لا تصدق حلاق الخامسة صباحا..

ترددت في كتابة ما تقرؤونه، لكنني رأيت ألا أحرمكم من مقاسمتي شيئا من الذكرى الطريفة التي كثيرا ما رويتها لأصدقائي.
كان ذلك في مطلع العام 2000 حين تقرر كسر الحصار المضروب على العراق منذ حرب الخليج الثانية، فقد أقدمت بلدان عربية كثيرة على إرسال طائرات مدنية إلى بغداد تضم فعاليات من المجتمع المدني (برلمانيون، كتاب ونقابيون وإعلاميون..) كخطوة جريئة لإحراج المجتمع الدولي ودفعه إلى اتخاذ موقف مما يحدث..
ولم تكن الجزائر خارج هذا الموقف، وبادرت فعاليات كثيرة من مجاهدين وبرلمانيين ونقابيين واتحادات مهنية وكتاب وإعلاميين إلى تحديد موعد للذهاب إلى بغداد، وهكذا اتصل بي منسقو المبادرة وطلبوا مني الحضور على الثامنة صباحا بمطار هواري بومدين الدولي، وألحوا في ألا أتأخر عن الموعد.
أخبرت زوجتي، فقالت لي كعادتها "ومن يضمن وصول الطائرة إلى بغداد والعراق يحاصره الأمريكان وحلفاؤهم؟" قلت لها بلغة الفلاح الجزائري "الضّامن ربي.."، ورحت أبحث في دفاتري القديمة عن عناوين وأرقام هواتف أصدقائي في بغداد، من كتاب وإعلاميين ورياضيين، فهي فرصة لألتقيهم عن قرب.
ولأن الرحلة لن تدوم أكثر من أربع وعشرين ساعة، فليس هناك ما يحمله المسافر من متاع، وأفقت على الرابعة صباحا، فقد اعتدت على خداع عقارب الساعة لي.. وكعادتها قامت الزوجة بما تقوم به سيدة بيت تجاه زوجها المسافر، فأعدت القهوة، واطمأنت على أن كل شيء على ما يرام.. لكنها سمعت صوتي من الحمام "أين شفرات الحلاقة؟" فردت "لا أدري..". وحاولت عبثا العثور على ما يمكنني من حلق شعر وجهي، ولو شفرة مستعملة، ولكن دون جدوى.

قلت لها "من غير المقبول أن أذهب في وفد ويستقبلنا رسميون في العراق، وأنا في هذه الحال." فلم تتمالك من الضحك وقالت لي "استخدم سكين المطبخ." فزاد انفعالي، ولم أجد من حل سوى الذهاب على الساعة الخامسة صباحا إلى مدينة سطاوالي، على أمل العثور على موس حلاقة (..) وخرجت.
كانت المحلات مغلقة، إلا من بعض المقاهي التي شرعت في فتح أبوابها، وقليل من الناس يتجهون نحو المسجد، وكلما رأيت محلا ينبعث منه ضوء أسرعت إليه، فأعود خائبا. ودون أن أيأس مشيت في اتجاه السوق، فربما أظفر بضالتي، فلمحت في شارع متفرع عن الطريق الرئيس، ضوءا خافتا. اقتربت منه، وإذا به حلاّق بما تحمله الكلمة من مقص وشفرات حلاق ومئزر أبيض ومرآة. قلت للرجل النحيف، وهو منهمك في توضيب أموره:
صباح الخير..
صباح الخـ...ـيـ..ــر. قالها وكأنه أفاق لتوّه من النوم.
راك تخدم؟. قلت له مستفسرا.
لا..لا.. راني نلعب. واش ما راكش تشوف.
لا.. قلت ربما، راك تنظف المحل.
إذا حاب اتحفّف (تحلّق) مرحبا..
عندي نصف ساعة وأنا نبحث على واحد مثلك..
نظرت إلى جدران المحل، تبدو قديمة، عليها آثار الرطوبة، لكأن صاحبه لم يقم بطلائه منذ السنوات الأولى للاستقلال، وعلى الجدران صور لممثلات أمثال بريجيت باردو وجينا لولو بريجيدا، هي عبارة عن أغلفة لمجلات قديمة، وكذا بعض صور لاعبي منتخب الجزائر في السبعينيات والثمانينيات.
المحل عتيق جدا، وكراسيه أصابها الصدأ، والمرآة الحائطية تعود، لشدة اصفرارها، إلى أيام الثورة، أو حرب الهند الصينية. ولم يكن الرجل، مهتما بي تماما. أشعل سيجارة، ثم التفت إليّ:
اتحفّف وجهك وإلا تقص شعرك؟
الاثنين..
اتفضل..
جلست على مضض، وماذا يفعل الميت في يد غساله، إذ لا يمكنني أن أذهب في وفد إلى بغداد وشكلي غير لائق. ثم من يكون هذا المحظوظ الذي يعثر على حلاق في الساعة الخامسة صباحا؟.
تحسس الرجل شعري بأصابع يده وقال لي:
شعرك أحرش، لازم التاندوز (ماكنة يدوية للحلاقة).
والغريب، أنها ليست كهربائية، كما هو شائع لدى الحلاقين، فقد كانت الماكنة تذكّرني بالسنوات الأولى للاستقلال حين كان يأتي حلاق المدينة إلينا في المدرسة ويقوم بجز شعر رؤوسنا كالخرفان في دقائق ثم يذهب وهو ينظر إلينا غير آسف لتحويلنا إلى أكوام بصل..
ما إن وضع الماكنة في قفاي حتى شعرتُ بأنني لن أخرج من بين يدي الرجل سالما، إذ ما إن ضغط على ماكنته حتى تطاير الشعر وكأن الأمر يتعلّق بآلة حصاد، تتطاير بين جنبيها السنابل.. وما إن التفتت يمينا، حتى رأيت جلدة الرأس وقد ظهرت حمراء، فانزعجت:
واش اعملت؟
فأجابني بهدوء:
راني انحفف لك شعرك..
هذي ماهي تحفيفة..
راك غالط يا سي محمد.. الناس اليوم يحبوا هذا النوع.
أنا مانيش مارينز.
اصبر عليّ، ورايح تشوف.
وماذا يفعل الميت في يد غساله؟. واستسلمت للأمر الواقع، وقررت ألا أنظر إليه وجهي في المرآة حتى أسمع منه كلمة "انتهى".
مرت عشرون دقيقة، والرجل يفعل في رأسي الأفاعيل، يأتي يمينا ثم يسارا، ثم يطلب منّي ألا أتحرك، إلى أن قال لي:
شوف روحك.
نظرت، فإذا هي مجزرة، لم أكن أنا الذي أجلس قبالة مرآة من عهد نوح. كان شكلي كأولئك المساجين الذين ينتظرون حكما بالانعدام، أو كالمجاذيب في الطرقات..
كتمت الأمر، وبي غيظ شديد، لكن الرجل اعتقد أنني سعيد بهذه التقليعة التي هي واحدة من إفرازات الحداثة، فقال لي:
أشهر المطربين يحففوا عندي..
وراح يذكر لي أسماءهم، الشاب فلان والشاب فلتان، ويمتدحهم. ثم أخرج لي صورة له مع أحد مطربي الشباب اسمه المغناوي، وهو يتباهي كون هذا المطرب يأتيه من تلمسان من أجل حلق شعر رأسه..
أخرج الرجل من الدرج موس حلاقة، لا أبالغ إذا قلت بأنه استخدم أكثر من عشرين سنة، ولكن ماذا يفعل الميت في يد حلاق من القرون الوسطى. وضع قليلا من الصابون بيده، إلى أن اطمأن أن بشرة الوجه صارت مهيأة، وراح يجر الموس في كل الاتجاهات ويمسح بيده، ويكرر ذلك مرات ومرات، ثم جاء بمنشفة، ليست من هذا الزمن، تنبعث منها رائحة كريهة، وأنا لا أعرف كيف قبل المغناوي بها.. على أيّ حال ربما كان هو الآخر في وضعي وضحية مثلي، والفرق أنني جئت من حي ميموزا القريب بينما جاء هو من تلمسان أو مغنية. ولكن ماذا يفعل الميت..
نظرت في المرآة القديمة، فإذا بوجهي غير الذي جئت به قبل نصف ساعة، ينزف من أعلى إلى أسفل، والرجل ينظر إليّ فرحا بفعلته:
الدم.. يلزم له الشبّ.
وأخرج من الدرج حجرا شفافا، وراح يضغط به على أماكن النزف، وكأن لا شيء حدث. فلم أتمالك نفسي، وقمت من مكاني:
اشحال حقّك؟
عشرة آلاف..
أعطيته ما طلب وأنا في شدة الغيظ، وهو غير مبال تماما، وقبل أن أخرج قال لي:
يظهر لي شفتك في الجريدة.
وكدت أن أقول له "لن تشوف وجهي بعد اليوم..". وكان عزائي أن ذهبت إلى حتفي برجليّ، وماذا يفعل الميت في يد حلاق ليس من هذا العالم..
ما إن دخلت البيت حتى فزعت زوجتي، وكادت توقظ بنتيّ من نومهما وتريهما ما حلّ برأس ووجه أبيهما، ثم نصحتني بألا أسافر مع الوفد، لكنني قدّرت أن غيابي غير مقبول في مهمة ذات أبعاد إنسانية، ولا يمكن التعلل بما فعله بي حلاق من العصر الحجري..
وذهبت إلى المطار أخفي رأسي بين كتفي، وأتجنب لقاء ذوي الألسنة الطويلة، لكن بعضهم التفت إليّ بنظرات تخفي كثيرا من أسئلة الخبث.
في بغداد نسيت الحلاق وما فعله بي، لأن المهمة كانت أكبر من أن يغرق المرء في شكله وتقليعة شعره والنّدوب التي تركتها شفرة حلاقة ملعونة في خدّيه. وكان السؤال هل فعلا ينام صدّام على أسلحة دمار شامل فيحاصره الغرب من كل الجهات أم أنها لعبة لا تختلف عن حلاق سطاوالي الذي ينكّل بزبائنه في الخامسة صباحا..
مرت عشر سنوات على الحادثة، وذات مساء، التقيت بعض الأصدقاء في أحد مقاهي سطاوالي، ولم يكن لنا من حديث سوى من يكون مدربا لمنتخب الجزائر بعد رحيل رابح سعدان الذي قاده إلى مونديال جنوب إفريقيا 2010، غير أن أحدهم قال لنا "هل سمعتم بالذي حدث منذ يومين؟" وراح يروي لنا قصة "حلاّق قتل امرأته السابقة، بطريق درامية. فهذا الحلاق الذي تزوّج عن حبّ قبل عام، وبلغ به التعلق بامرأة أحلامه، أن راودته شكوك في أنّها تلعب من ورائه، وأنّها تخونه مع آخرين، ربّما هم من زبائنه، فرمى عليها الطلاق، وأغلق الباب في وجهها، دون أن يكون بحاجة إلى أن يسمع دفاعها عن نفسها. ورغم هذا، فالرجل، كان يقضي صباحه في محلّه، وعند المساء، يقترب من بيت زوجته السابقة، ينتظر لعلّها تطلّ عليه، وظلّ على هذه الحال، ستة أشهر، إلى أن استعاد وعيه، وتقدّم نحو أهلها طالبا يدها مرّة أخرى، ولم يمانعوا لمّا رأوا منها قبولا به، ونسيانا لما كان. فأخذها معه إلى أقرب محلّ للورود، وقال لها "عليك أن تنتقي من كلّ لون وردة". وراحت تختار ما يروقها لونه وعطره، ولمّا أنهت.. قالت له "هذا ما اخترت لعمرنا الثاني". فابتسم. ثم سحب من تحت سترته، خنجرا بطول ذراعه، وغرزه في بطنها، وهو يقول ّأهديتني الورد.. وأهديتك ما يطفئ ناري" وراحت تنزف.. بينما كان يصرخ بأعلى صوته "الآن يمكنني أن أبرد..".
تذكّرت حلاقي طيّب الذكر. وحين سألت عنه وجوها جديدة حلّت محلّه، قيل لي "لقد مات منذ عامين..".

Share this
 

لا شك أنك و منذ ذلك

لا شك أنك و منذ ذلك التاريخ(سنة2000) لم تنس اقتناء ما يلزمك من شفرات الحلاقة بما يكفي حاجتك إليها وزيادة...

rad

آه يا أستاذ ... كان عليك أن تسأل عن مثل هذه الأمور الأستاذ بن زرقة ... فهو يوميا أثناء تنقله بين مقر إقامته ومكان مزاولته لمهامه فهو يحمل محفظة و حقيبة لا تفارقانه أبدا . فالمحفظة لأدوات العمل من كتب ومجلدات ومحاظر. والحقيبة للأدوية وشفرات الحلاقة والعطور والحلوى أيضا معجون الأسنان والفرشات...... أضن أنه علينا رفع القبعة له فهو على طول المدى مدجج بأسلحة الطوارئ وكأنه فعلا كان ممن شاركو في حرب الهند والصين

طالع أيضا

احذر مزاج قائد الطائرة؟

تعرفت على عثمان أثناء وجودنا معا في فعاليات الأسبوع الثقافي الجزائري بدمشق في أفريل 1995 وهناك اكتشفت رجلا مختلفا تماما، جزائري الطباع، حلو المعشر، ذكي الملمح، فنان بما تحمله الكلمة من أبعاد..
عندما جلس القرفصاء كما يفعل التوراق في حياتهم، كانت والدته خديجاتا على يمينه.. أغمض عينيه ليرحل بعيدا في إيقاعاته، ويحلق مع روحه دون أن يأبه بمن حضر أو من صفق له وهو يؤدي رائعته "دمعة.. دمعة".. وكان أهل الشام، وهم من أكثر شعوب الأرض ذائقة ومعرفة لأسرار الغناء، مشدودين إليه كما لو أنه جاء من الكوكب.. الأزرق.
صفقوا كثيرا، وهو ما يزال يعيد ترنيمة أغنيته في إيقاع تواتري منخفض بينما تشد أصابعه على أوتار العود كما يشد المحارب عل مقبض سيفه.. ويرسل عثمان ابتسامة عريضة تعبر عن حالة انتصار الجمال والإبداع في حضرة الصحو الفني والألق الرائع..
منذ دمشق صرت على تواصل مستمر مع عثمان بالي فكنت ألتقي به كلما كانت هناك فعالية كبرى يكون أحد صناع الفرحة فيها.. غير أن وادي جانت صنع الفجيعة وكأنه لا يعرف أن الذي جرفته مياهه هو واحد من أعظم فناني هذا القرن..

هارون الذي ضاع منّي في الخرطوم..

أحيانا يشدك الحنين إلى أحداث عشتها أو أماكن زرتها أو أناس تعرفت عليهم، فتستعيد في كل مرة تلك الوقائع، ورحلتي إلى السودان في 2005 تعد من أجمل الذكريات التي تستدعي في كل مرة استحضارها، ورواية بعض فصولها للآخرين..
اعتقدت أول الأمر أنه يمكننا أن نجلس في أي مقعد شئنا، كما هو الحال في خطوطنا الجزائرية، لكنني رأيت مسافري الخطوط المصرية وهم يبحثون عن مقاعدهم حسب بطاقة السفر، فكان حظ الكاتب سعيد بن زرقة رفيقي في رحلة السودان مقعدا في الصفوف الأولى بينما رمى بي الحظ في مقعد على الجناح الأيسر من الطائرة وبجانبي جلس مواطن مصري بلباس شعبي، لم يتحدث طوال الرحلة، وفهمت منه أنه لا يرغب في ذلك بسبب منع التدخين، في حين أنه من فئة الذين يتسببون في تلويث الرئتين.. كان بين الفينة والأخرى يسألني "وصلنا الخرطوم؟" فأجيب "لم نصل بعد.." وقبل الوصول بحوالي نصف ساعة سلمت لنا استمارات الدخول فطلب مني أن أملأ استمارته، ورحت أسأله عن الجهة التي يقصدها فقال "وانا إيش اللي عرفني.. آهي شركة إسمنت وخلاص.. وما اعرفش فين مقرها".. كان اسمه عبد الفتاح والباقي لا أذكره..

سبعة أيام دون نوم..

صيف 1999 كان متميزا بالنسبة لي، ففيه قررت التوقف عن الترحال من أرض إلى أخرى، والبقاء في البيت. هكذا قررت بالاتفاق ديمقراطيا مع أفراد العائلة.. ولكن "تسونامي" من الدعوات وصلني في يومين أو ثلاثة أيام، أما الدعوة الأولي فمن مهرجان المتوسط بإيطاليا، والثانية من الملتقى العربي والإسلامي الثوري ببيروت، ودعوة من مهرجان المحبة باللاذقية (سوريا) ودعوة من مهرجان صيادة الثقافي بتونس ودعوة أخيرة من مهرجان جرش بالأردن، في أقل من عشرة أيام، وكل مواعيدها متقاربة، ويصعب ضمان الإيفاء بها، ولو كان صاحبها ذا بساط سحري، لكنني توكلت على الله وقلت لزوجتي سأنكث عهدي هذه المرة، وأجيب بالإيجاب على كل الدعوات.. فقالت لي "إذا فعلتها فأنت السندباد". وسأريكم ما لا يفعله السندباد".
 دعوة إيطاليا وصلتني من جينو لوكابوتو مدير مهرجان البحر الأبيض المتوسط بمدينة بتشيلية الإيطالية الذي أصرّ على حضوري بهدف تكريمي بصفتي شاعرا تشغله قضايا الإنسان، أو هكذا قرأ في نصوصي التي ترجمت إلى الإيطالية.
هذه الرحلة دونتها أكثر من مرة لأنها، وردت إليّ من رجل مناضل من أجل القضية الفلسطينية، وأقام لأجلها مهرجانا فنيا وأدبيا، ودفع بلديته إلى تمويل ذلك رغم أنف المناوئين لهذا الخط السياسي الواقف مع قضية ليس من اليسير المجاهرة بالوقوف معها، لأن ذلك يعد سباحة ضد التيار..

شاعر يضحك على أمن المطار..

 أكثر الناس "رفضا" لأحقية نجيب محفوظ بجائزة نوبل  للآداب كان الدكتور يوسف إدريس الذي أعلنها صراحة أمام الملأ: " أنا أولى منه.." وتساءل الناس عن السبب الذي جعل سيد القصة العربية يخرج عن وقاره ولا يكظم  غيظه، وبدل أن يفرح الناس لفوز محفوظ  صاروا يطاردون إدريس وهكذا استطاع صاحب "الفرافير" و"النداهة" و"جمهورية فرحات" أن يقتسم الحدث  مع "سي السيد ".
كنت مدعوا إلى حضور المربد الشعري ببغداد في نهاية حرب الخليج الأولى 1988               مع وفد من شعراء وكتاب جزائريين، من بينهم أبو القاسم خمار وعياش يحياوي وعبد العالي رزاقي وبلقاسم بن عبد الله..  وكانت رحلتنا (الجزائر- باريس- بغداد) ذهابا وإيابا.. وفي عاصمة الرشيد المنتشية بانتصار ثمنه مليون قتيل، كان أبرز المدعوين الدكتور يوسف إدريس الذي منح جائزة صدام مناصفة مع جبرا إبراهيم جبرا، واعتبرها الإعلام آنذاك تعويضا له عن خسارة نوبل.

كيف تنبت لحية في خمسة أيام؟

ليت ابن بطوطة يطل عليّ من قبره فأروي له رحلاتي بين مطارات العالم فينسى حينها أنه حين بدأ رحلته على دابة شهباء من طنجة ليصل بعد سنوات طويلة إلى بلاد الهند والسند لم يشهد من المتاعب ما عشته في رحلة دامت خمسة أيام فقط.. وليت ماجلان وأحمد بن ماجد وفاسكو دي غاما يسمعون مني حكايتي التي أرويها فلا يتباهون أمام التاريخ بأنهم فعلوا ما عجز عن فعله غيرهم..

لست السندباد..

لم يكن همّي عندما وصلت الصين زيارة ضريح ماو تسي تونغ ولا ساحة تان آن مين، ولكن حرصت على الوصول إلى سورها العظيم، وما إن بلغت المكان، نظرت إلى السّماء وأنا أقول "يا ألله أنا في المكان الذي يُرى من القمر" ثم سألت مرافقي ماذا تعني هذه اللافتة المكتوبة بخط اليد. قال لي "من وصل هذا المكان فهو بطل".. يبدو أنني كذلك.
وعندما زرت هانوي عاصمة فييتنام، اندهشت للبيت الذي ظل يقيم به القائد هو شي منه، لكن الذي شدّني أكثر هو ذلك الجزائري الذي فتح مطعما له يقدم وجبات مغاربية وعربية لشعب تربّى على الأرز ولا يعرف كيف يؤكل الكسكسي، وعندما سألته كيف جاءته فكرة اختيار هذه البلاد قال "سل زوجتي سليلة الجنرال جياب.." ففهمت..
أما عندما زرت شيراز الإيرانية فإنني لم أزر أكثر من مقام الشاعر الحكيم حافظ الشيرازي، وهو تحفة معمارية تليق بشاعر متفرد. وفي زوايا الضريح كتبت بخط بديع مقاطع من قصائده الخالدة "بستان" و"غولستان".. وقبل أن أغادر المكان اقتنيت أعماله الخالدة. أما في طهران فلم أنس ذلك الرجل المسنّ الذي ما إن عرف أنني جزائري حتى جاء يقبلني ويحضنني ويقول لي "إنني أشم فيك رائحة الثورة التي سجنت لأجلها سبع عشرة مرة. إنني واحد من أبنائها." كان اسمه مصطفى رَهْنَمَا..
وفي اسطنبول مخرت بنا السفينة نحو جزر الأميرات، وهناك سمعت من دليلنا السياحي أن هذه الجزر كانت في فترة سابقة منفى لمناوئي السلطان، ولا يأتي إليها إلا المغضوب عليهم.. واليوم لا يزورها إلا من أوتيَ جيبا ملآن وبطنا شبعانا.. ولا أحسبني منهما.. إنما أحببت أن أكتشف هذا المكان الذي تمنع فيه مركبات البنزين ولا ترى فيه إلاّ الحناطير تتحرك بحرية في دروب وعرة وملتوية.. إنما على الأطراف تنتشر القصور والفيلات التي ينعم أصحابها بمنفى.. مستحبّ.