مدونة azzedine

زهير الزاهري

تعرفه أجيال من الكتاب والمبدعين، ويشعرون بفراغ إذا لم يروه في ملتقى أو ندوة أو حفل تكريم.. إنّه زهير الزاهري.

أطلق عليه عميد الملتقيات، وشيخ الشباب، والمشاغب، والرجل الذي لا يتعب، وصاحب اللسان السليط.. كان يهتم بالأدب والتاريخ والدين، ولا يخلو لقاء من مشاركة له، إما محاضرا أو معقّبا، أو مثيرا لنقاش ساخن، فهو لا يكتفي بما يقول الآخرون، إنّما يفتح الباب على أسئلة، ولو لا صلة لها بالموضوع.. إذ يمكن أن يكون الكلام دائرا حول الشعر الحديث فيربط ذلك بالصراع بين عقبة وكسيلة (..).

أبو إلياس

جاءني، وقد بلغ الرابعة والثمانين ليقول لي "سجّلت في معهد الأدب لأكمل دراستي.." فاستغربت الأمر في البداية، وقلت ما بال شيخ فوق الثمانين، يعود إلى مقاعد الدراسة بعد أن غادرها منذ ستين عاما. لكنّه كشف لي عن السبب وهو أنه يريد، إلى جانب الدراسة، الحصول على غرفة في الحيّ الجامعي، يأوي إليها، بعد أن أنهكته السنوات في دار الشيخوخة ببراقي. وطلب منّي أن أتدخّل لدى من بيده الحلّ ليمنح غرفة باعتباره طالب، وليست لديه إقامة في أيّ مكان، باستثناء دار الرحمة، وقضى ليلته في أحد مكاتب إدارة اتحاد الكتاب الجزائريين.

ياسف سعدي

حين يكلّمك، تسبق كلماته ابتسامة، وحين يعلّق على فكرة أو موقف، يضحك طويلا. يمتلك ذاكرة فيل، ويجد الكلمات ببساطة للتعبير عن رأي، أو وصف حالة. زارني مرات في مكتبي بالإذاعة الوطنية، وكلما اقتربت منه، شعرت أنّ الرجل صار أكثر إيمانا بحاجة الجزائر اليوم إلى أن تخرج قليلا من حديث التاريخ، على أهميّته، إلى إعلان ثورة التطور والمعرفة، لأنّ تلك أمنية الشهداء.

لويزة إيغيل أحريز

حين تنظر إليها وهي تتوكّا على عكازها المعدني، تشعر وكأنها ذلك الفارس الذي يأبى أن يترجّل.. فهي متأهّبة دائما، جاهزة لمقاومة ما تبقى من آلام تتقطّر من جسد الثورة. وحين تتكّلم، تطلع من نبرة صوتها، حشرجة الخارج من غرفة التعذيب، وحين تنصت إلى من يكلّمها، تصمت تماما، وتبتلع كلمات الآخر عن آخرها، فإمّا أن تهزّ رأسها، أو أنّها تردّ بكلمات قليلة، ذاك ما تعلّمته من جلسات الاستنطاق والتعذيب. وليس لك أن تنظر إلى عينيها، فمن بريقهما تلتمع الدموع. لقد آثرت الصمت طويلا أيام الثورة، لأن في الصمت حكمة الثوار.. المنتصرين.

صلاح نيازي

هذا الرجل العراقي القحّ، أقام في لندن خمسين عاما، دون أن يخسر لسانه ووجدانه وروحه، فكلّما امتدّ به الزمن في بلاد الغربة، تأصّل أكثر في لغته وهويّته، وكان أكثر قربا من المتنبّي وأبي تمام والسيّاب والجواهري.

تعرّفت عليه من خلال مجلته "الاغتراب الأدبي" التي عمّرت قرابة عشرين عاما، وكانت صوتا للإبداع العربي في بلاد شكسبير، وحين زرته في بيته في العام 2000، تعرّفت على زوجته الأديبة سميرة المانع، ورأيت ما بينهما من حبّ واحترام، فهمت لماذا يمكن للغربة أحيانا أن تصنع أدبا خالدا، وتمنح الناس فسحة للتأمل العميق في الأشياء. لقد ترجم صلاح، يوليسيس لجيمس جويس، وهي من أكثر النصوص صعوبة في مبناها ومعناها، وأقام بين الشعر الإنكليزي والشعر العربي مقاربات عجيبة، منها وصف قلعة "الحدث" التي بناها سيف الدولة، في شعر المتنبي، وقلعة "دنسينان" في رائعة مكبث لشكسبير، فينجح نيازي في الربط بين عبقريتين، بإقامة علاقة حميمية بين نصّين خالدين.

دعوته لزيارة الجزائر، أكثر من مرّة، وفي كلّ مرّة يقول "إنني أشمّ رائحة العراق في تربتكم.." وحين يعود إلى لندن يكلمني، ويقول لي "لقد أخذت معي عطر الشهداء..".

قاسم حداد

اسمه الحقيقي قاسم الحدّاد، والسبب في حذف "ال" التعريفية، رواها لنا على هامش المهرجان الرابع للأدب وكتاب الشباب. كنت أمشي مع قاسم بين أجنحة المعرض، فلمحت الكاتب مولود عاشور، فاتجهنا نحوه، قدمت قاسم لمولود، ومولود لقاسم بقولي "هذا الرجل كان أقرب الناس للراحل مالك حدّاد" فتملكت قاسم فرحة غريبة، وقال لمولود "هل تعلم أنّ مالك حدّاد هو من جعلني أحذف أل من الحدّاد، وهو اسمي الحقيقي، ليصير قاسم حدّاد بدل الحدّاد. فقد قرأت باندهاش كبير عمله الأدبي الكبير الشقاء في خطر الذي ترجمته ملكة أبيض زوجة سليمان العيسى. لقد كان مالك كاتبا عظيما.". هذا موقف، ثقافي يكشف عن حسّ إنساني عميق.

قاسم، هذا الرجل الأسمر القادم من جزيرة اللؤلؤ، العاشق للكلمة، الصدق، المحبة، الجمال.. يكتب، خارج أزمنة السياسة والتاريخ المزّيف، ويقرأ حين يشعر أن هناك من يبادله همس الكلمة، وقلق الأشياء، ودهشة الصمت، وفوضى المدن التي تطارد الشعراء في الفنادق الموبوءة، والشوارع المليئة بالفتنة.

قاسم حدّاد الانسان الذي اختار جهة الشعر، يعلم أن عقارب القصيدة هي التي تصنع الزمن.. وتمحوه.

فديريكو مايور

هذا الرجل، يتّسم بكاريزما هائلة في حديثه مع الآخرين. ففي فترة إدارته لمنظمة اليونيسكو، سعى إلى جعلها ضميرا للعالم، فهو المثقف والشاعر والمفكر القادم من بلاد الأندلس، الذي يحظى باحترام الجميع. التقيت به في الرباط 1999 على هامش مؤتمر يتناول التربية على حقوق الانسان. تقدمت نحوه، وعرّفته بنفسي، فاهتمّ لما قلته له من أنّ منظمته لم تهتمّ لشأن الكتاب والمثقفين والصحفيين الجزائريين في السنوات التي واجهوا فيها الإرهاب، واغتيل عدد كبير منهم. فأجابني بأن اليونيسكو ساعدت كثيرا من الجزائريين الذين فرّوا إلى الخارج. فكان ردّي سريعا "أنا أقصد الذين لم يفرّوا وفضّلوا البقاء في الجزائر." فصمت الرجل، وكأنه لم ينتظر كلاما كهذا، فزدت عليه "إذا فرّ الجميع، يعني أن الارهاب حقّق مبتغاه". فهزّ مايور رأسه، ونظر إلى زوجته، ثم قال لي "هذه مسألة جديرة بالاهتمام. يمكنك أن تكتب لي رسالة تشرح لي فيها أوضاع الكتاب والمثقفين في الجزائر، لنقوم بما يجب أن نقوم به..". عند عودتي، أرسلت إليه ما طلبه منّي، وما زلت أنتظر الجواب، وقد مرّ على اليونيسكو مديران بعد رحيل.. الدكتور فديريكو مايور.

حليمة الورزازي

في شتاء 1999 شاركت في مؤتمر موضوعه التربية على حقوق الانسان بالمغرب أشرفت عليه منظمة اليونيسكو، ممثلا للمرصد الوطني لحقوق الانسان، وعرضت تجربة الجزائر في ذلك، وحدث ما يشبه المناوشة بيني وبين أحد المحامين المغاربة، تمّ تطويقها بإزالة سوء الفهم. وفي ختام الجلسة، تقدّمت منّي سيّدة متقدّمة في السنّ، بجلباب مغربي أخضر، وسألتني عن عمري، فابتسمت، قائلا "لم أبلغ الأربعين"، ثمّ سألتني إن كنت درست خارج الجزائر. قلت لها "كل مراحل تعليمي في الجزائر". فوضعت يدها على كتفي وقالت لي "لقد أعجبتني لغتك العربيّة الجميلة، فاعتقدت أنّك درست في إحدى بلاد المشرق. أما عندما سألتك عن عمرك، فلأنك تحدّثت عن حقوق الانسان بلغة راقية، وأنا التي قضيت أكثر من 42 عاما في هيئات حقوق الانسان، أي قبل أن تولد أنت..". ثم راحت تسألني عن بعض المناضلين الجزائريين الذين قابلتهم في مناسبات مختلفة، بينهم أشخاص لا أعرفهم، كانت تمتدحهم، وتذكر بعض مواقفهم. فقلت في نفسي، أعظم ما في ثورتنا أنّ بعض عظمائها يكبرون في النسيان.. اسمها حليمة الورزازي.

حفناوي زاغز

تعرفت على هذا الرجل النبيل، ذي البشرة البيضاء والصلعة البرّاقة والنظارات السوداء، في مطلع الثمانينيات، في مدرسة الشرطة بشوفاليي، قبل أن يلتحق بمجلس وزراء الداخلية العرب بتونس، حتى تقاعده. ورغم أنّه، مثل كثيرين، يكتب باستمرار، وينشر أعماله الإبداعية بين الجزائر وتونس، فإنه ليس من النوع الذي يضع نفسه تحت الأضواء، وقليلة هي حواراته الصحفية، وهو الذي يتميّز بأدب الحديث، ويناقش في تفاصيل تبدو لأوّل وهلة أنها لا تعني شيئا، ولكنها تنتهي إلى أنها جوهر الشيء.

حين التقيته للمرة الأولى، أسمعته قصيدة "حديث المنفى" التي رفعتها لروح مفدي زكريا، فبقدر إعجابه بها، ظلّ يناقشني في بعض التراكيب والألفاظ حتى كدت أقول إنني لست صاحبها (..)، وبادرت في العام 2001 إلى تكريمه بالمكتبة الوطنيّة، عرفانا بمجهوده الكبير في إثراء مكتبة الإبداع بعشرات الروايات والمجاميع القصصية، وتمّ توثيق الحفل، في العدد الأول من صحيفة "الكاتب الجزائري" التي صدرت آنذاك، ثم توقفت.

من الأشياء الطريفة التي أذكرها عن حفناوي زاغز، أنّه أعجب مرّة بخط يدي، ثم روى لي قصته مع الخط وكيف أنّه راح يؤنّب أحد موظفي مجلة "الشرطة" التي كان يشرف على تحريرها، ويقول له "ما هذا الخط الردئ الذي لا يفهم"، بينما كان الموظف صامتا، وحفناوي، يزيد من ضغطه عليه، فانفجر الموظف في وجهه قائلا "إنّه خطك.. يا سيّدي".

جينو لوكابوتو

هذا الإيطالي، يجري في عروقه بعض الدم الفلسطيني. تعرّفت عليه في صيف 1999 حين دعاني إلى مهرجان المتوسط، الذي يقام في بلدية بتشيليا التي تطلّ على البحر الأدرياتيكي، يحضره فنانون وأدباء من بلدان كثيرة، إنّما يركّز جينو على العنصر العربي، لأنّه يتبنّى الدفاع عن القضية الفلسطينية، وتؤيّده في ذلك بلدية بتشيليا التي كان يرأسها آنذاك نابوليتانو، وهو شاب ذو ميول يسارية.

عندما التقيت جينو أوّل مرة، وجدت نفسي أمام رجل يزن ما يفوق المائة وخمسين كيلوغراما، وتميّزه صلعة برّاقة، ولكنّ البسمة لا تفارقه أبدا. احتضنني وكأننا نعرف بعضنا من أيّام الحروب البونيقية. وكان سعيدا جدّا بحضوري، خاصّة، وأنّه كان يرغب في أن يتباهى بذلك أمام مسؤولي البلدية، فقام بترجمة بعض نصوصي من ديوان كاليغولا، وراح يقدّمني في الأمسية التي أقمتها مع الشاعر الفلسطيني عبدالله رضوان، بصفتي الأدبية والسياسية، وقرأت باحثة جامعية إيطالية نصوصي المترجمة إلى الإيطالية، وكانت أكثر تأثّرا منّي (..) وتمّ في نهاية اللقاء تكريمي. بينما منحني جينو كتابه في المسرح، وحرص على أن يكتب اسمه باللغة العربية.

وفي العام 2004، التقيه في عام ملتحفا الكوفية الفلسطينية، فأسرع نحوي ليحتضنني، مثلما فعل قبل خمس سنوات، ثم قدّم لي صبيّة فلسطينية كانت بجانبه وقال لي "هذه زوجتي". قلت لصاحبي "لم يتزوج القضيّة فحسب، بل تجاوزها..".

لَقِّم المحتوى