عربيّة "عنتر يحي" أفضل من بعض المسؤولين..

عزالدين ميهوبي للجزائر نيوز:
عربيّة "عنتر يحي" أفضل من بعض المسؤولين..

يتحدث عز الدين ميهوبي، رئيس المجلس الأعلى للغة العربية، عن المثقف الإيجابي ودوره في مساعدة البلاد على تحقيق خطوات جديدة مستقبلا، فذلك هو شعار حزبه التجمع الوطني الديمقراطي الذي قال إنه لن يغيره وسيبقى فيه دائما. ميهوبي يرى نفسه أيضا رجلا عاش مسارا مهنيا وسياسيا وثقافيا كثيفا، يجعله مختلفا عن أي مسار رجل إعلام آخر عادي، ويقول في حواره مع “الجزائرر نيوز”، إن انتقاله من منصب إلى آخر، لا يشعره بتاتا بوجود يد تحاول إزعاج هدوئه، بل هو يأخذ حالة شد الرحال من مكتب إلى آخر على أنها مواصلة لتلبية نداء مسؤولين وثقوا فيه، ومن واجبه أداء المهمة المنوطة به. الواجب أيضا هو الذي دفع كاتب الدولة للاتصال سابقا، لكتابة قصيدة “رجل السلم” حول بوتفليقة يشيد فيها بدوره في استعادة الأمن، قناعة تكرس في الظرف الانتخابي الراهن ليصرح لنا أن لونه السياسي من لون الرئيس المترشح.

عز الدين ميهوبي المدافع عن ريادة اللغة العربية إبداعيا وتقنيا وعمليا، يؤمن بدور المثقف المباشر، ويدعوهم إلى المشاركة في الحياة السياسية والاجتماعية والابتعاد عن الحروب الفيسبوكية التي تسقطها في خانة النميمة والشتم. كما يؤكد في حواره، أن اتحاد الكتاب الجزائريين، الذي يعيش حالة تشنج وجمود، يمكنه العودة بقوة في هذه الآونة ويقدر أيضا على إعلان خياره السياسي في حال اتفق أعضاء المجلس الوطني على موقف معين حيال مرشح ما لرئاسيات 2014.

مررت بسلسلة من المناصب الإدارية والسياسية وكذا الإعلامية، مسيرة مكثفة من حيث النشاط والمسؤوليات، كيف استقبلت خبر تعينك على رأس المجلس الأعلى للغة العربية منذ أفريل 2013؟

الإنسان يشعر بأنه يؤدي مهام أوكلت له في دولته، يسعى إلى الوفاء بالتزاماته تجاهها، فأنا أولا اخترت المدرسة العليا للإدارة، التي عادة ما تقود المناصب فيها إلى مواقع معينة في مختلف هيئات الدولة. رغم أنني اخترت الصحافة في البداية، لأنني مولع بالكتابة وأشعر بوجودي أكثر، لهذا أكون ربما اختصرت المسافة بين الكتابة والمسوؤلية التي تقلدتها في هذه التجربة التي اعتقد أنها متميزة مقارنة بالذين احترفوا الصحافة أيضا. ربما أنا من القلة التي أخذت مسارا في كل أشكال العمل الصحفي والإعلامي... هذا المسار كان على تماس مع تجربتي في المجال الثقافي والرياضي والفني ثم السياسي حينما كنت نائبا عن ولاية المسيلة في صفوف التجمع الوطني الديمقراطي. هذا الكوكتيل من التجربة هو الذي هيأ لي إمكانية المشاركة في تأدية بعض المهام في مواقع تسند لي وأكون موضع ثقة سواء من قبل رئيس الجمهورية أو الجهات التي ترى إمكانية مساهمتي في تقديم إضافة ما في قطاع ما.

في مارس 2010 كنت مديرا على المكتبة الوطنية الجزائرية، وصلت إلى الحامة بعد عهدة قصيرة في منصب كاتب دولة مكلف بالاتصال؟

تجربة المكتبة الوطنية  مهمة جدا في مساري، والكتاب مسؤولية ومعه يتعامل الإنسان مع المعرفة. في المكتبة الوطنية وقع تراكم كبير، فهي لم تعرف التطور الذي يجب أن تكون عليه، كمكتبة عصرية تساهم في إشعاع الكتاب... كانت تجربة على أية حال لها ما لها وعليها ما عليها.

 

بعد تعيينك مديرا للمكتبة الوطنية علق البعض قائلا إنها “سقطة” الوزير الأسبق، وتراجعه عن واجهة الحدث وابتعاده عن الأضواء إلى غيرها من التعاليق؟

لا أنظر إلى  مثل هذا التنقل بين المناصب على أنه تراجع، لأن سقف المسؤولية هو طبيعة المهمة التي توكل إليك. لا ينظر إلى المسألة من سقف المنصب الذي يوجد فيه سواء كان وزارة أو غيره، الأهم هو أداء المهام والقيمة المضافة المقدمة للمجتمع. لست ممن يعتقدون أن نهاية المطاف هو منصب الوزارة، بل يجب أن نشعر أننا أصحاب دور مهما كان موقعنا.

كثير من الناس تقلدوا مناصب في الواجهة، لكنهم تراجعوا عن الأنظار، بينما يفترض بهم إيجاد مسارات أخرى، في كنف المجتمع المدني مثلا.

بمعنى آخر، لم تشعر أنك عُزلت في المكتبة الوطنية؟

لا بالعكس، كان شرفا أن توكل إلي مهمة الكتاب..عندما توكل لك مسؤولية قطاع نبيل مثل المكتبة الوطنية، هي رمز السيادة الوطنية. والمكتبات الوطنية في العالم عادة  تلحق بالرئاسة أو الكونغرس أو غيرها لأنها حاضنة للتاريخ و التراث وهوية أي بلد. بالعكس في المدة الأخيرة الكثير من الناس يتمنون أن يكونوا في ذلك الموقع الآن. المكتبة الجزائرية الوطنية تتوفر على مخزون هائل من الفكر والتراث الإنساني، ومن الذاكرة الجزائرية التي يجب أن تستثمر.

هل شعرت بالقيود التي وضعتها وزارة الثقافة على المكتبة، وحرصها على أن لا تأخذ منحى أمين الزاوي المدير السابق؟

هناك معايير حددتها اليونسكو، وضوابط تحترم. هذه المكتبة هي حافظة للذاكرة وليست لإقامة المعارض أو غيرها، وإذا ضمت ندوة فيجب أن تخص وظيفتها بالكتاب والمخطوطات لا غير. لو نقلنا المكتبة إلى غير وظيفتها، أي من الكتاب إلى النشاط الثقافي، يتغير مفهومنا لها، علما أن هناك هيئات مسؤولة عن تنشيط المشهد.

هل ترى أن الزاوي حاد عن مهمته كمدير للمكتبة الوطنية؟

هو ربما أراد أن يضيف شيئا. النشاط الثقافي ليس المهمة الأساسية لهذه المؤسسة. على القائم الأول على هذه المكتبة أن يشتغل بالكتاب، إذ لا يوجد مسؤول يعرف كم تضم المكتبة من كتاب، لا أحد يعرف الرقم الحقيقي، خاصة بملحقة فرانز فانون التي تعرف وضعا صعبا، وهي بحاجة لتخليصها من كم هائل من الكتب القديمة، أعترف أني اجتهدت لتحسين وضعها لكن الظروف كانت صعبة للغاية.

ما قصدك بالظروف الصعبة؟

الترقيم والرقمنة في آن واحد. لم نتوصل إلى حصر الكم المتوفر من الكتب، لأن الملحقة تعيش وضعا يعود إلى خمسين سنة خلت، تحتاج إلى فرق متخصصة للقيام بالمهمة، بصراحة الجهود التي يجب أن تبذل هناك غير متوفرة اليوم. والكتب هناك يتجاوز عمرها القرن، عكس الحامة تضم رصيدا حديثا. يفترض أن تنقل تلك الكمية إلى المقر المركزي لتحفظ الكتب في ظروف موحدة، فالمساحة تكفي لاستقبال زهاء 200 كلم من الرفوف. كما أن مقر المكتبة القديمة، لم يعد يصلح لاستقبال الكتاب تقنيا وفنيا. مشاريع كثيرة كنا نريد إدراجها لصالح بناية فرانز فانون لكن عائقات إدارية وتقنية أخرتنا. فيما يخص الرقمنة تركت مخططا أعتقد أنه سيفيد المكتبة كثيرا.

بالعودة إلى منصبك الحالي، كيف وجدت تركة العربي ولد خليفة، وقد كان لك متسع من الوقت للوقوف على أحوال هذه الهيئة، ما هي الخطوط العريضة التي ترسمها لمهمتك الجديدة؟

المجلس هيئة استشارية لدى رئيس الجمهورية، مهمته متابعة تطبيق تعميم واستعمال اللغة العربية في مختلف القطاعات، يرفع كل سنة تقرير إلى السيد الرئيس، ليضعه في الصورة. الدكتور العربي ولد خليفة، رجل مثقف يمتلك رؤية للثقافة الجزائرية وكيفية التصدي للأسئلة الكبيرة المطروحة، إدارته للمجلس كللت بنتائج مهمة، هو لم يكن ينظر للغة كمكون أساسي للمسألة وإنما كمنطلق كلي للهوية الجزائرية. لا يمكن أن نتناول المسألة من التفصيل، فهو لا يجتزئ من الهوية شيئا، والعربية لا يمكن فصلها عن باقي العناصر المكونة لهويتنا. كما أرسى ولد خليفة قواعد متينة للمجلس، سواء منابر أو ندوات وملتقيات وطنية ودولية، فضلا عن النشر (مجلتي “اللغة العربية” و«معالم”)...وأنا أواصل على هذا المسار الخادم للغة العربية، ولأنه مسار يترفع عن إثارة الموضوع ببعد شعبوي، مع الانتباه إلى التغيرات التي تحدث في المجتمع وضرورة الإصغاء إليها. أنا ضمن هذه الرؤية، مع إضافة عنصر الجوارية للتحسيس أكثر بأهمية اللغة العربية. سنقحم إلى جانبنا عديد الهيئات التي ستنشط في حقل دعم الثقافة واللغة، وأناس يمكنهم مساعدة العربية وخدمتها في كل المواقع، لأن المسألة لا تخص المجلس أو بعض الهيئات، فمن غير المنطقي أن نتحدث عن أن المجلس عليه تعميم اللغة العربية في المؤسسات والمستويات التعليمية، بينما دوره هو المتابعة، التشخيص والاقتراب. مؤخرا عقدنا جلسات مع قطاعات عدة، لمعرفة واقع اللغة العربية في القطاعات الوزارية، وتساءلنا أين وصل تعميم اللغة، وتلقينا قراءات واقعية وأسئلة وطلب مساعدة لتحسين الأداء.

لكن الواقع يثبت استعمال الإدارات للغة الفرنسية أكثر من العربية؟

لا هذا واقع مبالغ فيه، صحيح أن الفرنسية حاضرة في الإدارة والإعلام، إلا أن جهودا تبذل لتحسين الأداء باللغة الوطنية. ونحن عندما واجهنا تلك القطاعات بتلك الأسئلة طلبوا المساعدة بمعاجم وتدريبات. من يتعامل بالفرنسية في هذه الجهات، لا يقوم بذلك من منطلق إيديولوجي، بل لدواع عملية يفرضها التعامل مع أجانب سواء بالفرنسية أو الانجليزية أو غيرها.

المواطن يشتكي من مراسلات داخلية بين الإدارات تتم بالفرنسية وبعضهم لا يحسنها؟

لا هذا غير وارد، وإذا حدث يحق له أن يطالب برد باللغة الوطنية والرسمية. المواطن الجزائري لا يعرف أن له الحق في التعامل باللغة العربية التي يفهمها. لماذا لا نحاسب المجالس المنتخبة، في عدم خدمتها للغة الرسمية للبلاد؟ رئيس البلدية يرى يوميا واجهات المحلات بلغات غير العربية، لكنه لا ينزعج! علما أن ذلك الاستعمال لا يتعدى حالة الانبهار بالآخر، مع أنه يمكن إحداث الإعجاب بالحرف العربي الذي أبدع فنانون غربيون فيه.. البلديات ليست فقط لتهيئة الأرصفة وتقديم شهادات الميلاد وغيرها.... الأميار والولاة ورؤساء الدوائر هم الأحرص على تطبيق قوانين الدولة في القاعدة.

آخر تقرير رفع إلى رئيس الجمهورية، ما مضمونه؟

الجزائر هي البلد العربي الوحيد الذي يمنح اللغة موقعا رسميا كبيرا جدا. خصص لها هيئات ثلاث: المجمع الجزائري للغة العربية، المحافظة السامية للغة الأمازيغية والمجلس الأعلى للغة العربية. هو دليل اهتمام الدولة بمكونات الهوية الوطنية. تقريرنا يتضمن كل النشاطات التي قمنا بها على مدار السنة في الداخل والخارج، وشركاءنا وإصدراتنا، إضافة لملخصات عن التقارير التي توافينا بها الوزارات، ومنه تقديم مقترحات مفيدة لخدمة اللغة العربية.

يبدو أنه تقرير إيجابي على العموم، هل يحصر السلبيات أم يتجاهلها؟

طبعا يجب أن يكون التقرير لصالح اللغة العربية، علينا أن نقدم ما نراه مفيدا لها، التقرير يجب أن يشخص واقعا، ويقدم مقترحات.

الكفاءات الشبانية الصاعدة تتعثر في مسيرة التوظيف بعائق اللغة خاصة لمن لا يحسن الفرنسية بالدرجة الأولى؟

هذه أيضا مبالغة. أنا أرفض أن يوضع الطالب خريج المدرسة الجزائرية أمام خيار يفقد على إثره منصب عمل. مع أني أحبذ أن يتقن الطالب الجزائري أكثر من لغة. العالم اليوم يعيش غليانا لغويا. كل الدول فصلت في لغة المجتمع ولغة التعليم والعلم، وأدركوا أهمية تشخيص الواقع اللغوي. فرنسا تعيش مع لغات مجاورة، في أمريكا أيضا صراع بين الانجليزية الأمريكية والانجليزية الأصيلة، في إفريقيا أيضا عودة إلى اللغات الأم، التكنولوجيات ساعدت في إحياء ما يربو عن 5 لغات. الشارع الجزائري في غمرة هذا الغليان، والكل يريد أن يتعلم لغة إضافية، ويريد التدريس بلغات فرنسية و إنجليزية. لا يجب أن ننظر إلى مسألة اللغة كلافتة معلقة في الشارع، بل هي حالة عامة، علينا أن نؤسس لقاعدة متينة للمتمدرسين لتعلم لغات غير العربية.

يستعمل الشارع الجزائري لغة دارجة ويتمسك بها ويتحسس من جهة أخرى من اللغة الفصحى؟

لو تحدث هذا الشارع باللغة العامية كما تقولين لهان الأمر. المشكلة أن اللغة الهجينة، خليط من لغات عدة، كلمات مبتدعة، نتاج التحول السريع في ثقافة الاتصال، سواء على مستوى اللفظ أو الأبجدية. لكل بلد عاميته، ولغته الرسمية التي يتحدث بها رئيس الدولة للرأي العام. عندما كنت مديرا بالإذاعة، كانت محطة “البهجة” تستعمل الدارجة في الأخبار، وقد استهجنت الأمر، خاصة وأنها كانت تستعمل كلمات شاذة تسيء لطبيعة الخبر وتشوهه، فطلبت منهم استعمال لغة رسمية لأي نشاط رسمي. قرار احتج عليه البعض، بحجة أن عامة الشعب لا يفهم، واستغربت هذا التعامل مع المتلقي الذي يتابع يوميا نشرات أخبار من كافة العالم وبلغة عربية فصيحة.

تقول إن العربية هي لغة رسمية، فكيف تفسر الهزال اللغوي لدى المسؤول الجزائري، وارتياحه في لغة موليير مقابل عثرات وزلات مفضوحة عند اضطرار استعمال العربية، هذا تناقض؟

ليس تناقضا، اللغة هي ممارسة، بعض المسؤولين بدؤوا قبل سنوات بعربية محدودة، وصعوبة التعبير عن بعض المسائل ذات طابع تقني، لكن مع الممارسة تحسنوا كثيرا.

من من الوزراء ترى أنهم اجتهدوا في تعلم العربية وطوعوا لسانهم على لغة الضاد؟

كثيرون، يحضرني اسم خليدة تومي وزيرة الثقافة وهي تقر أن تعاملها المستمر بالعربية جعلها تكون أكثر انسيابية فيها على عكس الأخرى، أذكر أيضا كريم جودي وزير المالية، بذل جهدا كبيرا في تعلم العربية، وهو الذي قضى كل مراحل دراسته باللغة الفرنسية، لكنه احترم مؤسسات دولته وتعلم ونجح ويقدم مداخلاته في البرلمان باللغة الرسمية. هناك الكثير كمدلسي، داخل السياسة وخارجها في الفن والرياضة، ولنا في عناصر الناخب الوطني مثالا حيا، شباب ولدوا في سياق مغاير لكنهم بالممارسة تعلموا. وعنتر يحيى نموذج على قدرة تعلمها.

عثمان سعدي رئيس الجمعية الجزائرية للدفاع عن اللغة العربية، صرح قائلا إن “اللغة العربية مذلولة في الجزائر والفرنسية هي السيدة”، ما تعليقك؟

هذا تشخيص عثمان سعدي أحترم رأيه، وأنا لا أرى بلدا ثلث أبنائه يدرسون في المدرسة باللغة العربية أنها مذلولة، حركة النشر قوية باللغة العربية، 54 إذاعة وطنية، 52 منها بالعربية، ناهيك عن الصحف. لا يمكن أن نقول ذلك فقط لأن مسؤولا معينا تحدث بلغة فرنسية، أو أصدر بيانا بغير العربية.

إشكالية اللغة العربية في الجزائر يثيرها أصحابها دائما من منطلق نظرية المؤامرة وأنها تتعرض لمخطط تغريبي أو تصارع التيار الفرانكفوني، لماذا توضع هذه اللغة دائما في هذا المعترك؟

الظاهرة حكر على الجزائر وحدها، الدول المجاورة كتونس والمغرب، لا يعيشان هذا التعارك، رغم أنهما عاشا  الظروف التاريخية نفسها أو أقل بالنظر إلى حدة الاستعمار الفرنسي الاستيطاني الذي سعى إلى اقتلاع العربية من حنجرة الجزائري. من يثيرون المسألة اللغوية في الجزائر من زاوية صراع وتآمر فقط، مدفوعون بنزعة انتهازية لا أكثر، ويجب أن نتجاوزها. من جهة أخرى لم يقع حوار عميق بين النخب التي تكتب باللغتين العربية أو الفرنسية، ليكسروا هذه النظرة التي امتدت إلى دوائر إعلامية وسياسية.

في رأيك من قطع خيط التواصل بين النخبتين، ومتى انقطع تاريخيا؟

كانت هناك بعض الإيديولوجيات المتطرفة في بلادنا هي التي كرست هذه النزعة، خاصة في السبعينيات وما تلاها من سنوات، وتكرست أكثر مع تحولات التسعينيات، حيث حدث تصنيف للأفراد على أساس أن الذي يكتب بالعربية هو بعثي، والكاتب بالفرنسية هو نصير حزب فرنسا. هذا الانقسام هو الذي جعل دور النخب سلبيا في زمن الأزمة، صوتهم مشتت لا يقوى على الدفاع عن حق الجزائريين في مجتمع كريم متعدد، لدرجة ظهر مصطلح “المجتمع المفيد” و«المجتمع غير المفيد”.

الوزير الأول الفرنسي جون مارك آيرولت في زيارته للجزائر ديسمبر 2013، قال “إن الجزائر هي ثاني بلد فرانكفوني في العالم”، سجلنا ردود أفعال بعض الجهات، ولم نسمع صوت المجلس؟

هل آيرولت هو المسؤول الفرنسي الوحيد الذي صرح بمثل هذا الكلام، نحن سمعنا جزائريين قالوا الكلام نفسه وأكثر، كما أن الفرانكفونية تعرف تراجعا محسوسا في عدد المتحدثين باللغة الفرنسية، 270 مليونا فقط، مقابل 420 مليونا بالعربية، عدد المنخرطين في المنظمة 57 بلدا وبعضها لا علاقة له أصلا بالفرانكفونية.

لكنها منظمة تتجاوز البعد اللغوي والثقافي، وهي صندوق يمنح أموالا ويساعد ويؤثر أيضا في السياسات؟

أكيد أنها قاعدة خلفية للدفاع عن السياسة الفرنسية، التي تبني جزءا من استراتيجيتها على اللغة. في 2007 أسست فرنسا هيئة يرأسها أرفي بورج، مهمته تشخيص واقع اللغة الفرنسية في العالم، ووصلت إلى نتيجة سوداوية لمستقبلها. رغم مساعي إنشاء جامعات وقنوات إذاعية وتلفزيونية وبرامج تروج للغتهم. لهذا عندما أسمع مثل هذا التصريح، لا أستغرب، فلا طالما كانت الجزائر أقرب إقليم في مستعمرات فرنسا الكولونيالية، لا يمكن استثناء الجزائر من مشروع فرنسا السياسي، إضافة إلى السنغال والكاميرون وكاليدونيا الجديدة، وعليه فإن مثل هذا التصريح يدخل ضمن الثقافة السياسية الفرنسية المكرسة في خطابها.

يعني أن المجلس لا يرى داعيا لمثل هذه المواقف؟

ليس دوري أن أصرح ضد أو مع مثل هذه التصريحات. دوري هو الدفاع عن العربية والسعي إلى ترقيتها وتطويرها...

هل يخاف المجلس السياسة؟

أنا ملتزم بمهام محددة في المرسوم المؤسس لهذه الهيئة الاستشارية، ليس من مهامي ترك مسؤوليتي وأخوض في مسائل يمكن لجهات أخرى أن تخوض فيها، وإذا كان علي فعل ذلك فسيكون باسمي الشخصي كمثقف وكاتب وبشكل مستقل عن مسؤوليتي في المجلس.

انعام بيوض ترى أن اللغة العربية تعرضت إلى مخطط سياسي إمبريالي، في إشارة منها إلى المستعمر الفرنسي، في المقابل ثمة سؤال يتكرر عند العام والخاص، يتعلق بانتصار الثورة الجزائرية للغة العربية أو تخليها عنها؟

القس صاموئيل زويمر عند احتلال الجزائر قال إننا لم نأت لهذه البلاد للنزهة، ولكن لنبدل لغة بلغة ودينا بدين وتقاليد بتقاليد. الجزائريون في بداية الاحتلال كانوا أكثر تعلما وثقافة، ويتوفرون على أكثر من المدارس والكتاتيب مما أصبحوا عليه بعد قرن من الاستيطان. فبلد عاش هذا القهر، وينبعث من جديد ليحافظ على لسانه ودينه، ويؤسس مدرسة تقدم تعليما بالعربية، ثم جامعة وإدارات يحتاج اليوم جهدا إضافيا، يؤديه خبراء البحث العلمي ومن الإعلام الذي سقط في السطحية والثقافة الاستهلاكية.

ماذا عن قانون تعميم اللغة العربية، الذي يراه البعض مجمدا إلى اليوم؟

بل هو ساري المفعول، ونحن نعمل على ضوء ما ورد فيه، أما الجوانب الأخرى التي تبقى غير معمول بها، فلا تنفي وجود القانون الذي بموجبه أنشئ مجلسنا.

علي بن محمد يتهم المجلس الأعلى بالتقصير في تفعيل هذا القانون؟

ماذا يريدنا أن نفعل، نحن نعمل ضمن القانون الموجود، ربما هناك ناس لها أبعاد أخرى ورؤية مغايرة، وقراءات أخرى لدور المجلس الأعلى للغة العربية لا نعرفها.

لا شك أنك مطلع على التطورات الأخيرة لاتحاد الكتاب الجزائريين، وبروز فريق يريد رسم خطة طريق مختلفة عن التي حددها يوسف شقرة منذ توليه الرئاسة، ما هي معلوماتك عما يجري في بيت الكتاب؟

ارتباطي بالاتحاد توقف منذ 2006 تقريبا، في مرحلة دخلنا فيها أتون معركة كنا فيها رابحين لكن في الأخير كلنا خاسرون رغم أني خرجت منتصرا قانونيا، إلا أن هناك من خانوا ودخلوا في معركة لا معنى لها، من نتائجها ما آل إليه الاتحاد اليوم، من عدم استقرار، انشقاق.. كان لابد أن يكون حوارا بين الفرقاء، فمن غير المعقول أن يكون الاتحاد غائبا عن أهم التظاهرات الثقافية التي مرت بالجزائر.

حاليا أنا خارج عن كل ما يجري في اتحاد الكتاب، وأرى نفسي غير معني بهذه الصراعات، وفي كل مرة يستأنس بي الأصدقاء برأيي أدعوهم إلى التقارب، وقد ساهمت بشكل ما في تقريب وجهات النظر، فمحكوم عليه بالاتفاق للتحضير للمؤتمر القادم الذي يجب أن يضم أكبر عدد للمنخرطين في هذه الهيئة، خدمة للثقافة الجزائرية.

أفهم من كلامك أنك مع الفريق المتحرك مؤخرا والداعي إلى فتح أبواب الترشح للكتاب جميعا دون استثناء؟

لا لست مع أي فريق كان. ولن أدخل في أي صف منهما.

كيف تقيم عهدة يوسف شقرة؟

يوسف صديق، وكان رئيس فرع عنابة في فترة رئاستي للاتحاد. هو إنسان يجتهد، لكن الظرف الذي تولى فيه الرئاسة، كان صعبا، والتركة كانت عبارة عن شرخ كبير وقع بين الأعضاء. للأسف الذين تسببوا في ذلك الشرخ انسحبوا تماما من الواجهة الثقافية وتركوا الاتحاد على حاله. كان يفترض أن يأخذ جيل جديد بزمام الاتحاد، وكان ذلك مخططي إبان مؤتمر سكيكدة، أن أفسح المجال لأصوات جديدة، بمجرد انسحابي ومن كان معي آنذاك. لأن الذين خاضوا معركة ضد عز الدين ميهوبي في 2005 خاضوها لدواع سياسية وحزبية بحتة، أرادوا تطويع الاتحاد ضمن مسار معين.

حتى ما يحدث الآن يمكن أن يقرأ بخلفية سياسية محضة ونحن في غمار رئاسيات 2014؟

هل تتخيلين أن الاتحاد سيغير مسار سياسة البلاد. نحن نريد له فقط أن يساهم مساهمة بسيطة في الحياة الثقافية، وإبراز جهود بعض الكتاب، ولا نغيب عن الحالة الثقافية العربية عموما، لأن الواقع يفرض أسئلة عميقة ويفترض في غمرة تحول الشارع العربي أن يكون للاتحاد صوت.

لا شك أنك تعلم أن اتحاد الكتاب يستفيد من دعم وزارة الثقافة للنشر، كأي دار نشر أخرى، مع أن دوره يتجاوز ذلك بكثير، الاتحاد الآن مستفيد من امتيازات مالية معتبرة، ضمنت لرئيسه أجرا شهريا؟

لا أدري إن كان ذلك يحدث فعلا، في عهدتي لم أكن أتلق أموالا من أية جهة، وأبدا لم يكن لي دخل شهري. هي مسائل لا أعرفها ولا أريد الخوض فيها، علما أن بعض الاتحادات العربية مثل مصر تمنح أعضاءها أجر تقاعد.

عندما يؤدي الاتحاد دوره كنقابة تدافع عن حقوق الكتاب؟

واتحادنا فيه شق نقابي طالما أنه يدافع عن مطلب من المطالب.

الاتحاد لا يطالب ولا يناقش أمهات المسائل في البلاد؟

للأسف غاب اتحاد الكتاب عن مناقشة أبرز المسائل والقضايا الحيوية في الحياة الثقافية، نأمل فيما سمعناه مؤخرا بوجود تقارب بين فريق شقرة والفريق الثاني، ويفترض أن يتنازل كل واحد للآخر، حتى يصلوا إلى أرضية مشتركة. عليهم أن يعرفوا أنهم في التوقيت المناسب ليعود الاتحاد بقوة، ليناقش المشاريع المطروحة، في 1999 كتبنا رسالة إلى المرشحين للرئاسيات وجلسنا إليهم وسلمناهم رسائلنا التي تضمنت كيفية تحسين أداء الثقافة في البلد..

تقصد أن اتحاد الكتاب يجب أن يغتنم فرصة الرئاسيات المقبلة ليعيد إسماع صوته، بل يمكنه ترشيح فلان أو علان؟

دوره التبليغ أولا، في 99 قلنا الاتحاد ينأى بنفسه عن هذه ولكن يبلغ المرشحين بما يلزم. كما يستطيع الاتحاد إذا كانت فيه الغلبة من الأصوات التي تفرض ترشيح كفة معينة على حساب أخرى، عليهم أن يعلموا أن الثقافة أكبر من السياسة وأن الاتحاد أكبر من الحزب في حقيقة الأمر. الاتحاد يحتكم إلى مجلس وطني، وإذا اختار هذا الأخير توجها أو موقفا معينا، فله ذلك، وعليه تحمل مسؤولية كتابه ومثقفيه.

لا يمكن استبعاد القراءة السياسية للتحرك الحاصل في الاتحاد؟

ما أعرفه هو أن الحراك جاء عشية التحضير لمؤتمر المطابقة مع القوانين الجديدة. ربما هذا ما أعطى الانطباع بتزامن الحراك مع الوضع القائم في البلاد.

المتصارعون على المناصب في الاتحاد محسوبون على التيار المعرب، بينما الكتاب بالفرنسية استقالوا تماما من الهيئة وهم يتحركون في فضاءاتهم حيث يبدعون ويسافرون وينشرون ويتطورون؟

عرف الاتحاد أسماء تكتب باللغة الفرنسية أمثال مالك حداد ومولود معمري وعبد الرحمن لوناس... شخصيا كنت دائما أطلب من المفرنسين الالتحاق بالاتحاد والنشاط في كنفه، بل حتى الكتاب بالأمازيغية، كان شعاري في 1998 هي “الكلمة أولا الحرية أبدا”. وألغينا لجنة الانضباط أيضا، على أساس أن الكاتب حر، إلا إذا ثبتت فيه صفتان: إرهابي أو خائن. أما الكاتب فيكتب مع من شاء، مع السلطة أو ضدها، ويستعمل اللغة التي يريدها.

ككاتب وشاعر ورجل ثقافة وإعلام لم تجد حرجا في الإعلان عن لونك السياسي، والتصريح بقناعتك في وقت يتمسك عامة الكتاب في الجزائر بكلمة “خاطيني السياسة”؟

أسمي موقفهم بالسلبية في التعامل مع الحياة، لما التحقت بالتجمع الوطني الديمقراطي كان ذلك عن قناعة، ولم يسبق لي أن انخرطت قبله في أي تنظيم، والأرندي هو الحزب الذي دخلته وأنا باق وسابقى فيه ولن أرحل عنه إلى أي جهة مهما كانت. في تلك الفترة كنا مجموعة كبيرة من الكتاب التحقوا بالبرلمان في 1997، وكنا أعضاء في لجنة الإعلام والثقافة، وشاركنا وساهمنا واقترحنا أشياء ملموسة في سياسة الكتاب، أما إذا احتار الكاتب أن يبقى بعيدا عن السياسة ويكتفي بالتصريح من بعيد، فعليه أن يخوض غمار التجربة، ليرى ما يحدث فعلا في الميدان.

ميهوبي طوع قلمه لكتابة الشعر والأوبرات وأعمال عدة لغرض تمجيد إنجازات الدولة، بل السلطة تحديدا، كأن تكتب قصيدة شعرية في مدح بوتفليقة بعنوان “رجل السلم”...؟

نعم كتبتها ونصوصا أخرى، ومقتنع بكل ما ألفته لحد الآن وأتحمل تبعات ذلك، لأني أعرف كيف كان الجزائريون يعيشون في التسعينيات، يوميات الخوف والفاجعة والموت والانهيار، كلنا تمنى نزول الأمن والاستقرار. يأتي رجل اسمه عبد العزيز بوتفليقة يأخذ على عاتقه مشروعا وبرنامجا قويا لصالح استقرار البلد، حقق ذلك، فمن حقي أن اقول له شكرا،  وإلى جانبه كل مؤسسات الدولة التي أسهمت في ذلك. لهذا لا يهمني وصفهم لي...

بأنك مثقف سلطة؟

وماذا في ذلك! لن يزيد الوصف ولن ينقص مني شيئا. قلت ذلك من قبل وسأقوله غدا، أنا مثقف سلطة. فقط أطلب من الذين يرفضون التصريح بما تم إنجازه في الجزائر طيلة عشرية كاملة، هل سينكر أن الأمن لم يتحقق للجزائريين؟ قناعتي هي الأمن قبل الحرية. القصيدة التي كتبتها في رئيس الجمهورية لم تُطلب مني، بل كانت بقلم مواطن جزائري أب عائلة، ابن عائلة، جزء من مجموعة، أشعر بأن هذا واجب.

أتخيل أن قناعتك ببوتفليقة لم تزعزعها الأيام وصوتك ينضم إلى المنادين إلى العهدة الرابعة؟

طبعا ما أزال مقتنعا بما حققه وما يمكن تحقيقه، لأن ما تحقق مع عبد العزيز بوتفليقة تجاوز السقف الذي كان ينتظره المواطن. أي أن النتائج أكبر من التوقعات، وعليه فأنا مع الرئيس المترشح ولا أملك ألوانا أخرى.

ياسمينة خضرا، مثقف اعلن ترشحه لرئاسة الجمهورية، كيف استقبلت خبر تقدم روائي إلى أكبر منصب في الدولة؟

صادف أني قبل أن أسمع هذا الخبر بشهرين، كتبت مقالا في إحدى المجلات العربية، وقلت إن من دون شك مولسهول يفكر في كتابة رواية جديدة تتحدث عن المسار الذي يأخذه المرشح للرئاسة. وقلت إن ربما البطل المستقبلي لياسمينة خضرا سيكون “هو” ويترشح. فإذا بي أفاجأ به يدلي بتصريح عن ترشحه لهذا المنصب، ويقول إن الفكرة بنيت فعلا على هذه الشخصية التي ستكون محور نصه المقبل.

تعتقد أن الدافع الوحيد أدبي محض بلا طموحات سياسية؟

هو قال هذا، ومن دون شك أنه قرأ كل احتمالات الربح والخسارة، لحد الآن لا نعرف حدود فوزه، في المقابل أعلن صراحة أن حظه 99 % خسارة، وأنه يرى أن هناك أملا ما في مكان ما مع الشباب والنساء الذين قد يشكلون قاعدته الشعبية.

تتوقع قدرته على جمع التوقيعات المطلوبة قانونا لهذه الخطوة؟

خضرة فنان، وقد تصدر من أي واحد من الفنانين سلوكات يجب تفهمها، على كل حال هو يبقى كاتبا له مكانته وقيمته في الثقافة الجزائرية والعالمية.

ماذا عن طموحك السياسي في المرحلة المقبلة؟

أنهينا مؤخرا المؤتمر الرابع للتجمع الوطني الديمقراطي، بشعار “خطوة نحو المستقبل”، فنحن جزء من هذا البلد، ونتمنى أن تخطو البلاد فعلا خطوة نحو المستقبل. وأملي أن يستعيد المثقفون الجزائريون دورهم الحقيقي، ويبتعدوا عن المناظرات الفيسبوكية، لأنهم حولوا صفحاتهم إلى منبر للشتائم والمساس بخصوصيات الناس. فإما أن يقدموا أفكارا وبدائل أو ليصمتوا ويكتفوا بكتابة رواية أو شعر.

حاورته/ نبيلة سنجاق

 

Share this