أيها الفوهرر.. أخرج من جحرك

مقال ميهوبي نشرته الوطن القطريّة
أيها الفوهرر.. أخرج من جحرك

منذ أيّام أُفرج عن النسخة الإلكترونيّة لكتاب "كفاحي" الذي ألفه الزعيم النّازي هتلر، وتهافت عليه النّاس من كلّ مكان، كون الكتاب من المحظورات بإيعاز من حماة السّاميّة.. ولكنّ كتابًا لطالبة برازيليّة، تدعى سيموني، صدر منذ أيّام، فتح النقاش مجدّدا حول هتلر وليس كتابه، فهذه الباحثة تقول إنّها نجحت في معرفة مصير الفوهرر بعد هزيمته في 1945، وأنّه فرّ إلى أمريكا اللاتينيّة، واستقرّ في قرية برازيليّة محاذيّة لبوليفيا اسمها "نوسا سنهورا.." وأخذ لنفسه اسمًا هو "أدولف ليبزيج"، وتضيف الكاتبة أنّ هتلر اتخذ من امرأة سوداء اسمها "كوتينجا" زوجة له إلى أن توفي عن عمر 95 عامًا.. وذهبت إلى أنّها قامت بفحص الحمض النووي لجثة هتلر المفترض وقارنته مع أحد أقاربه المقيم في إسرائيل لتصل إلى أنه بعينه، وأنّ ما قيل سابقًا محض افتراء وتدجيل.. غير أنّ الباحثة تعطي مبرّرا أشبه بالأفلام الهندية حين تقول إن هتلر توجّهإلى ولاية "ماتو جروسو" البرازيلية، للبحث عن كنز مدفون بموجب خريطة حصل عليها من حلفائه في الفاتيكان (..) وكأنّ الزعيم النّازي تحوّل من قائد حرب إلى مغامر مثل روبنسون كروزو الباحث عن الكنوز في الجزر البعيدة..

ورغم أنّني قرأت كثيرًا من حكايات الفوهرر التي تقول إنّه لم ينتحر وانتقل خارج ألمانيا متنكرا، فإنّ ما كتبته هذه البرازيليّة عشيّة المونديال، ربّما يكون دعاية لقرية نوسا سنهورا، أو أنّها ستغري الطماعين بالبحث عن كنز مفقود في ماتو جرسو.. ومع هذا فإنّ هناك مسألتين تؤكدان أن الباحثة ربطت "حقيقة هتلر بشيئين، الأوّل زواجه من امرأة سوداء، وهذا لن يحدث أبدًا مع شخص عنصري، رفض مصافحة الأمريكي الأسود جيسي أوينز في أولمبياد برلين 1936، فكيف يرتبط بامرأة من جلدة يناصبها العداء.. ثمّ هل يُعقل أنّ لهتلر أقارب في إسرائيل وهو الذي ألقى باليهود في أفران الموت كما تقول رواية الهولوكوست. فمن هذا اليهودي الشريف الذي سمح لقريب هتلر بالإقامة بين اليهود، وتأتي طالبة برازيلية لتجري أبحاثها المقارنة بينه وبين قريبه المفترض أدولف هتلر..

لكلّ هذا، فإنّ ما ذهبت إليه سيموني البرازيليّة، هو محاولة دعائية ليس أكثر أو أقلّ، تصلح لمسلسل ألماني – برازيلي مشترك ومدبلج، على أن يكون بحثًا علميا، لا يختلف عن غيره من الكتب التي أثارت مسألة موت أو انتحار أو هرب هتلر. وأذكر أنّني كتبت قبل فترة مقالا بعنوان "هتلر يتجوّل في شوارع برلين" من بين ما قلت فيه "..تم إخراج صدّام حسين من حفرة في ضواحي تكريت بعد ثمانية أشهر من سقوط بغداد وأعدم بعد ثلاث سنوات، واختفى أسامة بن لادن عن رادارات المخابرات الأمريكية منذ الضربات الأولى لتورا بورا لتكتشف مخبأه بعد عشر سنوات في باكستان، ليعلن أوباما أن جثة زعيم القاعدة ألقيت في البحر (..) وطارد ثوار ليبيا القذّافي زنقة زنقة إلى أن قبضوا عليه وقتلوه ودفنوا جثته في الصحراء.. وضبط الصّربي رادوفان كارازيتش متخفيا في هيئة طبيب أعشاب، ليسلّم لمحكمة مجرمي الحرب بلاهاي.. تلك هي بعض النهايات التي  يذكرها التاريخ. أما نهاية الزعيم النازي أدولف هتلر، فبعد حوالي سبعين عاما، تبقى تثير شهية محترفي النبش في الوثائق والتراب والذاكرة.  فالحقيقة التي لا يختلف حولها اثنان أو ثلاثة هي أن هتلر وعشيقته إيفا براون قضيا في ملجإ محصّن ببرلين، بعد أن تجرعا سمّا وأنهيا حياتهما برصاصتي رحمة.. إلاّ أنّ روايات كثيرة، أغرقت في تصوير نهاية هتلر، من قائل إنّ الجثة اختفت، أو أحرقت وتم إلقاء رمادها في نهر ألبه، أو أنها محنّطة في مكان لا يعلمه إلاّ الروس الذين دمّروا مقرّه.. وبين من يقول إنّه ما زال حيّا يرزق ويتابع أحداث العالم، في مكان ما من الأرض..

 

 

Share this