عولمة الحب.. عولمة النار

أتنفس من رئة الكلماتْ
وتخنقني هدأة الصمت
أقتات مني
 ومني يكون الفتاتْ
أنا طائر من ألقْ
ولي بينكم وطن من ورقْ
شارع من نزيف المسافاتِ
يأخذني لحدود الغسقْ
أنا طائر المتعبين بأحلامهم
ليس لي أجنحهْ
وطني ساحة للجنازات والأضرحهْ
أنا طائر أتعبته النجوم فماتْ
أتنفس من رئة الصمت والكلماتْ
فتلبسني المقبرهْ
وتحرق أشرعتي المجمرهْ
هل أنا وردة من رحيق المساء
أم الوردة انكسرت في نهايات صمتي
ولم تحترقْ؟

أتنفس شيئا من الحب
لا ألاوكسجين يوزع في رئتيّ
بقايا الذي كان مني..
ولا القلب يهرب من نبضه
عندما يختنقْ

خرجت من الكلماتْ
لم يكن شارع الشهداء طويلا..
كما كان قبل مجيء صديقي
الذي قال شعرا وماتْ..
وصلت النهاية..
كل الشوارع تغلق أبوابها..
في مسافات عيني
صديقي الذي ماتَ
لوّح لي بيديه
وألقى بمنديله في العراء وفاتْ
ولوح ثانية واكتفى
ثم أطفأ قنديله واختفى
مشيت ثلاثين شبرا
وزدت ثلاثين أخرى
وألقيت راحلتي في الفلاةْ
رأيت أبي جالسا يتسلى بما كتبته الجريدةُ
عن جيش "إيرا" و"إيتا" و"جولو"..
وعن ناطحات السحاب التي رحلت في الغبارْ
عانقتها طيور مصفحة..
ورأى الناس شيئا من الخوف يكبر..
أدخنة..
وجدارا تصدع.. نارْ
رأى الناس شيئا من الموت..
شيئا من الصوت..
                     في "قندهارْ"
أبي كان يسألني عن حكاية "مُلا عمر"
"أمير" يرى في المنام الذي لا يراه البشرْ
يرى كل شيء..
كأي نبي يطاعْ
يصدقه المتعبون الجياع
                                ..هكذا "الطالبانْ"
أبي كان يسألني عن كذا..
وعن شارع يتمايل بين الذي يستحي أن يقول
                            ومن باع نصف اللسانْ
أبي كان يسألني عن كذا وكذا وكذا..
يغيب أبي ساعة
ثم يأتي ليسألني المرة الألف عن "قندهارْ"
ويسألني عن رسائل تحمل جمرا خبيثا
وعن ملك نسيته السنون بـ"روما"
          يحن إلى عرشه..
                               ملك بين غار وغارْ
يلح أبي في السؤال
يحيره أمر "تورا" و"بورا"
وقافلة قدمت من تخوم الشمالِ
ويسألني عن جميع الجهاتْ
عن الإنتفاضة والشهداء
                                     الصغار- الكبارْ
ويسأل عن عرفاتْ
أبي كان يسألني دائما..
ليتني كنت أعرف..
هل بينكم من يجيب أبي؟
ليتكم تعرفون..
ولكنكم تحسنون السكاتْ..

مشيت وكنت أخادع ظلي..
سأسبقه عن تبلغ الشمس نصف المدارْ
هو الظل أخدعه في الظلام.
ويهزأ بي في النهارْ
خرجت
 ولم أستلف من مقاهي المدينة
 فنجانها الخزفيّ
                 ولم ألتحف بالغبارْ
تلاحقني شرطة الحي..
أغنية "الرّاي"
تجرح صمتي "قناة الجزيرهْ"
دخلت الحديقة..
طارت عصافيرها..
همست وردة "يا أمير المساءات..
وحدك تكبر.
              والأمنيات قصيرهْ.."

أطل النهار علي..
ولم يك سبت المدينة أجمل من أمسه
مطر في الشوارعْ
صباح يفتش عن لحظة للهدوء
ونائحة في الصوامعْ
أطل النهار..
ولم يعرف الطفل أن الصباح انتهى
ولم تعرف الأم أن المساء انتهى
ولم يعرف العابرون إلى باب واد المدينة
أن القيامة تدنو إلى سدرة المنتهى
وكنت بعيدا..
أضم إلى القلب بعض الحنين
               ودمع الأحبة
                                  والمشتهى

رأيت ورودا تلاحق عاشقة جرفتها السيولْ
وطفلا يطل من الطمي يسأل عن موعد الدرس
سيدة تختفي في الذهولْ
وأنا شاعر يجتبي زمنا من رماد..
ويجدل أوجاعه من حديث الفصولْ
لمن أغنياتي؟
لمن كل هذي المسافة في الجرح..
ماذا عسى العاشقات تقولْ؟
لمن دمعة سقطت من غيوم على حينا..
ولمن شهقة الروح والسنديان؟
ولمن فاتحات المدى..
فالحكايا تطولْ

صباح الأحدْ
رأيت المدينة أكثر حزنا
وفي كل عين تنام عصافير هذا البلدْ
رأيت دمي مطفأ كالسجائر في كف أمّ
ومحترقا في شفاه ولدْ
رأيت الجرائد متعبة بالتعازي
بكيت البلدْ
و"باب.." المدينة مقبرة في العراء
لطوفانها نكهة الموت
والبحر قبر وسيع وتلك النعوش زبدْ
لك الله يا وطني..
ولك الأمنيات
لك الروح
إن لم يسعك الجسدْ

أطل النهار..
رأيت البنفسج في شفة امرأة نازفهْ
قال لي ظلها:
إنها منذ عشرين عاما هنا واقفهْ
قلت "هل عادة هي أم نزوة راجفهْ؟
قال لي" سل –إذا شئت- راحلة السندبادْ؟
لم تجئ..
ومضى كل شيء إلى حاله..
إنما كنت أبصرته في البنفسج مثلي..
وأبصرتها في الرمادْ
تشكل من كحلها عاشقا بدويا..
وتسقي ضفيرتها من عطور النساء
ومن غيمة خبأتها البلادْ
تمر المدائن بي..
وحداء القوافل منحبس
وعبير المواسم متشح بالسوادْ

غريبٌ عن الحي
أبصرني واقف مثله قال لي :
"غربتي وطنٌ في تجاعيد عمري..
وهذا خريف المدينة يتعبني ..
فلمن كل هذي التوابيت ؟
هل بينها نعش 'بختي'*..
وهل بينها زوج أختي ..
وجاري الذي بتروا ساقه في فرنسا ..
يقول : "عفا الله عني ..
          فأجل موتي"..
لمن كل هذي التوابيت ؟
لا تنتهي..
أحتسي المر..
    أشنق صوتي .
قبل عامين
كنت أزور المقابر أحمل فلا..
وأقرأ فاتحة الاحتقان وأمشي ..
غدا يحمل الناس نعشي
ويأتي الى حينا الميتون
يدقون أبوابنا
يسألون عن الخبز والماء والكهرباءْ
وعن ورق اليانصيب
               وعن ثرثرات النساءْ
وعن وطن يتساوى على أرضه
              الآثمون مع الشهداءْ
وراح الغريب يفتش
               عن موتة في المدينة
                       قبل انقضاء الشتاءْ
صديقي القديم الذي تاب من إثمه
قال لي ضاحكا :
­­-أنا لا أنتمي لدمي
       جنتي في فمي
والطواغيت في لغتي
        خشب في سقرْ
أفخخ سيارتي
وأعد الدقائق ..
       لا تنفجرْ
وأقيم قريبا من الحي "حاجز أمن مزيفْ"
فلا من يمرْ
 وأوزع كل مساء "بلاغا مزيفْ"
 فلا من يصدقني  ..
أنا لا أنتمي لأحدْ
أشتهي أن أعيد صياغة عمري ..
وأتلف تابوت إثمي
وأطلب غفران هذا البلدْ
قال لي:  ما الذي  كنت تفعله عندما كنتُ..؟
قلت :"أخبئ  وجهي وراء الجريدة
كي لا تراني ..
ولا يحمل الوجه حتفا
وأغيّر عنوان بيتي ..
إلى فندق آمن
أو إلى أي منفى
قال لي :"الذي فات ماتَ ..
     انتهى كل شئ . . سننسى"
أجبتُ :"اذا كنت أنسى وتنسى ..
                        وغيرك ينسى
ويصبح قولي وقولك ..
   في حكم  "كان" و"أمسى"
فهل قطرة الدم تنسى؟
مضى..
سقطت دمعة من شفاهي
وأطفأتُ في حسرة القلب شمسَا

قريبا من النهر
أبصرت شمعهْ
وآنيتين ودمعهْ
وسيدة في الملاءهْ
تسبح لله..
تجدل من قلب أيوب عمرا جديدا
وتعجن من سورة الصبر فاكهة للبراءهْ
سألت: أيا أمة الله هل تحسنين القراءهْ؟
أجابت: أنا وطني خيمة..
            القصور لكم..
فلتطلوا على خيمتي من بروج السحابْ
واملأوا جعبتي من قشور الخطابْ
وامسحوا بدموعي الذي يتبقى من العزّ..
من خلف هذا النقابْ
أغارُ عليكم..
وأخشى على الكلمات الصدأْ..
أنا امرأة من "سبأْ"..
إذا قيل مملكة الخوف ترقص فيها النساء..
وتشمخ فيها رؤوس الملأْ..
يكذّبُ قلبي النبأ..
سكت كطفل..
وأغلقت خلفي السؤالَ
وذبتُ كنافلة في الغيابْ

حذائي ترهل من كثرة المشي
قلت: تعبت..
بكى أسفا.
قال لي: هل سنكمل رحلتنا للنهايه؟
سكت..
فواصل صمتي الحكايه..
"أنا متعب..
هذه خطوتي تتعقبني
ربما أخطأ القلب قِبلتهُ
ربما أخطأ الفم قُبلتهُ
هكذا متعب دائما..
الذين رأوني أحاور أرصفة الأزمنهْ
ضحكوا من كلام همست به..
ونسيت بقاياه في الأمكنهْ
سألت جدارا: لماذا تقف؟
أجاب: وهل تعرف الجدران الجلوس؟
سكت..
فقال صبي تعلق في شجر التوت:
"سل قبل هذا الجدار الألفْ..
إذا نام أصبح باء وتاء وثاء..
وأصبح مستويا كالكتفْ..
أبجديتكم أتعبتني وأتعبتها..
ليس لي وطن غير قلبي
وهذي الحروف التي التصقت بجبيني
ومئذنة في ربوع النجفْ
ليس ما أريد
فكل الذي قد أردت.. انكشفْ"

إنني متعب..
أرهقتني خيوط العناكب في القبو
هذا الكتاب الذي ماتَ
يقرأني وأصدّقه
ويصدقني الناس
            لست النبيْ
كلهم يعرفون الحقيقة
لكنهم يستلذون قولي..
وكل الذي قلت مني إليْ
يا نبي الكلام الذي نسجته يدا
               عامر أو عليْ
هل أصدق أن الذي استنسخ الشاة مثلي.
وأن الجنين الذي كونته الأنابيب مثلي..
وأن "الفياغرا" اشتهاء خفيْ
وأن الفضاء انتهى علبة..
                       لعبة في يديْ
أنا لم أعد أفهم الآن شيئا
يقولون:
"عولمة الورد
أفهم أن الحدائق أكسدة للعطورْ
وعولمة الموت
               جدولة للقبورْ
وعولمة الحب
         أنثى تحط على شفتيها الفراشات..
          لا تكتوي بلهيب تلامسه بجناح من الطيف
          وحدي أمد إليها يدي فتثورْ
..............
يدي موسم لغدي
وغدي عولمهْ
وأنا مذنب
       والشهود يجيئون من آخر الأرض
        للسجن باب يطل على محكمهْ
لغتي مبهمهْ
إذا قيل أخطأ قاض بـ"ليما"
تسير إلى موتها "هيروشيما"
وكنت على سدرة الأنبياء أدورْ
                  والمرايا طيورْ

تعلمت من شيخ قريتنا
أن أقول الحقيقة ما دمت طفلا
وما زلت بعد الثلاثين طفلا..
تبدل شكل الكلام
مذاق الحقيقة دفلى
وما زلت طفلا..
يقول أبي:
وطن الطفل أم بلا منتهى
وأنا وطني
أن أقول الذي أشتهي
               لا الذي يشتهى..

قال لي بائع التبغ "خذ نفسا"..
ثم أكمل قصته لزبون البلدْ
"..لو تزوج (دودي) (ديانا)..
وأنجب منها ولدْ..
هل سيحكم عرش الضباب
أمير من الشرق أسمر مثلي
فتسقط كل العُقدْ..؟"
تخيلتُني..
قال "خذ نفسا.."
فتنهدت..
أردف "يا ليتني كنت هذا الأمير..
ويا ليتها لم تكن أجمل العاشقات
ولم يك في الأرض هذا الحسدْ.."

قريبا من الكُشك
فتشت في جيب ذاكرتي عن بقايا قصيدهْ
تساقط من شفتي "المتنبي"
وأورق في جيب كراستي "أدونيس"..
فأغلقت أزرار عمري..
وصافحني رجل قال لي:
"هل قرأت الجريدهْ؟"
ولكن حافلة أدركتنا فضاع الجوابْ
تسللت من ثقب باب
                    كملح وذابْ
مضى..
وانتظرت لعل يجيء
إذا لم يجئ..
قد تجيء الجريدهْ
إذا لم تجئ أكتفي بجريدة أمس..
لأني أعلم أن الذي كتبته الجريدة
أقرأه بعد يوم..
وبعد سنهْ
كل أخبارنا مزمنهْ
تتغير كل الوجوه
          ولا تتغير في – بلدي- الألسنهْ

يجيئون

أسماؤهم ورق ذابلٌ

والصناديق موبوءة..

وأنا واحدٌ من مائهْ

أتنفّس من رئة الكلمات..

ولا يملك الآخرون رئهْ

يقولون لي: أنتَ حرٌّ

فدعهم يقولون..

في الصيف تنتشر الأوبئهْ

سألتُ الصناديق:

هل أذنبَ القلب؟

قالت: وهل أخطأ الأشعريّة والمرجئهْ؟

 

 

حديث  الإذاعة هذا الصباح قميءْ

                 وصوت يجيءْ        

صديقي الذي أتعبتهُ السياسة يسأل أبراجه

                        عن سماء الغجرْ

                        وعن موسم للمطرْ

صديقي...

يصبّ دمي في فمي

 ويسألني عن جنون البقرْ

وعن "مارادونا"

وعن طفلة أنجبتها  "مادونا"

وعن شارع من دم يستحي من حجرْ..

ولا يستحي من بقايا (..)

بقايا (..) ولكنهم يعشقون الصورْ

ويحتفظون بصورة طفل يموتُ..

أبوه يلّوح باليد..

                لا من يرى..

وأرى في الجدار المسيّج

               شمسا ودالية و قمرْ

وصومعة في السماوات تسألني..

لستُ شيئا

أنا شاعرٌ أو أكاد..

ولستُ- كما تحسبين –  "عمرْ"

أفقت من النوم

ماذا رأيُت

وماذا رويتُ

ومن أي نبع ينزّ ارتويتُ..

                              رأيتُ العجبْ

ملوكٌ من الطّين

         .. تيجانهم من خشبْ

يصلوّن خلف إمام من الإفك

     ينبتُ في شفتيه الكذبْ

شدّني الظلّ نحوي

وأوجس مما رأى وأرى خيفةً

قال لي : "لا تقل إنهم يسمعونَ ..

ملوكٌ من الياسمينِ

              وتيجانهم من ذهبْ..."

قلت: "لكنّهم أسلموا أمرهم لنبيّ يخلصهمْ

من متاعب "إسرا.."

ومن إثم "كسرى"

ومن دمعة من عيون "منى واصفٍ"

ومن بسمة في ملامح "يُسرا"

و مما تراكم من فتنة في بلاد العربْ.."

...............

عفوكم إن رويتُ الذي قد رأيتُ

دمي ليس ثلجًا..

وقلبي المسافر في مدن الخوف

                                   ليس غريبًا..     

و ظلّي انتهى حكمة في رجبْ

فلا تسألوا القلب عن نزفه ما السببْ؟

استحي من شهيد رآني

أصبّ على الجمر ماء الهزيمة..

هل دمعة القلب تكفي

لأزرع صفصافةً في السكوت..

                               غضبْ؟

وأمضي إلى حيث تختزن الكلماتُ

دمي وفمي

وعيوني البعيدهْ

أنا شاعر هكذا قيل لي..

ربما أخطأ الناسُ

أو أخطأت كلماتي  الشريدهْ

دمي واحةٌ

وشفاهي قصيدهْ

فلا تسألوا الناس عني

ولا تكتبوا سيرتي

ولا تنشروا صورتي في الجريدهْ  

                                                                                                 سبتمبر 2001

Share this