مدونة azzedine

الأزمة تلد.. الجزمة

ربما لفتت انتباه كثيرين ظاهرة غريبة، تمثلت في أنّ ثلاثة من بلدان أوروبا العريقة في الكرة، على مشارف إعلان إفلاسها وكأنها شركة مساهمة أو مسؤولية محدودة (..) كما يقول رجال القانون. هذه البلدان هي اليونان أولا، مهد الألعاب الأولمبية، الفائزة بكأس أوروبا قبل ثلاث سنوات، ولم يكن حينها لا حصانا أسود ولا أبيض، ولكنه جاء مشاركا دون طموح ليعود متوّجا باللقب، تاركا وراءه كثيرا من الغضب.. هذا البلد أعلن قبل أيام ما يشبه الإفلاس، وهبت لنجدته دول كبيرة ومصارف عالمية تحشر نفسها في سياسات الدول وتتعامل معها بمنطق القاصر المحجور عليه..

شيبان

كان قريبا من جدي محمد الدراجي في جمعية العلماء، وصار مسؤولا على والدي في وزارة الشؤون الدينية، وكنت قريبا منه منذ أرسل لي، وهو وزير، رسالة شكر وامتنان عندما أهديته نسخة من ديواني "في البدء كان أوراس" في العام 1985.. ومنذ ذلك اليوم وأنا على تواصل مع هذا الرجل الذي ينتمي لطينة لن تتكرر..
هذا آخر المحترمين من رجال الزمن الصعب، بعلمه وأخلاقه، ووطنيته ومواقفه، وقدرته في أن يكون الجامع لكل ما هو متناقض، المتفتّح على كلّ ما هو مغلق. هو سيّد الاعتدال بامتياز، لا يساوم فيما هو حق، ولا يجادل فيما لا جدوى منه، ولا يقول ما لا خير فيه. تراه قريبا من الشباب، وكأنه منهم، يوقّرهم، وكأنهم أكبر منه، ويجلّ العلماء كما لو أنّه ليس منهم، فيؤثرهم على نفسه. يختزل الجزائر في دينه ولغته وانتمائه وثوابته، ويقول إن الشهداء أكرم منّا جميعا، وأن الشرفاء فيهم خير للأمة.
زرته في بيته مع والدي، أيام محنته مع المرض، وفي ساعتين من الزمن، أخذت فيهما منه ما لو بقيت عقدين ما نلت ذلك، ففي لسانه من رقّة الحديث ما يجعلك تأنس إليه، وفي ضوء عينية صفاء الفكرة، وسداد الرأي، وحكمة الجزائري الأصيل.. رحمة الله عليك يا آخر الباديسيين الكبار.

الخالدي

قبل عشرين دخل مكتبي في صحيفة الشعب. كان يرتدي بدلة بيضاء وربطة عنق حمراء، ويحمل حافظة صغيرة تحت إبطه، ويدخن باستمرار. قدم لي نفسه، فرحت أستحضر في ذاكرتي أسماء من قرأت لهم، وعرفت أن له كتابات ومؤلفات.. وتبادلنا قليلا من الحديث، فطلب منّي هاتفي أحمد حمدي ومحمد الصالح حرز الله.. وخرج ليعود في اليوم الموالي، ليكلمني بشيء من الخجل عن وضعه بعد حرب الخليج التي أكلت ما في جيبه.. فعاد إلى الجزائر بعد أن تأزمت أموره هناك. وسألني إن كانت الشعب تقبله صحفيا، ولم أتردد في أن اقترحت عليه عمودا يوميا في مقابل ثلاثة آلاف دينار، وبعدها نرى الأمر.. ولم يقصر الرجل بعد أن رفعت المنحة إلى أربعة آلاف لما لاسمه من وزن ولكتاباته من قيمة. وهكذا بدأ العلاقات بيننا تتعمق حتى صرنا لا نفترق طيلة وجودي على رأس التحرير بالجريدة..
كان يكتب المقالة بمعايير المهنيّة العالية، ويبتدع الفكرة بذكاء خارق، ويملك حسّا تحليليا للأحداث، ويشكّل ذاكرة حقيقية للجزائريين المهجّرين إلى بلاد الشام، فيكّلمك عن كلّ شخصية وإسهامها في نهضة تلك البلاد.
كان متعلّقا بأمّه إلى أن رحلت، وظلّ في غدوّ ورواح بين دمشق والجزائر، ولم تنقطع الشعرة بينه وبين بلده، وأعاد ريّ شجرة العائلة في وادي البردي، ليبدأ حياة المهجّر العائد لجذوره.. مواصلا الكتابة دون عناء ولو في دار للشيخوخة.

ماجر

هو أيقونة الكرة الجزائرية بلا منازع، فما حققه لاعبا موهوبا لم يصل إليه أي لاعب جزائري آخر، بل إنّه ترك بصمته في تاريخ الكرة العالمية، وقّعها بكعبه الذهبي يوم 27 مايو 1987، مانحا النادي البرتغالي لقبا لا يناله إلا الكبار.. وعرف المجد مع منتخب الجزائر في مونديالي 1982 و1986 وحاز معه بطولة أمم إفريقيا 1990، قبل أن يختار قليلا من التدريب وكثيرا من الخبرة في تحليل المباريات، فاحتفظ بذلك البريق، دون أن تمتد إليه يدُ النسيان التي ابتلعت كثيرا من الأسماء.. لكنّ ميزة مصطفى ماجر كما يحلو للمقربين منه مناداته، أنّه يحسن بناء علاقاته مع محيطه، والحفاظ على سقف ما حققه من ألقاب..
قبل أن أعرفه عن قرب، وظّفت اسمه في واحدة من "ملصقاتي" الشعرية، حين كتبت في العام 1990 الآتي:

في بلادي لا تقل إنّيَ شاعرْ
أو روائيٌّ مغامرْ
لا تقلْ أكتبُ للشعب
فإنّ الشعبَ لا يعرف شيئا عن قضايا النقد والفكر المعاصرْ
كلّ ما يبدعه الخلق جميعاً
لا يساوي كعبَ ماجرْ

وحققت هذه الملصقة انتشارا واسعا لدى القرّاء، ولست أدري هل كان ذلك إعجابا بالشاعر أم بكعب ماجر؟. أرجح القدم ثم القلم..

الورتيلاني

كان يوما مشهودا في بلدته قبل ربع قرن. ولكن كان عمره شاهدا على رجل يصعب اختزال حياته في كلمات. هو الفضيل الورتيلاني، الرجال العالم، المصالح، الثائر، المغامر، الخطيب، الوزير، الإمام، اللغوي..
حين جيئ برفاته من تركيا ليعاد دفنه في مسقط رأسه، شعر الناس أنّه عاد من رحلة طويلة فاحتفوا به، وأقاموا الأعراس، وهتفوا باسمه، وكان يبادلهم التحيّة، ويلوّح بيديه كبطل عاد منتصرا من حرب المنفى. قيل لي حينذاك، إن هذا الباديسي، خرج إلى المشرق باحثا عن العلم، طالبا الدعم لثورة شعبه، فاكتنفت حياته أشياء، أوصلته إلى اليمن ليكون وزيرا بها، ومكنّته سنوات الغربة ليكون متقنا لأكثر من عشر لغات، ونُفيَ في باخرة ظلّ على متنها أزيد من ثلاثة أشهر، فقد رفضت بلدان المشرق دخوله إليها، وحين فُرجت قالوا إنّه كانت ينتقل من منبر إلى آخر، ينافح عن الثورة، ويدعو إلى دعمها ومساندتها، وبلغ الأمر به أن ظلّ يتكلّم ثلاثة أيّام دون توقّف، فأصابه نزيف وانتهى شهيدا في غربته بتركيا..
اشتاق أهله إليه، فأعادوه في نعش مسجّى وأقاموا له ضريحا، وأنزلوه منزلة العظام الذي أنجبتهم هذه البلدة الكريمة، التي لا تحسن شيئا سوى إنجاب العلماء والمصلحين وذوي الفضل.

علّموني..

لم تكن بلدتي في السنوات الأولى للاستقلال، كما هي اليوم، تنعم لا بالماء ولا الكهرباء ولا المدارس. شأنها في ذلك شأن قرى كثيرة تعرف معنى الحرمان. وحين اقترب أبي من المدينة، أقمنا بقرية تازّغت، فأخذني كبيرا لمدرسة لها سقف وبها كهرباء وكراسي، سألني أوّل معلّم لي سي قدّور، هل تعرف القراءة؟ قلت نعم. فوضع كتابا أمامي وقال لي "اقرأ" فشرعت ألتهم تلك السطور. أوقفني وأخرج كتابا آخر، وقال لي "اقرأ" ولم أُبق سطرا واحدا من الصفحة. وأخرج كتابا ثالثا، وابتلعت ما به كسابقيه، ثم طلب منّي إحضار أبي، وقال له إنّ مستواه يفرض عليّ أن أحرق المراحل، وأضمّه للسنة الرابعة أو الخامسة ابتدائي. واكتشفت معنى أن تقرأ جالسا على كرسي متكئا على طاولة وأمامك سبّورة، وحولك أطفال تكبرهم أو يكبرونك سنّا. إنّها دهشة الاكتشاف.
معلّمنا الآخر، سيد علي الصّيد، تعلّمت معه أبجدية اللغة الفرنسية، وكان يطلب منّا نحن الأطفال، أن نجمع ما قيمته ثلاثة دنانير، لنشتري كرة، ويعلّمنا هو كيف نلعب مثل الفرق الكبيرة، ويحرص على ألاّ يعلم آباؤنا بذلك، والأفضل أن يكون تحصيل المبلغ من.. الأمهات. وهو ما فعلناه، لكنّ الذي حدث، أنّ في أوّل يوم من اللعب بالكرة، كسرنا زجاجة أحد الأقسام، فغضب سي قدّور، وأنّبَ سيد علي، وأطلقنا نحن الأطفال أقدامنا للريح. واليوم أذكرهما وهما في دار الخلد..

حميد عبد القادر

يعتقد بعض النّاس أن هناك مساحة في التاريخ لا يقربها إلاّ من كانوا من صانعيها أو كانوا شهودا على أحداثها أو ربّما صاروا أوصياء عليها لاعتبارات ثقافية أو إيديولوجية أو عرقية.. ولكن هناك من ينجح إلى التسلل إلى مناطق الظل الساخنة ليستكشف درجة الحرارة والرطوبة فيها. وحميد عبد القادر واحد من الذين اختاروا المشي على مسامير التاريخ، بطرح جملة من الأسئلة التي تثير شهية الباحثين عن حقيقة ملفوفة في أوراق مهملة أو نائمة في أفواه صامتة.
هو من جيل الاستقلال، لكنه مهموم بأسئلة الثورة والنبش في تاريخ رجالها، وبعض الوقائع التي أسالت حبرا بألوان شتّى. كتب عن عبّان وفرحات وأعدّ كتبا عن بومدين ودباغين، وقام بإحصاء ما تم تأليفه عن الثورة من كتب ومذكرات وأطروحات. وعندما سألته وهو الروائي الذي صدرت له بعض الأعمال الإبداعية عن سرّ اهتمامه بالتاريخ وتناول سيّر بعض الرموز قال لي "لا أهدف إلى العثور عن حقيقة ضائعة ولكنني لا أريد مواجهة الأسئلة المزعجة التي يهرب منه الآخرون.. فالتاريخ يعني تفتيت الأسئلة لمعرفة التفاصيل".
حميد قلمٌ لا يتوقف عن الكتابة، لأنه يعرف أن أسئلة التاريخ والهوية والانسان لا تنتهي..

بوليفة

خرج من بلدة صغيرة في صحراء الجزائر تسمّى جامْعة قاصدا بغداد، وليس في يده شيء سوى حبّه للموسيقى. وفي بلد الرشيد التقى الموصلي وتحاور مع زرياب ودرس على يد منير بشير وأساطين العود والمقام العراقي.. فأخذ نصيبه من المعرفة، وصار فارسا في النهاوند والبياتي والسيكا والمايا.. وعندما كان يهمّ بجمع متاعه والعودة بعد التخرّج رأى وجهين من العراق يدخلان معهد الموسيقى بعده هما كاظم الساهر ونصير شمّة.. إنّه الفنان محمد بوليفة.
عاد متأبّطا عُودَهُ وكثيرا من المعرفة في علوم الموسيقى، وراح ينبش في ذاكرة الأغنية الجزائرية وطبوعها وتراث الأسلاف، فقدم عديد الأغاني التي عاشت مع الأذواق طويلا، وكان أوّل من حوّل نصوصا شعريّة لأغنيات جميلة، أبدعها سليمان جوادي وعاشور فنّي ومالك بوذيبة.. وتألق في فن الأوبيريت مع قال الشهيد وحيزية وملحمة الجزائر.. وشكّل مع وردة لوحة فنية رائعة في "بلادي أحبّك".. وأشياء كثيرة أعتزّ أنني تقاسمت فيها معه عذوبة ألحانها وإيقاعاتها الرائقة.
بوليفة الفنان الأصيل، لا يدقّ الأبواب ليصل قبل غيره، ولكنّه يعرف أنّ ما قدّمه وحده كفيل بأن يجعل منه واحدا من كبار الفنانين الذين يتكلمون قليلا ويبدعون كثيرا، ويحملون همّ الأغنية النظيفة في شوارع الفنّ الموبوءة بالرداءة والمحاباة والخروج عن السلّم الموسيقي..

Susanne GOUHOT

هذه سيدة فرنسية نشأت في ماكون، بلدة شاعر فرنسا الأكبر لامارتين، وهي فنانة تشكيلية، مبدعة. زارتني في اتحاد الكتاب قبل 12 عاما، ووضعت على مكتبي عددا من رسومات أطفال جزائريين، وقالت لي هل يمكن أن تضع لها عنوانا، فكتب لها شيئا مما رأيته قريبا من المعنى.. فقالت لي "كأنّك رسّام.."، فكشفت لها عن ميولي الفنية، ومنذ ذلك اللقاء، صرنا أصدقاء، زرتها في ماكون في 2003، ونظمت لي أمسية شعرية بأكاديمية الفنون، حضرها مثقفون فرنسيون ومغتربون عرب، وعندما قرأت مقطع "ذات سبت/ أنشدت زينب في موكب أطفال الحواري قسمًا.." وقف المهاجرون الجزائريون وراحوا يرددون نشيد "قسمًا"، ثم وقف الجميع في مشهد حوّل القصيدة إلى تجمّع سياسي. وأذكر أن الشاعر الفرنسي بيار مالو قرأ النص بالفرنسية، وعندما وصل مقطع قسما، وقف هو الآخر، فصفّق من في القاعة.. وبعد عام أبلغتني سوزان بأنه قضى في حادث سير.
تأتي سوزان مرتين أو ثلاثا في السنة، لتشارك في ورشات لتعليم الأطفال الرسم التجريدي، والتعبير بالألوان، فقصدت جميلة وآيت اسماعيل وتيميمون، وفي كلّ مرّة تقول لي "أطفالكم ولدوا بأصابع ملوّنة.. إنهم مبدعون".

خمّار

سأبقي مدينا لهذا الرجل الرائع بعديد المواقف التي كان يتعامل معي فيها بمنطق الأب أولا والكاتب ثاني والصديق ثالثا. وكلّما زرته في بيته، إلاّ وانتظرت صاروخ سكود منه، فهو لا يفتأ يلومني، إذا تأخّرت عن زيارته أو الاتصال به، ويحدث هذا كثيرا، ولكنّني لن أغفر له شيئا واحدا هو توريطي في اتحاد الكتاب الجزائريين في مؤتمر سطيف في ربيع 1998، حين بقي المؤتمر يبحث عن مرشّح الربع ساعة الأخير، فكان الحلّ في اللجوء إليه، باعتباره يعرف البيت بما فيه وبمن فيه، حين ترأس مائدة الغداء التي ضمّت ما يفوق الثلاثين من أهمّ وجوه الاتحاد، وقال "لا أرى بديلا لعزالدين". وبدأت رحلتي مع الاتحاد، وعندما وقعت أزمة 2005 وقف الرجل على الحياد.. هو هكذا أبو القاسم خمّار الرجل الحكيم، العاقل، الذي بلغ عقده الثامن بروح الشباب، ومرح الطفولة، فليس غريبا أن يكون الشاعر، زوجا لامرأة مبدعة، هي السيدة جميلة، وأبا لسينمائي متألق هو مؤنس، وصديقا للجميع، لأنّه لا يعرف القسمة ولا الطرح ولا الضرب، إنّما يفضّل الجمع. هو رجل الاجماع الذي لا يتأخر عن موعد، فيقول كلمته ويمشي.. باحترام.

لَقِّم المحتوى