مدونة azzedine

أبو شجّة

عندما تجالسه تشعر أنّك مع واحد خرج لتوّه من خيمة طرفة بن العبد أو عنترة العبسيّ.. فهو شاعر من ذلك الزمن. لغته قويّه، متينة، معجميّة، لا تزعجه رطانة المتهافتين وراء الحداثة، ولا تثير في نفسه أقاويل من ينظرون إلى المحافظين على الميزان الخليلي على أنّهم خارج توقيت العالم..
أبو شجّة الشاعر الموريتاني، الهادئ، المتواضع، الذي يتنفس شعرا ليس به غبار المتنطعين بلغة غير مفهومة وأفكار أكثر غموضا، يتّسم بصفات الرجل الأصيل، الوفيّ. جاء منذ أيّام إلى الجزائر، فاستعدت معه ذكريات لقاءاتنا السابقة، وقراءاتنا الشعرية في محافل عديدة. قال لي "أجمل ما في اللهجة الجزائرية هي كلمة بُشراكْ.." قلت: "ماذا قلت؟" فقال "بشراكْ". قلت "ولكننا نقول واشراكْ". فاستغرب الأمر وقال لي "اعتقدتُ أنكم تقولون بشراك، أي من البشرى والتفاؤل عند اللقاء..". قلت له "إنّه أجمل شرح لهذه الكلمة.. رغم أنني كنت دائما أفسّرها على أنها تعني أيّ شيء وراءك، وأدغمت الكلمات لتصير واشراكْ..". فضحك الشاعر الأسمر، وقال لي "كلتاهما تحملان الخير للإنسان..". وافترقنا على إيقاعات أغنية حيزيّة التي اكتشفها.. فأحبّها.

حسن نجمي

التقيت بحسن نجمي، الكاتب والشاعر والمثقف المغربي، المرة الأولى في مطلع 1999 بالدار البيضاء مع نخبة من الكتاب والأدباء المغاربة، وتحدثنا في شؤون الكتابة وهموم المبدعين، وأسئلة الراهن، وركّزنا على سبل التعاون والتنسيق بين اتحادينا في كل المسائل الثقافية، واتفقنا على أن يكون التواصل مستمرا

مارغريت أوبانك

هذه السيدة الانكليزية النبيلة، أخذت على عاتقها التعريف بالأدب العربي للانكليز من خلال مجلتها "بانيبال" التي بدأت الصدور في نهاية التسعينيات، وأفردت عددا خاصا للأدب الجزائري في العام 2000.

شكلت مع زوجها الكاتب العراقي صامويل شيمون، زوجا مبدعا، لا يتعب أبدا. زارا الجزائر معا، وتعرّفا على بعض تفاصيل مشهدها الثقافي، وتكررت الزيارة أكثر من مرّة. وعندما اقترحت مؤسسة تجارب الألفية بلندن، نصا شعريا لي لينقش على رخامية دائرية على خط غرينيتش، اتصل بي صامويل وأخبرني بأنّه سيكون النص الوحيد باللغة العربية (..) بين عشرين نصا تم انتقاؤها. فزرت لندن، وأقمت أيّاما ضيفا لدى مارغريت وصامويل، وهناك تعرّفت عن قرب على مارغريت، المرأة الرقيقة، التي كانت تبكي عندما يصلها خبر مرض والدتها، أو أنّ المجلّة تأخّرت في الطبع لسبب فنّي.. وكانت تحرص على أن توظّف كلمات بالعربية في حديثها، ممزوجة بألفاظ فرنسية، وما تيسّر من عبارات مألوفة بالانكليزية حتّى لا أكون كالأطرش في الزفة، عندما يتشعّب الحديث في أمور.. أكبر من أن أستوعبها بلغة لا أتقنها.

قلت لأحد أصدقاء مارغريت "هذه المرأة ولدت خطأ في هذه الجزيرة.. إنّ في عروقها شيئا من يعرب وقحطان".

وداعا عمي..

حين ولدت كان عمره أسبوعين.. وحين سقطت في مطمورة خارج البيت ظل يصرخ ويطلب النجدة إلى أن أتى من أخرجني منها سالما. وهكذا كنّا كتوأمين، وأنا في مثل سنّه أقول له "عمّي" فيضحك ويقول لي "عليك أن تطيعني حتّى وأنت وزير..".

كان طيبا، لأن أباه كان كذلك، فهو أحد معيني الشيخ عبد الحميد بن باديس في الأعوام الأولى من تأسيس جمعية العلماء. ولم يكن يتباهى بذلك، بل بأخلاقه، وكرمه، وحرصه على خدمة الناس. كان محبّا لأبنائه، ولوالدته وكل إخوته، والعاملين معه في سلك التربية، والرياضة. كان يتحدّى أصدقاءه، بأداء صلاة الفجر كلّ يوم، ويسأل عن الغائبين.

عمار العسكري

لا أعتقد أنّ هناك من السينمائيين الجزائريين من يملك قدرة الكلام كهذا الرجل. فهو من الذين التحقوا بالثورة صغارا وبالسينما شبابا، وتركوا أثرا كبيرا في مسيرة الفن السابع الجزائري بأعمال كبيرة، أبرزها دورية نحو الشرق وأبواب الصمت وزهرة اللوتس.. وكّلها معطّرة برحيق الثورة.

محمد بن عبد الكريم

يوّقع مؤلفاته باسم محمد بن عبد الكريم الزّموري الجزائري، فيظنّه الناس واحدا من علماء القرن السابع عشر بينما هو بيننا حيٌّ يرزق، ويواصل التأليف دون توقف، ودون أن يمنعه تقدّم سنّه في ذلك.

عندما زارني قبل أيّام بالمكتبة الوطنيّة، طالبا نسخا من مؤلفاته، لم ينتبه إليّ، فكان يكلّمني وكأنه لم يلتق يوما بي. وقضيت حاجته. وبعد ساعة، تذكّر من أكون؟ فعاد إليّ مع ابنه، وراح يعتذر لي، ويرمي اللّوم على الذاكرة وضعف البصر. لكنني كنت مدركا لما يقع فيه عالم بحجم الدكتور محمد بن عبد الكريم، ذي الثمانين كتابا، وزيادة. فقد تجاوزت مؤلفاته طول قامته، وتنوعت اهتماماته بين الأدب واللغة والشعر والفقه والتفسير والتاريخ.. إنّه من طينة علماء زمان..

قبل عشرين عاما، عاد من فرنسا ليقيم بسطيف، وحدث أن اعتدى عليه أحدهم، وهو طبيب، فروى لي الواقعة، ونصحته بأن يلجأ إلى العدالة لاسترداد حققه. فتردد أوّل الأمر، ثم أخذ بالنصيحة، إذ أنصفه القاضي، بعد أن عرف قيمته عالما ومعلّما، وتلقى الطبيب درسا في كيفية احترام الجار، وعدم التطاول على الكبار..

حامينا

حين ألتقي المخرج الكبير محمد الأخضر حامينا، يحدثني طويلا عن الظروف التي أنجز فيها "وقائع سنين الجمر" وأفلامه الأخرى.. فيستعيد تفاصيل صغيرة من هذه الإنجازات الخالدة تشكل في وعيه ارتباطا حقيقيا بهذه الأرض وانتماء ثابتا لشعبها.. وكان مثل كثير من الجزائريين يشعر أن تلك الأفلام ما هي إلا ترجمة لوقائع مر بها الآلاف، بل الملايين من الجزائريين، وإعادة تحميضها بهذه الصورة إنما هو حفظ للذاكرة..

الطاهر بن عائشة

إذا خير الواحد منا في أن يحسد رجلا على نعمة أتاها فلن يجد أفضل من الطاهر بن عائشة ليحسده على ذلك المخزون من التراث الذي تنوء به المكتبات ولا ينوء به جسمه النحيف..

ليس سهلا أن تجاري هذا الرجل في نقاش يصب في مسائل تراثية أو تاريخية أو فلسفية أو دينية أو أدبية، فهو ملم بشيء عن كل شيء، وأحيانا بأشياء عن أي شيء، ويذكر الشواهد والوقائع ويسقط هذه عن تلك، فيخرج من فضاء تاريخي إلى آخر، ويذكر أسماء وتواريخ ومدنا وينهيها بتخريجات فنية لا يقوى عليها إلا الراسخون في مجالس الحكمة والإبداع..

سعد شوقي

سعد شوقي لا يختلف كثيرا عن تلك الصخرة التي يضعها بين يديها ويحاورها طويلا ثم يحيلها إلى طرق هادئ بأدوات حادة إلى أن تنجلي في شكل مبهر قد يكون امرأة تضم إلى صدرها طفلا أو شيئا من التاريخ الذي يسكنه.. أو حالة تشكيل تجريدي مثير..

هو لا يختلف عن الصخر الذي يستحيل إلى منحوتات خارقة تشد إليها البصر.. لأن سعد بقامته السامقة، وقسمات وجهه الوسيم، وإطلالته الحاملة لروح الفنان الباحث عن جديد مخبوء في مكان ما.. إذ لا فرق بين صخر يتكلم بين يديه، وبين صمته وهو يقضي الساعات التي لا تنتهي يبحث عن سر الصّخر وحرارة الإبداع.

عبد الوهاب تمهاشت

هذا الرجل، ظاهرة في مجال الإبداع، فهو لا يتباهى بما يقوم به على مدى ربع قرن من النضال، لفائدة الثقافة والفن. لم تلده أمه في فراش من قطن، إنّما أرضعته شيئا من الحرية وحبّ الناس. ولم تمنحه الأيام فرصة إكمال تعليمه، ورمت به الظروف في محطة بنزين، يقضي يومه يعبئ خزانات المركبات، ولا يقرأ الناس في عينيه الكاتب الموهوب، المؤمن برسالة لا يراها غير الذين تعرّفوا عليه، وشدّوا على إصره..

لَقِّم المحتوى