ألبوم

مقدمة التصنيف "ألبوم"

حليمة الورزازي

في شتاء 1999 شاركت في مؤتمر موضوعه التربية على حقوق الانسان بالمغرب أشرفت عليه منظمة اليونيسكو، ممثلا للمرصد الوطني لحقوق الانسان، وعرضت تجربة الجزائر في ذلك، وحدث ما يشبه المناوشة بيني وبين أحد المحامين المغاربة، تمّ تطويقها بإزالة سوء الفهم. وفي ختام الجلسة، تقدّمت منّي سيّدة متقدّمة في السنّ، بجلباب مغربي أخضر، وسألتني عن عمري، فابتسمت، قائلا "لم أبلغ الأربعين"، ثمّ سألتني إن كنت درست خارج الجزائر. قلت لها "كل مراحل تعليمي في الجزائر". فوضعت يدها على كتفي وقالت لي "لقد أعجبتني لغتك العربيّة الجميلة، فاعتقدت أنّك درست في إحدى بلاد المشرق. أما عندما سألتك عن عمرك، فلأنك تحدّثت عن حقوق الانسان بلغة راقية، وأنا التي قضيت أكثر من 42 عاما في هيئات حقوق الانسان، أي قبل أن تولد أنت..". ثم راحت تسألني عن بعض المناضلين الجزائريين الذين قابلتهم في مناسبات مختلفة، بينهم أشخاص لا أعرفهم، كانت تمتدحهم، وتذكر بعض مواقفهم. فقلت في نفسي، أعظم ما في ثورتنا أنّ بعض عظمائها يكبرون في النسيان.. اسمها حليمة الورزازي.

حفناوي زاغز

تعرفت على هذا الرجل النبيل، ذي البشرة البيضاء والصلعة البرّاقة والنظارات السوداء، في مطلع الثمانينيات، في مدرسة الشرطة بشوفاليي، قبل أن يلتحق بمجلس وزراء الداخلية العرب بتونس، حتى تقاعده. ورغم أنّه، مثل كثيرين، يكتب باستمرار، وينشر أعماله الإبداعية بين الجزائر وتونس، فإنه ليس من النوع الذي يضع نفسه تحت الأضواء، وقليلة هي حواراته الصحفية، وهو الذي يتميّز بأدب الحديث، ويناقش في تفاصيل تبدو لأوّل وهلة أنها لا تعني شيئا، ولكنها تنتهي إلى أنها جوهر الشيء.

حين التقيته للمرة الأولى، أسمعته قصيدة "حديث المنفى" التي رفعتها لروح مفدي زكريا، فبقدر إعجابه بها، ظلّ يناقشني في بعض التراكيب والألفاظ حتى كدت أقول إنني لست صاحبها (..)، وبادرت في العام 2001 إلى تكريمه بالمكتبة الوطنيّة، عرفانا بمجهوده الكبير في إثراء مكتبة الإبداع بعشرات الروايات والمجاميع القصصية، وتمّ توثيق الحفل، في العدد الأول من صحيفة "الكاتب الجزائري" التي صدرت آنذاك، ثم توقفت.

من الأشياء الطريفة التي أذكرها عن حفناوي زاغز، أنّه أعجب مرّة بخط يدي، ثم روى لي قصته مع الخط وكيف أنّه راح يؤنّب أحد موظفي مجلة "الشرطة" التي كان يشرف على تحريرها، ويقول له "ما هذا الخط الردئ الذي لا يفهم"، بينما كان الموظف صامتا، وحفناوي، يزيد من ضغطه عليه، فانفجر الموظف في وجهه قائلا "إنّه خطك.. يا سيّدي".

جينو لوكابوتو

هذا الإيطالي، يجري في عروقه بعض الدم الفلسطيني. تعرّفت عليه في صيف 1999 حين دعاني إلى مهرجان المتوسط، الذي يقام في بلدية بتشيليا التي تطلّ على البحر الأدرياتيكي، يحضره فنانون وأدباء من بلدان كثيرة، إنّما يركّز جينو على العنصر العربي، لأنّه يتبنّى الدفاع عن القضية الفلسطينية، وتؤيّده في ذلك بلدية بتشيليا التي كان يرأسها آنذاك نابوليتانو، وهو شاب ذو ميول يسارية.

عندما التقيت جينو أوّل مرة، وجدت نفسي أمام رجل يزن ما يفوق المائة وخمسين كيلوغراما، وتميّزه صلعة برّاقة، ولكنّ البسمة لا تفارقه أبدا. احتضنني وكأننا نعرف بعضنا من أيّام الحروب البونيقية. وكان سعيدا جدّا بحضوري، خاصّة، وأنّه كان يرغب في أن يتباهى بذلك أمام مسؤولي البلدية، فقام بترجمة بعض نصوصي من ديوان كاليغولا، وراح يقدّمني في الأمسية التي أقمتها مع الشاعر الفلسطيني عبدالله رضوان، بصفتي الأدبية والسياسية، وقرأت باحثة جامعية إيطالية نصوصي المترجمة إلى الإيطالية، وكانت أكثر تأثّرا منّي (..) وتمّ في نهاية اللقاء تكريمي. بينما منحني جينو كتابه في المسرح، وحرص على أن يكتب اسمه باللغة العربية.

وفي العام 2004، التقيه في عام ملتحفا الكوفية الفلسطينية، فأسرع نحوي ليحتضنني، مثلما فعل قبل خمس سنوات، ثم قدّم لي صبيّة فلسطينية كانت بجانبه وقال لي "هذه زوجتي". قلت لصاحبي "لم يتزوج القضيّة فحسب، بل تجاوزها..".

علي فهمي خشيم

هذا رجل لا يمكن أن يتكرّر في ليبيا وغيرها.. فهو علاّمة، وله إسهامات في كثير من الآداب والمعارف. كتب في التاريخ والفلسفة، وترجم روائع أدبية قديمة منها رائعة أبوليوس "الحمار الذهبي"، وألف في اللغة، وله كتابات إبداعية.

لا يختلف علي فهمي خشيم، سواء قرأت له، أو استمعت إليه، فهو مثقف رصين، لكن كثيرا من المثقفين يعيبون عليه أنّه يجعل كل شيئا ذي أصول عربية، وكلّ عربيّ من أصول ليبية (..) وربّما يظهر ذلك في معجم العرب الأمازيغ، الذي قدّم فيه تأويلا لكل الألفاظ الأمازيغية، وأرجع أصولها إلى اللغة العربية، وهو الذي لا صلة له بالأمازيغية.

زار الجزائر مرار، وحاضر في 2002 بالمكتبة الوطنية، ومن بين ما أثاره قوله إن كلمة "قبايلي" لا تعني أنّ نسبتها إلى القبيلة، إنّما وقع قلب في القاف، وأصلها "جبايلي" كونهم سكّان جبال، إذ يوجد في منطقة الأوراس من يطلق عليهم "الجبايلية".. وهي القراءة التي اقتنع بها كثيرون.

اتصلت به بعد عودته من رحلة علاج، فشعرت أنّه كان سعيدا بذلك، فقد نسيه الناس، وهو الذي لم يتوقف عن محاورة التاريخ واللغة والانسان.

الميداني بن صالح

يعجبني هذا الرجل، لأنّه الوجه الآخر للطاهر بن عائشة، إنّما في تونس. فهو مناضل يساري ونقابي ومشاكس باستمرار، وكلّما التقيته، رحمه الله، إلا وسألني عن صاحبه، وقال لي "لو اجتمع عشرة مثلنا في بلاد المغرب العربي، لأعادوا عقارب الساعة إلى وضعها الطبيعي".

كان الميداني، صاحب ديوان "قرط أمّي" عنيفا وعنيدا، ولا يتوقّف عن إثارة النزاعات والحروب الثقافية، وحاولت في فترة رئاسته لاتحاد الكتاب التونسيين القيام بمحاولات صلح بين الجيل الجديد، والجيل الذي يقوده الديناصور الميداني، لكنّ هذا الأخير لم يقبل بأنصاف الحلول، وقال لي على هامش المؤتمر الثاني والعشرين للاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب بالجزائر 2003 "سأدمّرهم جميعا، إنهم خارجون عن القانون والتاريخ والثقافة". ولمّا سألته عن سرّ الثقة العالية التي تجعله قادرا على هزم خصومه، وهو الذي بلغ الثمانين أجابني "أوّلا أنا جربت هذه المعارك ولا أخرج منها إلا فائزا. ثانيا أنا عضو مجلس المستشارين أيّ أنّ لي حصانة ضد رصاص هؤلاء. وثالثا وهو الأهم أنني أعدت الزواج بواحدة تصغرني بستين عاما فقط..".

وكلّما قابلني رحمه الله، يقول لي "لا تنس أنّ في عروقي دمًا جزائريا، فعائلتي من عين البيضاء..". وعندما قلت له "لماذا لم تقف إلى جانبي في مؤتمر الجزائر؟" قال لي "لم أكن ضدّك.. ولكنني كنت وفيّا لمبادئي.. وأنت تعرفها". فسكت..

منصور الحاج سعيد

اشتهر لدى الجمهور بالحاج منصور، في حين أن اسمه الكامل هو منصور الحاج سعيد، فلسطيني، وحائز على دكتوراه في كرة القدم من ألمانيا..

التقيته أوّل مرّة في العام 1993، عندما قدم من ألمانيا ليخوض تجربة التدريب في الجزائر، فكانت محطّته الأولى مدينة سطيف وفريقها الوفاق، واكتشف الناس معه أسلوبا آخر في التدريب، وطريقة لم يألفوها كتلك التي اعتادوا عليها مع عريبي وكرمالي وشنيتي وخالفة..

عندما أجريت معه أول لقاء لصدى الملاعب، اكتشفت أنّ الرجل مبدع، وأنّه قارئ ممتاز للفلسفة والشعر، ويؤمن بضرورة أن يكون لذلك مكان في لغة التدريب، لأنّ الكرة إبداع ولا يمكن أن تخلو من لغة الشعر.. لهذا فإن الدكتور منصور يحفظ كثيرا من روائع الشعر، ولمّا يقابلني، يجد ضالّته في إسماعي كثيرا مما يحفظ، وكلّه من جميل القول.

مولاي بلحميسي

هذه الرجل، يصعب اختزاله في كلمات. فهو آخر الباحثين الكبار في التاريخ العثماني بالجزائر. تعرّفت عليه أيام دراستي بالمدرسة الوطنية للإدارة، إذ كان يدرّسنا التاريخ المعاصر والنظم الإسلامية، وليس هناك من لا يذكره من خريجي هذه المدرسة، فقد كان بالنسبة لنا، في تلك الأيام، أشبه بالملح في الطعام. فللرجل مزاج حاد، وقلّما ينجو من لسانه طالب، فهو لا يرحم، وإذا تسامح فلمزاجه الرائق أحيانا..

كان معجبا بمعاوية وابن خلدون ومكيافيللي، ربّما لأنّ الثلاثة يجمع بينهم الذكاء والحيلة. وأذكر أنني عندما علمت بمرضه وإجرائه عملية على القلب، قبل حوالي تسع سنوات، قمتُ بالتنسيق مع جمعية ذاكرة القليعة، بتكريمه. إذ أنني حين ألقيت كلمتي، ورحتُ أعدّد مناقبه، وأستعيد بعض ذكرياتي أمامه كطالب يحفظ الود والعرفان، انتبهت إليه على المنصّة، وعيناه تدمعان. ولم أدرك أنّ تلك الكلمات الصادقة التي قلتها في حضرة أستاذي الراحل، تحرّك في قلبه، ذكريات جيل من خريجي هذه المدرسة، الموزّعين في عديد المواقع، وليس بينهم من لا يذكر مولاي بلحميسي، وصوته الجهوريّ الصارم، الحريص على أن يحترم الطلبة اللغة، وأن يتحلّوا بروح العلم وطلب المعرفة الحقّة.

الشيخ الديلمي

كنت، في فترة دراستي الثانوية، أحيانا أتعمّد كتابة موضوع الإنشاء بلغة معجمية، مستعرضا مهرتي أمام زملائي، وحتى الأساتذة، فقد كان التنافس بيننا يدفعنا إلى استخدام أساليب مختلفة للتفوق.

وكان محمد الديلمي واحدا من الأساتذة القدامى بثانوية الشهيد قيرواني، بسطيف، التي تخرّج منها عدد كبير من السياسيين والوزراء والأدباء، وعلى طيبته فهو يتسم بصرامة في التعامل مع الطلبة، ولا يتسامح مع بعض التصرفات الطائشة أحيانا. وحدث أنني قرأت أمام الطلبة موضوعا إنشائيا يتناول جانبا من قيم الثورة، فرحت أتنطّع بلغة فيها كثير من غريب الألفاظ، والتركيب اللغوي الشاذ، وكان ينظر إليّ، ولا يقاطعني مثلما يفعل مع الآخرين. واكتفى بتسجيل عدد من الكلمات المعجمية التي وظّفتها في النّص. وما أن انتهيت، حتى قال لي "الآن جاء الدور على شرح هذه الكلمات". ورحت أشرح ما يطلبه منّي، إلى أن اختلفت معه في كلمتين، فطلب منّي إحضار القاموس من مكتبة الثانوية، ليتأكّد من صحة شرحي، وخشيتُ أن أضع أستاذي في حرج أمام الطلبة، إذا ما تبيّن أنني لم أخطئ، وأنّ احتكامه للقاموس يعني أنّه اعتقد شيئا غير ذلك. وحين قرأت تفسير الكلمتين أمام الطلبة، كنت على حقّ. فابتسم رحمه الله، وربت على كتفي وقال لي "سيكون لك شأن مع اللغة..".

محمد الغزالي

التقيت به في العام 1987 بجامعة الأمير عبد القادر بقسنطينة، لمحاورته. رحّب بي في مكتبه، وجلست يساره، ثم سألته إن كان يرغب في معرفة محاور اللقاء، فابتسم وقال لي "أنا جاهز لكلّ الأسئلة". وشرعت في طرحها، وكانت في مجملها تتعلق بتحولات المجتمع الدينية، ولم يتردد الشيخ محمد الغزالي في الإجابة، وإن بدت أحيانا مزعجة أو مفخخة للضرورة الصحفية، وليس بقصد التعجيز.

والغريب أنني أجريت الحوار على بصورة متقطّعة، أي أنني أضطر أحيانا إلى التوقف عن السؤال، بسبب دخول بعض الطلبة والموظفين، ودون استئذان يقاطعون الرجل في إلحاح، ولا يجد بدّا من الاستجابة لهم على مضض. وأذكر أن طالبا، جاء بصورة فيها شيء من الانفعال، وقال له "يا شيخ.. هل صحيح أنك تجيز سماع الغناء وأنت تعرف رأي الشرع في ذلك؟" فانفعل الشيخ الغزالي وقال له "أتبعتموني بأسئلة كهذه.. منذ سنوات وأنا أسمع سؤالا كهذا، وكأنّ هذه الجامعة لا همّ لها إلا إصدار فتاوي في جواز وتحريم السماع.. روح الله يهديك". وخرج الطالب مغتاظا. أما أنا فأعدت على الشيخ سؤال الطالب، ولم يعرف عن الشيخ أنه يضحك.. بمثل ما رأيته ذلك اليوم.

جابر عصفور

أحيانا تتساءل من أين يحصل هذا الرجل على الوقت ليكتب. فهو يكتب دون توقف، وكأنه لا ينام إلا قليلا. التقيته في فندق هيلتون قبل ست سنوات، وكان يسألني دون توقف، عن الجزائر، سياسة وثقافة وإعلاما. كان أشبه من جاء ليعرف، وجاء ليكتب.

أعطيته نسخة من روايتي الأولى "التوابيت" التي صدرت في العام 2003، وغادرت الفندق لألتقيه بعد أزيد من ساعتين، وفي البهو، راح يكلمني عن الرواية، وبعض تفاصيلها، فاستغربت الأمر. الرجل يأخذ كتابا من قرابة 300 صفحة ويأتيني بعد ساعتين ليسألني عنه. قلت له "أنت تسألني عن كتاب لم تطلع عليه قبل ساعتين.." فابتسم وقال لي "لا تنس أنني جابر عصفور..". ولم أعلّق، لأنني فهمت ساعتها أنّ هناك من يملك حاسة سابعة هي "النسخ الذهني"، أي أنه يقوم بتصوير ضوئي بصري لمحتوى الكتاب، كما كان يفعل القدامى من الرواة والحفّاظين..

بعد أسابيع قرأت مقالا في الحياة اللندنية لجابر عصفور، يقول فيه "أعترف أن التوابيت أرهقتني.." واعتذر كأيّ مثقف كبير، لأنّ الكتاب والأدباء والصحفيين الجزائريين دفعوا فاتورة باهظة ولم ينتبه إليهم أحد..

لَقِّم المحتوى