مدونة azzedine

بوعلام رحوي

يقول خبراء ألعاب القوى عن هذا الرجل ذي الشنبات الرفيعة، إنّه كان قادراعلى أن يحطم الرقم القياسي العالمي لمسافة ثلاثة آلاف متر حواجز، غيرأنّه حطّم نفسه بفعل الفرح. كان ذلك في ألعاب البحر الأبيض المتوسط في 1975 بالجزائر، حين راحت قدما بوعلام رحوي تلتهم أروقة ملعب 5 يوليو في مشهد تاريخي لا ينسى.. ولمّا شعر أنّه صار قريبا من التتويج، راح يرفع يديه ويحيي الجمهور، فرحا بمنح الجزائر ميدالية أخرى، ولم يكن يعرف في تلك اللحظة أنّه قاب قوسين أو أدنى من تحطيم الرقم العالمي.. والأمر ليس غريبا، فالهدف كان الفوز، ولم يفكّر أيّ كان في تحطيم الرقم..

صحفيون بدرجة.. صالدانا

لم يُبْدِ الجزائريون غرابةَ من قول خليلوزيتش إن في هذا البلد أكثر من ثلاثين مليون مدرب (..) واعتبروا تصريحه تكريسا لحقيقة مفادها أنّ في كلّ بيت مدربا يعرف أسرار الكرة ويملك خطط اللعب التي تقود منتخب الجزائر ليس إلى التأهّل للمونديال فحسب، بل العودة بالكأس.. وبالتالي كان على روراوة أن يلجأ إلى قرعة لاختيار مدرب وطنيّ أبًا عن جد، قد يأتي من عين الحجل أو عين الدفلى أو عين الملح أو عين صالح..
كلّ الناس عندنا فقهاء في الجلد المنفوخ، وعارفون بفنونه من ألفه إلى يائه، وأوّل هؤلاء هم معشر الصحافيين الذين تحوّل كثيرٌ منهم إلى قضاة في محاكم الكرة، فيخوضون في مسائل فنيّة معقّدة يصلون من ورائها إلى أنّ هذا المدرّب عاجز، وذاك لا صلة له بالتدريب، والآخر لا يفهم شيئا في التكتيك.. ويطرحون البدائل، قد يكون أفضلها أن توكل المهمة للصحفيين أنفسهم. وأمام تصريح خليلوزيتش الذي قرأ الشارعَ الرياضيَّ الجزائريَّ في أقل من يومين، من خلال بعض صحفنا، أو يكون سمع من مقربيه شيئا أثار حفيظته، أطرح سؤالا، سبق أن طرحته قبل عامين، أيهما تفضل لو خُيّرتَ، أن تكون مدربا أم صحفيا؟ قد يكون اختيارك الصحافة لأنك حرٌّ في أن تمسح بالمدرّبين الأرض إن هم أخفقوا.. وتبحث لهم عن نقاط سوداء إن هم انتصروا. وإذا حدث وكنتَ سندا لهم فلن يدوم ذلك طويلا لأنه لا يختلف عن الزواج الكاثوليكي.. أما إذا اخترت مهنة التدريب فإن سلِمتَ من مقصلة النادي يكون مصيرك حبل مشنقة الصحافة والجماهير.. والفاتورة يدفعها الخاسرون، وتلك هي قاعدة اللعبة في كرة القدم.

العربي دحّو

كان أوّل من قدّمني لطلبة جامعة باتنة في أول أمسية شعرية لي في العام 1983، ولم أكن تمرّستُ بمثل هذه الفضاءات. وكان أوّل من قدّم لديواني "في البدء كان أوراس" في العام 1985 في صحيفة النصر بعنوان "ميهوبي في السوق" مما أعطى دعاية أكبر لباكورة أعمالي.. وكان له شرف رئاسة المؤتمر السابع لاتحاد الكتاب الجزائريين بسطيف 1998..

أطفالنا.. هل يعرفون أبوليوس؟

لا شك أن أساس النهضة السليمة تقرره النخب الوطنية التي تمتلك قدرة في الاستيعاب والتحليل والتصور والتنفيذ، ولا يمكن تصور بلد مثل الجزائر مفتقرا إلى هذه الكفاءات التي تنتشر عبر العالم مؤكدة تفوقها وإبداعها في مختلف الميادين.

كاتشو

يعتقد كثير من الناس أننا شقيقان، هكذا قال لي ذات مرة، فملامحنا تتشابه، وبشرتنا القمحية متقاربة، ولنا ذات القامة، ونلتقي باستمرار.
علي ناصري، أو كاتشو، كما يعرفه الناس. كان صديقا عزيزا، لا يمرّ أسبوع إلا ويتّصل بي، أو أتصل به، أسأله عن أحواله وجديده في الفن، ويسألني عن صحّتي وجديدي في الكتابة، والأمر ليس غريبا فقد عشنا في حيّ واحد، وجمعتنا طفولة واحدة، وتواصلنا في فضاءات مختلفة، ولكنني كنت أرى فيه ذلك الطفل القادر على النجاح، والذهاب بعيدا بالأغنية الشاوية في زخم التنافس الكبير بين عشرات الطبوع والإيقاعات.. ومرّة قال لي بعد حفل أجراه تحت رذاذ المطر بسطيف "أريد أن يصل صوتي خارج الوطن". فبدأت اتصالات ببعض من أعرف في مهرجانات فنية، ولكن للأسف لم يتحقق هذا الحلم، لأن الموت كان أسبق..
زارني مرات عديدة في الإذاعة الوطنية، ولم أسمع منه مرّة واحدة، ما كنت أسمعه من بعض الفنانين، من إدراج أغاني ألبوماته الجديدة في مختلف الإذاعات للترويج، وكان يحبّ الخوض في أمور السياسة، والبحث عن أجوبة لأسئلته التي لا تنتهي، وعندما تقول له "دعنا نتحدث في الفن"، يرد ببرودة "الفن نسمعه ولا نتحدث فيه..". وتبقى فترة الحجّ هي التي كشفت للجميع عن معدن كاتشو، المؤمن، الطيب، المتخلق، الصبور، المحبّ للناس.. وحين بلغني خبر موته المفجع بكيت، لأنّ أخًا لي رحل، دون أن أكلّمه في جديد السياسة، وكنت أنتظره بعد يومين في مكتبي..

بختي بن عودة

صعبٌ جدّا اختزال هذا الرجل، فهو من طينة عصيّة على  التناول بارتجال. كان يبشّر بميلاد عقل تنويري في زمن انهيار القيم وتلوث المفاهيم وحضور العنف في حياة الناس.
لم يفشل، لأنه مؤمن بقدره، ولم يتردد لأنه لم يخطئ حين اختار طريقه، ولم يُكره غيره على أن يكونوا مثله. يدافع عن رأيه في غير عناد، ويقرأ غيرَه في غير تطاول أو إقصاء. لا يغيب عن أي ندوة يُدعى لها، ولا يخرج من أيّ ملتقى إلاّ وترك وراءه فكرة، أو رأيا، أو مقترحا..
كنت ألتقيه في كلّ مرة، فلا يسأل عن صحّتي، إلاّ بعد أن يطلب منّي جديدي في الشعر، ويقدّم لي وجهة نظره بلا مجاملات، ثم يقول لي "والآن كيف حالك؟".
آخر مرّة التقيت فيها بالشهيد بختي بن عودة، في الأيام الأدبية بالعلمة، كنّا أعضاء في لجنة التحكيم، وأذكر أنني ودّعته قريبا من مسرح المدينة، وأعطيته وردة، ابتسم وقال لي "لا أعرف إن كانت ستقاوم الذبول قبل وصولي إلى وهران..". قلت له "لن تذبل لأنها ترتوي من عرق يديك".
مرت أيّام، فكانت فاجعة اغتيال الطفل الذي لم يكن يعلم أن عينا غادرة كانت تترصده، وهو يداعب الكرة مع أبناء حيّه. ليت الرصاصة عرفت من يكون.. لكنها وُلدت لتقتل الوردة. ومن حقّي أن أبكي بختي في نص "أستحي أن ألمح الورد يموت وأغنّي..".

زعيتر

بسمرته الدافئة، وكلماته الرقيقة، كان يقابلني الشهيد جمال الدين زعيتر، أيام كنّا نؤدي فترة الخدمة العسكرية قريبا من حديقة صوفيا، فنتحدّث في كلّ شيء، الأدب والثقافة والسياسة والفن والرياضة، ونروي النّكت الجديدة عشية مشاركة المنتخب الوطني في مونديال مكسيكو 1986، وأذكر أنه قال لي "إذا فشل سعدان في الحصول على كأس العالم أمر طبيعي فهو سيلعب ضد البرازيل وإسبانيا.. لكنه عليه ألا يفشل في نيل كأس الجزائر". ويضحك جمال، ويطلب منّي نكتة شبيهة، فأقول له "إذا فشل في نيل كأس الجزائر، عليه ألاّ يسقط إلى الدرجة الثانية..". ولا يتوقف جمال عن رواية ما يجري في القسم الثقافي لجريدة الجمهورية، وملحقها الثقافي المتميّز، وكيف كان المرحوم عمار بلحسن والشهيد بختي بن عودة، يعملان على أن يكون كلّ عدد، حاملا لقضايا وأفكار جديدة، وأنهما لا يقبلان بأقل من فضيحة أو هزّة عنيفة في المشهد الأدبي..
زارني في سطيف، وحين سألته إن كان قطع تلك الرحلة الطويلة لأجل رؤيتي، قال لي "علمت أنّ أصول عائلتي من الحضنة، فجئت لأخبرك وأزور المكان..". وكان ينشر لي بعض نصوصي الشعرية، وبقينا على تواصل، إلى أن بلغني خبر اغتياله في مقبرة قديّل وهو يقرأ الفاتحة على قبر أمّه.. ذنبه أن يكتب ويفكّر، ويحبّ أمّه كأيّ طفل.. غير إرهابي..

نبيه برّي

في العام 1991 التقيت به في جدّة. اقتربت منه، وقدّمت نفسي، فرحّب بي، وسألني عن الجزائر في فترة كانت الأوضاع متوترة عقب حرب الخليج، ثم راح يثني على دور الجزائر في مساعدة لبنان بعد حرب أهلية مدمّرة.
طلبت منه إجراء حوار لصالح يومية الشعب التي كنت أرأس تحريرها يومذاك، فلم بمانع، وقال لي "أنا جاهز.. فهل أنت جاهز بأسئلتك وجهاز تسجيلك". فاستأذنته في ربع ساعة، لإعداد ذلك، ولم يمانع، فقد شعرت أنه كان مرتاحا للحديث معي ولجريدة جزائرية. وحاورته في كلّ شيء، ولم يرفض أي سؤال. شكرته ومضيت..
بعد عشر سنوات، انعقد المؤتمر البرلماني العربي بالجزائري، وكنت يومها نائبا بالمجلس الشعبي الوطني، وكلّفني الأستاذ عبد القادر بن صالح، بإعداد "إعلان الجزائر" مع ممثلين لبعض البلدان العربية، وفي ختام المؤتمر قرأت الإعلان أمام الحضور، ولم أغادر المنبر، حتّى سمعت صوتا يناديني "السيد النائب.. تفضل"، فكان نبيه برّي، الذي قال لي ولبن صالح وهو يتأمّل وجهي "لست غريبا عنّي.. أذكر وجهك. أين التقينا؟"، قلت له "لم تخطئ السيد الرئيس، فقد حاورتك قبل عشر سنوات لصالح جريدة الشعب". فضرب على الطاولة بيده وهو يقول "لم تتغيّر ملامحك.. أنت هو هو.. تركت الصحافة لتكون نائبا تطارده الصحافة؟". ضحك من كان حاضرا، ثم قال لي "أين الحوار الذي أجريته معي. لقد وعدتني بإرسال نسخة منه.". لم أجد ما أقوله..

محمد سامي.. طفل الدهشة

كان عليّ أن أخبئ هذه اللوحة في مكان لا تصل إليه العفاريت، ولا أعرضها على غيري خوفا من أن تمتد إليها يد الآثمين أو اللصوص ليلا فأفقدها إلى الأبد.. فأوصدت الأبواب وأحكمت إغلاق الشبابيك خوفا من ريح عابرة تتلف ألوانها، وأطفأت الأضواء حتى لا تلتفت إليها الفراشات فتتملكها الغيرة.. ووضعت عليها تمائم جلبتها عرافة الحيّ من حيث لا أدري..

 إنها لوحة غير عادية، أسميتها "الجياد المفجوعة"، ولا أعرف أي اسم أطلقه عليها محمد سامي الطفل الذي يلاحق الأحلام الهاربة..

احذر مزاج قائد الطائرة؟

تعرفت على عثمان أثناء وجودنا معا في فعاليات الأسبوع الثقافي الجزائري بدمشق في أفريل 1995 وهناك اكتشفت رجلا مختلفا تماما، جزائري الطباع، حلو المعشر، ذكي الملمح، فنان بما تحمله الكلمة من أبعاد..
عندما جلس القرفصاء كما يفعل التوراق في حياتهم، كانت والدته خديجاتا على يمينه.. أغمض عينيه ليرحل بعيدا في إيقاعاته، ويحلق مع روحه دون أن يأبه بمن حضر أو من صفق له وهو يؤدي رائعته "دمعة.. دمعة".. وكان أهل الشام، وهم من أكثر شعوب الأرض ذائقة ومعرفة لأسرار الغناء، مشدودين إليه كما لو أنه جاء من الكوكب.. الأزرق.
صفقوا كثيرا، وهو ما يزال يعيد ترنيمة أغنيته في إيقاع تواتري منخفض بينما تشد أصابعه على أوتار العود كما يشد المحارب عل مقبض سيفه.. ويرسل عثمان ابتسامة عريضة تعبر عن حالة انتصار الجمال والإبداع في حضرة الصحو الفني والألق الرائع..
منذ دمشق صرت على تواصل مستمر مع عثمان بالي فكنت ألتقي به كلما كانت هناك فعالية كبرى يكون أحد صناع الفرحة فيها.. غير أن وادي جانت صنع الفجيعة وكأنه لا يعرف أن الذي جرفته مياهه هو واحد من أعظم فناني هذا القرن..

لَقِّم المحتوى