مدونة azzedine

الساسي

يذكر الناس هذا الاسم كثيرا، ويرددون مقولة "اشكون قال الساسي ما يلعبش"، لكنهم لا يعرفون من يكون صاحب الكلمة التي جرت مثلا. فالرجل المقصود هو الساسي حاوزماني، لاعب شباب باتنة، وصاحب الشنبات المعقوفة، والقامة الفارعة التي أكسبته شهرة واسعة امتدت شرقا وغربا. ففي العام 1993 فكّرت مليّا بعد أن أطلقت أسبوعية "صدى الملاعب" أن أكرّم شخصيّة رياضية ذات شعبية كبيرة، فوقع اختياري على الساسي دون غيره، ورغم إمكاناتي المحدودة، إلاّ أنني نظمت حفل اعتزال الساسي بباتنة، حضره نجوم منتخب 1982 يتقدمهم ماجر، ومنتخب الأوراس يقوده الساسي، كما دعوت أطول رجل في الجزائر، منير، الذي جاوزت قامته 2.40 م ليكون شاهدا على أنّ الساسي بقامته يظل قصيرا أمامه.. وكان الحفل كبيرا، ومشهودا. وروى الساسي، حكاياته مع الكرة، ومع الحكام، واللاعبين الذين يزعجونه في الملاعب.. وأكّد أنه كان يدخل قبل المباراة غرفة الملابس ويأخذ قميصه الرقم 7 ثم يقول للمدرب "اختر العشرة الباقين". وإذا ما شعر أنّ هناك من لا يحبّذ وجوده في التشكيلة، ينظر يمينا ويسارا ويقول "اشكون قال الساسي ما يلعبش". وذكر لي في حوار طويل أنّه كان قبل المباراة، يرهب الفريق الخصم، بضرب رأسه في الباب الحديدي لغرفة تبديل الملابس، مما يزرع الخوف في نفوس بعضهم، فيلعب مرتاحا دون أن يزعجه أحد.. فمن قال إنّ الساسي لا يستحقّ التكريم.

أركون

التقيت به في إحدى الندوات بالرباط قبل عشر سنوات، ورأيت كيف كان المفكّرون الأجانب والعرب المشاركون في الندوة ينتظرون محاضرته حول السلام في فلسطين.. إذ أنّ الناس اعتادوا على سماع رأي الرجل في قضايا فكرية مرتبطة بالدين والعقل وتأويل النص.. إلاّ أنّ تزامن الندوة مع مجزرة جنين، جعل كلّ الحديث عن السلام الضائع في أرض الرسالات.
لم يكن الرجل مجاملا، فقد بدا غاضبا على ما يحدث من إبادة للشعب الفلسطيني الأعزل، واستعرض جوانب من تاريخ المنطقة، وعرض حلولا يتبناها المثقفون قبل الساسة، ورجال الدين قبل المجتمع المدني والعسكري. وعلى هامش الندوة، اقتربت من محمد أركون، ورحت أسأله عن السبب الذي يجعله يغيب عن الجزائر ويرفض دعوات المشاركة في ندوات فكرية، أو أخرى تستهدف تكريمه، فقال لي "لا أحبّذ الخوض في موضوع أغلقته منذ سنين.."، قلت له "أنت تعاقب جيلا من المثقفين الذين يحترمون فكرك". فقال لي مبتسما "أعرف ذلك.. لأنّ هناك جيلا عاقبني أيضا، ووضع البلد لا يشجعني على المجيئ، فربما أغضب كلامي أناسا لست في حاجة لأخوض معهم نقاشا يرفضون فيه حججي، وأرفض فيه حججهم..". ثمّ شدّ على يدي، وكأنه يقول لي "اتخذت قراري. انتهى كلّ شيء.."

عبد المجيد حبّة

روى لي أبي واقعة عن هذا الرجل، فكدت ألاّ أصدقها. ذلك أنه قصده في بلدته المغيّر ليستفسره في مسألة فقهيّة استعصى حلّها على أحدهم، فاحتفى بهم، وأكرم وفادتهم، وأعدّ لهم الغداء، وقضى حاجتهم. وتلك عادته كما يقول أبي. وبعد يومين وصلت أبي رسالة من الرجل يقول فيها "اعذروني إن كان الغداء مجازا.. ففي ذلك اليوم توفّيت أمّ الأبناء، ولم أشأ أن أحرجكم بأمر لا رادّ له..". رجل يفقد زوجته، ويكرم ضيوفه، دون أن تبدو عليه ملامح ذلك، لأنّه كظم أحزانه، وخشيَ ألاّ يقضي حاجة قاصديه. هذا رجل من صنف الصحابة والتابعين..
عبد المجيد حبّة، أو كما يعرف بابن حبّة، حضرت بعض مجالسه، في بسكرة. يكتفي بلحاف وعباءة بيضاء، ويجلس القرفصاء ويقطر علمًا. كنت على صغري أسمعه، ينتقل من رأي مذهب إلى آخر، ويذكر عشرات العلماء، ويعيد بناء شجرة أنساب الذين يقصدونه لمعرفة أصولهم، فقد كان نسّابة، عارفا بالبطون والأفخاذ والقبائل، ويكفي أن تذكر له لقب العائلة ليذهب بك بعيدا في نسبك. وكان عالم لغة، وشاعرا وفقيها، وله في كل معرفة نصيب. لقد اجتمعت فيه فضائل العلماء وطبائع الرجال الذين لا يولدون مرتّين..

شريبط

هذا الرجل لا يرى قدره خارج الكتابة، فهو لا يتوقف أبدا عن النزيف حبرا، ولو كان ممدّدا تحت جهاز تصفية الكلى. هو أحمد شريبط، أحد الأسماء الأدبية الجزائرية الجادة التي كرّست حضورها الدائم في المشهد الثقافي، دارسا أكاديميا، ناقدا مثابرا، ومتابعا لكل ما ينشر، ومثقفا منافحا عن الأدب الجزائري.
يعد أحمد شريبط جزءا من ذاكرة الأدب الجزائري المعاصر، بما ألّفه من كتب، وما نشره من مقالات، وما أثاره من معارك أدبية. يشهد له الجميع بالتفاني، إلى الحدّ الذي يجعله يقسو على نفسه، وهو الذي يعاني منذ سنوات فشلا كلويّا، جعله يقضي وقته في مصحة تصفية الدم، لكنّه لا يعدم جهدا في التواصل مع الأدباء والكتاب.. ويؤلمني كثيرا عندما يتّصل بي بين الحين والآخر ويقول لي "خرجت قبل قليل من المصحّة.. ولا يمكنك أن تتصوّر حجم الألم الذي أتحمّله"، ولا يلبث أن يكلّمني عن موضوع كتاب يؤلفه أو مقال يكتبه، أو ندوة يفكّر في المشاركة فيها..
هو الأديب المقاوم بامتياز، المؤمن برسالة الكاتب، المتعالي على آلامه الحادة، بالكتابة والحضور المستمر في الساحة. فلا يشعر الآخرون بألمه واحتراقه، ولا يعرفون أن أحمد شريبط من طينة لا تتكرّر أبدا.. شكرا لك أحمد، وأصبغ الله عليك من فيض رحمته في هذا الشهر الكريم، لتكون القدوة لكتّاب قادمين..

محمد سعيدي

إذا لم تكن واثقا مما تقول فليس لك أن تجادل هذا الرجل، وإذا لم تستوعب ما يقوله فليس لك في الثقافة والفكر شيء.. فهو واحد من أساطين النقد والفكر المستنير، والرؤية المفككة للأشياء. لا ينطلق في حديثه من فراغ، ولا يصل في تحليله إلى هدف لا يقصده، فهو يعي ما يقول، ويملك الجرأة فيما يقول. كان يتحلّق حوله مثقفون من جيل الاستقلال، فيسمعون منه ما لا يصنّف في لغة الخشب، ويوجّههم إلى قراءة الأشياء بعيون نقدية، ويحثّهم على أن تكون المعرفة ثابتهم الأساس، وألا ينساقوا خلف حديث الليل يمحوه النهار.
تعرّفت عليه قريبا من والدي، فكان كلّ واحد منهما يسألني عن الآخر، فأدركت كم هي كبيرة فضيلة الوفاء بين الكبار. وأذكر أنني اصطحبته قبل سنوات إلى البويرة لتكريم حمري بحري بعد صدور كتابه «الرجم بالكلام»، فتناول الكلمة، وكانت بمثابة «بيان من أجل رؤية ثقافية جديدة» ضمّنها تجربة رجل عميق في رؤياه، جريئ في طرحه، بناء في أفكاره العقلانية المفعمة بالحداثة، لا يخفي خوفه من المجهول، لكنّه يتحلّى بكثير من الأمل. وحين أوصلته إلى البيت قال لي «أوصيك بأبيك خيرا.. وإياك أن تتوقف عن الكتابة..»، وبعد أيّام راح يكتب عن مراجعة التجربة وتغيير المسار..

الزهوانية

أعترف أني لم أسمع من أغانيها سوى «لالا تركية»، وربّما هي بيضة الديك فيما تؤدّيه من أغاني يحفظها شباب الراي. واعترف أنني تعرّفت على هذه السيّدة في مناسبتين، الأولى في البقاع المقدسة (شتاء 2006)، والثانية في الأيام الثقافية بتونس (ربيع 2006)، ففي وقفة عرفة، رأيت المرأة وهي تتنقل بين الخيمة وجبل الرحمة، لا تتوقف عن الدعاء، وفي فجر اليوم الموالي رافقتني مع الإعلامي سعيد عمراني إلى منى، وهناك تعرضت لوعكة صحيّة حادة، أفقدتها الوعي بسبب ضربة شمس، وبقيت إلى جانبها في مستشفى منى أكثر من أربع ساعات، تحت العناية المركّزة. وحرصت على أن أظلّ بجانبها إلى أن استعادت عافيتها، فنقلتها إلى خيمتها مع بقية الحجيج الجزائريين. وكانت كلما قابلتني، قالت لي «لن أنسى لك صنيعك معي..»، وفي تونس تصادف لقاؤنا هناك رحيل الشيخة الرميتي، فكان الصحفيون الحاضرون يسعون إلى أخذ رأيها في شيخة الراي، فرفضت الإدلاء بأيّ تصريح، وقالت لهم «لا تسألوني عن سبب عودتي للغناء، ولا أريدكم أن تأخذوا منّي كلاما عن امرأة أعرفها، فتحرّفونه.. أنا لا أحبّ الحديث للصحافة»، ثم استدركت قائلة «إلا إذا طلب منّي الحاج عزالدين ذلك..».

بلبحري

يبقى الراحل إبراهيم بلبحري بقامته السامقة، وحضوره الإعلامي الطاغي، واحدا من الوجوه الإعلامية التي ساهمت في بناء مشهد إعلامي جزائري لا شرقي ولا غربي..
كنت طفلا عندما كان يقدّم نشرات الأخبار، وصرت شابّا عندما تقلّد مسؤوليات عديدة في التلفزيون الجزائري، وأصبح زميلا وصديقا عندما أدرت مديرية الأخبار في العام 1996. وفي أيّام تعبه وانتكاسة جسمه الذي قاوم طويلا المرض، زارني أكثر من مرّة في مكتبي بالإذاعة، فيكلّمني بمرارة عن هبوط مستوى الصحفيين اللغوي والمهني، وتراجع أداء التلفزيون بسبب التسيّب وعدم المتابعة. وأشهد للرجل بالمهنيّة العالية، ولكن أشهد له أكثر بعلوّ كعبه، وشموخ أنفه، ورفض قسمة المواقف على اثنين (..). فقد وقف ندّا لأحد الولاة الذي تدخّل لإبعاد صحفيّة من مقرّ ولايته أيام كان مديرا لمحطة ورڤلة، وكنت إلى جانب إبراهيم في قراره، ولم أجد بدًّا من إقناع الوالي بأن إبراهيم سيقلب عليه الطاولة إذا ما واصل استفزازه، إذ أنّ هذا يعدّ تدخلا في مهامه.. وإذا كان الوالي يصرّ على إبعاد صحفية التلفزيون من العمل بالولاية، فلإبراهيم الحقّ في أن يطرد رئيس ديوان الوالي..
وفهم الوالي أنّ رجلا كإبراهيم بلبحري، إذا قال لا، فلن ينفع الحلف الأطلسي في إقناعه، فهو لا يساوم في المهنة والموقف.. والحق.

آيت جودي

حدث هذا قبل 15 عاما بمطار الخطوط الداخلية، حين تقدّم منّي شابّ هادئ ووسيم، وقال لي «أأنت فلان؟»، قلت «نعم»، فابتسم وقال لي «لنا نفس الاسم.. ولنا نفس الهواية، إنما أنت تهتم بالقلم وأنا بالقدم..». وسحب من جيبه أوراقا، وراح يقرأ لي شيئا من الشعر والخواطر. ولأنّ طائراتنا تقلع في وقتها، بقينا أكثر من ساعة نتحدث عن قضايا الشعر والجلد المنفوخ.. وفي كلّ مرّة يقول لي إنّ الكرة أحيانا لا تختلف في بعدها الجمالي من كتابة الشعر..
هو عزالدين آيت جودي، المدرب الذي تعرّفتُ عليه حين كان يشرف على أولمبي المدية، وتوطّدت علاقاتنا أكثر في إشرافه على أندية وطنية وعربية، وحيازة ألقاب وكؤوس.. وكلّما هنأته بإنجاز معيّن، إلا وردّ عليّ «هذا لا يفعله إلا الشعراء..».
أعرف أنّ كثيرا من الناس لا يعرف هذه الميزة في آيت جودي وينظرون إليه من زاوية الكرة لا غير.. لكن هناك من الذين احترفوا لعب الكرة أو التدريب، يحوزون ملكة الإبداع.. ولعلّ أبرز هؤلاء سيزار مينوتي، مدرب الأرجنتين الذي يربط في تصريحاته بين الكرة والأدب، فيقول «إننا في أمريكا نلعب الكرة بلغة الشعر، أما غيرنا فيلعبونها بطريقة النثر..». وتحية لعزالدين الذي يبدع في ملاعب الكرة.. والأدب.

أبي الذي يقلق..

كثير من أصدقائي في المشهد الثقافي يعرفون والدي، إذ أنّه دأب على حضور الملتقيات والندوات الأدبية، ولا يمنعه من حضورها إلاّ طارئ. ولأنني أكبر أبنائه، فليس من السهولة بمكان أن يقبل نقدا لابنه ولو كان صائبا، وينفعل كثيرا حتى يرتفع ضغط دمه ويتذبذب مستوى السكر لديه، إذا ما رأى في كتابة بعض الصحفيين أو الكتّاب المختلفين معي ما يشبه الحملة أو التحامل، فيتّصل بي ويريد أن يفهم لماذا يهاجمني بعضهم، وماذا يريدون من وراء ذلك، ويدعوني إلى الردّ عليهم، وحين أقول له «دعهم يكتبون، هم أحرار ما داموا لا يشخّصون الأمور..» لكنه لا يقتنع بقولي، ويصرّ على أن أردّ على كلّ من يكتب شيئا لا يعجبه. ومع مرور الوقت أدرَك أنني لا أسعى للدخول في مهاترات لا تفيد، فصار يسألني عن آخر ما كتبت..
ورغم أنّ والدي ليس أديبا، ولكنّه صديق الأدباء، فإنّه لا يتوانى في السؤال عنهم وعن أحوالهم، وأحيانا يفيدني بأخبار كتّاب أو أدباء كاد يطويهم النسيان.. فأقول بيني وبين نفسي «أما كان أولى به أن يرأس اتحاد الكتاب أفضل منّي..». هو هكذا جمال الدين والد عزالدين..

أمي التي تقرأ..

قبل أن تبلغ الخامسة والستين لم تكن أمّي تعرف شيئا من الأبجدية.. لكنّها وجدت عزاءها بوفاة أخي توفيق شاهين، في أن تدخل مدرسة لمحو الأميّة، ولم تتوقف عن تعلّم القراءة والكتابة وقد جاوزت السبعين بأشهر قليلة. وصارت قادرة على قراءة القرآن، وشيء من الأذكار، وتجاوزت ذلك إلى قراءة الجرائد، كلّما تعلّق الأمر بابنها، شاعرا أو وزيرا أو مديرا. ولعلّ الموقف الذي شدّني كثيرا هو أني كلّما كلمتها طلبت منّي إحضار بعض كتب محو الأميّة الخاصة بالمستويات الأعلى، ورغم أني أنسى كثيرا طلبها، فإني فوجئت في إحدى زياراتي إليها، أنها تطلب مني نسخا من روايتي «اعترافات أسكرام»، تحتفظ بواحدة، وتقدّم نسخا منها لطلبة من جامعة سطيف، طرقوا بابها راجين وساطتها لدى ابنها للحصول على نسخة من الرواية.. وهو ما قمت به. لكنّ الذي بلغني أن أمّي، تُجهد نفسها لتقرأ بعض فصول الرواية، لتكون في غنى عن معرفة مضمونها من أشخاص آخرين.
غير أنّ المشكلة التي أواجهها أحيانا عندما أتصل بها فلا تردّ، تقول لي مساء «كنت أقرأ..».

لَقِّم المحتوى