هارون الذي ضاع منّي في الخرطوم..

أحيانا يشدك الحنين إلى أحداث عشتها أو أماكن زرتها أو أناس تعرفت عليهم، فتستعيد في كل مرة تلك الوقائع، ورحلتي إلى السودان في 2005 تعد من أجمل الذكريات التي تستدعي في كل مرة استحضارها، ورواية بعض فصولها للآخرين..
اعتقدت أول الأمر أنه يمكننا أن نجلس في أي مقعد شئنا، كما هو الحال في خطوطنا الجزائرية، لكنني رأيت مسافري الخطوط المصرية وهم يبحثون عن مقاعدهم حسب بطاقة السفر، فكان حظ الكاتب سعيد بن زرقة رفيقي في رحلة السودان مقعدا في الصفوف الأولى بينما رمى بي الحظ في مقعد على الجناح الأيسر من الطائرة وبجانبي جلس مواطن مصري بلباس شعبي، لم يتحدث طوال الرحلة، وفهمت منه أنه لا يرغب في ذلك بسبب منع التدخين، في حين أنه من فئة الذين يتسببون في تلويث الرئتين.. كان بين الفينة والأخرى يسألني "وصلنا الخرطوم؟" فأجيب "لم نصل بعد.." وقبل الوصول بحوالي نصف ساعة سلمت لنا استمارات الدخول فطلب مني أن أملأ استمارته، ورحت أسأله عن الجهة التي يقصدها فقال "وانا إيش اللي عرفني.. آهي شركة إسمنت وخلاص.. وما اعرفش فين مقرها".. كان اسمه عبد الفتاح والباقي لا أذكره..

كانت الساعة تشير إلى الخامسة صباحا عندما حطت الطائرة على مطار الخرطوم الدولي من يوم الأربعاء 5 يناير2005.. دخلنا مع الجميع.. وكانت الصالة مفتوحة وكأنها ملعب، أي لا توجد عوازل أو جدران.. واعتقدنا أننا سنجد من يستقبلنا لكن يبدو أنهم انتظرونا فلما وصل وفد أدباء أحد البلدان العربية أخذوه إلى الفندق ولم يبق أي من المنظمين.. فسألنا بعض موظفي المطار فلم يعطونا جوابا ونصحونا بأن نستأجر سيارة ونذهب للفندق أفضل من الانتظار الطويل الذي ربما يسفر عن شيء أو لا.. حاولت الاتصال بهاتفي المحمول لكنه استنفذ كل طاقته، فطلبت من سعيد هاتفه، ولكن لفطنة الرجل قام بشحنه في حقيبة سفره، ولما فتحها وجد "العوض على الله".. وعليكم السلام"، فرحت أضحك للمقلب الذي أوقع نفسه فيه.
 استأجرنا سيارة وانتقلنا إلى فندق قصر الصداقة الكائن بالخرطوم بحري، وهناك وجدنا الأمور جاهزة، حيث نمنا ساعتين أو ثلاثا.. وعند الصباح فوجئ المنظمون بوجودنا  في الفندق فاعتذروا بطيبة كبيرة عن الذي حدث..
بدأت الوفود الثقافية العربية تصل للمشاركة في فعاليات الخرطوم عاصمة للثقافة العربية 2005 .. وكانت أولى الندوات تلك التي نظمتها وزارة الثقافة مع الاتحاد العام للفنانين العرب الذي يرأسه الفنان السوداني على مهدي نوري صاحب الشوارب الكبيرة والقلب الطيب والروح المرحة.. تحت عنوان "حوار الثقافات العربية والإفريقية" وقد ذكر لنا بعض المشاركين، ومن بينهم سيد راضي وفردوس عبد الحميد.. أن اليوم الأول شهد احتجاجا من الجنوبيين الذين رفضوا أن تكون الخرطوم عاصمة للثقافة العربية، وقالوا إما أن تضيفوا لها "والإفريقية" أو تبقى يتيمة دون تحديد أي ثقافة فيقال "الخرطوم عاصمة الثقافة" وهذي أولى ردود الفعل التي صدرت من بعض الأوساط التي أرادت تطبيق اتفاق نيفاشا للسلام قبل ثلاثة أيام من توقيعه، أي بأثر مسبوق لا رجعي (..) وتواصلت الفعاليات بتنظيم الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب ندوة حول"القصة القصيرة في الوطن العربي"..
كانت الندوات تتم في قاعة الصداقة التي بناها الصينيون وأهدوها لدولة السودان تعبيرا عن عمق العلاقات التي تربط بين البلدين الأكبر في آسيا وإفريقيا.. والحقيقة أن المسافة بين فندق الصداقة وقاعة الصداقة لا يمكن قطعها في أقل من ساعة في موكب السيارات الذي كان يقوده موسى الشرطي البهلوان الذي يقوم بحركات فيها من المتعة الكثير وذلك بفتح ثغرات بين صفوف السيارات التي تتجاوز أحيانا عشر كيلومترات بسبب غلق الجسرين اللذين يربطان الخرطوم بحري بأم درمان والخرطوم العادي وذلك للصيانة، كما قيل لنا، وأبقي على جسر حديدي واحد للمرور فوق وادي النيل، حيث ملتقى النيلين الأبيض والأزرق رمز الخصب والنماء..
موسى هذا أطلق عليه ضيوف الخرطوم "عفريت الإسفلت" بل إن بعضهم كان يتسابق للظفر بمقعد في السيارة الأولى للموكب للاستمتاع بمشاهد لا ترى إلا في الأفلام البوليسية المثيرة.. وكان عند الوصول يقف وينزع نظارته السوداء ويرسل ضحكات هادئة شعورا منه بأداء مهمته التي تصل أحيانا إلى الخطر.. وقد أشاد به كل المشاركين ولو كان الأمر بيدهم لمنحوه وسام استحقاق وتقدير.. فيا حضرة المشير عمر البشير لا نطلب منك أكثر من التفاتة اعتراف لهذا الرجل المفيد جدا..

انتهت أشغال ندوة حوار الثقافات العربية والإفريقية بتقديم جملة من التوصيات التي تدعو إلى ضرورة العمل من أجل إقامة جسور بين هاتين الثقافتين لما لهما من رصيد ثقافي مشترك باعتبار أن أزيد من 35 من المائة من سكان القارة يتكلمون العربية، فضلا عن أن انتشارها في بلدان جنوب الساحل كنيجيريا وتشاد والكاميرون ومالي تولّد عنه وجود نتاج فكري وأدبي كبير كما أن اللغات الإفريقية القديمة شكلت بالنسبة لها اللغة العربية حاملا مهما..
وقد خلصت هذه الندوة إلى أزيد من 50 توصية تقدم بها المشاركون محملين الأستاذ عبد الباسط عبد الماجد وزير الثقافة في السودان مسؤولية تنفيذها، والحقيقة أنني أشفقت على هذا الرجل الطيب جدا والمثقف جدا من أن يجعل همه تنفيذ أحلام المشاركين في هذه الندوة فتدخلت وقلت بلسان صريح "ما جدوى 50 توصية؟ ألا تكفي توصيتان أو ثلاث يمكن تجسيدها على أن نتباهى بالكم من التوصيات والمقترحات ونحن ندرك أن مآلها رفّ النسيان كما هو حال البلدان العربية التي تتفنن في استعراض أحلامها.. وكنت أعرف أن ما قلته لا يعجب البعض مثلما كنت مدركا أن ما قلته أثلج صدور البعض الآخر وخاصة أحد أدباء السودان واسمه "قديت" وهو من قبائل النوير الجنوبية.. إذ تقدم نحوي وقال لي "أنا معك فيما قلت" ثم راح يحدثني عن أحلامه في سودان ما بعد السلام.. ثم طلب مني أن أحدد له وقتا في الفندق ليطرح علي أفكاره في مدينته "جوبا" وجاءني مساء السبت وشرع يحدثني عن بعض الأشياء التي يشعر أنها تصلح للاستثمار في بلد ما بعد الحرب، فقال لي "ما رأيك في قناة تلفزيونية؟" قلت له "وهل في جيبك 30 مليون دولار؟" فأغلق ملف التلفزيون وقال لي "بم تنصحني؟" قلت "إن كنت فعلا تملك الرغبة ولديك ما يكفي من المال فأنصحك بأن تقيم مدرسة متخصصة في تعليم استخدام الكومبيوتر؟ أو إنشاء وكالة للسياحة والسفر؟ أو بناء فندق أو منتجع سياحي؟ أو الخوض في الاستيراد والتصدير..
كان قديت يكتب كل كلمة أتفوه بها وكأنني خبير أو مستشار دولي في مجال الاستثمار.. وقبل أن نفترق سألته هل أنت مع السلام ومع وحدة السودان؟ قال لي ضاحكا "وهل نملك بديلا غير ذلك.." وهو يهم بالخروج قال لي "سنعمل على إنشاء اتحاد للكتاب والأدباء في جنوب السودان، قلت له "بشرط أن يكون واحدا ضمن الاتحاد الوطني لكل كتاب وأدباء السودان.. لا أن يكون اتحاد منفصلا.. أنتم من يعطي الوحدة معناها. فقال وهو يطلق ضحكة "سيكون ذلك..".
في مساء اليوم الأول من افتتاح نشاطات الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب تقرر تنظيم أمسية شعرية في جامعة القرآن شارك فيها شعراء عرب وآخرون من السودان..
نشط الأمسية اللواء الشاعر أبو قرون الذي قرأ شيئا من شعره قبل أن يكون أول من يصعد منصة الشعر الشاعر الكبير سليمان العيسى الذي يزور السودان لأول مرة وقد جاوز الثانية والثمانين.. فقرأ نصا جميلا فيه من النثر ما ينسي أنه شاعر وفيه من الشعر ما يجعل الناس يبتهجون أمام ناثر بارع (..) ثم قرأ الشاعر الفلسطيني المتوكل طه والأردني سعد الدين شاهين والبحريني ابراهيم بوهندي والفريق الركن عمر قدور من السودان وشاعر الكويت خالد الشايجي وإبراهيم علاّن من الإمارات والشاعرتان هيفاء وآية من السودان.. والشاعر الوزير صديق مجتبى محمد الأمين من السودان وهو وزير الدولة للثقافة.. ولسوء حظي أنني كنت آخر من يقرأ والسبب أن اللواء أبو قرون نسي اسمي وكنت ثالث من يقرأ.. وتحت إلحاح الحاضرين صعدت المنبر وقلت "سأقرأ شيئا لرجل اسمه هارون.. وهارون هذا مواطن من السودان تعرفت عليه عن طريق المراسلة في منتصف السبعينيات، حين كانت المراسلة أسلوبا محببا لدى الكثيرين في زمن كانت الرسالة أفضل من الأنترنيت والبريد الإلكتروني (..) وتوقف اتصالنا في نهاية السبعينيات.
عندما تقرر ذهابي إلى الخرطوم تذكرت هارون، وهذا ما بقي من اسمه الكامل وجملة واحدة ما زلت أحتفظ بها قالها لي في أول رسالة قبل ثلاثين سنة "اخترتك من بين الآلاف فاخترني من بين الملايين".. وأجيء الخرطوم اليوم وأنا أتساءل أين هارون، أما زال حيا.. ماذا لو التقيته في الشارع هل يعرفني وهل أعرفه؟ وهكذا. قرأت النص الشعري الصغير.. ولم أكن أتصور أنه سينال هذا الحب والإعجاب من الحاضرين وطلب مني أن أقرأه في مناسبات أخرى. والنص هو كالتالي:

ليتني ألقاه من بعد ثلاثين سنه
ربما ألمح طفلا..
أو بقايا سوسنه
ربما يأتي كطير سرمدي من بقايا الأمكنه
ليتني أعرف من يعرف هارون
فأهديه تحياتي
وشيئا من حكاياتي
وأحلامي الحزينه
ربما ألمحه في شارع النيل وحيدا
أو على جسر المدينه
ربما يعرفني..
يسرع نحوي مثل طفل تائه
أو مطر يغسل وجه الأرض من إثم
المساءات اللعينه
ربما أعرفه
أجري كطفل يختفي..
أصرخ يا هارون عد..
فأنا جئت ولا أملك عنوانا..
ولا أملك في الوادي سفينه
ليتني ألقاك يا هارون..
في جيبي بقاياك
وبعض من رساله
قلت لي قبل ثلاثين..
ومن يدري صديقي..
ربما تجمعنا الأقدار يوما في عجاله

وأذكر أن الفريق الركن الشاعر قدور، وهو ضابط متقاعد في جهاز الشرطة، تقدم نحوي في ختام الأمسية وقال لي ضاحكا "اعطني مواصفات هارون وسأجيئك به حيا بلحمه وشحمه قبل أن تغادر الخرطوم.."
وللإشارة فإن اتحاد الأدباء والكتاب في السودان لم يتم انتخابه إلا أسبوعا قبل بدء فعاليات الخرطوم الثقافية، وقد اختير على رأسه البروفيسور الراحل عون الشريف قاسم أحد المختصين في الثقافة السودانية العريقة، ويضم الاتحاد عددا من قادة الجيش الأدباء المتقاعدين، الأمر الذي جعل أحد الإعلاميين يقول ضاحكا "كأننا أمام اتحاد كتاب مسلح..".. غير أننا أعجبنا كثيرا لكون الشعر ليس حكرا على أصحاب البدلات الزاهية، إنما أيضا يقرضه أصحاب القبعات الخضراء والأقدام الخشنة..
صادف أثناء وجودنا بالخرطوم  تنظيم أيام مولد الولي الصالح السيد الميرغني حيث تزدان الشوارع بالأضواء وتتزين المساجد بالأنوار ويمشي الناس في مواكب نحو المسجد الكبير الذي تقام فيه حلقات الذكر والأوراد، في أجواء صوفية خالصة، فيها ما يجعل السودان متميزا جدا في هذه المواعيد الروحية المختلفة.. ويتوزع عبر أرصفة الشوارع باعة البخور والحلويات والأشياء التي ترتبط بالمناسبة.. ثم تقام الولائم ويأكل الناس والأتباع ما لذّ وطاب..
لم يكن الموقف عابرا بل أكد أن للسودان خصوصية في هذا الجانب، وفهمت أن في هذا البلد أحزابا تتأسس على البعد الطرقي والصوفي أكثر مما ترتكز على المبادئ السياسية، رغم أن شعب السودان، باعتراف العالم، هو من أكثر شعوب المعمورة تسيّسًا، وقد جربت هذا مع من أقابلهم في الشارع أو السوق.. بل إنني استفدت كثيرا من كلام سمعته من سائق سيارة أقام أكثر من 15 سنة في الأمارات وعاد ليستثمر شقاء عمره في إقامة مطحنة قمح لكنه ضرب ضربة قاصمة بانهيار الدولار في فترة تحرير السوق والأسعار.. وكان كمن بقي في الإمارات سوى ثلث المدة.. وكان يتحدث عن السودان تاريخا وسياسة وأحزابا وكأنه خريج جامعة كبرى وهو لا يعدو أن يكون مجرد موظف يقضي يومه وراء مقعد سيارة حكومية..
وغير بعيد عن المكان الذي تقام فيه أفراح سيدي المرغني بالخرطوم بحري، توجد كنيسة كان المسيحيون يقصدونها ليحيوا السنة الجديدة وفق طقوسهم وفيها شيء من الروح الغربية.. غير أنني لمست تسامحا كبيرا إذ بين الجامع الذي يعلوه هلال والكنيسة التي يعلوها صليب مساحة من المحبة والاحترام.. وكل واحد يرفع يديه كما يشاء ويدعو لمن يشاء.

على ضفة النيل يوجد منتجع الريفييرا الجميل الذي تقصده العائلات السودانية لقضاء أمسيات هادئة سواء في ساحاته الواسعة أو قاعاته ومطاعمه الحديثة.. كما أنه يتوفر على مساحات للعب مخصصة للأطفال.
قال لي مرافقي "هذا المكان يقصده الجميع وخاصة عليّة القوم" وقد أقام لنا وزير الثقافة مأدبة عشاء تخللتها قراءات شعرية شارك فيها شعراء من السودان وآخرون من العرب.. غير أنها استمرت إلى قرابة منتصف الليل ولم يجرؤ أحد على الجهر بأنه جائع، فتكفلت بالأمر مع الشاعر السوري الهجاء عصام خليل.. وكتبنا على التو أبياتا، طلبت الإذن في قراءتها، مع التحذير مسبقا، أنها قد لا تعجب البعض، وأن على الحاضرين أن يتعاملوا معها كدعابة لا غير. ومن بين ما قلنا:
دعينا للعشاء فكان هما
سماع الشعر من قبل العشاء
يقرقع في بطون خاويات
كقرقعة الغصون مع الهواء
ولو أني عرفت بأي سوط
سأجلد ما أتيت بذي المساء
قضاء الله أن أصلى بجلد
وأين أفر من حكم القضاء
أعاقب بالكلام طوال يومي
وعند الليل أحرم من حسائي
وما أذنبت من عمري ولكن
رضيت من الثقافة بالشقاء
فيا رباه لطفك إن حالي
كثكلى لا تواسى بالعزاء
فما كان من الوزير إلا أن دعا الجميع إلى العشاء، ونلت من ثناء الجائعين ما لم أنله من الشعراء الذين لم يقرؤوا وكانوا أعدّوا أنفسهم لمعركة شعر ساخنة..
انتهت الرحلة الجميلة.. وعندما عندنا إلى القاهرة رأيت سعيد بن زرقة سعيدا لأنه أخذ وقته الكافي في غفلة منّي وراح يستعيد ذكرياته في الأماكن التي ارتبط بها أيام جامعة عين شمس..

Share this
 

طالع أيضا

احذر مزاج قائد الطائرة؟

تعرفت على عثمان أثناء وجودنا معا في فعاليات الأسبوع الثقافي الجزائري بدمشق في أفريل 1995 وهناك اكتشفت رجلا مختلفا تماما، جزائري الطباع، حلو المعشر، ذكي الملمح، فنان بما تحمله الكلمة من أبعاد..
عندما جلس القرفصاء كما يفعل التوراق في حياتهم، كانت والدته خديجاتا على يمينه.. أغمض عينيه ليرحل بعيدا في إيقاعاته، ويحلق مع روحه دون أن يأبه بمن حضر أو من صفق له وهو يؤدي رائعته "دمعة.. دمعة".. وكان أهل الشام، وهم من أكثر شعوب الأرض ذائقة ومعرفة لأسرار الغناء، مشدودين إليه كما لو أنه جاء من الكوكب.. الأزرق.
صفقوا كثيرا، وهو ما يزال يعيد ترنيمة أغنيته في إيقاع تواتري منخفض بينما تشد أصابعه على أوتار العود كما يشد المحارب عل مقبض سيفه.. ويرسل عثمان ابتسامة عريضة تعبر عن حالة انتصار الجمال والإبداع في حضرة الصحو الفني والألق الرائع..
منذ دمشق صرت على تواصل مستمر مع عثمان بالي فكنت ألتقي به كلما كانت هناك فعالية كبرى يكون أحد صناع الفرحة فيها.. غير أن وادي جانت صنع الفجيعة وكأنه لا يعرف أن الذي جرفته مياهه هو واحد من أعظم فناني هذا القرن..

سبعة أيام دون نوم..

صيف 1999 كان متميزا بالنسبة لي، ففيه قررت التوقف عن الترحال من أرض إلى أخرى، والبقاء في البيت. هكذا قررت بالاتفاق ديمقراطيا مع أفراد العائلة.. ولكن "تسونامي" من الدعوات وصلني في يومين أو ثلاثة أيام، أما الدعوة الأولي فمن مهرجان المتوسط بإيطاليا، والثانية من الملتقى العربي والإسلامي الثوري ببيروت، ودعوة من مهرجان المحبة باللاذقية (سوريا) ودعوة من مهرجان صيادة الثقافي بتونس ودعوة أخيرة من مهرجان جرش بالأردن، في أقل من عشرة أيام، وكل مواعيدها متقاربة، ويصعب ضمان الإيفاء بها، ولو كان صاحبها ذا بساط سحري، لكنني توكلت على الله وقلت لزوجتي سأنكث عهدي هذه المرة، وأجيب بالإيجاب على كل الدعوات.. فقالت لي "إذا فعلتها فأنت السندباد". وسأريكم ما لا يفعله السندباد".
 دعوة إيطاليا وصلتني من جينو لوكابوتو مدير مهرجان البحر الأبيض المتوسط بمدينة بتشيلية الإيطالية الذي أصرّ على حضوري بهدف تكريمي بصفتي شاعرا تشغله قضايا الإنسان، أو هكذا قرأ في نصوصي التي ترجمت إلى الإيطالية.
هذه الرحلة دونتها أكثر من مرة لأنها، وردت إليّ من رجل مناضل من أجل القضية الفلسطينية، وأقام لأجلها مهرجانا فنيا وأدبيا، ودفع بلديته إلى تمويل ذلك رغم أنف المناوئين لهذا الخط السياسي الواقف مع قضية ليس من اليسير المجاهرة بالوقوف معها، لأن ذلك يعد سباحة ضد التيار..

شاعر يضحك على أمن المطار..

 أكثر الناس "رفضا" لأحقية نجيب محفوظ بجائزة نوبل  للآداب كان الدكتور يوسف إدريس الذي أعلنها صراحة أمام الملأ: " أنا أولى منه.." وتساءل الناس عن السبب الذي جعل سيد القصة العربية يخرج عن وقاره ولا يكظم  غيظه، وبدل أن يفرح الناس لفوز محفوظ  صاروا يطاردون إدريس وهكذا استطاع صاحب "الفرافير" و"النداهة" و"جمهورية فرحات" أن يقتسم الحدث  مع "سي السيد ".
كنت مدعوا إلى حضور المربد الشعري ببغداد في نهاية حرب الخليج الأولى 1988               مع وفد من شعراء وكتاب جزائريين، من بينهم أبو القاسم خمار وعياش يحياوي وعبد العالي رزاقي وبلقاسم بن عبد الله..  وكانت رحلتنا (الجزائر- باريس- بغداد) ذهابا وإيابا.. وفي عاصمة الرشيد المنتشية بانتصار ثمنه مليون قتيل، كان أبرز المدعوين الدكتور يوسف إدريس الذي منح جائزة صدام مناصفة مع جبرا إبراهيم جبرا، واعتبرها الإعلام آنذاك تعويضا له عن خسارة نوبل.

كيف تنبت لحية في خمسة أيام؟

ليت ابن بطوطة يطل عليّ من قبره فأروي له رحلاتي بين مطارات العالم فينسى حينها أنه حين بدأ رحلته على دابة شهباء من طنجة ليصل بعد سنوات طويلة إلى بلاد الهند والسند لم يشهد من المتاعب ما عشته في رحلة دامت خمسة أيام فقط.. وليت ماجلان وأحمد بن ماجد وفاسكو دي غاما يسمعون مني حكايتي التي أرويها فلا يتباهون أمام التاريخ بأنهم فعلوا ما عجز عن فعله غيرهم..

لا تصدق حلاق الخامسة صباحا..

ترددت في كتابة ما تقرؤونه، لكنني رأيت ألا أحرمكم من مقاسمتي شيئا من الذكرى الطريفة التي كثيرا ما رويتها لأصدقائي.
كان ذلك في مطلع العام 2000 حين تقرر كسر الحصار المضروب على العراق منذ حرب الخليج الثانية، فقد أقدمت بلدان عربية كثيرة على إرسال طائرات مدنية إلى بغداد تضم فعاليات من المجتمع المدني (برلمانيون، كتاب ونقابيون وإعلاميون..) كخطوة جريئة لإحراج المجتمع الدولي ودفعه إلى اتخاذ موقف مما يحدث..
ولم تكن الجزائر خارج هذا الموقف، وبادرت فعاليات كثيرة من مجاهدين وبرلمانيين ونقابيين واتحادات مهنية وكتاب وإعلاميين إلى تحديد موعد للذهاب إلى بغداد، وهكذا اتصل بي منسقو المبادرة وطلبوا مني الحضور على الثامنة صباحا بمطار هواري بومدين الدولي، وألحوا في ألا أتأخر عن الموعد.
أخبرت زوجتي، فقالت لي كعادتها "ومن يضمن وصول الطائرة إلى بغداد والعراق يحاصره الأمريكان وحلفاؤهم؟" قلت لها بلغة الفلاح الجزائري "الضّامن ربي.."، ورحت أبحث في دفاتري القديمة عن عناوين وأرقام هواتف أصدقائي في بغداد، من كتاب وإعلاميين ورياضيين، فهي فرصة لألتقيهم عن قرب.
ولأن الرحلة لن تدوم أكثر من أربع وعشرين ساعة، فليس هناك ما يحمله المسافر من متاع، وأفقت على الرابعة صباحا، فقد اعتدت على خداع عقارب الساعة لي.. وكعادتها قامت الزوجة بما تقوم به سيدة بيت تجاه زوجها المسافر، فأعدت القهوة، واطمأنت على أن كل شيء على ما يرام.. لكنها سمعت صوتي من الحمام "أين شفرات الحلاقة؟" فردت "لا أدري..". وحاولت عبثا العثور على ما يمكنني من حلق شعر وجهي، ولو شفرة مستعملة، ولكن دون جدوى.

لست السندباد..

لم يكن همّي عندما وصلت الصين زيارة ضريح ماو تسي تونغ ولا ساحة تان آن مين، ولكن حرصت على الوصول إلى سورها العظيم، وما إن بلغت المكان، نظرت إلى السّماء وأنا أقول "يا ألله أنا في المكان الذي يُرى من القمر" ثم سألت مرافقي ماذا تعني هذه اللافتة المكتوبة بخط اليد. قال لي "من وصل هذا المكان فهو بطل".. يبدو أنني كذلك.
وعندما زرت هانوي عاصمة فييتنام، اندهشت للبيت الذي ظل يقيم به القائد هو شي منه، لكن الذي شدّني أكثر هو ذلك الجزائري الذي فتح مطعما له يقدم وجبات مغاربية وعربية لشعب تربّى على الأرز ولا يعرف كيف يؤكل الكسكسي، وعندما سألته كيف جاءته فكرة اختيار هذه البلاد قال "سل زوجتي سليلة الجنرال جياب.." ففهمت..
أما عندما زرت شيراز الإيرانية فإنني لم أزر أكثر من مقام الشاعر الحكيم حافظ الشيرازي، وهو تحفة معمارية تليق بشاعر متفرد. وفي زوايا الضريح كتبت بخط بديع مقاطع من قصائده الخالدة "بستان" و"غولستان".. وقبل أن أغادر المكان اقتنيت أعماله الخالدة. أما في طهران فلم أنس ذلك الرجل المسنّ الذي ما إن عرف أنني جزائري حتى جاء يقبلني ويحضنني ويقول لي "إنني أشم فيك رائحة الثورة التي سجنت لأجلها سبع عشرة مرة. إنني واحد من أبنائها." كان اسمه مصطفى رَهْنَمَا..
وفي اسطنبول مخرت بنا السفينة نحو جزر الأميرات، وهناك سمعت من دليلنا السياحي أن هذه الجزر كانت في فترة سابقة منفى لمناوئي السلطان، ولا يأتي إليها إلا المغضوب عليهم.. واليوم لا يزورها إلا من أوتيَ جيبا ملآن وبطنا شبعانا.. ولا أحسبني منهما.. إنما أحببت أن أكتشف هذا المكان الذي تمنع فيه مركبات البنزين ولا ترى فيه إلاّ الحناطير تتحرك بحرية في دروب وعرة وملتوية.. إنما على الأطراف تنتشر القصور والفيلات التي ينعم أصحابها بمنفى.. مستحبّ.