6 دقائق.. و6 قرون رياضية.

6 دقائق..  و6 قرون رياضية.

لا أكتمكم سرا إذا قلت لكم إن لدي قناعة راسخة تتعلق بمفتاح تخلصنا من التبعية وخروجنا من التخلف تكمن في إعادة ترتيب علاقة بالزمن.. وعندما أقول الزمن فأنا أعني هذا العنصر الهام الذي يصنع الحضارة.. ألم يقل مفكر الحضارة مالك بن نبي في تحيله لكيفية بلوغ مستويات النهضة بوضع معادلة بسيطة في معناها عميقة في مبناها.. هي (إنسان+ تراب + وقت= حضارة) غير أن واقعنا يثبت بالدليل الكافي أن علاقتنا بالزمن كعلاقتي بالزلزال الذي ضرب أندونيسيا..
فمن النكت المرة التي سمعتها من الشاعر الكبير صلاح نيازي هي أن بلدا عربيا متخلفا طبعا في الجانب التنموي، انتشرت في أوساطه نكتة مفادها أن المواطن في هذا البلد يقول لك عندما يتفق معك على موعد "موعدنا على الثامنة، انتظرني للتاسعةـ إذا ما وصلت على العاشرة ، يمكنك أن تنصرف على الحادية عشرة.." ثلاث ساعات كاملة يمكن أن تتغير فيها جغرافيا الكون.. لكن صاحبنا يرمي بها هدرا دون وازع حضاري..

أقول هذا لأنني التقيت مرة كاتبا سويسريا، كان عارفا بخبايانا وحافظا لطبائعنا ومتفهما لمسألة الثلاث ساعات (..) فقال لي ضاحكا عندما جئته متأخرا كعادتي "الفرق بيننا نحن الأوروبيين وأنتم العرب.. أننا نملك الساعات لإدارة الوقت.. وأنتم تملكون الوقت للتباهي بالساعات".. وتصوروا كم هي رائعة ساعات سويسرا.
أعود لأقول لكم إن ما جعلني أتحدث عن علاقتنا بالوقت هو ما حدث في ملعب سانتياغو بارنابيو يوم 12 ديسمبر 2004 في مباراة الريالين، مدريد وسوسيداد، ففي الوقت الذي كان يهم فيه حكم اللقاء بإعلان نهاية اللقاء متعادلا بهدف لهدف.. جاءت صافرة أخرى من خارج الملعب لتعلن نهاية اللقاء وخروج الحكم واللاعبين والجمهور والشرطة وكل العالم.. وضاعت الدقيقة المتبقية من عمر هذا اللقاء في بلاغ كاذب عن وجود قنبلة في الملعب الذي يغص بسبعين ألف متفرج..
وبالتأكيد فإن صاحب البلاغ إما أن يكون إرهابيا حقيقيا، أو إرهابيا تحت التدريب، أو مشجعا لأحد الريالين ولم يرض بالنتيجة ففعل فعلته وهز الملعب هزا.. أو أنه مواطن صالح أزعجه صراخ الجمهور في الملعب فقام بما قام به ليتخلص من صخب بيرنابيو..
المسألة ليست في كل ما حدث، فكثيرا ما يحدث مثل هذا في بلدان العالم.. لكن الذي أردت قوله هو القرار الذي اتخذه الاتحاد الاسباني بإعلان استكمال ما تبقى من وقت ضائع في المباراة وهو لا يتجاوز 6 دقائق.. في مباراة لاحقة. أي أن الفريقين ومعهم اللاعبين و جمهورهم وكامل إدارتهم سيكونون جاهزين لمباراة من ست دقائق.. وهو أعظم قرار يتخذ تثمينا للوقت.. ولم يقل من الإسبان إن علينا أن نبقي على النتيجة كما هي ، ودقيقة متبقية لن تغير من الأمر شيئا.. وكنا شاهدنا في كثير من اللقاءات الفاصلة كيف أن مصير المباراة يتحدد في الوقت بدل الضائع.. ومن يدري فربما كانت الدقائق الست أقوى من 89 دقيقة التي لعبت قبل حوالي شهر.. فاللاعبون سيدخلون لقاء الدقائق الست كما لو أنهم سيدخلون مباراة من 90 دقيقة.. ولنا فيما يفعله أحفادنا في الأندلس ما يجعلنا نثمن كل ثانية، بل دقيقة، بل ساعة، بل يوم، بل أسبوع، بل شهر، بل سنة، بل عقد، بل قرن.. بل ستة قرون (..) وقبل ستة قرون كنا نحكم الأندلس ونصنع فيها الأعاجيب.. أما اليوم فإنهم يصنعون بنا الأعاجيب.
ومن الأشياء التي ترتبط بشكل وثيق بالزمن، بناء الإنسان، وبناء الدولة.. وبناء كل شيء جميل. وإذا كنا قد فشلنا في بناء الدولة بفعل عوامل كثير، فإننا نجحنا في بناء سلطة منظمة جدا، وقوية جدا.. وبين الدولة والسلطة لم نبن المواطن الذي يمكنه أن يستشعر الوقت في حياته، فهو يستعجل كل شيء، يريد من اللاعب أن يسجل هدفه في أول مباراة، ويريد من المدرب أن يجلب له اللقب والكأس في أول موسم، ويريد لمنتخب بلاده أن يهزم فرنسا والبرازيل بأنصاف لاعبين، ويريد من الصحافة أن تدخل معارك الأندية طرفا قادرا على قلب الطاولة.. والموازين.
بالله عليكم أريدكم أن تسألوا كم مدربا مر على أي منتخب عربي؟، في الجزائر مثلا خلال 42 سنة مر على العارضة الفنية أزيد من ستين مدربا، وفي السعودية ليس أقل من هذا الرقم، ومصر كذلك.. في حين أن الألمان مثلا لم يغيروا المدرب خلال هذه الفترة أكثر من تسع مرات.. فهم يفضلون الاستقرار لأن النتائج تأتي لاحقا.. يزرعون اليوم ويتعهدون الزرع بالرعاية ثلاث أو أربع سنوات.. ثم يطالبون بالنتيجة، والمدرب وحده يعلن قرار البقاء أو الاعتزال (..) أما نحن فالقرار يأتي من وراء الستار.. انهزمت إذن توكل على الله وشوف لك فريق آخر.
أما اللاعبون فإننا نريدهم أشبه بماكينات الانتاج .. أو في أفضل الحالات يكونون مثل الدجاجات الخرافية التي تبيض ذهبا.. فنحن نطالبهم بأن يسجلوا الأهداف ولا تهمنا أوضاعهم النفسية أو مدى استعدادهم للمباراة.. وإذا لم يفعلوا شيئا فإنهم ينعتون بأبشع النعوت..
وأما رؤساء النوادي فحالهم لا يختلف عن السياسيين الذين توجه إليهم المعارضة أصابع الاتهام في أي قضية كانت ولو كانت تتعلق بزلزال أندونيسيا أو فشل إطلاق مكوك فضائي..
قبل ثلاثين أو أربعين سنة قال الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران "أعطوا الوقت للوقت.." وبقينا نحن نتباهى بمقولات جميلة عن الوقت كأن نقول "الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك.." أو "الوقت من ذهب، إن لم تحرص عليه ذهب".. والحقيقة أن الوقت كالشكولاطة إن لم تأكلها ذابت.. والوقت من ذهب في أوروبا، ومن ذهب مغشوش عندنا..
هل فهمتم لماذا أقسو على نفسي أحيانا.. لأنني لم أتمكن من ضبط إيقاعي على عقارب الساعة الجميلة التي تلقيتها هدية من أمير دولة البحرين الراحل  الشيخ عيسى بن حمد آل ثاني، طيب الله ثراه، في العام 1996.. ربما لأنني لم أعد أفرق بين توقيت غرينيتش.. وتوقيت ساعات تايوان؟
28 ديسمبر 2004

Share this
 

طالع أيضا

أنجع طريقة لفوز الريال على برشلونة..

أعجبني تعليق طريف لأحد عشّاق الكرة إذ قال ''كرة القدم لعبة سهلة جدّا، يتبارى فيها اثنان وعشرون لاعبا لمدّة تسعين دقيقة، ويكون الفائز دائما.. برشلونة''. ولكنّ الفارق أنّ ريال مدريد في أيّام عزّه كان يربح مرّة ويخسر أخرى، أمّا في السنوات الأخيرة، فسقط في فخ برتغالي رهيب، يسعى من خلال البحث عن فوز وحيد في أي كلاسيكو إلى تدمير روح الريال (..) فالذي تابع مباراة ذهاب الكأس، يكون لاحظ كيف أنّ مورينيو جعل لاعبيه يتراصّون أمام حارس مرماهم، مما أنهى المباراة بسيطرة تفوق 73 بالمائة، مع تقديم صورة غير أخلاقية بفعل التصرفات غير الرياضية لبيبي وكونتراو وتشابي ألونسو وكارفالو. ورغم هذا فإن إدارة الريال تقنع نفسها باستمرار أنّ مورينيو ما زال يصلح لقيادة النادي الملكي، وهو الذي وعد بإيقاف التفوق الكاتالوني.

فساد بدرجة خمسة نجوم..

إقامة حفل خرافي في قصر زيوريخ، توزّع فيها الجوائز على أفضل نجوم الموسم، بحضور عشرات الشخصيات الرياضية العالمية، لن يكون الغربال الذي يغطي عورة الفيفا ويكشف فضائحها التي لا تنتهي..

طرائف من سيرة كرمالي

صار اسمه الشيخ منذ عشرين عاما أو يزيد.. أي بعد أن امتد البياض إلى رأسه، ولم يكن حينها في ملاعب الجزائر مدرّبون ذوو صلعات براقة، إلا إذا استثنينا الراحل مختار عريبي، أو ذوو الشعر الأبيض الوافدين من روسيا أو يوغسلافيا أو رومانيا أو ما جاورها من بلدان في إطار اتفاقيات التعاون الرياضي بين دول المعسكر الاشتراكي والجزائر المستقلة..

11 حدثا لا ينثى في 2011

استوقفني أحد عشر حدثا رياضيا وطنيا وعالميا في العام .2011 يمكن أن يشاطرني بشأنها القراء والمهتمون، أو يختلفون معي.. أوجزها فيما يلي:
1 ـ فضائح الفيفا التي كادت تعصف بعرش بلاتر، حين انتشرت في أرجاء قصر زيوريخ رائحة الفساد والرشوة وبيع الذمم، فسقطت رؤوس هشّة، وألحقت بكبير الكرة في آسيا محمّد بن همّام الذي يكون، حسب بعض القراءات، كبش محرقة، لإبعاد قطر عن شبهة اللعب تحت الطاولة لكسب أصوات الهيئة التنفيذية للفيفا بقصد تنظيم مونديال .2022 ورغم محاولة لملمة الوضع، فإن حكومة كرة القدم العالمية، لم تسلم من الانتقادات الحادة..

لماذا يعشق الناس الكلاسيكو؟

يؤجّل العالم، هذا اليوم، ساعتين من وقته ليشاهد أقوى مباراة كرة على الكرة.. الأرضية (..). فلا حديث عن أزمة اليورو، ولا عن فضيحة هافيلانج، ولا عن الشبيحة في سوريا، ولا عن الجنزوري وميدان التحرير والسلفيين، ولا انتخابات روسيا، ولا اكتشاف كوكب شقيق للأرض يبعد عنها 600 سنة ضوئية فقط (..). فالعالم مشدود إلى ملعب بيرنابيو الذي يتحوّل إلى معركة بين نجوم البلاي ستيشن وثيران القلعة البيضاء، بيم ميسي الذي تحدّى كريستيانو بالفوز عليه في مدريد.. وبالتالي تكون المباراة لحظة فارقة لاختيار اللاعب الأفضل في العالم، ولن تخرج عن أحدهما إلا إذا رأى العالم حاجة في تكريم تشافي اللاعب المثالي في أواخر مشواره.

ميسي يؤدّي فريضة الحج..

في العام 1991 فوجئت في بهو فندق سوفيتيل بالمدينة المنورة بالأسطورة محمد علي كلاي، فاقتربت منه وحييته، وقلت له "أنا جزائري" فابتسم، وحرّك شفتيه، وكأني به يريد أن يحييني بأحسن مما حييته.. ثم طلبت منه أخذ صورة للذكرى، فجذبني إليه، وقام بحركة رياضية وكأنه على الحلبة، وانتبه إلى أنّنا في مواجهة الضوء مما قد يفسد الصورة، فأعاد تغيير الموقع، أمام نظرات زوجته بيليندا وأحد مرافقيه، وهو ملاكم أمريكي مسلم..

الكاميرون لم يخطئ أبدا..

قبل عامين أخبرني مدرب أحد فرق الدرجة الثانية في الدوري الجزائري عن لاعب إفريقي انتسب لفريقه مدة ثلاث سنوات على أساس أنه من بوركينا فاسو، لكنّه فاجأ الجميع يوم المغادرة بقوله "اعذروني إذا أخبرتكم اليوم أنني كاميروني ولا علاقة لي ببوركينا فاسو.. فلو لم أقم بهذا ما حصلت على رخصة التسريح من فريقي الكاميروني..".

هكذا يلعبون الكرة في 2050..

طرحت مجلة رياضية سؤالا على عدد من المختصين في السياسة والعلم والسينما والأدب والرياضة مضمونه "أيّ كرة قدم في 2050؟" وتضمّنت إجاباتهم رؤى وتصورات مذهلة، كفيلة بأن تفتح المجال واسعا لنقاش معمّق حول اللعبة الأكثر شعبية في العالم.. وقد رأيت أن أنقل بعض الأفكار التي وردت في هذا الملف.

كرة + سياسة + مال = عنف

سُئل خبير رياضي عن رأيه في ميسي فقال "ليس هناك أيّ نظام كروي في الأرض يستطيع إيقاف هذا اللاعب". وهو ما دفعني إلى البحث في سر اجتذاب الكرة للملايين من  البشر.. فوقعت عيني على مقال كتبه مانويل مونتالبان في "لوموند ديبلوماتيك" قبل سنوات حول ظاهرة الكرة وتحوّلها إلى ما يشبه الدين اللائكي الباحث عن إله جديد، فيتساءل الكاتب إن كان بيرلسكوني قادرا على بلوغ سدة رئاسة الحكومة الإيطالية لولا رئاسته لنادي ميلانو الشهير بنجومه الأسطورية فان باستن وريكارد وغوليت؟

إنجيل دييغو.. وكنيسة مارادونا

 

اخترت نشر هذا المقال اليوم لسبب ستعرفونه لاحقا.

ابتدع أمريكيان حيلة درّت عليهما مالا وفيرا، وتتمثل في إنشاء شركة مهمتها بيع أراض على القمر للراغبين (..) فتهافتَ عليهما فنانون ورجال أعمال حجزوا لأنفسهم مساحات قمرية ومنحهم سندات تمليك (..) علما أن مواطنين من اليمن السعيد رفعا دعوى ضد الأمريكان بحجة أن القمر ملك لهما ولا يحق لأي كان التصرف فيه، وإن كنت شخصيا لا أعرف إلى اليوم المحكمة التي رفعت أمامها الدعوى..