مدونة azzedine

السائحي الكبير

جمعتني به مواقف طريفة، لأن الرجل لا يمكن له أن يكون إلا كما هو.. ضاحكا، مضحكًا، بصوته الميكانيكي، يصنعُ اللحظة العذبة، بنكتة أو تعليق.
كنّا في الرياض ضمن فعاليات الأسبوع الثقافي الجزائري بالمملكة العربية السعودية، وحينذاك، تمّ الانقلاب على الرئيس بورقيبة في نوفمبر 1987، فأخبرته بذلك، بقولي: "صاحبك أزاحوه.."، وقرأت له الخبر كما أوردته الصحف، فابتسم وقال لي "لأوّل مرّة أسمع بحدوث انقلاب بشهادة طبيّة".

سعدي يوسف

لا يختلف اثنان في أنّ سعدي يوسف هو أحد قامات الشعر العربي الحديث، فهو عراقيّ، من طينة السياب والجواهري وصلاح نيازي.. وهو ذو مزاج متقلّب جدّا، ويمكنه أن يقلب عليك المائدة في بيتك، فهو عراقيّ. ولكنّه إنسان عانى طويلا في غربته، فكان شعره حياته التي اختزلها في كلمات.. عاش بعيدا عن أهله، وقاوم الغربة والنسيان والموت.

عمر البرناوي

حدث هذا في العام 1987، في الرياض، على هامش فعاليات الأسبوع الثقافي الجزائري بالمملكة العربية السعودية، إذ لم يجد الشاعر عياش يحياوي من وسيلة للحدّ من هيمنة الشاعر الراحل عمر البرناوي على المجموعة المشاركة سوى تهديده بالموت (..) بتواطؤ من مجموعة كبيرة من المشاركين، فأحيانا يعثر البرناوي على ورقة تحت باب غرفته بالفندق، أو يتلقى مكالمة من مجهول تتوعده بالويل والثبور وعظائم الأمور.. أو تُدسّ في جيبه ورقة في غفلة منه.. فكتم الأمر في اليوم الأول، وتغيّرت ملامح وجهه في اليوم الثاني، وانفجرا غيظا في اليوم الثالث، وراح يصرخ في اليوم الرابع معلنا أنه مستهدف في حياته.. وأمام حالة الإحباط التي صار عليها البرناوي، شعر عياش ومن شاركه في المؤامرة البيضاء (..) بضرورة كشف المقلب.. لكن ليس لكم أن تتصوّروا ردّ عمر الذي قال "لولا أننا ضيوف المملكة.. لرأيتم منّي ما لم يفعله أبو لهب".. وانفجر ضاحكا.

مالك بن نبي

لا أزعم أنني التقيت هذا الرجل.. لكنني أذكر ملامحه جيّدا حين دُعيَ لإلقاء محاضرة بإحدى قاعات السينما بباتنة في العام 1972.. ولم أكن حينها أفهم معنى أن يتحدث الانسان عن الحضارة والهوية والزّمن والتاريخ.. وكنت أسمع في شوارع المدينة الناس يتحدّثون عن الرجل وفكره، ولم أكن أذكر حينها سوى أن قاعات السينما أنشئت لعرض أفلام مانغالا بنت الهند، وجون واين.. وفريد شوقي.

الطاهر وطار

في العام 2001 قابلت عمي الطاهر في مكتبه بالجاحظية. تحدّثنا في الحاشي والراشي كما يقولون، وشعرت أنّه يدفعني إلى البوح بالدافع الحقيقي إلى لقائه. قال لي "ازرع ينبت". قلت له "لقد قدّمتَ الكثير للأدب والثقافة، ورأيت من واجب اتحاد الكتاب أن يكرّمك في مسقط رأسك..". وبابتسامة ثعلب جزائري أجابني "تريدون منّي أن أموت قبل الوقت." قلت له "لا، بل نتمنّى لك العمر الطويل.. إنّما أردنا أن تكرّم قريبا من أبوليوس.". طأطأ رأسه قليلا وقال لي "يبدو أنك غلبتني.. سأفكر يوما أو يومين". وكان ردّه بالموافقة.

كمال عياش

بعد إحرازي الباكالوريا، لم يفهم أبي لماذا اخترت الفنون الجميلة، فأرسل إليّ رسالة مشفّرة، فعدت أدراجي لأدرس الأدب بجامعة باتنة، لكنني قرأت اللوم في عينيه، لأنني لم أستشره فيما ذهبت إليه.. فعدلتُ عن الأمر، والتحقت بالمدرسة الوطنية للإدارة، ففهمت أن سحابة القلق انقشعت من عينيه. لكن بعد تخرّجي، لم يفهم لماذا اخترت مهنة الصحافة دون سواها.. ومع مرور الوقت اكتشف حاجتي إلى.. الكتابة، فكان أول ناقد لي.
وحين طرقت باب "الشعب" قال لي الراحل كمال عياش مديرها العام آنذاك، رجل المبادئ والمواقف "أنت خريج الإدارة، وأنا بحاجة إلى متصرّف إداري." فأجبته بأنّني لم آت لأجل ذلك، جرّبني ولن تندم..". فكّر قليلا ثم قال "على مُراد الله.." وبعد أربع سنوات، دعاني إلى غداء، وقال لي "ابتداء من يوم غد.. أنت رئيس التحرير". لم أقل شيئا، لأنّ كمال من طينة الرجال الذين إذا قلت لهم لا، رموك في سلّة المهملات..

محمد الدراجي

لم ألتق به، إنّما أذكر شيئا من ملامحه، ولم يكن عمري إذّاك يتجاوز الثلاث سنوات أو يزيد قليلا. فهندامه الجزائري الأصيل، لا يفارق ذاكرتي، عباءة بيضاء، ولحاف أبيض، ولحية سوداء امتد إليها البياض.. ذاك جدّي محمد الدراجي.

حفر في الذاكرة

في حياتي تزاحمت أشياء كثيرة، وجوه وأمكنة وأحداث.. وكلّما تراكمت، صرت أشعر بعبئها على الذاكرة، ويصعب عليّ محوها، لأنّني لا أقوى على النسيان، وأشعر أيضا بواجب زيارتها ولو افتراضيا من خلال، التذكير بها، وإعادة تحميض تلك الصور التي مرّت عليّ، وحفرت بعض أخاديدها في خريطة الأيام والسنوات..
من ينسى يقتل تاريخه. ومن يكتب بالماء ينعم بالبخار. ومن لا يذكر غيره، يسقط من ألسنة غيره.
في هذه المساحة التي منحتني إياها يومية "الجزائر"، سأتقاسم معكم شيئا من الذاكرة، وأعيد تجميع وقائع أسماء عرفتها، وأماكن زرتها، وأحداث كنت شاهدا عليها، وأشياء رأيت أن أدلي بدلوي فيها..

لَقِّم المحتوى