لا إكراه في..الحرية

مقدمة التصنيف "لا إكراه في..الحرية"

غرينيتش.. على توقيت جزائري!

دث هذا في خريف 1999 حين رن هاتف المكتب ليكلمني أحدهم بلغة إنكليزية قحة.. حاولت جاهدا تفكيك بعض طلاسمها الطالعة من أسلاك الهاتف اللندني لكن دون جدوى ولم أفهم سوى wait a minute  التي تعلمتها من مدرسة الإنكليزية قبل ثلاثين عاما (!)، وانتظرت ثوان قليلة ليكلمني أحدهم بلكنة فرنسية هي أقرب إلى فرنسية الممثل وودي ألن أو المطربة جين بيركين (..)، حيث قدم لي نفسه كأحد القائمين على مشروع عالمي اسمه تجارب الألفية يرصد تجارب الشعوب وإنجازاتها في كل المجالات..

المجلة التي أزعجت ملاحدة فرنسا..

تعترف مجلة "علم وحياة" الفرنسية الذائعة الصيت أن العدد الذي خصصته لفكرة "الله.. لماذا لا يزول أبدا"... أثار وما زال يثير كثيرا من ردود الفعل المختلفة بين مؤيد ممن غمرهم الإيمان، ومن الملحدين من أنكروا وجود الخالق ولا معنى للخلود (..) وتعترف المجلة أن مسألة "الحتمية" في المسألة المقدسة نالت حظا أوفر من نقاش القراء والمهتمين..    وأنا واحد منهم.
هذه المجلة التي مضى على وجودها سنوات طويلة، هي من أكثر المجلات العلمية التي تفتح في كل مرة ملفا مختلفا تماما عن الذي سبقه، وتسعى إلى إماطة اللثام عن قضايا علمية       غير مرئية، أو لها تماس مع الدين أو الخرافة أو الأسطورة  أو العرافة والتنجيم.. فهي تجمع بين روح العلم وتأويلات العقل الأصغر والإيمان المبني على قناعات مكتسبة أو موروثة.

حتى بريجيت قالت "لا للحرب.."

انتبهت السيدة "ب.ب" إلى أن البشر أيضا يتعرضون للقتل البشع وليست الحيوانات فقط التي تتعرض للإبادة بفعل الإنسان، وأن ما شهدته "قانا" ينسي ما تتعرض له الفيلة في كينيا وقطعان الغنم في يوم النحر لدى المسلمين أيام عيد الأضحى..
بريجيت باردو سيدة السينما الفرنسية والعالمية قبل خمسين عاما، درست الفلسفة ثم انتبهت إلى أن الله وهبها جمالا وحسنا فاتجهت إلى السينما وصارت نجمة الشباك الأولى بلا منازع في العالم كله.. وعندما بلغت سن اليأس وأدركت أن الفأس في الرأس انسحبت من عالم السينما لتختار وجهة أخرى هي الدفاع عن الحيوانات.. ولا غرابة إن كان بيتها حظيرة لكل أنواع الحيوانات من قردة وقطط وكلاب ودواجن وخنازير وأبقار.. وأسست في سبيل ذلك جمعية عالمية لا هم لها إلا إعلان الحرب على كل من يؤذي قطا أو كلبا (..) ووجدت في دعم الإعلام لها سلاحا توجهه نحو من لا يحمون الحيوانات ويتركونها عرضة للقتل والإبادة..

غراس يكتب بالدم والحبر.. والصبر

لو كنت عضوا في مؤسسة ألفريد نوبل السويدية لما ترددت في منح الكاتب الألماني الكبير "غونتر غراس" جائزة أخرى من جوائز نوبل الخمس المعروفة إنما أطلق عليها اسم  جائزة نوبل للصبر (..) لسبب بسيط أن هذا الكاتب المثير للجدل استطاع أن يحتفظ بسر خطير بين أضلاعه لمدة تفوق الستين عاما، دون أن يفكر الناس في ذلك، لأنهم كانوا مشغولين بما يكتب وبقراءة روايته "الطبل" التي ترجمت إلى كل لغات العالم..
غونتر غراس الكاتب الذي كانت تفلت منه الجائزة كل مرة، استطاع أن يظفر بها في العام 1999 ويهز الأوساط الثقافية والأدبية والإعلامية في العالم، لأنه كان كاتبا متمردا، لا يهمه ما يقوله الناس عنه فيما بعد، ولا يتردد في اتخاذ مواقف سياسية وثقافية، تثير زوابع وردود فعل تستمر طويلا، ولكنه يواصل الكتابة والتصريحات وهو يداعب غليونه، ويحرك شواربه، ويرسل نظرات ماكرة من وراء نظارات شفافة..

بلاغ في فائدة كوكب ميت..

في يوم واحد تم إعلان وفاة كوكب عن عمر اكتشاف دام 76 عاما.. وأعلن نقل فرعون من شارع ظل يقيم به أزيد من  نصف قرن.. والحدثان فيهما من الغرابة ما يجعلني أتوقف عندهما قليلا..
الكوكب الذي اتفق بشأنه 2500 عالم فلك في العاصمة التشيكية براغ هو بلوتو (والأصح بلوتون حسب النطق اللاتيني للكلمة) إذ أن نقاشات معمقة شارك فيها علماء يقضون ثلاثة أرباع يومهم في مراصدهم معلقين في الفضاء مستخدمين في ذلك مناظير عملاقة، يلاحقون الأجسام الثابتة والمتحركة.. ويحاولون سبر أغوار الكواكب والشهب والنيازك، ويقدمون في كل مرة خلاصة تفتيش فضائي في مؤتمر يحتد فيه النقاش إلى درجة يتصور فيها بعضهم أن الأرض مهددة بغزو خارجي..

حكاية حوار مع يوسف إدريس

لا يختلف اثنان في أن أكثر الناس "رفضا " لأحقية نجيب محفوظ بجائزة نوبل للآداب هو الدكتور يوسف إدريس الذي أعلنها صراحة أمام الملأ: " أنا أولى منه.." وتساءل الناس عن السبب الذي جعل سيد القصة العربية يخرج عن وقاره ولا يكظم         غيظه، وبدل أن يفرح الناس لفوز محفوظ  صاروا يطاردون إدريس وهكذا استطاع صاحب " الفرافير" و" النداهة " و" جمهورية فرحات " أن يقتسم الحدث  مع " سي  السيد  ".
كنت مدعوا إلى حضور المربد الشعري ببغداد في نهاية حرب الخليج الأولى 1988 مع وفد من شعراء الجزائر، وكانت رحلتنا (الجزائر- باريس- بغداد) ذهابا وإيابا.. وفي عاصمة الرشيد المنتشية بانتصار ثمنه مليون قتيل، كان أبرز المدعوين الدكتور يوسف إدريس الذي مُنح جائزة صدام مناصفة مع جبرا إبراهيم جبرا، واعتبرها الإعلام آنذاك تعويضا له عن خسارة نوبل.

حكايتي مع الأهلي ونجيب محفوظ

من حق صحفي شاب أن يتباهى بإنجازاته وأن يذكرها كل مرة ويعيد ذكرها كلما شعر أن الناس نسوها ليؤكد لهم أنه حقق فتحا صحفيا غير مسبوق.. ذلك ما قمت به قبل 17 عاما، أي في العام 1988 الذي تزامن مع انفجار الشارع الجزائري والتعجيل بفتح المجالين السياسي والإعلامي، والعام نفسه الذي حطت فيه حرب الخليج الأولى بين إيران والعراق أوزارها، وفي هذا العام نال الروائي الكبير نجيب محفوظ جائزة نوبل للآداب   بعد انتظار طويل للثقافة العربية، رغم إدراك العرب لما للجائزة  من خلفيات سياسية، ولكن الجائزة تعد الأرقى في منظومة الجوائز العالمية قيمة وقيمة.

صابينا.. عاشقة المتنبي!

حدث هذا في ربيع 2000.. حين دعيت للمشاركة في أول دورة من مهرجان المتنبي العالمي للشعر بزيوريخ بدولة سويسرا!..
فقد اجتمع عشرات الشعراء المدعوين إلى مسرح " غاليري الأرض " الذي يديره المركز الثقافي العربي السويسري بكبرى المدن السويسرية زيوريخ.. وأذكر من بين الشعراء المشاركين: سورتاريوس أحد أكبر شعراء ألمانيا حاليا وواحد المعجبين بشعر العرب الصوفي وأحد الحاملين لأجمل الذكريات عن زياراته للبلاد العربية كما أخبرني بذلك.. وهو كما علمت يشغل حاليا مدير عام المهرجانات الثقافية بألمانيا بدرجة وزير.. كما حضر المهرجان الشعراء عبد المعطي حجازي من مصر،  ومحمد الفيتوري من ليبيا، وسيلفيان دوبوي من سويسرا، وأمل الجبوري من العراق، وفوزية السندي من البحرين، وتيوبالدي من سويسرا وعبد الوهاب المؤدب من تونس، وشعراء من فرنسا والنمسا وإيطاليا وليشتنشتاين..

النوفمبريون.. رجال من نور

بشيبه ووقاره اقترب مني رجل يطرق باب الثمانين وقال لي بأدب جم وصوت عميق، وبعربية مفككة الأوصال "دعني أسلم عليك، ففيك شيء من بركات الثورة  الجزائرية العظيمة." فأصابني ذهول وخجل لكوني أصغر الشيخ مصطفى رهنما المناضل الايراني بأزيد من خمسين عاما.. ولم أجد لغة تناسب مقام الحديث مع رجل تعلق بالثورة الجزائرية إلى الحد الذي لا يمكن وصفه.. فقد ذكر لي أنه سجن سبعة عشر مرة لأجل الجزائر، إذ أن شرطة الشاه كانت تلاحقه أينما حل أو ارتحل داعما ومساندا لثورة نوفمبر.. فمرة ينظم مسيرة شعبية في طهران لدعم كفاح الشعب الجزائري فيسجن، وما أن يطلق سراح الرجل حتى يتنقل بين الناس في إصفهان جامعا التبرعات فيؤخذ إلى السجن، وحين يطلق سراحه يصدر بيانا في شيراز يدعو فيه لتأمين السلاح للمجاهدين في الجزائر فيسجن، ويعاود الكرة في خورمشهر فيلقي محاضرة حول انتصارات ثورة الجزائر فيسجن، وما أن يخرج حتى يكتب مقالا يدعو فيه الشاه إلى نصرة الجزائريين وقطع العلاقات مع فرنسا فيسجن.. وهكذا لمدة سبعة أعوام إلى أن استقلت الجزائر.. ولم يتوقف الشيخ رهنما عن النضال حيث فعل الشيء ذاته ويفعله اليوم وهو يفوق التسعين، كما بلغني، مع فلسطين.. إنما في غير زمن الشاه.

لَقِّم المحتوى