لست السندباد..

لم يكن همّي عندما وصلت الصين زيارة ضريح ماو تسي تونغ ولا ساحة تان آن مين، ولكن حرصت على الوصول إلى سورها العظيم، وما إن بلغت المكان، نظرت إلى السّماء وأنا أقول "يا ألله أنا في المكان الذي يُرى من القمر" ثم سألت مرافقي ماذا تعني هذه اللافتة المكتوبة بخط اليد. قال لي "من وصل هذا المكان فهو بطل".. يبدو أنني كذلك.
وعندما زرت هانوي عاصمة فييتنام، اندهشت للبيت الذي ظل يقيم به القائد هو شي منه، لكن الذي شدّني أكثر هو ذلك الجزائري الذي فتح مطعما له يقدم وجبات مغاربية وعربية لشعب تربّى على الأرز ولا يعرف كيف يؤكل الكسكسي، وعندما سألته كيف جاءته فكرة اختيار هذه البلاد قال "سل زوجتي سليلة الجنرال جياب.." ففهمت..
أما عندما زرت شيراز الإيرانية فإنني لم أزر أكثر من مقام الشاعر الحكيم حافظ الشيرازي، وهو تحفة معمارية تليق بشاعر متفرد. وفي زوايا الضريح كتبت بخط بديع مقاطع من قصائده الخالدة "بستان" و"غولستان".. وقبل أن أغادر المكان اقتنيت أعماله الخالدة. أما في طهران فلم أنس ذلك الرجل المسنّ الذي ما إن عرف أنني جزائري حتى جاء يقبلني ويحضنني ويقول لي "إنني أشم فيك رائحة الثورة التي سجنت لأجلها سبع عشرة مرة. إنني واحد من أبنائها." كان اسمه مصطفى رَهْنَمَا..
وفي اسطنبول مخرت بنا السفينة نحو جزر الأميرات، وهناك سمعت من دليلنا السياحي أن هذه الجزر كانت في فترة سابقة منفى لمناوئي السلطان، ولا يأتي إليها إلا المغضوب عليهم.. واليوم لا يزورها إلا من أوتيَ جيبا ملآن وبطنا شبعانا.. ولا أحسبني منهما.. إنما أحببت أن أكتشف هذا المكان الذي تمنع فيه مركبات البنزين ولا ترى فيه إلاّ الحناطير تتحرك بحرية في دروب وعرة وملتوية.. إنما على الأطراف تنتشر القصور والفيلات التي ينعم أصحابها بمنفى.. مستحبّ.

وفي زيوريخ، قال لي شاعر من ليشتنشتاين بعد أن نودي عليه ليقرأ شعره في مهرجان المتنبي الذي أسس له الشاعر العراقي علي الشلاه "لو علمت أنك شاعر بمثل هذا الحضور ما قرأت بعدك..". وتلك الليلة لا تنسى، فأنت المتنبي وشكسبير ولامارتين، وحدك في المكان، عندما تقرأ شعرك تنطفئ الأنوار إلاّ أنت فكل الضوء عليك.. إماّ تتألق أو تموت..
ولما نودي عليّ لأدخل مكتبه بالأهرام لأجري معه حوارا بعد إحرازه جائزة نوبل للآداب، رأيت الروائي الكبير نجيب محفوظ وهو يصرخ ويقول "أخرجوها موش عاوز أتكلم معها". لم تكن تلك المرأة سوى صحفية إسرائيلية استفزته بأول سؤال فطردها، وأعطاني من وقته أربعين دقيقة، وكان سعيدا بإجراء أول حوار مع صحيفة جزائرية بعد أسبوع من نيله نوبل. خرجت من مكتبه وأسرعت نحو ملعب القاهرة لمتابعة مباراة الأهلي ووفاق سطيف.. ولم يتفطن من كان معي من الصحفيين إلى حواري مع محفوظ إلا بعد نشره في "الشعب" فقاطعني بعضهم..
وفي فرانكفورت، قرأت قصيدتين في أمسية شعرية بمعرض الكتاب الدولي الذي احتفى بالثقافة العربية كضيف شرف. وما إن أنهيت القراءة حتى أسرع نحوي صحفيان، أحدهما ألماني ويكتب الشعر، قال لي "من ترجم لك شعرك؟" قلت "الجزائري أبو العيد دودو" فقال بإعجاب "ليته يترجم شعري الألماني إلى اللغة الألمانية التي استمعت إليها" فأجبته ضاحكا "بشرط أن يكون شعرك في مستوى ما أكتب.." أما الآخر فهو تركي استأذنني في ترجمة النصين إلى اللغة التركية، فقد أعجباه كثيرا.. وكلما زرت إسطنبول، رحت أتفرّس في الوجوه عليّ أعثر عليه.. أو على نصّي مترجما.
وعندما ألقيت قصيدة "اللعنة والغفران" في أكاديمية العلوم والآداب بمدينة ماكون التي ينتسب إليها ألفونس لامارتين وصلت مقطعا أقول فيه "ذات سبت.. أنشدت زينب في موكب أطفال الحواري.. قسمًا"، فوقف من في القاعة اعتقادا منهم أنني طلبت منهم الوقوف للنشيد الجزائري قسمًا، دون تكلّف، فلم أجد بدا من ترديد المقطع الأول بصوت مرتفع.. ووقف معنا فرنسيون، قبل أن يصدر قانون تمجيد الاستعمار.
وفي المدينة المنوّرة التقيت أسطورة الملاكمة العالمية محمد علي كلاي في بهو فندق سوفيتال، فأسرعت نحوه لأحييه وآخذ معه صورة للذكرى، وكان مرض الرّجاف قد بدأ ينال منه، فأعطيت آلة التصوير لأحد مرافقيه، واخترت مكانا ملائما للصورة، لكن محمد علي ابتسم، وجذبني إليه، وأشار إلى المرآة، في إشارة منه أنه لا يمكن للصورة أن تتم بسبب انعكاس الضوء، فاختار هو مكانا آخر، وراح يداعبني بقبضتيه، وكأنه يعرفني من مائة سنة.. وأما زوجته فاكتفت بابتسامة.
وعندما هممنا بجمع أمتعتنا لمغادرة سرت الليبية بعد انتهاء أشغال اللقاء الثقافي العربي الإفريقي، جاء من يخبرنا أن القائد معمر القذافي يرغب في لقائنا، فتغيرت كل الحسابات، وقابلنا في خيمة غير بعيدة عن السّرت، فتحدثت باسم الكتاب العرب، وتكلم كاتب غاني باسم الأفارقة، ثم تدخل القذافي وكلمنا في الهوّية ودور المثقف ولم يفهم لماذا لا تعرض تلفزيونات أوروبا مباريات الفرق العربية بينما تتهافت القنوات العربية على بطولات أوروبا.. إنه الاستلاب كما يقول. وعندما غادرنا الخيمة أقيمت قريبا من النهر الصناعي وليمة عشاء على شرف الجميع..
وفي لندن استضافني الكاتب صاموئيل شيمون وزوجته مارغريت أوبانك في بيتهما، وزرت الموقع الذي نقشت عليه قصيدتي "وطني" الوحيدة باللغة العربية وترجمتها باللغة الإنكليزية على صفائح رخامية دائرية الشكل، إلى جانب عشرين شاعرا من البلدان التي تقع على خط غرينيتش. كل هذا احتفالا بالألفية الجديدة، في الموقع الذي اختير لتجارب البشرية، على نهر التاميز، وحيث تم تصوير آخر أفلام جيمس بوند.
أما في بروكسل، فلم أكن أتصور أن سؤالا طرحته على السفيرة الأمريكية بالحلف الأطلنطي، يجعلها تنفعل وتخرج غاضبة، ومفاده أن أمريكا وعدتنا بالقضاء على طالبان فأنتجت طالبان أخرى بباكستان، ووعدتنا بالقضاء على القاعدة فأنتجت اثنتين واحدة في العراق وأخرى في شمال إفريقيا وقد تنتج أخرى في أمريكا اللاتينية ما دام حكامها الجدد يرفضون سياسة البيت الأبيض.. قلت لها "سيدتي عليك تحمّل وجهة نظر واحد ينتمي لبلد يعرف معنى الإرهاب والموت".
في بيروت قال لي أحد عتاة السياسة في لبنان "نحن مدينون لكم بأكثر من شيء، لا أحد ينكر دوركم في تحقيق الاستقرار وبلورة اتفاق الطائف، ويكفي أنكم البلد الوحيد الذي لم يغلق سفارته أيام الحرب، ولم يوقف رحلات طيرانه نحو بيروت، وأول بلد يزور رئيسه لبنان بعد توقيف الحرب..". قلت له "واجب لا غير".
أما محمود درويش فقال لي "كنت أيام الحصار على بيروت أتنقل بجواز سفر جزائري.. ولا يمكنني أن أنسى كيف تابعت مباراة الجزائر وألمانيا الغربية في مونديال إسبانيا 1982.. كلما قصفت إسرائيل مخابئنا كان منتخب الجزائر يقصف شباك الألمان.. كم كانوا رائعين هؤلاء الجزائريون..".
وكم كانت مدينة مراكش مدهشة عندما زرتها أول مرة. شدّني الأرجواني الطاغي، وحين دخلت ساحة جامع الفنا، رأيت فيما يرى النائم، مشاهد السند باد ومروضي الحيات والأفاعي، والأيدي المزيّنة بالحنّاء تلتف حول عنقي، والغرباء يلتقطون الصور مبهورين بمدينة ليست من هذا الزمن. حين مشيت بعيدا عرفت لماذا ابتاعها الأجانب، وجعلوها مقبرة لما تبقى من أعمارهم.
وفي مطار أورلي بباريس، اقترب مني رجل أمن، بدا لي من أناقته، أنه لن يكون غير ذلك، وطلب جواز سفري ثم قال لي "ماذا كنت تفعل في طهران؟" قلت "أنا صحفي، ومهنتي تسمح لي بالتنقل إلى أي مكان يتطلب عملا صحفيا" فلم يتردد في أن يقول لي "أنتم تعانون من جماعة الإنقاذ فلماذا تفتحون أبواب الجحيم بالتعاون مع الإيرانيين". قلت له وأنا أمسك بجواز سفري "ما تقوله كلام سياسي أكبر منّي ومنك.." ابتسم ولم يعلق. حدث هذا في شتاء 1991..
في العام 1999 نزلت ضيفا مع وفد ثقافي جزائري على الشاعر الإماراتي محمد السويدي بأبو ظبي، حيث أقام وليمة كبيرة، دُعيَ إليها مثقفون ووجوه من مجتمع الإمارات. وأثناء العشاء، سأل شاب يجلس إلى يمين السويدي واحدا من أعضاء السفارة الجزائرية عن اسمه، فقال كذا، فراح الرجل يتحدث عن الشجرة العائلية للجزائري وكأنه واحد منها، وذهب أبعد من ذلك حين قال له "إن جدّكم وليٌّ صالح دُفن مع ابنه في قبر واحد."، ثم التفت إلى سفير الجزائر لدى دولة الإمارات وحدثه عن عائلته وعلاقتها ببني هلال. وكان الرجل يخوض في تفاصيل لا يعلمها المعنيّ.. فسألت الرجل عن سرّ معرفته بالعائلات الجزائرية، فقال لي "زرت الجزائر مرة واحدة وبقيت فيها أسبوعين، لم أغادر فيهما العاصمة.. إنما أنا أنتسب لعائلة سعودية تهتم كثيرا بالأنساب، وقليلا ما أخطئ في نسبٍ معيّن." قلت له "أنا أملكُ شجرة أنساب، نجحتُ في تفكيك بعض فروعها..". ضحك وقال لي "ابْقَ معي أسبوعا وسأعطيك الوصفة السحرية لتعرف أصول العائلات الجزائرية كلها". علّق من كان بجانبي "في هذه الحال عليه أن يترك الشعر ويتجه نحو الأحوال الشخصية.".
أما ما حدث لي في مطار فرانكفورت فقد كشف عن سذاجتي، إذ ما إن حطت الطائرة قادمة من باريس، رحت أبحث عن شبّاك لختم جواز سفري، وعبثا حاولت في كل مكان، فلم أعثر، وبقيت أراوح مكاني، ثم سألت شرطيا عن الشباك، فضحك وقال لي "من أين أتيت؟" قلت "من باريس؟" فأطلق قهقهة وهو يربّت على كتفي "يا صديقي.. أنت في فضاء شِينغَنْ.. أوروبا مفتوحة على سماء واحدة، تفضل ليس هناك شباك". فضربتُ أخماسي بأسداسي وأنا أقول "بقدر ما بدوتُ ساذجا.. من حقي أن أسأل متى يكون للعرب فضاؤهم فنمارس فيه سذاجتنا حتى الجنون..".
إذا فهمتُ أن الانكليز يفضّلون مقود السيارة على اليمين، وإشارة المرور الحمراء بدل الخضراء، بدافع التميّز عن غيرهم، وتلك ثقافة راسخة في أرض الضباب، فإن ما لم أفهمه أن الناس، في فيلنيوس (عاصمة ليتوانيا)، يبقون على أضواء سياراتهم مشتعلة ليل نهار، فقال لي "نحن أهل البلطيق لا ننعم بالشمس مثلكم، لهذا نستعين بالسيارات ليكون نهارنا أكثر إضاءة"، ثم راح يشرح لي فوائد ضوء السيارات في النهار. قلت لمرافقي من بلد عربي "يبدو أننا أكثر اقتصادا منهم..". فابتسم وقال لي "الأفضل أن أشعل سيجارة في مكان لا يسمح فيه بالتدخين..".
ومن أولى أسفاري، حين زرت بلغراد أيام كانت عاصمة ليوغسلافيا الاتحادية بعد وفاة تيتو ببضع سنوات، كان يحكمها سلوبودان ميليزوفيتش، ورأيت في شوارعها الصّرب يجمعون حطب الحرب (..) وكنت أقرأ في عيون الناس كثيرا من الحقد والرغبة في الموت. وأذكر أنني قضيت ثلاثة أيام أعوّدُ نفسي على عُملة البلد لكثرة الأصفار، فيحدث أن أدفع لصاحب المحل مقابل فرشاة أسنان ما قيمته إقامة أسبوع في فندق، فنصحني صديقي أن أسقط الأصفار من الحساب فلا يضحك عليّ التاجر والبوّاب. وحدث أن تعرضت لوعكة صحية، وشعرت بألم في الكبد، وذهبت إلى الصيدلية لأشتري دواء مسكنا، فحاولت عبثا أن أشرح للصيدلي ماذا أريد، لكن لم يفهم أي لغة أخرى سوى لغته، حتى لغة الإشارة تعطّلت، فانتبهت إلى أنني درستُ في الفنون الجميلة، فاستعنت بورقة وقلم، وشرعت في رسم جسم إنسان بمكوناته وأجهزته، والرجل يتابعني بإمعان، وركّزتُ على الكبد، ففهم قصدي، وأعطاني دواءً، لا أنكر أنه أراحني كثيرا، لكنني أرحت الرجل من حوار طرشان كاد ينتهي بأن يغلق محلّه، وأخرج أنا غاضبا من أهل مدينة لا يفهمون حاجتي..

أعترف أنني سافرت كثيرا، لكنني لم أزر سوى عدد قليل من البلدان، ورأيت أكثر من أولئك الذين جابوا العالم ذهابا وإيابا ولا يذكرون سوى ما يقتنونه من أسواقها، أما أنا فلا أريد أن أنسى.. وأريد أن أقاسمكم بعض الذي عشته في أسفاري ولم يعشه السندباد..

Share this
 

خبر عاجل لعزالدين ميهوبي

مع كل احترامي كيف انك تستهزء بصاحب اللحية انه يبحث عن اوقات الصلاة ويصليها

انت لست مسلم وتصلي اوقاتك؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

اين اسلامك؟؟ تستهزء بسنة خير الخلق _محمد_ ص* اعفاء عن اللحية

مسلم والحمد لله

لا اجد مبررا في محاولة ربط مقال يروي واقعة طريفة عشتها بايماني وأخلاقي، وليس الهدف منها الاستهزاء ولا الانتقاص من حرص الرجل على اداء صلواته فيً وقتها، لكنني كنت مدركا لصفاء سريرته وصدق نيته، ولم يكن يعنيه ما أغانيه مع خطوط الطيران لأنني على موعد مع مؤتمر بينما كان فيًزيارة عائلية.. وربما لو كنت في وضعه لفعلت ما فعله. على اي حال،. فلا يجب ان تؤخذ الامور من باب الشك والريبة.. وانا على ابواب الحج هذه الايام ان شاء الله. مع خالص الود.

r

آه يا أستاذ ... كان عليك أن تسأل عن مثل هذه الأمور الأستاذ بن زرقة ... فهو يوميا أثناء تنقله بين مقر إقامته ومكان مزاولته لمهامه فهو يحمل محفظة و حقيبة لا تفارقانه أبدا . فالمحفظة لأدوات العمل من كتب ومجلدات ومحاظر. والحقيبة للأدوية وشفرات الحلاقة والعطور والحلوى أيضا معجون الأسنان والفرشات...... أضن أنه علينا رفع القبعة له فهو على طول المدى مدجج بأسلحة الطوارئ وكأنه فعلا من قصر البخاري

طالع أيضا

احذر مزاج قائد الطائرة؟

تعرفت على عثمان أثناء وجودنا معا في فعاليات الأسبوع الثقافي الجزائري بدمشق في أفريل 1995 وهناك اكتشفت رجلا مختلفا تماما، جزائري الطباع، حلو المعشر، ذكي الملمح، فنان بما تحمله الكلمة من أبعاد..
عندما جلس القرفصاء كما يفعل التوراق في حياتهم، كانت والدته خديجاتا على يمينه.. أغمض عينيه ليرحل بعيدا في إيقاعاته، ويحلق مع روحه دون أن يأبه بمن حضر أو من صفق له وهو يؤدي رائعته "دمعة.. دمعة".. وكان أهل الشام، وهم من أكثر شعوب الأرض ذائقة ومعرفة لأسرار الغناء، مشدودين إليه كما لو أنه جاء من الكوكب.. الأزرق.
صفقوا كثيرا، وهو ما يزال يعيد ترنيمة أغنيته في إيقاع تواتري منخفض بينما تشد أصابعه على أوتار العود كما يشد المحارب عل مقبض سيفه.. ويرسل عثمان ابتسامة عريضة تعبر عن حالة انتصار الجمال والإبداع في حضرة الصحو الفني والألق الرائع..
منذ دمشق صرت على تواصل مستمر مع عثمان بالي فكنت ألتقي به كلما كانت هناك فعالية كبرى يكون أحد صناع الفرحة فيها.. غير أن وادي جانت صنع الفجيعة وكأنه لا يعرف أن الذي جرفته مياهه هو واحد من أعظم فناني هذا القرن..

هارون الذي ضاع منّي في الخرطوم..

أحيانا يشدك الحنين إلى أحداث عشتها أو أماكن زرتها أو أناس تعرفت عليهم، فتستعيد في كل مرة تلك الوقائع، ورحلتي إلى السودان في 2005 تعد من أجمل الذكريات التي تستدعي في كل مرة استحضارها، ورواية بعض فصولها للآخرين..
اعتقدت أول الأمر أنه يمكننا أن نجلس في أي مقعد شئنا، كما هو الحال في خطوطنا الجزائرية، لكنني رأيت مسافري الخطوط المصرية وهم يبحثون عن مقاعدهم حسب بطاقة السفر، فكان حظ الكاتب سعيد بن زرقة رفيقي في رحلة السودان مقعدا في الصفوف الأولى بينما رمى بي الحظ في مقعد على الجناح الأيسر من الطائرة وبجانبي جلس مواطن مصري بلباس شعبي، لم يتحدث طوال الرحلة، وفهمت منه أنه لا يرغب في ذلك بسبب منع التدخين، في حين أنه من فئة الذين يتسببون في تلويث الرئتين.. كان بين الفينة والأخرى يسألني "وصلنا الخرطوم؟" فأجيب "لم نصل بعد.." وقبل الوصول بحوالي نصف ساعة سلمت لنا استمارات الدخول فطلب مني أن أملأ استمارته، ورحت أسأله عن الجهة التي يقصدها فقال "وانا إيش اللي عرفني.. آهي شركة إسمنت وخلاص.. وما اعرفش فين مقرها".. كان اسمه عبد الفتاح والباقي لا أذكره..

سبعة أيام دون نوم..

صيف 1999 كان متميزا بالنسبة لي، ففيه قررت التوقف عن الترحال من أرض إلى أخرى، والبقاء في البيت. هكذا قررت بالاتفاق ديمقراطيا مع أفراد العائلة.. ولكن "تسونامي" من الدعوات وصلني في يومين أو ثلاثة أيام، أما الدعوة الأولي فمن مهرجان المتوسط بإيطاليا، والثانية من الملتقى العربي والإسلامي الثوري ببيروت، ودعوة من مهرجان المحبة باللاذقية (سوريا) ودعوة من مهرجان صيادة الثقافي بتونس ودعوة أخيرة من مهرجان جرش بالأردن، في أقل من عشرة أيام، وكل مواعيدها متقاربة، ويصعب ضمان الإيفاء بها، ولو كان صاحبها ذا بساط سحري، لكنني توكلت على الله وقلت لزوجتي سأنكث عهدي هذه المرة، وأجيب بالإيجاب على كل الدعوات.. فقالت لي "إذا فعلتها فأنت السندباد". وسأريكم ما لا يفعله السندباد".
 دعوة إيطاليا وصلتني من جينو لوكابوتو مدير مهرجان البحر الأبيض المتوسط بمدينة بتشيلية الإيطالية الذي أصرّ على حضوري بهدف تكريمي بصفتي شاعرا تشغله قضايا الإنسان، أو هكذا قرأ في نصوصي التي ترجمت إلى الإيطالية.
هذه الرحلة دونتها أكثر من مرة لأنها، وردت إليّ من رجل مناضل من أجل القضية الفلسطينية، وأقام لأجلها مهرجانا فنيا وأدبيا، ودفع بلديته إلى تمويل ذلك رغم أنف المناوئين لهذا الخط السياسي الواقف مع قضية ليس من اليسير المجاهرة بالوقوف معها، لأن ذلك يعد سباحة ضد التيار..

شاعر يضحك على أمن المطار..

 أكثر الناس "رفضا" لأحقية نجيب محفوظ بجائزة نوبل  للآداب كان الدكتور يوسف إدريس الذي أعلنها صراحة أمام الملأ: " أنا أولى منه.." وتساءل الناس عن السبب الذي جعل سيد القصة العربية يخرج عن وقاره ولا يكظم  غيظه، وبدل أن يفرح الناس لفوز محفوظ  صاروا يطاردون إدريس وهكذا استطاع صاحب "الفرافير" و"النداهة" و"جمهورية فرحات" أن يقتسم الحدث  مع "سي السيد ".
كنت مدعوا إلى حضور المربد الشعري ببغداد في نهاية حرب الخليج الأولى 1988               مع وفد من شعراء وكتاب جزائريين، من بينهم أبو القاسم خمار وعياش يحياوي وعبد العالي رزاقي وبلقاسم بن عبد الله..  وكانت رحلتنا (الجزائر- باريس- بغداد) ذهابا وإيابا.. وفي عاصمة الرشيد المنتشية بانتصار ثمنه مليون قتيل، كان أبرز المدعوين الدكتور يوسف إدريس الذي منح جائزة صدام مناصفة مع جبرا إبراهيم جبرا، واعتبرها الإعلام آنذاك تعويضا له عن خسارة نوبل.

كيف تنبت لحية في خمسة أيام؟

ليت ابن بطوطة يطل عليّ من قبره فأروي له رحلاتي بين مطارات العالم فينسى حينها أنه حين بدأ رحلته على دابة شهباء من طنجة ليصل بعد سنوات طويلة إلى بلاد الهند والسند لم يشهد من المتاعب ما عشته في رحلة دامت خمسة أيام فقط.. وليت ماجلان وأحمد بن ماجد وفاسكو دي غاما يسمعون مني حكايتي التي أرويها فلا يتباهون أمام التاريخ بأنهم فعلوا ما عجز عن فعله غيرهم..

لا تصدق حلاق الخامسة صباحا..

ترددت في كتابة ما تقرؤونه، لكنني رأيت ألا أحرمكم من مقاسمتي شيئا من الذكرى الطريفة التي كثيرا ما رويتها لأصدقائي.
كان ذلك في مطلع العام 2000 حين تقرر كسر الحصار المضروب على العراق منذ حرب الخليج الثانية، فقد أقدمت بلدان عربية كثيرة على إرسال طائرات مدنية إلى بغداد تضم فعاليات من المجتمع المدني (برلمانيون، كتاب ونقابيون وإعلاميون..) كخطوة جريئة لإحراج المجتمع الدولي ودفعه إلى اتخاذ موقف مما يحدث..
ولم تكن الجزائر خارج هذا الموقف، وبادرت فعاليات كثيرة من مجاهدين وبرلمانيين ونقابيين واتحادات مهنية وكتاب وإعلاميين إلى تحديد موعد للذهاب إلى بغداد، وهكذا اتصل بي منسقو المبادرة وطلبوا مني الحضور على الثامنة صباحا بمطار هواري بومدين الدولي، وألحوا في ألا أتأخر عن الموعد.
أخبرت زوجتي، فقالت لي كعادتها "ومن يضمن وصول الطائرة إلى بغداد والعراق يحاصره الأمريكان وحلفاؤهم؟" قلت لها بلغة الفلاح الجزائري "الضّامن ربي.."، ورحت أبحث في دفاتري القديمة عن عناوين وأرقام هواتف أصدقائي في بغداد، من كتاب وإعلاميين ورياضيين، فهي فرصة لألتقيهم عن قرب.
ولأن الرحلة لن تدوم أكثر من أربع وعشرين ساعة، فليس هناك ما يحمله المسافر من متاع، وأفقت على الرابعة صباحا، فقد اعتدت على خداع عقارب الساعة لي.. وكعادتها قامت الزوجة بما تقوم به سيدة بيت تجاه زوجها المسافر، فأعدت القهوة، واطمأنت على أن كل شيء على ما يرام.. لكنها سمعت صوتي من الحمام "أين شفرات الحلاقة؟" فردت "لا أدري..". وحاولت عبثا العثور على ما يمكنني من حلق شعر وجهي، ولو شفرة مستعملة، ولكن دون جدوى.