثلاثين سنة الأخيرة عاد إلى جلده ولم ير ما فعلته طائرات الموت في قانا.. أو ربما لأنه لم يشاهد أخبار الحرب مثل باردو، ولم ير منها سوى صور القابعين في الملاجئ أو الهاربين في لشوارع حيفا..
سألني أحد الشباب العربي على هامش المخيم القومي للشباب العربي الذي احتضنته الجزائر في 2006 "ماذا قدم المثقفون العرب للبنان ومقاومته؟" فأجبت طبعا "قدموا كثيرا من الكلام.. لأنهم لا يملكون أكثر من ذلك؟ ومن كان عنده بديلا غير ذلك فليقدمه.. تلك هي الحقيقة." ولم أشأ أن أرفع سقف السؤال إلى طرح سؤال مكمل هو "ما دام المثقفون أعجز من أن يؤثروا في القرار السياسي العربي وفي تحريك الشارع.. فما هو السبيل؟ فأجيب بعفوية بالغة "ربما تجدون الجواب لدى الرئيس الفنزويلي شافيز فقد بدا للناس أكثر عروبة من عمرو موسى.."
تقول الأرقام والمعلومات القادمة من إسرائيل إن المثقفين كانوا في بداية الحرب على خط واحد مع قرار أولمرت وفي منتصف الشهر بدأ بعضهم يشعر أن مغامرة الحرب غير محسوبة.. وفي نهاية الشهر صار صوت المثقفين أعلى بأن طالبوا بالاعتراف بالهزيمة وحل الصراع بالطرق الودية والديبلوماسية.. وبعد أيام سيقلب المثقفون ومن يؤيدهم الطاولة على رأس أولمرت المحامي الفاشل وبيراتس النقابي التعبان وأن يحال قادة الجيش على المعاش المسبق.. وأن يواصل الحاخامات تلاوة ما حرفوه من توراة منتظرين ساعة النجاة.
مثقفوهم يشكلون الترمومتر الحقيقي لمدى صلابة وتماسك المجتمع الإسرائيلي.. فهم يدركون أنهم ولدوا في ملاجئ وأقاموا في دبابات وأصبحوا "دولة" حرب بامتياز، وأنهم قدموا إلى أرض الميعاد من 90 بلدا وفي جيب كل واحد عدد من جوازات السفر.. إذا وصل الأمر حدا لا يطاق، هرب إلى أرض الله حيث لا حزب الله ولا شعب الله.. ولا سيدة من باريس تدعو لحماية خلق الله.

 

غراس يكتب بالدم والحبر.. والصبر

غراس يكتب بالدم والحبر.. والصبر

لو كنت عضوا في مؤسسة ألفريد نوبل السويدية لما ترددت في منح الكاتب الألماني الكبير "غونتر غراس" جائزة أخرى من جوائز نوبل الخمس المعروفة إنما أطلق عليها اسم  جائزة نوبل للصبر (..) لسبب بسيط أن هذا الكاتب المثير للجدل استطاع أن يحتفظ بسر خطير بين أضلاعه لمدة تفوق الستين عاما، دون أن يفكر الناس في ذلك، لأنهم كانوا مشغولين بما يكتب وبقراءة روايته "الطبل" التي ترجمت إلى كل لغات العالم..
غونتر غراس الكاتب الذي كانت تفلت منه الجائزة كل مرة، استطاع أن يظفر بها في العام 1999 ويهز الأوساط الثقافية والأدبية والإعلامية في العالم، لأنه كان كاتبا متمردا، لا يهمه ما يقوله الناس عنه فيما بعد، ولا يتردد في اتخاذ مواقف سياسية وثقافية، تثير زوابع وردود فعل تستمر طويلا، ولكنه يواصل الكتابة والتصريحات وهو يداعب غليونه، ويحرك شواربه، ويرسل نظرات ماكرة من وراء نظارات شفافة..

قبل انطلاق مونديال ألمانيا2006  أقحم غراس نفسه في نقاش عام حول جدوى الخطط التكتيكية التي يتبناها المدرب كلينسمان، ودعا الألمان إلى ضرورة ترك المدرب وشأنه لأنه اختار طريق التشبيب خدمة لمستقبل ألمانيا.. وكان على حق. فتركه الناس ونال الألمان المركز الثالث وأثنوا على كلينسمان. وقال بعضهم إن اثنين فقط كانا واثقين من قدرات المدرب هما أنجيلا ميركل وغونتر غراس..
ومنذ فترة بلغت مسامع غونتر غراس أخبار مفادها أن الكاتب اليمني الشاب وجدي الأهدل قابع في بيته لا يمكنه مغادرته، بعد أن أصدرت في حقه بعض الجماعات المتطرفة فتوى تهدر دمه جزاء كتاباته المنحرفة (..) ورغم النداءات المتكررة لتأمين حماية لهذا الكاتب الواعد الذي لم تيجاوز الثلاثين من عمره،  فإن وجدي ظل وراء جدران البيت ينتظر من يعيده إلى حرارة شوارع صنعاء.. إلى أن جاء غونتر غراس من ألمانيا إلى اليمن، ضمن وفد اللقاء الثقافي العربي الألماني، وقابل الرئيس علي عبد الله صالح وطرح أمامه المسألة.. فوجدت حلها سريعا. وتساءلت حينها، هل المطلوب من العرب استنساخ عشرين غونتر غراس لحل مشكلات الحرية والمضايقات التي كثيرا ما تطفو على سطح الساحة الثقافية والسياسية ويكون ضحاياها كتاب وإعلاميون.. أم نطلب من عمرو موسى يجعل من غونتر غراس مندوبا للحريات ببلاد العرب؟
فجّر غراس يوم 12 أوت 2006  قنبلة هزت ألمانيا، كما هزت نطحة زيدان العالم قبل شهر (..) فقد صرح لصحيفة "فرانكفورتر ألجماين زايتونغ" أنه بصدد كتابة سيرته الذاتية وفيها يعترف أنه انخرط في العام 1944 وعمره آنذاك 17 عاما في الشرطة السرية الألمانية "الوافن أس أس" التي ينظر إليها كتنظيم دموي.. ويقول في الحوار المطول الذي يسرد فيه الظروف التي جعلته ينضم "متطوعا" في الجيش الألماني، إن السبب هو التخلص من قبضة العائلة والتحرر منها.. وأن إرهاصات ذلك بدأت في سن الخامسة عشرة مع بعض الشباب الذين كانوا في مثل سنه.. ويضيف بأنه كان يتمنى الإنخراط في سلك البحرية لكنه وجد نفسه في الشرطة السرية قبل أن تأسره القوات الأمريكية في مدينة مارينباد بتشيكوسلوفاكيا.. ولهذا فإن كثيرا من الأوساط الإعلامية والثقافية بدأت تسأل إن كان الأمريكان يعرفون بذلك ويكتمون السر (..) ويتحدث غراس طويلا عن وعيه السياسي بخطورة النازية عقب محاكمات نورمبرغ الشهيرة التي فتحت ذهنه على حقائق كثيرة منها أن الألمان ليس من حقهم أن يصمتوا إزاء جرائم هتلر.. وأن في صمتهم ولو بعد هذا العمر الطويل تواطؤ غير مفهوم.. ويتساءل ببساطة ما الذي جعل الألمان ينتخبون  كورت جورج كيسنغير مستشارا لهم في الفترة ما بين 1966– 1969 وهو المعروف كأحد رموز النازية في ألمانيا؟ وهنا يبدأ في طرح أسئلة المحرقة والهولوكوست ومعتقلات أوشويتز..
ويضيف بأنه عاش أياما في المعتقل جعلته يفهم كيف تمارس العنصرية، وكيف يتعامل الضابط الأبيض مع الجندي الأسود وهما ينتميان لكتيبة واحدة.. فالحرب أيضا مدرسة.
ويعتقد غراس أن إقامته في فرنسا لفترة قصيرة ومعايشته  للمحاورات التي جرت بين جان بول سارتر وألبير كامو جعلته ينخرط بشكل نهائي في الفعل السياسي، وأنه كان مناصرا لكامو الذي يمتلك مفاهيم أكثر مرونة للحرية..
غراس يعترف بانخراطه في النازية بعد ستين عاما.. ويعترف بأنه كان يحمل على كاهله جبلا من الحقيقة التي كان عليه أن يقولها يوما ما، وجاءت اللحظة الفاصلة ليقول إنه كان نازيا وليفعل العالم ما أراد (..) وإذا كان جزء من الرأي العام الألماني يرى في اعتراف غراس شجاعة خارقة فإن جزءا يرى في ذلك اعترافا متأخرا بالذنب.. ويرى اليهود إن ما قاله غراس عن انتسابه للشرطة السرية النازية لا يعدو أن يكون دعاية لكتابه القادم (..) بينما لا ترى مؤسسة نوبل ضرورة لتجريد غراس من الجائزة التي نالها عن جدارة، ولا مجال لمحاولة ربطها بالماضي التاريخي المؤلم الذي يسعى العالم إلى نسيانه..
إن ثقافة الإعتراف، بقدر ما هي مؤلمة وقاسية وجارحة، فإنها لا تصدر إلا عن الذين بلغوا مستوى متقدما من ممارسة الحرية بوعي كبير وحاد.. ويمكن لكثير من الرموز الفكرية والسياسية أن ترهن تاريخها الطويل في اعتراف يجهله الناس، قد يكون شخصيا أو يكون مرتبطا بموقف ثقافي أو سياسي.. ولنا في مذكرات كثير من الشخصيات التي لامست سطح العالمية ما يدل على ذلك.. ويكفي أن نتأمل ما قاله غراس في حواره مع الصحيفة الألمانية "كثيرا ما كنت أفكرا طويلا في كيفية الإعتراف أمام جيل جديد  بحقيقة أخفيتها طويلا.." فهل نحن في زمن الاعتراف؟..

 

بلاغ في فائدة كوكب ميت..

بلاغ في فائدة كوكب ميت..

في يوم واحد تم إعلان وفاة كوكب عن عمر اكتشاف دام 76 عاما.. وأعلن نقل فرعون من شارع ظل يقيم به أزيد من  نصف قرن.. والحدثان فيهما من الغرابة ما يجعلني أتوقف عندهما قليلا..
الكوكب الذي اتفق بشأنه 2500 عالم فلك في العاصمة التشيكية براغ هو بلوتو (والأصح بلوتون حسب النطق اللاتيني للكلمة) إذ أن نقاشات معمقة شارك فيها علماء يقضون ثلاثة أرباع يومهم في مراصدهم معلقين في الفضاء مستخدمين في ذلك مناظير عملاقة، يلاحقون الأجسام الثابتة والمتحركة.. ويحاولون سبر أغوار الكواكب والشهب والنيازك، ويقدمون في كل مرة خلاصة تفتيش فضائي في مؤتمر يحتد فيه النقاش إلى درجة يتصور فيها بعضهم أن الأرض مهددة بغزو خارجي..

ولعل الحدث الأكبر الذي شهده مؤتمر براغ هو اتفاق الجميع على وضع تصنيف جديد للكواكب، أي أن هناك درجات وأوزان (..) كما هو معمول به في الأرض. إذ توصل المؤتمرون إلى أن هناك كواكب "محترمة" من أوزان ثقيلة، هي كواكب الدرجة الأولى، وعددها ثمانية، بعد أن ظل العلم على مدار 76 عاما يقول لنا إن العدد هو تسع كواكب تدور كلها حول الشمس هي (المشتري وزحل والمريخ والزهرة والأرض وعطارد وأورانوس ونبتون وبلوتون) وابتداء من نهاية شهر أغسطس يكون بلوتون في عداد الأموات بعد أن وقع علماء الأرض شهادة وفاته.. إلى جانب كواكب الدرجة الثانية، وفي الدرجة الثالثة الأجسام الكبيرة التي لا يمكن اعتبارها كواكب..
المعلومات التي جمعتها عن هذا الكوكب "المقصي" من النظام الشمسي، هي أنه اكتشف بالمصادفة في فبراير 1930 عندما كان الشاب الفلكي الأمريكي المصور كلايد تاومبو يتفقد حركة النجوم والأقمار وإذا به ينتبه إلى وجود جسم غريب لا يختلف كثيرا عن الكواكب الأخرى.. وبعد نقاش حوله تم الإتفاق على أن يكون تاسع الكواكب، وأطلقت عليه تلميذة اسم الإله بلوتون كما هو الشأن بالنسبة للكواكب الأخرى أو للأسماء التي تحملها أيام الأسبوع..
ما جعل أمر بلوتون مثيرا هو أنه يقضي 16 يوما وزيادة ليكمل دورة حول نفسه، وأكثر من هذا فإنه ينتظر مرور 247 عاما ليكمل دورته حول الشمس.. بل أكثر من هذا فإن حجمه يمثل جزءا واحدا من بين 400 جزء من الأرض أي أنه في حجم جزيرة غروينلاند إذا صح تقديري (..) وأكثر من هذا فإن القمر المسمى شارون (..) الملحق به يكبره حجما.. وأمام هذه المعطيات تم إقصاؤه من قائمة الكبار وجعله في تصنيف كواكب الدرجة الثانية إلى جانب الكوكب الذي تم اكتشافه في السنوات الأخيرة وأطلق عليه اسم بطلة السلسلة التلفزيونية الخيالية "زينا"..
بكل صراحة، إن الذي استهجنته في كل ما أقدم عليه هؤلاء العلماء وما تقرر في اتحادهم القوي، ليس إعلانهم موت بلوتون، ولا تغييرهم معلومات ظل يتداولها البشر كمسلمات غير قابلة للنقاش، وثوابت علمية لا يمكن الاجتهاد بشأنها، إنما، هناك شيء من النكران والجحود يتمثل في انتظارهم وفاة مكتشف بلوتون الفلكي الأمريكي كلايد تاومبو في العام 1997 ليلحقوا به.. كوكبه الصغير (..) وكانوا قادرين على أن يعلنوا ذلك في حياته ليتمكن من الدفاع عن اكتشافه الذي ظل يحمل اسمه وتاريخه إلى يوم 24 أغسطس حين رفعت الأيدي في مؤتمر براغ معلنة نهاية كوكب ظل التاسع في النظام الشمسي.. وبذلك يطرح السؤال الكبير. هل يمكن للعلم أن يمارس الكذب أحيانا؟
أما في مصر فإن حكاية الفراعنة مع التطبيب والمعالجة لا تنتهي.. إذ أنه بعد أن عايش العالم مراحل العلاج التي تلقاها الفرعون المومياء توت عنخ أمون في مصحات أوروبا شأنه في ذلك شأن كثير من القادة والحكام  والأثرياء.. جاء الدور على رمسيس الثاني الذي كاد أن يصرخ في وجه مبارك "أبعدني من هذا المكان الموبوء.. يا ريس" إذ أنه في تلك الساحة العامرة التي تحمل اسمه، لم يعد قادرا على مقاومة التلوث الذي تتسبب فيه آلاف المركبات ومداخن ميترو الأنفاق..
إن اثنين وخمسين عاما قضاها رمسيس ثابتا كجندي منضبط في ذلك المكان، تعد رقما قياسيا بالنظر إلى طبيعة المكان ومدى قدرته على المقاومة.. وبالتالي فإن القرار بنقله إلى بيئته الطبيعية سيحقق هدفين رئيسيين هما نقله إلى فضاء سياحي واسع، وتجنيبه مضار التلوث وحركة السير التي يمكنها أن تؤثر على سلامة الصخر من التصدع والتشققات..
وهكذا فإن يوما واحدا شهد موتا "علميا" لكوكب صخري يبعد عن الأرض بحوالي 4.4 مليار كيلومتر.. وإعادة الحياة لتمثال صخري يبعد عن منطقة الجيزة حيث الأهرامات بحوالي نصف ساعة.. فكم هو عظيم اهتمام العلماء بالصخور لو أنه اهتمامهم كان كذلك بالبشر الذين يموتون بفعل تطويرهم للأسلحة الفتاكة.. وإنفاق الملايير في صناعة الموت وزيادة حجم المآسي على ظهر هذا الكوكب الذي لم يعد يفهم شيئا.. وباسم العلم يعلنون أن في طبقة الأوزون ثقبا يتهدد حياة البشر بالفناء.. وباسم العلم يقولون إن الاحتباس الحراري سيجعل الحياة صعبة.. وباسم العلم أيضا يقولون إن الأمريكان وصلوا القمر (..) بينما يظهر من بين علماء النازا من يقول إن وصول أمريكا القمر مجرد خرافة تم ابتداعها سينمائيا (..) للحد من طموح الروس في وضع خطوة البشرية الأولى على سطح القمر.. والله أعلم.

 

حكاية حوار مع يوسف إدريس

حكاية حوار مع يوسف إدريس

لا يختلف اثنان في أن أكثر الناس "رفضا " لأحقية نجيب محفوظ بجائزة نوبل للآداب هو الدكتور يوسف إدريس الذي أعلنها صراحة أمام الملأ: " أنا أولى منه.." وتساءل الناس عن السبب الذي جعل سيد القصة العربية يخرج عن وقاره ولا يكظم         غيظه، وبدل أن يفرح الناس لفوز محفوظ  صاروا يطاردون إدريس وهكذا استطاع صاحب " الفرافير" و" النداهة " و" جمهورية فرحات " أن يقتسم الحدث  مع " سي  السيد  ".
كنت مدعوا إلى حضور المربد الشعري ببغداد في نهاية حرب الخليج الأولى 1988 مع وفد من شعراء الجزائر، وكانت رحلتنا (الجزائر- باريس- بغداد) ذهابا وإيابا.. وفي عاصمة الرشيد المنتشية بانتصار ثمنه مليون قتيل، كان أبرز المدعوين الدكتور يوسف إدريس الذي مُنح جائزة صدام مناصفة مع جبرا إبراهيم جبرا، واعتبرها الإعلام آنذاك تعويضا له عن خسارة نوبل.

كان الصحفيون يطاردون يوسف إدريس من مكان إلى آخر طمعا في حوار أو تصريح بينما كان ــ رحمه الله ــ يتمنع ويرفض الإدلاء بأي تصريح في موضوع الجائزة وموقفه من نجيب محفوظ.. وكنت واحدا منهم.
ولأن الله وهبني شيئا من الفطنة والحيلة (..)، فقد اتصلت بمرافق وفدنا السينمائي طالب عبد الأمير وقلت له: " هل يمكنني أن أغير بطاقة سفري من ( بغداد- باريس- الجزائر) إلى (بغداد – القاهرة –الجزائر)  يوم الثلاثاء على العاشرة ليلا "، فقال: " ماكو مشكل عيني.."، ودون أن يعلم أعضاء وفدنا حزمت أمتعتي، وأخبرتهم قبل ثلاث ساعات من الرحلة دون أن أذكر لهم سببا لذلك..
أما السبب فهو وجود الدكتور يوسف إدريس في الرحلة نفسها، وكنت سألت عن تاريخ  سفره من هيئة التنظيم، و من حسن الطالع أنني وجدت نفسي وحدي معه في القاعة الشرفية، فاقتربت منه، وسلمت عليه ثم قدمت نفسي له: " أنا صحفي جزائري احتال على زملائه  ليظفر بالكاتب الكبير يوسف إدريس طمعا في إجراء حوار معه لجريدته الشعب الجزائرية.. " فابتسم وقال لي: " ومن قال لك أنني سأقبل بإجراء حوار معي؟.."، فصمتت ثم قلت له: " حلم وأردت تحقيقه.."، فابتسم ثانية وقال لي: " ما دمت صادقا فيما تقول، سيكون لقاؤنا في الطائرة.."، فشعرت بسعادة كبيرة، إذ أنني قبل شهر حاورت نجيب محفوظ واليوم أحاور "غريمه " وهو أمر لا يمكن تحقيقه بسهولة..
قبل أن نصعد الطائرة جاء أحد موظفي المطار وأخبرنا أن هناك أمورا يمنع نقلها على متن الطائرات، كالولاعات والبطاريات، ففــزعت من مكاني، ثم تمالكت نفسي لأنني لن أجري الحوار دون بطاريات في المسجل.. فما كان مني إلا أن وضعت بطارية         في كل جورب، وتوكلت على الله، ولأن نيتي صادقة جدا لم ينتبه أحد إلى ذلك وتمكنت من نقل مادة ممنوعة على متن الخطوط العراقية، والحمد لله أن ذلك وقع في زمن لم يكن فيه شيء اسمه القاعدة.. وقاعدة الرافدين.
جلست إلى جانب الدكتور يوسف إدريس وسحبت البطاريتين من جواربي وهو ينظر إلي ضاحكا، ثم قال لي: " أمامنا ثلاث ساعات سـل ما شئت.."، وبدأنا الحوار من ذكرياته مع الثورة الجزائرية، إلى أن وصلنا مسألة جائزة نوبل، وكيف حرم منها، وكان موعودا بها، إذ عملت هيئة " بروتا " للترجمة على نقل أعماله الأدبية إلى اللغات الإسكندنافية ودارت حولها نقاشات جمة، أهلته لأن يكون المرشح الأول  لهذه الجائزة التي لم يسبق أن نالها العرب قبل 1988.
كان يتحدث بهدوء أحيانا وبعصبية أحيانا أخرى، وبكثير من الحكمة عندما يدرك أن طلقة نوبل خرجت ولن تعود..
فرحت كثيرا بالحوار الذي امتد إلى قضايا مختلفة، وعندما وصلنا إلى مطار القاهرة فاجأت الدكتور يوسف إدريس بأنني  لا أملك تأشيرة دخول الأراضي المصرية، وهذا سيعرضني إلى متاعب كبيرة، ورجوته أن يتدخل، فقال لي: " سأحاول.." غير أن المفاجأة كانت عندما قدمت جواز سفري لشرطة الحدود بمطار القاهرة الدولي نظر إلي الشرطي وهو يسألني عن التأشيرة، فأجبته بأنني لم أتمكن من تحصيلها في بغداد لضيق الوقت، فابتسم وقال لي :" يمكنك أن تدخل، لأن التأشيرة بين مصر والجزائر أزيلت اليوم، وأنت أول من يدخل دون تأشيرة "، فعلق الدكتور يوسف إدريس: " يا ابني أنت محظوظ.."، فعـقـبت بسرعة بداهة: " لكنني لست محفوظ !!! "، ثم ودعته وأنا أزداد سعادة..
عدت إلى الجزائر ونشرت الحوار على ثلاث حلقات، وجد فيها الجمهور الشيء الكثير من المتعة والفائدة والإثارة.. وحدث أن قام صحفي عربي بالسطو على الحوار كاملا ونشره في إحدى المجلات بأوروبا دون أن يذكر المصدر، ولم أكن على علم بذلك، حتى علمت من كاتب جزائري مقيم في القاهرة، أن الدكتور يوسف إدريس ــ رحمه الله ــ، وقع في يده الحوار المسروق، فكتب مقالا بدأه بالجملة التالية: " هذا حوار أدليت به لصحفي جزائري ناشئ، طاردني في الأرض فوجدني في السماء.."، و رفع دعوى قضائية على المجلة وكسب القضية مع اعتذار له، ولي أيضا، ورحم الله من أسماها مهنة المتعة.. والمتاعب.

 

حكايتي مع الأهلي ونجيب محفوظ

حكايتي مع الأهلي ونجيب محفوظ

من حق صحفي شاب أن يتباهى بإنجازاته وأن يذكرها كل مرة ويعيد ذكرها كلما شعر أن الناس نسوها ليؤكد لهم أنه حقق فتحا صحفيا غير مسبوق.. ذلك ما قمت به قبل 17 عاما، أي في العام 1988 الذي تزامن مع انفجار الشارع الجزائري والتعجيل بفتح المجالين السياسي والإعلامي، والعام نفسه الذي حطت فيه حرب الخليج الأولى بين إيران والعراق أوزارها، وفي هذا العام نال الروائي الكبير نجيب محفوظ جائزة نوبل للآداب   بعد انتظار طويل للثقافة العربية، رغم إدراك العرب لما للجائزة  من خلفيات سياسية، ولكن الجائزة تعد الأرقى في منظومة الجوائز العالمية قيمة وقيمة.

كنت في هذه الفترة صحفيا بجريدة " الشعب " الجزائرية وانتدبت لتغطية مباراة في كرة القدم برسم نصف نهائي كأس إفريقيا للأندية الأبطال بين الأهلي المصري ووفاق سطيف الجزائري، ولكنني أردت أن أضرب عصفورين بحجر واحد، هو تغطية وقائع المباراة وإجراء حوار مع نجيب محفوظ، واتصلت بالسفارة الجزائرية بالقاهرة التي ضبطت لي موعدا في نفس يوم المباراة إنما بساعتين قبل صافرة الانطلاق.
لم أخبر أحدا بما أعددت له خوفا من مزاحمتي في تحقيق سبق صحفي، وفي تمام الحادية عشرة كنت في الطابق السادس على ما أذكر من مبنى الأهرام منتظرا دوري لإجراء حوار مع نجيب محفوظ.
كانت القاعة غاصة بمن هم في مثل حالتي، خرج علينا موظف وحدد دور كل واحد منا قائلا: " بعد التلفزيون الألماني الدور على هذه السيدة، وصحفي الجزائر.."، وانتبهت  إلي تلك السيدة العجوز، وابتسمت وهي تقول لي بانجليزية لم أفهمها  لأنني باختصار  لا أعرف من الإنجليزية إلا ما سهل من كلام يردده عامة الناس، فكان ردي ابتسامة مماثلة قالت لي: " آي آم جويش "، فلم أنتبه إلى أنها كانت تقول لي: " أنا يهودية "،  فكررت الابتسامة، ولم تمض دقائق حتى نودي عليها، فأسرعت لكن المفاجأة كانت كبيرة  عندما سمعت بعد دقائق معدودة صراخا في مكتب نجيب محفوظ " أخرجي.. أخرجي.. موش عاوز أجاوبك.. أخرجي "، وخرجت السيدة اليهودية خروج شارون من غزة (..)، وتبين    فيما بعد أنها صحفية إسرائيلية بدأت حوارها مع الحائز على نوبل بسؤال استفزازي يتمثل   في دعوة محفوظ لزيارة إسرائيل أو ما شابه ذلك، فاغتاظ وطردها شر طردة، وهو ما جعلني  ذا حظوة لديه.
دخلت مكتبه ومعي الملحقة الثقافية للسفارة الجزائرية آنذاك الآنسة جنات المقراني التي رتبت لي الموعد، فقدمت له نفسي فحيا الجزائر وثورتها وشعبها، ثم أجاب على كل أسئلتي الأدبية وغير الأدبية، بما في ذلك الذي يقرن فوزه بالجائزة بمواقفه السياسية، و كان في كل مرة   يعيد تحيته للشعب الجزائري، وكأنه ينتقم من تلك الصحفية التي عكرت مزاجه وهو في نشوة عالية بالفوز وبالحديث فيما يحب، الأدب أولا والأدب ثانيا.. و السياسة إن بقي مكان.
كان نجيب محفوظ " ثقــيل " السمع، ويضع جهاز تقوية لذلك، فاخترت الجهة التي تجعلني أتحدث بحرية دون أن أصرخ عند طرح السؤال، وهو ما جعل أحد مساعديه ينتبه إلى ذلك ويبتسم قائلا :" برافو.. أنت فاهم الشغـل".
وعند خروجي من مكتبه لاحظت أن من كانوا ورائي أغلبهم من الصحفيين الأجانب، كانوا قلقين جدا وينظرون إلي بغضب وكأنهم يقولون لي: " لقد أعطيت وقتا طويلا "، وهم لا يعلمون أنني قدمت من الجزائر وأنني دخلت بعد صحفية إسرائيلية.. وأنني كنت قلقا       أيضا مثلهم لأن مباراة في القمة تنطلق على الواحدة.. في انتظاري.
وإذا عدت دون أن أغطي المباراة فلن يشفع لدى رئيس تحرير حواري مع نجيب محفوظ  لأن الآلاف من عشاق الكرة ينتظرون أخبارا وتعاليق عن اللقاء الكروي.. وأما الأدب فله أصحابه وهم ليسوا من أنصار.. الجلد المنفوخ.
غادرت بناية الأهرام بعد أن حققت هذه الضربة الصحفية وأغلقت على الشريط بالمفاتيح السبعة وأخذت سيارة أجرة  أقلتني إلى حيث مباراة الأهلي ووفاق سطيف في ستاد القاهرة، ومن حسني حظي أنني وصلت مع صافرة البداية، حتى لكأنني اعتقدت أن الحكم السينغالي (بدارا سيني) كان متواطئا معي.
انتهت المباراة بتأهل وفاق سطيف لأول مرة للنهائي أمام خيبة مائة ألف من أنصار النادي الأشهر في مصر وإفريقيا ليدفع فاتورة الإقصاء المدرب الألماني ( فايتسه)، فأسرعت إلى الفندق واتصلت بالجريدة معلنا عن فوز الوفاق، وفوزي بحوار مع نجيب محفوظ، فكانت ضربة معلم شاب.
بعد يومين عدنا إلى الجزائر، وفي ثالث يوم نشر الحوار على صفحة كاملة مع عديد الصور ولكن ذلك اليوم الذي حققت فيه تلك الخبطة الصحفية لم يمر هكذا دون لوم وسباب أحيانا من الصحفيين الذين انتقلوا إلى القاهرة، فكانوا يتلقون ضربات العصي في مؤسساتهم الإعلامية وهم ينهالون علي بقولهم: " لماذا لم تأخذنا معك؟، فأرد بخبث: " ولكنكم ذهبتم لتغطية مباراة في كرة القدم ".. وبعضهم ما زال يذكرني بها إلى اليوم ويقول  لي: " لا يفعلها إلا إبليس..".

 

صابينا.. عاشقة المتنبي!

صابينا.. عاشقة المتنبي!

حدث هذا في ربيع 2000.. حين دعيت للمشاركة في أول دورة من مهرجان المتنبي العالمي للشعر بزيوريخ بدولة سويسرا!..
فقد اجتمع عشرات الشعراء المدعوين إلى مسرح " غاليري الأرض " الذي يديره المركز الثقافي العربي السويسري بكبرى المدن السويسرية زيوريخ.. وأذكر من بين الشعراء المشاركين: سورتاريوس أحد أكبر شعراء ألمانيا حاليا وواحد المعجبين بشعر العرب الصوفي وأحد الحاملين لأجمل الذكريات عن زياراته للبلاد العربية كما أخبرني بذلك.. وهو كما علمت يشغل حاليا مدير عام المهرجانات الثقافية بألمانيا بدرجة وزير.. كما حضر المهرجان الشعراء عبد المعطي حجازي من مصر،  ومحمد الفيتوري من ليبيا، وسيلفيان دوبوي من سويسرا، وأمل الجبوري من العراق، وفوزية السندي من البحرين، وتيوبالدي من سويسرا وعبد الوهاب المؤدب من تونس، وشعراء من فرنسا والنمسا وإيطاليا وليشتنشتاين..

أبو الطيب المتنبي في زيوريخ.. هل هذا معقول يا عباد الله ؟.
قد يكون مجنونا علي الشلاه عندما فكر في نقل هذا الشاعر الذي يمدح سيف الدولة ويهجو كافور ويرتقي ببدر بن عمار ويموت بسيف فاتك بن جهل.. ويترك وراءه خلقا محتارا في أمره.. فهو شاعر استثنائي.. ولكن أعود فأقول أي بعوضة إفريقية لسعت الشاعر الرقيق على الشلاه ليأخذ المتنبي ويزج به في شوارع زيوريخ السويسرية جغرافية والألمانية لسانا؟، ربما خوفا عليه من العرب الجدد الذين ينامون على الماكدونالد ويستيقظون على.. الهومبورجر !!
المهم شكرا لعلي البابلي.. ولأنه ليس من السهل إلقاء شعر في قاعة مسرح جمهورها  لا يعرف سوى الألمانية كان علي  أن أستعين بالدكتور الراحل أبو العيد دودو الخبير بالجرمان ولغتهم ليترجم لي قصيدتين هما " اللعنة والغفران " و" بكائية بختي "، ففي يوم الافتتاح كرمني المنظمون بأن أكون ضمن الأربعة المختارين لقراءة شعرهم (سورتاريوس، وحجازي وتيوبالدي.. وأنا).
ولأنني رابع الشعراء فقد عرفت أن الجمهور الحاضر يعرف متى يصفق للشاعر ومتى يصمت؟.. وهو ما جعلني أطمئن لذلك اللقاء الشعري الذي تم تحت شموع سويسرية خافتة الإنارة. وعندما شرعت في قراءة قصيدتي ارتجالا دون الاستعانة بالنص مكتوبا وبصوت متغير النبرة مع استخدام لحركات اليد وملامح الوجه.. لاحظت أن القاعة اندمجت بصورة تلقائية مع القصيدة  مما أكسبها تصفيقا متواصلا.. وذات المشهد تكرر مع الممثل السويسري  الذي تم اختياره لقراءة القصيدة مترجمة حيث استعاد أجواء النص الدرامية.. فقد شهد الجميع ببلوغ الترجمة الرائعة للدكتور دودو مستوى من تفاعل الجمهور ما جعل البعض يعتقد أنها النص الأصلي.. شعرت في نهاية الأمسية أن الشعر لم ينته مثلما قال بعض المتعصبين للرواية والأشكال الإبداعية الأخرى وشعرت أن كل العرب حاضرون معي في تلك اللحظات السعيدة.. وزاد من ذلك الإحساس أن الشاعر الألماني سورتاريوس تقدم مني وقال لي: " كنت متألقا.. وكانت قصيدتك مؤثرة جدا"، وإذا تلقيت شهادة من شاعر كبير فذلك يعني أنك قلت شيئا مهما  هكذا فهمت كلمة سورتاريوس.. وهكذا قرأت في عيون السويسريين الذين أحاط بعضهم بي لأخذ صورة للذكرى..
في اليوم الموالي جاءتني شاعرة سويسرية نحيفة الجسم حليقة الرأس كأنما هي واحدة من غجر أوروبا الشرقية.. اسمها " صابينا نايف " بادلتني كثيرا من المجاملات وقالت لي إن ديوانها الأخير فاز بجائزة ألمانية كأحسن ديوان شعري للشعراء الشباب للعام 1999 وقالت إنها تعشق الشعر وتكتبه باستمرار.. غير أنها أدركت أن ما كانت تكتبه لا يعدو أن يكون كلاما تجريديا لا علاقة له بالشعر.. وأن الشعراء الحقيقيين هم الشعراء العرب !! الذين ينتمون إلى فصيلة المتنبي العظيم.
فحاولت أن أقنعها بأن الشعر ليس حكرا على أمة دون أخرى فهناك طاغور وسعدي الشيرازي وريمبو ونيرودا وإليوت وأراغون ودرويش.. لكنها قالت لي إن الذي يحمل ورقة ويقرأها كخطبة سياسية أمام الناس.. لا علاقة له بالشعر (!) وأضافت ثلاثة أشياء شدتني نحو قصيدتك: الأولى أنك قرأت دون ورقة، والثانية أنك استخدمت موسيقى جميلة ذات إيقاع مختلف، والثالثة أنك استعنت بحركات رأسك ويديك لتعطي القصيدة أبعادا أخرى.. هكذا يكون الشعر وهكذا يكون الشاعر! ... وافترقنا على هذه الكلمات.. وفي صبيحة الغد جاءت صابينا ومعها عدد من أصدقائها الذين يكتبون أو يحبون سماع الشعر وقالت لي: " أريدك أن تحكم     علي إن كنت شاعرة أم لا؟، فضحكت وقلت لها تفوزين بجائزة في ألمانيا وتريدين مني أن أحكم على شاعريتك وأنا الذي جئت أمتحن شاعريتي في بلادكم ؟"،  فقالت بلهجة مختلفة: " رأي شاعر عربي يهمني كثيرا! "، وراحت تقرأ أشعارا من الذاكرة مستعينة بحركات يديها وبموسيقى داخلية هادئة.. فقرأت مقطعا ما زلت أذكره:
كان الثلج يتساقط
وكان الشارع يفصل بيني وبينه
كلمني.. لم أسمع كلماته
كلمته.. لم يسمع كلماتي
الثلج غطى الكلمات!
صفقت لها، فقالت أخشى أن تكون مجاملا لي؟ ، فلم أجد بدا من أن أقول لها ليس أمامك في هذه الحال سوى أن تسألي المتنبي إن كنت شاعرة أم لا؟!.. وفي صبيحة الغد عدت تاركا ورائي المتنبي وضيوفه يقرأون الشعر ويتبادلون الطرائف ويهربون من برد شوارع زيوريخ الجميلة إلى قاعة " غاليري الأرض" حيث يقيم أبو الطيب الذي ترك الشعر جانبا وصار يسأل من يلتقي بهم عن.. معنى الحداثة

 

النوفمبريون.. رجال من نور

النوفمبريون.. رجال من نور

بشيبه ووقاره اقترب مني رجل يطرق باب الثمانين وقال لي بأدب جم وصوت عميق، وبعربية مفككة الأوصال "دعني أسلم عليك، ففيك شيء من بركات الثورة  الجزائرية العظيمة." فأصابني ذهول وخجل لكوني أصغر الشيخ مصطفى رهنما المناضل الايراني بأزيد من خمسين عاما.. ولم أجد لغة تناسب مقام الحديث مع رجل تعلق بالثورة الجزائرية إلى الحد الذي لا يمكن وصفه.. فقد ذكر لي أنه سجن سبعة عشر مرة لأجل الجزائر، إذ أن شرطة الشاه كانت تلاحقه أينما حل أو ارتحل داعما ومساندا لثورة نوفمبر.. فمرة ينظم مسيرة شعبية في طهران لدعم كفاح الشعب الجزائري فيسجن، وما أن يطلق سراح الرجل حتى يتنقل بين الناس في إصفهان جامعا التبرعات فيؤخذ إلى السجن، وحين يطلق سراحه يصدر بيانا في شيراز يدعو فيه لتأمين السلاح للمجاهدين في الجزائر فيسجن، ويعاود الكرة في خورمشهر فيلقي محاضرة حول انتصارات ثورة الجزائر فيسجن، وما أن يخرج حتى يكتب مقالا يدعو فيه الشاه إلى نصرة الجزائريين وقطع العلاقات مع فرنسا فيسجن.. وهكذا لمدة سبعة أعوام إلى أن استقلت الجزائر.. ولم يتوقف الشيخ رهنما عن النضال حيث فعل الشيء ذاته ويفعله اليوم وهو يفوق التسعين، كما بلغني، مع فلسطين.. إنما في غير زمن الشاه.

حدث هذا في شتاء 1990.. وفي المكان نفسه التقيت رجلا أنيق المظهر، وسيم الوجه، أوروبي الملامح، سمعت الذين حولي يقولون إنه أحمد هوبر.. سويسري مسلم، مناصر للقضايا العربية والاسلامية. تقدمت منه وقدمت له نفسي، فانفتحت سريرة الرجل، وقال لي "لا أعرف إن كان ما سأبوح له لك سرا أم مجرد حقيقة يعرفها قليل من الناس.. لكنني سأقول لك إن من أسباب دخولي الاسلام هي الثورة الجزائرية.." قلت له كيف؟ فراح يروي لي قصة المناضلين الجزائيين الذين عبروا الحدود الفرنسية السويسرية إلى مدينة بيرن وقادتهم الأقدار إلى بيت الكاتب الصحفي أحمد هوبر الذي سمع منهم ما لم يكن يعرفه عن الثورة الجزائرية، وكان حينها ذا حضور إعلامي متميز، ورغبة منه في معرفة الكثير أبقاهم في بيته عدة أيام، وكان خلال هذه الفترة يتأمل سلوك هؤلاء المناضلين المؤمنين بقضيتهم، وكيف أنهم كانوا يحترمون بيت الرجل ويقدرون ما قام به تجاههم، فكانوا يؤدون الصلاة جماعة، ويتحدثون بصوت خافت.. ومع مرور الأيام شعر هوبر أن هؤلاء الرجال أصحاب حق وأن تصرفاتهم تجعلهم أقرب إلى الملائكة، فسألهم عن الشيء الذي يجعلهم على هذه الأخلاق فقالوا إنه القرآن الذي يعلمنا، وهو الذي نقود به جهادنا وثورتنا.. فنحن ننتمي لشعب مسلم يرفض أن يذل أو يهان، لهذا أراد أن يعيش حرا.. ومن يومها بدأ اهتمام هوبر بالاسلام إلى أن نطق بالشهادتين.. وهو مدين منذ هذه الواقعة إلى ثورة نوفمبر المجيدة باختياره اسم أحمد.. السويسري.
هذه ثورة مباركة، لم تطلع من فراغ، لأنها خرجت من رحم أرض طيبة مؤمنة، وكان وقودها شعب أعلن منذ اليوم الأول كلمة السر "خالد – عقبة" ليؤكد للعالم أن إيمانه بضرورة الانتفاض على المحتل والبحث عن الحرية، ليس نزعة أفراد أو جماعة إنما هي محصلة شعور عميق بالحاجة إلى الحرية التي لا تتجزأ ولا تسمح بتلوينها.
التقيت خلال رحلتي في الاعلام والثقافة بالآلاف من مجاهدي الثورة، وكنت أسمع من كل واحد ما يكفي لتدوين عشرات المجلدات، وأشعر - وهم يروون قصصهم المليئة بالإثارة- أن معجزة هذه الثورة ليست في شهدائها فحسب لأنهم يمثلون الفئة الأكرم منا جميعا فليس هناك أكرم من التضحية بالنفس.. وهناك الشهداء- الأحياء من المجاهدين الذين أكرمهم الله بأن يستمروا بعد جهادهم الطويل في وطنهم الحر المتعافى من ربقة الاستعمار.
ولعل أعظم قصة سمعتها من أحدهم فيها من المعاني ما يجعل الانسان يكبر فيه روحه الوطنية النقية غير الملوثة.. فقد ذكر لي المجاهد الفقيد الحاج الباجي أنه كان محكوما عليه بالاعدام في سجن سركاجي وينتظر تنفيذ الحكم عليه كل ليلة، بل إنه كان يعيش حالة الشهيد أحمد زبانا يوما بعد آخر، مستعدا لاحتضان الشهادة التي يأملها كل واحد مثله.. ولكن شاءت الأقدار ألا ينفذ فيه حكم فرنسا الجائر فأطلق سراحه بعد وقف إطلاق النار.. وأمد الله في عمره فلا يجد ما يقوله للناس سوى "إنني أعيش في الفائدة".. أي كان يمكن أن تأخذ المقصلة رأسي في أي لحظة كما أخذت رؤوس آخرين.
 وبعد الاستقلال طلب من الباجي أن يعمل شرطيا في الميناء، يقوم بتسيير حركة سير المعمرين وهم يغادرون الجزائر يجرون أذيال الخيبة والانكسار، لكنه امتنع عن فعل ذلك وقال لا يمكنني القيام بشيء لا أفهمه، لكنهم أصروا، فما كان منه إلا أن قبل بالأمر الواقع واشتغل شرطيا يدير حركة المرور، وحدث أن مرت أمامه سيارة أحد المعمرين، بها الرجل وزوجته وابنتهما، وانتبه الباجي إلى أن المرأة كانت تحمل بين يديها مزهرية، فقل لها "هات المزهرية من فضلك" فلم تجد بدا من إعطائه إياها. فهل لكم أن تتصوروا ماذا فعل بها الباجي؟ لقد أفرغ ما في المزهرية من تراب قائلا للمرأة "يمكنك أن تأخذي هذه الوردة أما التراب فقد سقط من أجله مليون ونصف المليون من أبناء الجزائر.." ولم يزد على هذه الجملة شيئا.. أمام دهشة العائلة الفرنسية..
وبعد أشهر من العمل كشرطي، شعر بعض أصحاب الباجي أنه بحاجة إلى أن يغير الجو، خاصة وأنه فنان شعبي معروف، فقالوا له "ما رأيك في أن تذهب معنا إلى باريس.. للراحة والاستجمام؟" فقال لهم بلغة هادئة مداعبا "أعتقد أنكم تريدون التخلص مني والزج بي في أحد سجون فرنسا من جديد. لا تنسوا أنني كنت من المحكومين عليهم بالاعدام. ومن يضمن لي ألا ينفذ في حكم الاعدام؟" فردوا عليه "لا تنس أن اتفاقيات إيفيان تجب ما قبلها، فلا داعي للقلق". ورضخ لرغبة أصحابه واستخرج جوازا ثم سافر مع جماعته. وفي مطار باريس سأله شرطي الحدود بعد أن تأمل تجاعيد وجهه، وبشرته السمراء "كم يوما ستبقى في باريس؟" فرد الباجي عليه رحمة الله "تأكد أنني لن أبقى مائة واثنين وثلاثين عاما.." فلم يجب الشرطي سوى بأن ختم على الجواز وهو يقول "لأول مرة أسمع جوابا لا أجد له ردا..
هذه صورة من ثقافة المجاهدين الذين لم يأخذوا تعليمهم من أوكسفورد أو كوليج دو فرانس ولا حتى من الأزهر.. إنما تعلموا ذلك من إيمانهم بالحق في الحياة الكريمة، ومن جامعات الأوراس والونشريس وجرجرة وسركاجي ولامبيز.. وشوارع القصبة.
كان إيمانهم يكبر كلما شعروا أن شمس الحرية قريبة منهم. وكانوا يعلمون أن الملائكة تحرسهم في مواقعهم وهم يذودون عن أرضهم وديارهم، وأن الله ناصرهم ولو إلى حين.. هكذا كان النوفمبريون الذين حملوا راية الجهاد عالية وانتصروا على أعتى قوة في أواسط القرن الماضي.. إنهم رجال من نور وعزة وكبرياء شعارهم "رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، منهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا"..

 

الخارجون من متاحف الكرة..

مارادونا قال لميسي "لا تترك عرشك للبرتغالي رونالدو"، وميسي يقول إنه لم يشاهد بيلي لاعبا، وبيلي يعد ميسي بإرسال شريط فيديو يعرّف به وبمهاراته وإنجازاته، وميسي لا يرفض ذلك.. لكن روماريو الذي قال قبل سنوات للملك بيلي "ضع حذاء في فمك.." حشر نفسه في المسألة، وقال لميسي "لا تفكر في مقارنة نفسك بالملك بيليه.."، بينما لم يقل كريستيانو رونالدو شيئا على ما أعلم..

من لا صفر له.. يساوي صفرا

لو سئلتم عن أعظم إنجاز ابتكره الإنسان منذ أن قضم تفاحة الجنة فوجد نفسه في الأرض.. ستقولون الكهرباء أو الطائرة أو السيارة أو التلفزيون أو الهاتف أو الأنترنيت أو المكّوك الفضائي أو.. الهمبورغر.. وهكذا لا يخرج الأمر عن دائرة المبتكرات التكنولوجية والاختراعات العلمية.. أمّا أنا فأرجّح أن المنجز الحقيقي للإنسان هو الصفر..

صراع حول العرش

 

مارادونا الذي نسيَ أنّ عرشه يتساقط بعد أن صار ناديه، الوصل، ينهار بالخمسة يقول "لقد نصحت ميسي بألاّ يتنازل عن عرشه للبرتغالي كريستيانو رونالدو"، والجماهير البرتغالية تخرج إلى الشارع مطالبة جوزي مورينيو بالإشراف على المنتخب بعد أن وجد نفسه في خانة الملحق الأوروبي.. وبعد أن سمعوه يقول "أريد أن أدخل التاريخ..". وبالتالي عليه أن يغيّر الجغرافيا، ليكون بعيدا عن جوارديولا.. فعرش التدريب الإسباني لا يسع اثنين.

احذر فردة حذاء.. طائشة

إذا كان الصّفر هو أعظم اختراع، لأنه حلّ مشكلة الحضارة (..) فإنّ الحذاء هو أساس الديمقراطية، كونُ المسيرات لن تنجح دون أحذية متينة (..). لهذا دافعت عن الصفر أمام بقية الأرقام، ودافعت عن الحذاء أمام بقية الهندام (..) واهتمامي بالحذاء لا يعود لكونه من علامات الموضة، ولكن لارتباطه الوثيق بكرة القدم خصوصا.. فأنا لا أحيله إلى الزعيم الروسي خروتشوف حين راح يضرب بفردة حذائه على منبر الأمم المتحدة في تحدّ للأمريكان الذين يحاصرون كوبا في خليج الخنازير.. ولن أحيله إلى حذاء أبي القاسم البغدادي الذي لم ينجح صاحبه في التخلص منه بسبب تحميله كل أسباب المشاكل التي تعترضه وهو التاجر البخيل..

اجلبوا الماء للريال..

بوتين يعلن عودته لرئاسة روسيا، والهدف استعادة المركز الأول مناصفة مع الأمريكان، وأوباما يسعى لأن تبقى أمريكا وحدها فوق سقف العالم، والصين تزاحم الاثنين في صمت، والبقية يتفرجون.. تلك هي خريطة العالم سياسيا. أما رياضيا فإنّ الوضع مختلف، لأنّ المشهد لا يضم  فريقا أمريكيا أو صينيا أو روسيّا يتنافسون على المركز الأول.. واللعبة كلها في إسبانيا، الغارقة في أزمة مالية، والمنتشية بصراع عابر للحدود بين برشلونة وريال مدريد..

قوارير في ملاعب إسلامية..

الباكستان دخلت قلب الذرة، وصنعت القنبلة لتبني توازن الرعب مع الهند، وإيران دخلت هي الأخرى قلب الذرة ويبدو أن جنينها النووي صار قاب قوسين أو أدنى من الخروج إلى النوّر، وتركيا تنام على أشياء لا ندريها منذ أن قلَبَ أردوغان الطاولة على منتدى دافوس وعاد غاضبا إلى إسطنبول.. غير أنّ لكلّ واحدة من هذه الدول الإسلامية القوية، قصة مع القوارير والجلد المنفوخ..

ريبيري.. لنجدة القذافي

الفرنسي فرانك ريبيري، ذي الوجه المشوّه قليلا بفعل حادث مرور، أشهر إسلامه في العام 2006 ليحمل اسم بلال محمد يوسف، ويختار ألمانيا موطنا لاحترافه. فهو مثل أسماء كثيرة انجذبت إلى الاسلام في زمن وصمه بالإرهاب والتطرف، أمثال أنيلكا الفرنسي وفريد البرازيلي، ويجري حديث عن تيري هنري وفان بيرسي (..) وآخرون يفضلون الكتمان.

ريبيري الذي لا يختلف حوله اثنان في أنّه لاعب موهوبٌ، وقادر على أن يقلب الأمور في أيّ مباراة، بدأ منذ فترة يثير حفيظة الفرنسيين، ويدفع نحول تشكيل جبهة ضدّه، وهو لا يأبه بذلك، ويمكن إيجاز ذلك في المواقف التالية:

صحفيون بدرجة.. صالدانا

لم يُبْدِ الجزائريون غرابةَ من قول خليلوزيتش إن في هذا البلد أكثر من ثلاثين مليون مدرب (..) واعتبروا تصريحه تكريسا لحقيقة مفادها أنّ في كلّ بيت مدربا يعرف أسرار الكرة ويملك خطط اللعب التي تقود منتخب الجزائر ليس إلى التأهّل للمونديال فحسب، بل العودة بالكأس.. وبالتالي كان على روراوة أن يلجأ إلى قرعة لاختيار مدرب وطنيّ أبًا عن جد، قد يأتي من عين الحجل أو عين الدفلى أو عين الملح أو عين صالح..
كلّ الناس عندنا فقهاء في الجلد المنفوخ، وعارفون بفنونه من ألفه إلى يائه، وأوّل هؤلاء هم معشر الصحافيين الذين تحوّل كثيرٌ منهم إلى قضاة في محاكم الكرة، فيخوضون في مسائل فنيّة معقّدة يصلون من ورائها إلى أنّ هذا المدرّب عاجز، وذاك لا صلة له بالتدريب، والآخر لا يفهم شيئا في التكتيك.. ويطرحون البدائل، قد يكون أفضلها أن توكل المهمة للصحفيين أنفسهم. وأمام تصريح خليلوزيتش الذي قرأ الشارعَ الرياضيَّ الجزائريَّ في أقل من يومين، من خلال بعض صحفنا، أو يكون سمع من مقربيه شيئا أثار حفيظته، أطرح سؤالا، سبق أن طرحته قبل عامين، أيهما تفضل لو خُيّرتَ، أن تكون مدربا أم صحفيا؟ قد يكون اختيارك الصحافة لأنك حرٌّ في أن تمسح بالمدرّبين الأرض إن هم أخفقوا.. وتبحث لهم عن نقاط سوداء إن هم انتصروا. وإذا حدث وكنتَ سندا لهم فلن يدوم ذلك طويلا لأنه لا يختلف عن الزواج الكاثوليكي.. أما إذا اخترت مهنة التدريب فإن سلِمتَ من مقصلة النادي يكون مصيرك حبل مشنقة الصحافة والجماهير.. والفاتورة يدفعها الخاسرون، وتلك هي قاعدة اللعبة في كرة القدم.

بلا مواقع.. لا موقع لكم

أن تكون محترفا لا يعني أن تملك أحد عشر لاعبا ومدربا ورئيس فريق ينتخبه عشرة من الناس فيجد نفسه في مواجهة الآلاف (..) وأن تتصرّف كمحترف لا يعني أن تمتثل لبعض النصوص المنظمة للأندية وتتجاهل بعضها الآخر (..) وأن تنجح في احترافك لا يعني أن تلتزم بالمعايير المهنية بمنطق مقلوب، كأن تجلب لاعبين أجانب وكأنهم "حرّاقة"، وتنشئ موقعا إلكترونيا وكأنّه عقوبة مفروضة، وتضع علامات تجارية على أقمصة اللاعبين وكأنها دجاجات تبيض ذهبا.. وهكذا.

لقد دفعني الفضول إلى ولوج مواقع أندية الرابطة الوطنية المحترفة، ففهمتُ لماذا يشكو رؤساء هذه الأندية مما تكتبه بعض الصحف الرياضية وغير الرياضية، لسبب بسيط أنها مواقع "هواة" فارغة المحتوى، أو تتضمّن أخبارا ميتة لا تشكّل مصدرا لوسائل الإعلام، ولا تعتمدها الصحف في تتبّع الفريق واللاعبين، وجديد النادي. وبعضها ضربت عليه العنكبوت بنسجها (..) حتّى كأن أصحابه نسوا أنّ لديهم موقعا بحاجة إلى تحيين وتجديد معلومات.

فعلها جوردي.. فهل يفعلها إنزو؟

إنزو شيفو إيطالي لكنّه صنع مجدا مع شياطين بلجيكا، وزيدان جزائري لكنّه صنع مجدا للديّكة، فهل يفعل إنزو زيدان مع الاسبان ما لم يفعله مع ديكة فرنسا، ولن يفعله مع ثعالب الجزائر؟ فالطفل موهوب كأبيه، أخذ من كاكا الملامح، ومن زيزو فنيات التسديد، ومن أمّه عدم التفكير في العودة إلى مارسيليا، فهناك وطن آخر لآل زيدان، هو مملكة ابن زيدون (..).
لم يشأ زيدان أن يعرف الناس كثيرا عن ابنه في بداية مداعبته الكرة، لكنّ العيون كانت تسترق النظرات من وراء الأبواب المصفّحة، فرأت طفلا على أبواب الشباب يمتلك مهارات الكبار، ولم يعد نجم الكرة العالمية قادرا على حرمان الناس من رؤية إنزو، ولا الصحافة من الكتابة عنه، ففي العالم كثير من عائلات الكرة، يتوارثونها أبا عن جد، وليس في ذلك أي غضاضة، فابن البط عوّام..

ما لم يعشه السندباد

احذر مزاج قائد الطائرة؟

تعرفت على عثمان أثناء وجودنا معا في فعاليات الأسبوع الثقافي الجزائري بدمشق في أفريل 1995 وهناك اكتشفت رجلا مختلفا تماما، جزائري الطباع، حلو المعشر، ذكي الملمح، فنان بما تحمله الكلمة من أبعاد..
عندما جلس القرفصاء كما يفعل التوراق في حياتهم، كانت والدته خديجاتا على يمينه.. أغمض عينيه ليرحل بعيدا في إيقاعاته، ويحلق مع روحه دون أن يأبه بمن حضر أو من صفق له وهو يؤدي رائعته "دمعة.. دمعة".. وكان أهل الشام، وهم من أكثر شعوب الأرض ذائقة ومعرفة لأسرار الغناء، مشدودين إليه كما لو أنه جاء من الكوكب.. الأزرق.
صفقوا كثيرا، وهو ما يزال يعيد ترنيمة أغنيته في إيقاع تواتري منخفض بينما تشد أصابعه على أوتار العود كما يشد المحارب عل مقبض سيفه.. ويرسل عثمان ابتسامة عريضة تعبر عن حالة انتصار الجمال والإبداع في حضرة الصحو الفني والألق الرائع..
منذ دمشق صرت على تواصل مستمر مع عثمان بالي فكنت ألتقي به كلما كانت هناك فعالية كبرى يكون أحد صناع الفرحة فيها.. غير أن وادي جانت صنع الفجيعة وكأنه لا يعرف أن الذي جرفته مياهه هو واحد من أعظم فناني هذا القرن..

هارون الذي ضاع منّي في الخرطوم..

أحيانا يشدك الحنين إلى أحداث عشتها أو أماكن زرتها أو أناس تعرفت عليهم، فتستعيد في كل مرة تلك الوقائع، ورحلتي إلى السودان في 2005 تعد من أجمل الذكريات التي تستدعي في كل مرة استحضارها، ورواية بعض فصولها للآخرين..
اعتقدت أول الأمر أنه يمكننا أن نجلس في أي مقعد شئنا، كما هو الحال في خطوطنا الجزائرية، لكنني رأيت مسافري الخطوط المصرية وهم يبحثون عن مقاعدهم حسب بطاقة السفر، فكان حظ الكاتب سعيد بن زرقة رفيقي في رحلة السودان مقعدا في الصفوف الأولى بينما رمى بي الحظ في مقعد على الجناح الأيسر من الطائرة وبجانبي جلس مواطن مصري بلباس شعبي، لم يتحدث طوال الرحلة، وفهمت منه أنه لا يرغب في ذلك بسبب منع التدخين، في حين أنه من فئة الذين يتسببون في تلويث الرئتين.. كان بين الفينة والأخرى يسألني "وصلنا الخرطوم؟" فأجيب "لم نصل بعد.." وقبل الوصول بحوالي نصف ساعة سلمت لنا استمارات الدخول فطلب مني أن أملأ استمارته، ورحت أسأله عن الجهة التي يقصدها فقال "وانا إيش اللي عرفني.. آهي شركة إسمنت وخلاص.. وما اعرفش فين مقرها".. كان اسمه عبد الفتاح والباقي لا أذكره..

سبعة أيام دون نوم..

صيف 1999 كان متميزا بالنسبة لي، ففيه قررت التوقف عن الترحال من أرض إلى أخرى، والبقاء في البيت. هكذا قررت بالاتفاق ديمقراطيا مع أفراد العائلة.. ولكن "تسونامي" من الدعوات وصلني في يومين أو ثلاثة أيام، أما الدعوة الأولي فمن مهرجان المتوسط بإيطاليا، والثانية من الملتقى العربي والإسلامي الثوري ببيروت، ودعوة من مهرجان المحبة باللاذقية (سوريا) ودعوة من مهرجان صيادة الثقافي بتونس ودعوة أخيرة من مهرجان جرش بالأردن، في أقل من عشرة أيام، وكل مواعيدها متقاربة، ويصعب ضمان الإيفاء بها، ولو كان صاحبها ذا بساط سحري، لكنني توكلت على الله وقلت لزوجتي سأنكث عهدي هذه المرة، وأجيب بالإيجاب على كل الدعوات.. فقالت لي "إذا فعلتها فأنت السندباد". وسأريكم ما لا يفعله السندباد".
 دعوة إيطاليا وصلتني من جينو لوكابوتو مدير مهرجان البحر الأبيض المتوسط بمدينة بتشيلية الإيطالية الذي أصرّ على حضوري بهدف تكريمي بصفتي شاعرا تشغله قضايا الإنسان، أو هكذا قرأ في نصوصي التي ترجمت إلى الإيطالية.
هذه الرحلة دونتها أكثر من مرة لأنها، وردت إليّ من رجل مناضل من أجل القضية الفلسطينية، وأقام لأجلها مهرجانا فنيا وأدبيا، ودفع بلديته إلى تمويل ذلك رغم أنف المناوئين لهذا الخط السياسي الواقف مع قضية ليس من اليسير المجاهرة بالوقوف معها، لأن ذلك يعد سباحة ضد التيار..

شاعر يضحك على أمن المطار..

 أكثر الناس "رفضا" لأحقية نجيب محفوظ بجائزة نوبل  للآداب كان الدكتور يوسف إدريس الذي أعلنها صراحة أمام الملأ: " أنا أولى منه.." وتساءل الناس عن السبب الذي جعل سيد القصة العربية يخرج عن وقاره ولا يكظم  غيظه، وبدل أن يفرح الناس لفوز محفوظ  صاروا يطاردون إدريس وهكذا استطاع صاحب "الفرافير" و"النداهة" و"جمهورية فرحات" أن يقتسم الحدث  مع "سي السيد ".
كنت مدعوا إلى حضور المربد الشعري ببغداد في نهاية حرب الخليج الأولى 1988               مع وفد من شعراء وكتاب جزائريين، من بينهم أبو القاسم خمار وعياش يحياوي وعبد العالي رزاقي وبلقاسم بن عبد الله..  وكانت رحلتنا (الجزائر- باريس- بغداد) ذهابا وإيابا.. وفي عاصمة الرشيد المنتشية بانتصار ثمنه مليون قتيل، كان أبرز المدعوين الدكتور يوسف إدريس الذي منح جائزة صدام مناصفة مع جبرا إبراهيم جبرا، واعتبرها الإعلام آنذاك تعويضا له عن خسارة نوبل.

كيف تنبت لحية في خمسة أيام؟

ليت ابن بطوطة يطل عليّ من قبره فأروي له رحلاتي بين مطارات العالم فينسى حينها أنه حين بدأ رحلته على دابة شهباء من طنجة ليصل بعد سنوات طويلة إلى بلاد الهند والسند لم يشهد من المتاعب ما عشته في رحلة دامت خمسة أيام فقط.. وليت ماجلان وأحمد بن ماجد وفاسكو دي غاما يسمعون مني حكايتي التي أرويها فلا يتباهون أمام التاريخ بأنهم فعلوا ما عجز عن فعله غيرهم..

لا تصدق حلاق الخامسة صباحا..

ترددت في كتابة ما تقرؤونه، لكنني رأيت ألا أحرمكم من مقاسمتي شيئا من الذكرى الطريفة التي كثيرا ما رويتها لأصدقائي.
كان ذلك في مطلع العام 2000 حين تقرر كسر الحصار المضروب على العراق منذ حرب الخليج الثانية، فقد أقدمت بلدان عربية كثيرة على إرسال طائرات مدنية إلى بغداد تضم فعاليات من المجتمع المدني (برلمانيون، كتاب ونقابيون وإعلاميون..) كخطوة جريئة لإحراج المجتمع الدولي ودفعه إلى اتخاذ موقف مما يحدث..
ولم تكن الجزائر خارج هذا الموقف، وبادرت فعاليات كثيرة من مجاهدين وبرلمانيين ونقابيين واتحادات مهنية وكتاب وإعلاميين إلى تحديد موعد للذهاب إلى بغداد، وهكذا اتصل بي منسقو المبادرة وطلبوا مني الحضور على الثامنة صباحا بمطار هواري بومدين الدولي، وألحوا في ألا أتأخر عن الموعد.
أخبرت زوجتي، فقالت لي كعادتها "ومن يضمن وصول الطائرة إلى بغداد والعراق يحاصره الأمريكان وحلفاؤهم؟" قلت لها بلغة الفلاح الجزائري "الضّامن ربي.."، ورحت أبحث في دفاتري القديمة عن عناوين وأرقام هواتف أصدقائي في بغداد، من كتاب وإعلاميين ورياضيين، فهي فرصة لألتقيهم عن قرب.
ولأن الرحلة لن تدوم أكثر من أربع وعشرين ساعة، فليس هناك ما يحمله المسافر من متاع، وأفقت على الرابعة صباحا، فقد اعتدت على خداع عقارب الساعة لي.. وكعادتها قامت الزوجة بما تقوم به سيدة بيت تجاه زوجها المسافر، فأعدت القهوة، واطمأنت على أن كل شيء على ما يرام.. لكنها سمعت صوتي من الحمام "أين شفرات الحلاقة؟" فردت "لا أدري..". وحاولت عبثا العثور على ما يمكنني من حلق شعر وجهي، ولو شفرة مستعملة، ولكن دون جدوى.

لست السندباد..

لم يكن همّي عندما وصلت الصين زيارة ضريح ماو تسي تونغ ولا ساحة تان آن مين، ولكن حرصت على الوصول إلى سورها العظيم، وما إن بلغت المكان، نظرت إلى السّماء وأنا أقول "يا ألله أنا في المكان الذي يُرى من القمر" ثم سألت مرافقي ماذا تعني هذه اللافتة المكتوبة بخط اليد. قال لي "من وصل هذا المكان فهو بطل".. يبدو أنني كذلك.
وعندما زرت هانوي عاصمة فييتنام، اندهشت للبيت الذي ظل يقيم به القائد هو شي منه، لكن الذي شدّني أكثر هو ذلك الجزائري الذي فتح مطعما له يقدم وجبات مغاربية وعربية لشعب تربّى على الأرز ولا يعرف كيف يؤكل الكسكسي، وعندما سألته كيف جاءته فكرة اختيار هذه البلاد قال "سل زوجتي سليلة الجنرال جياب.." ففهمت..
أما عندما زرت شيراز الإيرانية فإنني لم أزر أكثر من مقام الشاعر الحكيم حافظ الشيرازي، وهو تحفة معمارية تليق بشاعر متفرد. وفي زوايا الضريح كتبت بخط بديع مقاطع من قصائده الخالدة "بستان" و"غولستان".. وقبل أن أغادر المكان اقتنيت أعماله الخالدة. أما في طهران فلم أنس ذلك الرجل المسنّ الذي ما إن عرف أنني جزائري حتى جاء يقبلني ويحضنني ويقول لي "إنني أشم فيك رائحة الثورة التي سجنت لأجلها سبع عشرة مرة. إنني واحد من أبنائها." كان اسمه مصطفى رَهْنَمَا..
وفي اسطنبول مخرت بنا السفينة نحو جزر الأميرات، وهناك سمعت من دليلنا السياحي أن هذه الجزر كانت في فترة سابقة منفى لمناوئي السلطان، ولا يأتي إليها إلا المغضوب عليهم.. واليوم لا يزورها إلا من أوتيَ جيبا ملآن وبطنا شبعانا.. ولا أحسبني منهما.. إنما أحببت أن أكتشف هذا المكان الذي تمنع فيه مركبات البنزين ولا ترى فيه إلاّ الحناطير تتحرك بحرية في دروب وعرة وملتوية.. إنما على الأطراف تنتشر القصور والفيلات التي ينعم أصحابها بمنفى.. مستحبّ.

لَقِّم المحتوى