مدونة azzedine

حسين طلبي

لا يختلف اثنان في أنّ هذا الرجل لا يمكن له أن يتكرّر في أيّامنا هذه.. فهو الذي قضى حياته مهندسا في منشآت ومقاولات عديد الشركات في الخليج، لم يترك الجزائر وهو هناك، في الكويت أو دبي أو أبو ظبي. لا يتوقف عن الكتابة وعقد الندوات، والاحتفاء بالجزائريين الذين يقصدون تلك البلاد لأيّ حاجة كانت..
أنا أعرف هذا الرجل الجزائري الرائع. فإذا كان هناك اخترق المنابر الإعلامية، والصحف والمجلات، ولا تمرّ مناسبة من تاريخ الجزائر، إلا ويعيدها إلى الأذهان، محتفيا بأعياد الثورة والاستقلال، وناشرا لمؤلفات، يقرأ من خلالها واقع بلده بعيون في الغربة..
هو هكذا المهندس محمد حسين طلبي، الرجل المثقف، النشيط، الذي يطرق كلّ الأبواب ليساعد جزائريين في مواقف صعبة (..) ولا يتردد في القول إننا مقصّرون في حقّ تاريخنا وثورتنا، ونبقي دائما الفراغ حولنا عندما نكون في بلاد بعيدة.. إن ثورتنا أكبر من أن نتخيّلها عندما نقترب من الآخر، وثقافتنا أعمق مما لا ندري عندما نضعها أمام الآخر. لا ينقصنا شيء، سوى قليل من العمل الصادق لأجل الجزائر..
حسين، الذي يستحق أعلى الأوسمة، فهو سفير للجزائر بلا حدود، يقدّم أوراق اعتماده للبسطاء من الناس، لأنّه يثق بعبقرية الشعب الذي أنجب أمثاله.. وله في فادي ابنه الفنان المتألق صورة الأصيل بن الأصيل، سليل الأرض التي لا تنبت إلا الخير.

بول بالطا

تعرّف عليه الجزائريون في السبعينيات أيّام كان مراسلا لصحيفة "لوموند"، حين أصدر محاوراته الشهيرة مع الرئيس هواري بومدين، كاشفا عن جوانب مجهولة من سيرة الرجل الذي قضى معه خمسين ساعة (..) تناول فيها معه سيرته قبل الثورة وأثناء الثورة وبعد الثورة وإعلان الثورات الثلاث.. على غرار لطفي الخولي الذي توّج لقاءاته مع بومدين في كتاب "عن الثورة، في الثورة وبالثورة"..
التقيت بالطا قبل عشر سنوات في ندوة عتبات بالدار البيضاء (المغرب) وحدّثني طويلا عن ذكرياته في الجزائر، ولأنّ الندوة تناولت الثقافة المتوسطية، فقد اخترت موضوع "الفكر التنويري والفكر التدميري، يوبا الثاني نموذجا" بينما اختار بالطا المطبخ المتوسطي، وتوقف طويلا عند طعام البربر عبر التاريخ، وناقش فكرة "البربري حليق الرأس، يلبسون البرنس، ويأكل الكسكس"، وراح يعطي تفاصيل الكسكسي، والفروق بين أنواعه. وعرّج على المناسبات التي تعدّ فيها هذه الأكلات التقليدية، ويعطي معاني لتسمياتها، وكيفية انتقالها من بلاد المغرب إلى اليونان وجنوب إيطاليا..
عندما أنهى بالطا تدخّله الذي شدّ إليه الحضور، وكنت على يمينه، قلت له مازحا "ألم تسأل بومدين عن علاقته بالكسكسي؟" فردّ ضاحكا "بل معه اكتشفت أنواع أجهلها.. ومعه أحببت هذه الوجبة". وفي الربيع الماضي قابلت بالطا، في جناح الجزائر بالمعرض الدولي للكتاب بباريس. كان مُقعدًا على كرسيّ متحرّك، فذكّرته بالواقعة، فضحك طويلا..

جدّو حقي

في جيبه قطع حلوى يوزعها على الأطفال أينما كانوا. تراه يتأبط محفظة بنيّة اللون ملأى بالقصاصات، والمخطوطات ورسائل الأطفال..
كان عبد الوهاب حقّي، المعروف لدى الأطفال بجدّو حقّي، يأتيني يوميا إلى مقر اتحاد الكتاب الجزائريين، فيحدّثني عن ماضيه مع الكتابة، وعن مسرحيته الأولى عن جميلة بوحيرد التي هزّت وجدان الأهالي في دير الزور ودمشق.. ويروي لي سنوات العمر في الجزائر، معلمّا ومربيّا، وكيف امتزج دمه بتراب هذه الأرض التي أحبها وتعلّق بها، ولم يعد يشعر بشيء سوى أنّه جزائري الدم والوجدان..
امتدّ به العمر، ولم يتوقف عن الكتابة والتأليف، وإنتاج البرامج للأطفال، وحضور مختلف الملتقيات والمنتديات، ولا يخلو مجلس من حديث له..
زارني أكثر من مرة في مكتبي بالإذاعة، عارضا جملة من المشاريع للأطفال، وأنجز بعضها. فهو لا يتعب، ولا يرى نفسه إلاّ سمكة في ماء الإبداع والكتابة للطفل.. وغير الطفل.
ببحّة صوته، ونظاراته المميّزة، يختار المقاعد الأولى ليقول كلمته، ويمشي. ولا يجد حرجا من أن يحدّثك عن وضعه الصحّي والاجتماعي، مثلما يحدثك عن مشاريعه ومؤلفاته التي لم تر النور، وهي كثيرة.
قال لي في تكريمي بالمكتبة الوطنية في ربيع 1998 "عين الله تكلؤك بعزّه.. امض شامخا تلفّك دعواتنا، ولك ربٌّ في السماء يحميك..". فلك التحية والعمر المديد جدّو حقّي.

الغزالي الاوراسي

كان يدعوه أبي بين الفينة والأخرى مع شيوخ وأئمة أذكر منهم البخاري والتهامي.. فيتطارحون في قضايا فقهية ومسائل اجتماعية تقتضي مساهمة الدين في حلّها. ولم أكن أفهم شيئا مما يقولون، غير أنني كنت أرجّح أنّ من يرفع صوته، ويقاطع غيره لعرض حجّته، هو الأفضل.. إذ لم يكن عمري تجاوز العاشرة.
كان بين الحاضرين مجلس أبي، الشيخ الغزالي بن دعّاس، ولا أعني به الداعية المصري المعروف، ولكنّه داعية أوراسي، يحترف حياكة البرانيس (..) ويقدّم دروسه في مساجد باتنة، ويشدّ إليه النّاس بفصاحته، ومنطقه الشعبي البسيط، وجرأته الكبيرة، في انتقاد ما لا يراه متوافقا مع أخلاق المجتمع الجزائري. كانت شعبيته عالية جدّا.
كعادته جاء مرّة إلينا مع آخرين، وتحدّثوا في شؤون مختلفة، ورأيت أنّه سيطر على المجلس بقدرته في الإقناع، وذكر لهم أنه في منتصف السبعينيات قدّم درسا في مكّة المكرمة، ولكنّ أحد المتطرفين من الوهابية، قاطعه بعنف وقال له "لا يحق لك أن تتحدث عن الاسلام في الجزائر.. لا علاقة لكم بالدين، فأنتم شيوعيون"، فردّ عليه غزالي الجزائري "شيوعيون يشيدون ألف قرية، في كل واحدة مسجد لذكر الله". فأسقط في يد الوهابي.
بعد أن انفض المجلس، همست في أذن أبي "الشيخ الغزالي هذا.. حلّوف بن حلّوف". فنقل أبي رأيي للغزالي رحمه الله، فأرسل لي دينارين مكافأة لي على مدحه (..) ولم يدخل جيبي يومذاك مبلغ كهذا..

إبراهيم حاصي

لم تمنعه الديبلوماسية في أن يكتب الشعر بأكثر من لغة، وأن يرسم لوحات بأكثر من لون، وأن يشكّل منحوتاته بأكثر من مادة، وأن يكلّم الناس بأكثر من لسان، وأن يستحضر أمامك مهاراته المختلفة في أشياء تنبئ عن موهبة لم تقتلها المغلقة والروتين الإداري..
يروي لك قصّة كلّ نصّ، ويشرح لك سبب استخدامه لهذا اللون دون ذاك، ويفاجئك باختراق فنّ لا يقوى عليه إلا المتمرّسون به. هو إبراهيم حاصي بن عودة، السفير الذي يروي بعضهم أنّه في فترة انتدابه لطهران، استقبل وفدا جزائريا في مهمّة، فأبدى رئيس الوفد إعجابا به حين رآه يتكلّم مع هذا الفارسية، ويردّ على الآخر بالإنكليزية، ويعقّب على الثالث بالفرنسية، ويطلق تعليقا على رابع بالعربية، فقال له رئيس الوفد "لم يبق لك إلاّ أن تتكلّم الأمازيغية في طهران"، فشغّل إبراهيم جهاز تسجيل السيارة ليسمع محدّثة  رائعة "أسفرو"، فضرب الرجل أخماسه وبأسداسه وقال له "حتى آيت منقلات أدخلته إلى إيران..".
أصدر إبراهيم ديوانه ببيروت مزيّنا برسوماته الجذّابة، وقرأ في قاعاتها، واكتشف الناس الطفل القادم من الدهموني، وهو يتألق في عاصمة الإبداع، وقد وضع قبعّة السفير غير بعيد عن فندق.. سمرلند.

لوصيف

كان أوّل لقاء بيننا في العام 1979 بباتنة حين سمعت منه "لامية الفقراء" فبدا لي أنّه شاعر لا يسعى إلى مجد أو شهرة، لكنّه يسعى إلى أن يجد في الناس من يسمع شعره فيحبّه.
يكتب باستمرار، وما يدخل جيب باليمنى ينفقه باليسرى في طبع ديوان جديد، حتّى بلغت خزانته الثلاثين مجموعة شعرية أو أكثر. هو هكذا عثمان لوصيف. الشاعر الأسمر الذي لا يغادر بلدته طولقة إلاّ إلى التلّ أيام الصيف، أو ليشارك في مهرجانات شعرية في مدن أخرى.
كان منجذبا إلى زوجته بوفاء نادر، فيذكرها في قصائده، ويضع صورتها على أغلفة مجاميعه الشعرية، وحين وافاها الأجل، رحل عن المكان، لتكون ظلاّ له أينما حلّ وارتحل..
صدر ديوانه الأول "الكتاب بالنار" 1982 بتصريح لي "عثمان لوصيف هو أمير الشعراء في الجزائر" فانزعج أشباه الشعراء، لأنّهم لم يدركوا ذلك إلاّ بعد ثلاثين عاما من مكابدات عثمان الأسمر الطيب، ولم يفهموا شيئا إلا بعد أن وجدوا أنفسهم أمام شاعر مكتمل الموهبة، يمنح الشعر كلّ حياته، ولا يستجدي أحدا في أن يُوجِدَ له منبرا لينتزع اعتراف الناس بقدرته، وهو الذي يحقّ له أن يصدر أحكامه على من يشتغلون في حقل.. القصيدة.

بن حمودة

كنت واقفا في الشارع الرئيسي، أول نوفمبر، بسطيف، وفجأة توقفت أمامي سيارة سوداء، يقودها رجلٌ لم يكن معروفا قبل أسبوع، نحيف قليلا، وله نظارات مميّزة، ويتحدث لكنة قسنطينية، ولا يضع ربطة عنق (..) سألني إن كنت أعرف مقرّ اتحاد العمال، قلت له إنّ على مسافة مائتي متر على اليمين، وأضفت ألست الأمين العام الجديد للاتحاد العام للعمال الجزائريين؟ ابتسم وقال لي "أنا بلحمه وشحمه". قلت له "يبدو أن كارثة منجم خرزة يوسف هي من جاء بك؟"، قال لي "هي بالذات.."، قلت له "أنا صحفي بجريدة الشعب هل تأذن لي بطرح سؤالين أو ثلاثة، فلم يمانع، وأجابني وهو وراء مقود سيارته، بينما كنت أقف على الرصيف (..). كان أوّل لقاء مع سي عبد الحق..
كنت في مكتبي بالتلفزيون، وحضر عبد الحق بن حمودة قبل نصف ساعة ليشارك في حصة توقيعات التي يقدّمها محمد هلوب ونوارة جعفر، فسألته ما قصّة الحزب الذي تتهيأون لإطلاقه، ابتسم وقال لي "سيولد كما يقولون بشلاغمه.." وراح يشرح لي أسباب إنشائه تنظيم سياسي يرتكز على المنظمات الكبرى، وعلى المؤمنين بجزائر قوية لا مكان فيها لمن لا مبادئ أو قيم لهم.. وقبل أن يخرج من المكتب، ابتسم وقال لي "نريد أمثالك في حزبنا.." وبعد أسبوع نزل علينا خبر اغتياله.. واغتيال مولود سياسي وُلد، كما قال، كبيرا.

هارون الذي ضاع منّي في الخرطوم..

أحيانا يشدك الحنين إلى أحداث عشتها أو أماكن زرتها أو أناس تعرفت عليهم، فتستعيد في كل مرة تلك الوقائع، ورحلتي إلى السودان في 2005 تعد من أجمل الذكريات التي تستدعي في كل مرة استحضارها، ورواية بعض فصولها للآخرين..
اعتقدت أول الأمر أنه يمكننا أن نجلس في أي مقعد شئنا، كما هو الحال في خطوطنا الجزائرية، لكنني رأيت مسافري الخطوط المصرية وهم يبحثون عن مقاعدهم حسب بطاقة السفر، فكان حظ الكاتب سعيد بن زرقة رفيقي في رحلة السودان مقعدا في الصفوف الأولى بينما رمى بي الحظ في مقعد على الجناح الأيسر من الطائرة وبجانبي جلس مواطن مصري بلباس شعبي، لم يتحدث طوال الرحلة، وفهمت منه أنه لا يرغب في ذلك بسبب منع التدخين، في حين أنه من فئة الذين يتسببون في تلويث الرئتين.. كان بين الفينة والأخرى يسألني "وصلنا الخرطوم؟" فأجيب "لم نصل بعد.." وقبل الوصول بحوالي نصف ساعة سلمت لنا استمارات الدخول فطلب مني أن أملأ استمارته، ورحت أسأله عن الجهة التي يقصدها فقال "وانا إيش اللي عرفني.. آهي شركة إسمنت وخلاص.. وما اعرفش فين مقرها".. كان اسمه عبد الفتاح والباقي لا أذكره..

سبعة أيام دون نوم..

صيف 1999 كان متميزا بالنسبة لي، ففيه قررت التوقف عن الترحال من أرض إلى أخرى، والبقاء في البيت. هكذا قررت بالاتفاق ديمقراطيا مع أفراد العائلة.. ولكن "تسونامي" من الدعوات وصلني في يومين أو ثلاثة أيام، أما الدعوة الأولي فمن مهرجان المتوسط بإيطاليا، والثانية من الملتقى العربي والإسلامي الثوري ببيروت، ودعوة من مهرجان المحبة باللاذقية (سوريا) ودعوة من مهرجان صيادة الثقافي بتونس ودعوة أخيرة من مهرجان جرش بالأردن، في أقل من عشرة أيام، وكل مواعيدها متقاربة، ويصعب ضمان الإيفاء بها، ولو كان صاحبها ذا بساط سحري، لكنني توكلت على الله وقلت لزوجتي سأنكث عهدي هذه المرة، وأجيب بالإيجاب على كل الدعوات.. فقالت لي "إذا فعلتها فأنت السندباد". وسأريكم ما لا يفعله السندباد".
 دعوة إيطاليا وصلتني من جينو لوكابوتو مدير مهرجان البحر الأبيض المتوسط بمدينة بتشيلية الإيطالية الذي أصرّ على حضوري بهدف تكريمي بصفتي شاعرا تشغله قضايا الإنسان، أو هكذا قرأ في نصوصي التي ترجمت إلى الإيطالية.
هذه الرحلة دونتها أكثر من مرة لأنها، وردت إليّ من رجل مناضل من أجل القضية الفلسطينية، وأقام لأجلها مهرجانا فنيا وأدبيا، ودفع بلديته إلى تمويل ذلك رغم أنف المناوئين لهذا الخط السياسي الواقف مع قضية ليس من اليسير المجاهرة بالوقوف معها، لأن ذلك يعد سباحة ضد التيار..

شاعر يضحك على أمن المطار..

 أكثر الناس "رفضا" لأحقية نجيب محفوظ بجائزة نوبل  للآداب كان الدكتور يوسف إدريس الذي أعلنها صراحة أمام الملأ: " أنا أولى منه.." وتساءل الناس عن السبب الذي جعل سيد القصة العربية يخرج عن وقاره ولا يكظم  غيظه، وبدل أن يفرح الناس لفوز محفوظ  صاروا يطاردون إدريس وهكذا استطاع صاحب "الفرافير" و"النداهة" و"جمهورية فرحات" أن يقتسم الحدث  مع "سي السيد ".
كنت مدعوا إلى حضور المربد الشعري ببغداد في نهاية حرب الخليج الأولى 1988               مع وفد من شعراء وكتاب جزائريين، من بينهم أبو القاسم خمار وعياش يحياوي وعبد العالي رزاقي وبلقاسم بن عبد الله..  وكانت رحلتنا (الجزائر- باريس- بغداد) ذهابا وإيابا.. وفي عاصمة الرشيد المنتشية بانتصار ثمنه مليون قتيل، كان أبرز المدعوين الدكتور يوسف إدريس الذي منح جائزة صدام مناصفة مع جبرا إبراهيم جبرا، واعتبرها الإعلام آنذاك تعويضا له عن خسارة نوبل.

لَقِّم المحتوى