صفقة لغوية لمحاورة لاعب..

صفقة لغوية لمحاورة لاعب..

تعرفون أوغستين أوكوشا.. نجم الكرة النيجيري المعروف باسم "جاي جاي".. بدأت شهرته بعد خروجه من بلده، في نادي إنتراخت فرانكفورت الألماني وزادت قليلا بعد أن تقمص ألوان باريس سان جيرمان الفرنسي.. يملك قدرات فنية هائلة ويحوز مهارات جسمانية غريبة فيها شيء من السحر الإفريقي. التقيت به على هامش كأس القارات بالرياض في العام 1995 ..
 تقدمت منه وهو يتابع أحد لقاءات البطولة، كلمته بانكليزيتي التعبانة، يعني كلمة بالإنكليزي وأخرى بالفرنساوي والباقي بالعربي الفصيح والخاتمة بلغة الإشارة.. فأجابني بانكليزية تقارب مستواي.. فحل الإشكال.
 سألته إن لم يكن لديه مانع لإجراء حوار صحفي معه.. فلم يتردد وقال لي تفضل (..) فلم أعرف كيف أخرج من ورطتي لجهلي بلغة السير فيرغسون. وظل ينتظرني لأكثر من ربع ساعة.. وأنا أبحث عن حل للمشكلة. الأسئلة جاهزة، إنما بالعربية، وصرت أنظر في كل الاتجاهات ربما عثرت على عصفور نادر في هذا الملعب الساحر، وأجد من ينجدني فيترجم لي تلك الأسئلة إلى الإنكليزية..

كنت أنظر في تلك الوجوه وكأنني أبحث عن إبرة في كومة تبن، ثم إنني  لا أملك الجرأة لسؤال الحاضرين "من منكم يعرف الإنكليزية.. يا ناس" فأصمت.. وفجأة مر بي أحدهم، ابتسم لي.. فرددت عليه بابتسامة أفضل منها، وبفرنسية متعمدة، فتوقف المسكين وهو يقول "أراك تتحدث الفرنسية؟" فقلت له "وأنت هل تتقن الإنكليزية؟" قال ضاحكا "أنا صحفي من جنوب إفريقيا تعلمت الفرنسية في البلدان الإفريقية المجاورة.." الحمدلله، لقد  فرجت يا عباد الله..
تعرفون ماذا حدث؟ لقد عقدت معه صفقة ذكية، تتمثل فيما يأتي: أطرح عليه الأسئلة بالفرنسية وهو يترجمها مكتوبة إلى الإنكليزية؟ وأنا بدوي أحمل تلك الأسئلة إلى أوكوشا المسكين الذي ظل ينتظرني أزيد من نصف ساعة.. كم كان طيبا هذا الأوكوشا الرائع. وبالمقابل أقوم بدوري، بناء على اتفاق الصفقة، بترجمة أسئلة هذا الصحفي من الفرنسية إلى العربية لنجم السعودية آنذاك سعيد العويران.. وكل واحد ينال حواره ويعود سعيدا إلى أهله وذويه..
أخذت الأسئلة وأعطيتها للاعب أوكوشا ووضعت بين يديه جهاز تسجيل، فشرع يقرأ السؤال ويجيب إلى أن أنهى الأسئلة العشر ليقول لي في النهاية هل لي أن أحتفظ بهذه الورقة معي.. ضحكت وقلت له ما دام الأمر كذلك، دعني أوقع لك في ذيلها مثلما توقعون أنتم النجوم على ظهور.. الصور.
ما زلت أحتفظ بسؤال لم أكن أنتظر أن أوكوشا  وهو في قمة تألقه يقبل اللعب في الجزائر إذا كان العرض المالي مغريا.. ولا تهمه أخبار الموت والاغتيالات فهي كما قال.. لا تعنيه لأنه لا يمارس السياسة وهمه الوحيد هو.. الكرة.
أوكوشا الذي تعبت من أجل حوار معه قالت آخر أخبار 2003 إنه سعيد جدا في نادي بلاوتون الإنكليزي، بل أكثر من ذلك فهو يقود فريقا مشكلا من لاعبين يمثلون 10 جنسيات، يقوم فيها جاي جاي بدور المترجم بين هؤِلاء اللاعبين، فهو يتقن الإنكليزية والفرنسية والألمانية والتركية.. ولغة الهوسا والسواحلي.. وربما العربية بعد سنوات.
هذا ما حدث مع أوكوشا.. أما ما كان من أمر كامبوس الحارس المكسيكي المثير للجدل والخبل.. فكان حكاية أخرى تمت في صحراء قريبة من الرياض، حين دعيت الوفود المشاركة في الدورة إلى إحدى المزارع في يوم راحة.. وهناك انفرد أخوكم في الله بالحارس كامبوس الذي استولى على قلوب الملايين وهو الحارس النحيف الظريف الذي تميز بارتداء ألوان مزركشة طالعة من شواطىء كوباكابانا الساحرة..
 اقتربت منه، فضحك طبعا لأنه يعرف أن هذا الذي اقترب منه لن يكون أكثر من صحفي فضولي جاء لتغطية أطوار بطولة كأس القارات الموسومة بكأس خادم الحرمين الملك فهد بن عبد العزيز.. فحييته بالفرنسية فأجاب بالإسبانية.. حاولت بانكليزية ركيكة فرد ضاحكا بالإسبانية.. كلمته ضاحكا بالعربية، ففهمت منه أنه قال لي ضاحكا "لا أفهم غير الاسبانية..". أنا في ورطة يا ناس.. ولا يوجد مترجم في الخيمة. ضاع اللقاء والصورة وحدها لا تكفي.
شاهدني صحفي وكالة الأنباء الفرنسية في حيرة من أمري فقال لي "كم تدفع لأقوم بالخدمة؟" قلت "إن أعطاني كامبوس قميصه.. فسيكون هدية لك مني.." فأعجبته خفة دمي (..) على ثقل الطقس الحار. فأجريت معه الحوار وكان طريفا وجميلا.. وعند النهاية وقبل أن أسأل كامبوس أن يمنحني واحدا من قمصانه المختلفة عن القمصان القاتمة لحراس العالم الآخرين فهم الأمر وقال لي "تريد مني قميصا وأنا أقسم لك أنه لم يعد معي سوى قميصين وبقي لقاءان.. لكن أعدك أنني سأرسل لك قميصا إن أنت أرسلت إلي الحوار"..
أرسلت له الحوار.. ويبدو أنه أرسل إلي قميصا فصادرته الجمارك لأنه.. لم يحصل على فيزا.
وأذكر أنني حاورت نجوما آخرين في هذه الدورة من بينهم سعيد العويران والمغربي أحمد البهجة والمكسيكي لويس غارسيا والنيجيريين سياسيا وبيتر روفاي وأموكاشي وأمونيكي والحكمين الدوليين كيم لي شونغ وعلي أبوجسيم.. والحاج عيسى حياتو.
أنصحكم، وأنصح نفسي، بتعلم اللغات، فمن تعلم لغة لاعب لن يقع في المتاعب (..) وأصبح إتقان لغة واحد معيقا للوصول إلى ضمان أوسع اتصال والظفر بقدر أكبر من المعلومات والمقابلات الصحفية.. ولربما كثير منكم شاهد ذلك الصحفي الفرنسي المختص في ألعاب القوى وهو يحاور النجوم في مختلف الرياضات وبلغات مختلفة ويقوم بالترجمة السريعة بطريقة مدهشة تكشف عن حب للمهنة وسعة اطلاع ومهارة كبيرة في أداء مهمته بإتقان واحترافية..
إن فهم اللغة وإتقانها لا يتطلب أكثر من ستة أشهر لأن الوسائل التقنية الحديثة لتعلم اللغات صارت تشجع الناس على تعلم ألسنة الأمم الأخرى.. وأنا قررت أن أتعلم العربية تعلما أكاديميا فقد حدث أن أحرجني بعض الفرنجة حينما طلب مني شرح كلمات نستعملها يوميا ولا نعرف معناها الحقيقي. قال لي " أيهما أفضل أن يقول الإنسان تفرجت على مباراة في الكرة أم تفرجت على مقابلة؟" قلت لا فرق بين الكلمتين؟ أجاب بخبث "أنا أتصور أن المباراة أفضل لأن فيها روح التنافس.. أما المقابلة فيمكن أن يكون لها مدلول إداري ووظيفي كأن نقول حضرت المقابلة بين وفدي البلدين.."
ما يضحكني اليوم هو أن صحفيا نرويجيا أراد أن يحاورني قبل عامين في شؤون الأدب والسياسة، فلم يجد مترجما وانتظرت طويلا ليحل المشكلة فأعطيته وصفة أوكوشا.. فانتهى الإشكال، وأجبته عن آخر سؤال.
15 أغسطس 2003

Share this
 

طالع أيضا

أنجع طريقة لفوز الريال على برشلونة..

أعجبني تعليق طريف لأحد عشّاق الكرة إذ قال ''كرة القدم لعبة سهلة جدّا، يتبارى فيها اثنان وعشرون لاعبا لمدّة تسعين دقيقة، ويكون الفائز دائما.. برشلونة''. ولكنّ الفارق أنّ ريال مدريد في أيّام عزّه كان يربح مرّة ويخسر أخرى، أمّا في السنوات الأخيرة، فسقط في فخ برتغالي رهيب، يسعى من خلال البحث عن فوز وحيد في أي كلاسيكو إلى تدمير روح الريال (..) فالذي تابع مباراة ذهاب الكأس، يكون لاحظ كيف أنّ مورينيو جعل لاعبيه يتراصّون أمام حارس مرماهم، مما أنهى المباراة بسيطرة تفوق 73 بالمائة، مع تقديم صورة غير أخلاقية بفعل التصرفات غير الرياضية لبيبي وكونتراو وتشابي ألونسو وكارفالو. ورغم هذا فإن إدارة الريال تقنع نفسها باستمرار أنّ مورينيو ما زال يصلح لقيادة النادي الملكي، وهو الذي وعد بإيقاف التفوق الكاتالوني.

فساد بدرجة خمسة نجوم..

إقامة حفل خرافي في قصر زيوريخ، توزّع فيها الجوائز على أفضل نجوم الموسم، بحضور عشرات الشخصيات الرياضية العالمية، لن يكون الغربال الذي يغطي عورة الفيفا ويكشف فضائحها التي لا تنتهي..

طرائف من سيرة كرمالي

صار اسمه الشيخ منذ عشرين عاما أو يزيد.. أي بعد أن امتد البياض إلى رأسه، ولم يكن حينها في ملاعب الجزائر مدرّبون ذوو صلعات براقة، إلا إذا استثنينا الراحل مختار عريبي، أو ذوو الشعر الأبيض الوافدين من روسيا أو يوغسلافيا أو رومانيا أو ما جاورها من بلدان في إطار اتفاقيات التعاون الرياضي بين دول المعسكر الاشتراكي والجزائر المستقلة..

11 حدثا لا ينثى في 2011

استوقفني أحد عشر حدثا رياضيا وطنيا وعالميا في العام .2011 يمكن أن يشاطرني بشأنها القراء والمهتمون، أو يختلفون معي.. أوجزها فيما يلي:
1 ـ فضائح الفيفا التي كادت تعصف بعرش بلاتر، حين انتشرت في أرجاء قصر زيوريخ رائحة الفساد والرشوة وبيع الذمم، فسقطت رؤوس هشّة، وألحقت بكبير الكرة في آسيا محمّد بن همّام الذي يكون، حسب بعض القراءات، كبش محرقة، لإبعاد قطر عن شبهة اللعب تحت الطاولة لكسب أصوات الهيئة التنفيذية للفيفا بقصد تنظيم مونديال .2022 ورغم محاولة لملمة الوضع، فإن حكومة كرة القدم العالمية، لم تسلم من الانتقادات الحادة..

لماذا يعشق الناس الكلاسيكو؟

يؤجّل العالم، هذا اليوم، ساعتين من وقته ليشاهد أقوى مباراة كرة على الكرة.. الأرضية (..). فلا حديث عن أزمة اليورو، ولا عن فضيحة هافيلانج، ولا عن الشبيحة في سوريا، ولا عن الجنزوري وميدان التحرير والسلفيين، ولا انتخابات روسيا، ولا اكتشاف كوكب شقيق للأرض يبعد عنها 600 سنة ضوئية فقط (..). فالعالم مشدود إلى ملعب بيرنابيو الذي يتحوّل إلى معركة بين نجوم البلاي ستيشن وثيران القلعة البيضاء، بيم ميسي الذي تحدّى كريستيانو بالفوز عليه في مدريد.. وبالتالي تكون المباراة لحظة فارقة لاختيار اللاعب الأفضل في العالم، ولن تخرج عن أحدهما إلا إذا رأى العالم حاجة في تكريم تشافي اللاعب المثالي في أواخر مشواره.

ميسي يؤدّي فريضة الحج..

في العام 1991 فوجئت في بهو فندق سوفيتيل بالمدينة المنورة بالأسطورة محمد علي كلاي، فاقتربت منه وحييته، وقلت له "أنا جزائري" فابتسم، وحرّك شفتيه، وكأني به يريد أن يحييني بأحسن مما حييته.. ثم طلبت منه أخذ صورة للذكرى، فجذبني إليه، وقام بحركة رياضية وكأنه على الحلبة، وانتبه إلى أنّنا في مواجهة الضوء مما قد يفسد الصورة، فأعاد تغيير الموقع، أمام نظرات زوجته بيليندا وأحد مرافقيه، وهو ملاكم أمريكي مسلم..

الكاميرون لم يخطئ أبدا..

قبل عامين أخبرني مدرب أحد فرق الدرجة الثانية في الدوري الجزائري عن لاعب إفريقي انتسب لفريقه مدة ثلاث سنوات على أساس أنه من بوركينا فاسو، لكنّه فاجأ الجميع يوم المغادرة بقوله "اعذروني إذا أخبرتكم اليوم أنني كاميروني ولا علاقة لي ببوركينا فاسو.. فلو لم أقم بهذا ما حصلت على رخصة التسريح من فريقي الكاميروني..".

هكذا يلعبون الكرة في 2050..

طرحت مجلة رياضية سؤالا على عدد من المختصين في السياسة والعلم والسينما والأدب والرياضة مضمونه "أيّ كرة قدم في 2050؟" وتضمّنت إجاباتهم رؤى وتصورات مذهلة، كفيلة بأن تفتح المجال واسعا لنقاش معمّق حول اللعبة الأكثر شعبية في العالم.. وقد رأيت أن أنقل بعض الأفكار التي وردت في هذا الملف.

كرة + سياسة + مال = عنف

سُئل خبير رياضي عن رأيه في ميسي فقال "ليس هناك أيّ نظام كروي في الأرض يستطيع إيقاف هذا اللاعب". وهو ما دفعني إلى البحث في سر اجتذاب الكرة للملايين من  البشر.. فوقعت عيني على مقال كتبه مانويل مونتالبان في "لوموند ديبلوماتيك" قبل سنوات حول ظاهرة الكرة وتحوّلها إلى ما يشبه الدين اللائكي الباحث عن إله جديد، فيتساءل الكاتب إن كان بيرلسكوني قادرا على بلوغ سدة رئاسة الحكومة الإيطالية لولا رئاسته لنادي ميلانو الشهير بنجومه الأسطورية فان باستن وريكارد وغوليت؟

إنجيل دييغو.. وكنيسة مارادونا

 

اخترت نشر هذا المقال اليوم لسبب ستعرفونه لاحقا.

ابتدع أمريكيان حيلة درّت عليهما مالا وفيرا، وتتمثل في إنشاء شركة مهمتها بيع أراض على القمر للراغبين (..) فتهافتَ عليهما فنانون ورجال أعمال حجزوا لأنفسهم مساحات قمرية ومنحهم سندات تمليك (..) علما أن مواطنين من اليمن السعيد رفعا دعوى ضد الأمريكان بحجة أن القمر ملك لهما ولا يحق لأي كان التصرف فيه، وإن كنت شخصيا لا أعرف إلى اليوم المحكمة التي رفعت أمامها الدعوى..