كيف تنبت لحية في خمسة أيام؟

ليت ابن بطوطة يطل عليّ من قبره فأروي له رحلاتي بين مطارات العالم فينسى حينها أنه حين بدأ رحلته على دابة شهباء من طنجة ليصل بعد سنوات طويلة إلى بلاد الهند والسند لم يشهد من المتاعب ما عشته في رحلة دامت خمسة أيام فقط.. وليت ماجلان وأحمد بن ماجد وفاسكو دي غاما يسمعون مني حكايتي التي أرويها فلا يتباهون أمام التاريخ بأنهم فعلوا ما عجز عن فعله غيرهم..

القصة وما فيها أنني دعيت لمؤتمر في الكويت في يناير 2004، ولست مضطرا إلى ذكر اسمه، وتاريخه، ولا حتى اسم شركة الطيران التي تكفلت بنقلي من الجزائر إلى الكويت، لأن واجب التحفظ يفرض علي قدرا من السرية إلى أن تمرّ خمسون سنة ويصبح من حق الآخرين معرفة كل شيء..فاصبروا عليّ حتّى 2050 إن شاء الله وأمدّ في أعماركم وعمري..

أقلعت الطائرة متأخرة بساعتين عن موعدها، وهو أمر عادي، لأنني سمعت مرة ديبلوماسيا سويسريا يقول لي "عيبكم أنكم، أنتم العرب، تمتلكون أفضل الساعات بينما نملك نحن الوقت ونتعامل معه بدقة الساعات السويسرية".. وبعد ثلاث ساعات وزيادة وصلنا اسطنبول، وما إن دخلتُ المطار حتى أسرعتُ جريا في أروقته الطويلة جدّا لعلي ألحق بالطائرة المتجهة نحو الكويت، ورغم أنني ما زلت أحتفظ بشيء من اللياقة البدنية، وربما لدي بعض ملامح عويطة أو مرسلي، كنت أجري والناس من حولي يتفرجون بإعجاب، لا ينقصهم سوى التصفيق، مدركين أنني أسعى للحاق بطائرة ما.. وما أن وصلت الباب الذي يقود إلى الرواق الموصول بالطائرة حتى انغلق في وجهي بصورة أشبه بما نشاهده في الأفلام الفرنسية الرديئة، وصرتُ ألوّح بيدي لعلهم يسعفون مسافرا هزمه الوقت، لكنهم لم يهتموا بي، إذ أنّ أمثالي كثيرون وهم يواجهون حالات كهذه كل ساعة.. وعدتُ خائبا إلى قاعة الرّكاب، ووضعتُ نفسي بين أيدي شركة الطيران التي كانت سببا في وصولي متأخرًا.. فقالوا لي لا تقلق، يمكننا أن نجد لك حلا.. تلك وظيفتنا، وما عليك إلا أن تقضي الليلة في فندق من خمسة نجوم والصباح رباح (..) كما يقولون في المسلسلات المملّة. وانتبهتُ إلى أنّ واحدا من بني جلدتي كان في مثل حالي يقول لي "أنا أيضا ذاهبٌ إلى الكويت لزيارة أختي هناك.." وكان صاحبنا ذا لحية وقميص رمادي، يسألني كل ساعة إن أذن للمغرب أو العشاء.. باختصار كانت أعصابه باردة تماما، ولكنه كان يقطر طيبة. وظل ملتصقا بي كظلي..

ولأنه لم يسبق لي أن زرتُ اسطنبول المدينة العتيقة، فقد حفيتْ أقدامي مشيا بين شوارعها وأسواقها التي تنبعث منها عطور الشرق.. وأرسلتُ للمؤتمرين في الكويت برقية مفادها أنني محتجز في اسطنبول بسبب عدم الوصول في الوقت وأنني في الباب العالي، بين أياد تركيّة أمينة.. وعند الصباح عدتُ إلى المطار وانتظرتُ القرار، ومعي ذو اللحية الهادئ، فجاءني موظف بالطيران المعني واقترح عليّ إما الذهاب إلى بيروت وقضاء ليلة هناك وفي اليوم الموالي يمكنني الذهاب إلى الكويت أو الذهاب إلى روما وفي آخر الليل توجد رحلة إلى الكويت، فاخترت روما، لا أدري لماذا ولكنني منّيتُ نفسي بأن تحل المشكلة من مطار أوروبي.. وأقلعت بنا الطائرة في أجواء غير طبيعية بسبب تقلبات الطقس، ولم أفلح في قراءة شيء أو كتابة شيء فتلك عادتي أثناء السفر لأنني كنت قلقا من الرحلة، ولما بدت روما من بعيد تنفستُ الصعداء وقلت الحمد لله يمكنني الآن أن أستعيد بعضا من توازني بعد رحلة لم يكفِ معها شد الحزام ولا انتظار إعلان ارتداء طوق النجاة كما يخبرنا بذلك في مستهل كل رحلة المضيفون والمضيفات(..) وفجأة سمعنا صوت قائد الطائرة بلسان إنكليزي يقول لنا ببرودة أعصاب "يؤسفنا أن نخبركم بأنه لا يمكننا الهبوط بمطار روما لحدوث شجار بين حاملي الحقائب على أرض المطار.. والحل هو الذهاب إلى ميلانو..". قلت لصاحبي ذي اللحية "كنتُ أعتقد أن الشجار يكون في ملاعب ميلانو وروما ولكنه انتقل هذه المرة إلى مدارج الطائرات.." وتوجهت الطائرة شمالا نحو ميلانو، وحسبتُ أن الأمر لن يدوم أكثر من ساعتين أو ثلاث. لكن المسألة تبين أنها ستطول، وعلى شركة الطيران أن تبحث لي ولذي اللحية الهادئ جدّا عن خط آخر للذهاب إلى الكويت، وبالتّالي علي أن أقضي الليلة في مطار ميلانو لأنني لا أحوز تأشيرة دخول.. فأمضيت الليلة جيئة وذهابا وليس هناك من يردّ على سؤالي إذ اختفى الجميع إلا من هم في وضعي، وحين تحسستُ وجهي وجدت الشعر "مشروع" لحية.. وأرسلت كالعادة إلى منظمي المؤتمر، من مكتب شركة الطيران، برقية أفيدهم بوجودي في ميلانو، وأجزمُ أنهم قالوا فيما بينهم "يبدو أن حنينه للجلد المنفوخ أوصله إلى تلك المدينة".. وفي اليوم الثالث تقدمتُ إلى مكتب الطيران المعنيّ وأخبرتهم بوضعي مستعينا بما في جعبتي من كلمات فرنسية وإنكليزية مبعثرة إلى أن فهموا وضعي بصعوبة بالغة أنني بسبب تأخر الرحلة ساعتين صرت تائها بين المطارات، وكبُر مشروع اللحية، ولم يفارقني صاحبي الهادئ ذو اللحية، فاقترحوا عليّ الذهاب إلى جنيف حيث يوجد خط مباشر إلى الكويت ينهي متاعبي، فانفرجت سريرتي وقلت الحمد لله فرجت.. ولم يتغير الطقس حيث مرت الرحلة وكأننا أبطال أحد أفلام الرعب، إلى أن وصلنا جنيف، بينما كان صاحبي الهادئ تمامًا يسألني إن أذّن لصلاة الظهر، وأنا أتحسس شعر لحيتي (..) لا أقوى على الردّ. وتبين بعد أن اقتربنا من شركة الطيران أن الرحلة ملغاة ولا حل سوى الذهاب إلى وجهة أخرى، فقلت لمن اعتقدتُ أنهم الأيادي الأمينة "أفضل حلّ هو أن تعيدوني إلى الجزائر لأن أشغال المؤتمر في الكويت انطلقت، أو قاربت على نهايتها، ولا جدوى من الذهاب"، ولأن ذا اللحية الهادئ غير قلق مما نحن فيه، ويكتفي لطيبته بالسؤال عن مواعيد الصلاة وأنا أسأل عن مواعيد الإقلاع. التقيت باحثا جزائريا في علم الزلازل أقنعني بأن الحل لا يمكن أن يكون إلا في فرانكفورت فهو من أكبر المطارات التي تؤمن رحلات إلى كل العالم، فأخذتُ بالنصيحة وتوكلت على الله وقلت ما لم ينفع مع الرومان ربما يأتي مع الألمان..

أقلعت بنا الطائرة نحو فرانكفورت في موعدها، لأن رجال الأعمال الذين يُودِعُون أموالهم في بنوك سويسرا لا يعجبهم عدم احترام المواعيد. وما إن وصلنا مطار فرانكفورت حتى أسرعتُ كعادتي جريا في أروقته الطويلة جدا، قاصدا مكتب الطيران الذي ائتمنتُ نفسي عليه ولم يفرط فيّ قيد أنملة وصار ينقلني من مطار إلى آخر دون أن يطلب مني شيئا إضافيا سوى مزيد من الصبر.. فأنا من سلالة أيوب. وكانت لحيتي تزداد طولا، وصاحبي ذو اللحية الهادئ جدّا يسألني عن موعد صلاة العصر، وتنفرج سريرته عندما يرى ملامح وجهي قد اقتربت منه..

قال لي المسؤول على المكتب، أنت محظوظ لأن لدينا رحلة في حدود العاشرة ليلا إلى القاهرة ومنها، في آخر المساء من اليوم الموالي، تذهب إلى الكويت.. فقلت في نفسي كما تقول أمي دائما "وماذا يفعل الميت في يد غسّاله" ورحتُ أتنقل بين كراسي المطار ومقاهيه وأرمي أثقال التعب، وكدتُ من قلقي أن أتعلم لغة الجرمان وهي من أعقد لغات أوروبّا. وأرسلتُ إلى منظمي المؤتمر كعادتي برقية أفيدهم فيها أنني في ألمانيا، وكنتُ أعرف أنّ أشغال المؤتمر بلغت يومها الأخير لتلاوة اللوائح الختامية والتوصيات.. وأذكر أنّ هاتفي المحمول رنّ فأخبرني صحفي من التلفزيون أن الأديب الجزائري الكبير أبو العيد دودو انتقل إلى رحمة الله.. وطلبَ مني كلمة حول الفقيد في نشرة الأخبار" ولكم أن تتصوروا المشهد وأنا أغلق على نفسي الباب في دورة المياه (..) ليصل الصوت إلى التلفزيون خاليا من نداءات الوصول والذهاب التي يملأ صداها أرجاء المطار..

وعندما أخبرت صاحبي ذا اللحية الهادئ جدّا بما واجهته قال لي "أحيانا يفسد عليّ صدى تلك الأصوات صلاتي..". وأقلعت بنا الطائرة نحو القاهرة حيث وصلتْ في منتصف الليل، وكنت سعيدا جدا لأنني وصلتُ أرضا يفهمني أهلها وأفهمهم.. لكنني فوجئت أنّ تأشيرة دخولي مصر انتهت صلاحيتها في اليوم نفسه ولا مجال لزيارة خان الخليلي ولا ميدان التحرير وعليّ أن أقضي اليوم كله في قاعة الانتظار مع كثير من الصبر..وأنا من سلالة أيوب كما قلت لكم.

تحسستُ وجهي فوجدتُ لحية مكتملة، وصاحبي الهادئ جدا ينظر إلي سعيدا برفيق رحلته، فسحبتُ عشرين دولارا وأعطيتها لأحد الأعوان في مطار القاهرة وطلبت منه أن يجيئني بشفرة حلاقة، فرد عليّ بلطف "دقيقة يا بيه..ّ" وذاب كفص ملح في وادي النيل.. خرج ولم يعد.

لم أعد أملك أعصابا، فصرت أنصح غيري بالصبر عندما يقلقون، فقرأت كل ما عثرت عليه من صحف ميتة، وفصلا من رواية رتيبة، وديوان شعر ممل، وتبادلتُ الحديث مع عشرين مسافرا مثلي، ورويتُ لكل الناس حكايتي ولم يحن موعد السفر إلى الكويت، وكأن عقرب الساعة يمعن في تعذيبي، إلى أن حان الوقت، وشعرت حينها أنني أشبه بعائد من حرب.. أما صاحبي ذو اللحية الهادئ جدّا فقد ارتاح لأنه وجد من يقاسمه صلاة المغرب والعشاء.. ليتقبّل الله.

 حين ركبتُ الطائرة قالت لي المضيفة "كأنك لم تنم"، فقلت لها "هذه اللحية نبتت في مطارات الجزائر واسطنبول وميلانو وجنيف وفرانكفورت والقاهرة.. فهي لحية متعددة المطارات". ونمتُ طول الرحلة.. إلى أن أيقظتني مضيفة أخرى وهي تقول لي "لقد وصلت بحمد الله" فقلت لها "بعد أن انفضّ المؤتمر على بركة الله".

وحين نزلتُ من الطائرة، كنت أشاهد من وراء الزجاج بعض المؤتمرين وهم يغادرون الكويت.. بينما كنتُ أسأل عن واحد من منظمي المؤتمر ليوصلني إلى الفندق على الواحدة.. صباحا لأنام قليلا.. أما صاحبي الهادئ جدّا فقد ودّعني وهو يقول لي "لم يبق عن صلاة الفجر سوى ساعة.. أصلي وأنام".

Share this
 

في حياتي لم أر لعز الدين ميهوبي لحية

في حياتي لم أر لعز الدين ميهوبي لحية، لانه كثير الإعتناء بهندامه والذي عادة ما يكون من البذلات عالية الجودة، أما أمر اللحية فرغم زعمي أني كنت كثير التردد عليه، إلا أنني لم أتصوره أبدا بلحية..ّإنه حقيقة مشهد كاريكاتوري.. ومن خلاله أقرأ الإصرار لدى هذا الرجل في تجاوز كل العقبات.. هنيئا للحية بك سي عز الدين.. ومحبتي

طالع أيضا

احذر مزاج قائد الطائرة؟

تعرفت على عثمان أثناء وجودنا معا في فعاليات الأسبوع الثقافي الجزائري بدمشق في أفريل 1995 وهناك اكتشفت رجلا مختلفا تماما، جزائري الطباع، حلو المعشر، ذكي الملمح، فنان بما تحمله الكلمة من أبعاد..
عندما جلس القرفصاء كما يفعل التوراق في حياتهم، كانت والدته خديجاتا على يمينه.. أغمض عينيه ليرحل بعيدا في إيقاعاته، ويحلق مع روحه دون أن يأبه بمن حضر أو من صفق له وهو يؤدي رائعته "دمعة.. دمعة".. وكان أهل الشام، وهم من أكثر شعوب الأرض ذائقة ومعرفة لأسرار الغناء، مشدودين إليه كما لو أنه جاء من الكوكب.. الأزرق.
صفقوا كثيرا، وهو ما يزال يعيد ترنيمة أغنيته في إيقاع تواتري منخفض بينما تشد أصابعه على أوتار العود كما يشد المحارب عل مقبض سيفه.. ويرسل عثمان ابتسامة عريضة تعبر عن حالة انتصار الجمال والإبداع في حضرة الصحو الفني والألق الرائع..
منذ دمشق صرت على تواصل مستمر مع عثمان بالي فكنت ألتقي به كلما كانت هناك فعالية كبرى يكون أحد صناع الفرحة فيها.. غير أن وادي جانت صنع الفجيعة وكأنه لا يعرف أن الذي جرفته مياهه هو واحد من أعظم فناني هذا القرن..

هارون الذي ضاع منّي في الخرطوم..

أحيانا يشدك الحنين إلى أحداث عشتها أو أماكن زرتها أو أناس تعرفت عليهم، فتستعيد في كل مرة تلك الوقائع، ورحلتي إلى السودان في 2005 تعد من أجمل الذكريات التي تستدعي في كل مرة استحضارها، ورواية بعض فصولها للآخرين..
اعتقدت أول الأمر أنه يمكننا أن نجلس في أي مقعد شئنا، كما هو الحال في خطوطنا الجزائرية، لكنني رأيت مسافري الخطوط المصرية وهم يبحثون عن مقاعدهم حسب بطاقة السفر، فكان حظ الكاتب سعيد بن زرقة رفيقي في رحلة السودان مقعدا في الصفوف الأولى بينما رمى بي الحظ في مقعد على الجناح الأيسر من الطائرة وبجانبي جلس مواطن مصري بلباس شعبي، لم يتحدث طوال الرحلة، وفهمت منه أنه لا يرغب في ذلك بسبب منع التدخين، في حين أنه من فئة الذين يتسببون في تلويث الرئتين.. كان بين الفينة والأخرى يسألني "وصلنا الخرطوم؟" فأجيب "لم نصل بعد.." وقبل الوصول بحوالي نصف ساعة سلمت لنا استمارات الدخول فطلب مني أن أملأ استمارته، ورحت أسأله عن الجهة التي يقصدها فقال "وانا إيش اللي عرفني.. آهي شركة إسمنت وخلاص.. وما اعرفش فين مقرها".. كان اسمه عبد الفتاح والباقي لا أذكره..

سبعة أيام دون نوم..

صيف 1999 كان متميزا بالنسبة لي، ففيه قررت التوقف عن الترحال من أرض إلى أخرى، والبقاء في البيت. هكذا قررت بالاتفاق ديمقراطيا مع أفراد العائلة.. ولكن "تسونامي" من الدعوات وصلني في يومين أو ثلاثة أيام، أما الدعوة الأولي فمن مهرجان المتوسط بإيطاليا، والثانية من الملتقى العربي والإسلامي الثوري ببيروت، ودعوة من مهرجان المحبة باللاذقية (سوريا) ودعوة من مهرجان صيادة الثقافي بتونس ودعوة أخيرة من مهرجان جرش بالأردن، في أقل من عشرة أيام، وكل مواعيدها متقاربة، ويصعب ضمان الإيفاء بها، ولو كان صاحبها ذا بساط سحري، لكنني توكلت على الله وقلت لزوجتي سأنكث عهدي هذه المرة، وأجيب بالإيجاب على كل الدعوات.. فقالت لي "إذا فعلتها فأنت السندباد". وسأريكم ما لا يفعله السندباد".
 دعوة إيطاليا وصلتني من جينو لوكابوتو مدير مهرجان البحر الأبيض المتوسط بمدينة بتشيلية الإيطالية الذي أصرّ على حضوري بهدف تكريمي بصفتي شاعرا تشغله قضايا الإنسان، أو هكذا قرأ في نصوصي التي ترجمت إلى الإيطالية.
هذه الرحلة دونتها أكثر من مرة لأنها، وردت إليّ من رجل مناضل من أجل القضية الفلسطينية، وأقام لأجلها مهرجانا فنيا وأدبيا، ودفع بلديته إلى تمويل ذلك رغم أنف المناوئين لهذا الخط السياسي الواقف مع قضية ليس من اليسير المجاهرة بالوقوف معها، لأن ذلك يعد سباحة ضد التيار..

شاعر يضحك على أمن المطار..

 أكثر الناس "رفضا" لأحقية نجيب محفوظ بجائزة نوبل  للآداب كان الدكتور يوسف إدريس الذي أعلنها صراحة أمام الملأ: " أنا أولى منه.." وتساءل الناس عن السبب الذي جعل سيد القصة العربية يخرج عن وقاره ولا يكظم  غيظه، وبدل أن يفرح الناس لفوز محفوظ  صاروا يطاردون إدريس وهكذا استطاع صاحب "الفرافير" و"النداهة" و"جمهورية فرحات" أن يقتسم الحدث  مع "سي السيد ".
كنت مدعوا إلى حضور المربد الشعري ببغداد في نهاية حرب الخليج الأولى 1988               مع وفد من شعراء وكتاب جزائريين، من بينهم أبو القاسم خمار وعياش يحياوي وعبد العالي رزاقي وبلقاسم بن عبد الله..  وكانت رحلتنا (الجزائر- باريس- بغداد) ذهابا وإيابا.. وفي عاصمة الرشيد المنتشية بانتصار ثمنه مليون قتيل، كان أبرز المدعوين الدكتور يوسف إدريس الذي منح جائزة صدام مناصفة مع جبرا إبراهيم جبرا، واعتبرها الإعلام آنذاك تعويضا له عن خسارة نوبل.

لا تصدق حلاق الخامسة صباحا..

ترددت في كتابة ما تقرؤونه، لكنني رأيت ألا أحرمكم من مقاسمتي شيئا من الذكرى الطريفة التي كثيرا ما رويتها لأصدقائي.
كان ذلك في مطلع العام 2000 حين تقرر كسر الحصار المضروب على العراق منذ حرب الخليج الثانية، فقد أقدمت بلدان عربية كثيرة على إرسال طائرات مدنية إلى بغداد تضم فعاليات من المجتمع المدني (برلمانيون، كتاب ونقابيون وإعلاميون..) كخطوة جريئة لإحراج المجتمع الدولي ودفعه إلى اتخاذ موقف مما يحدث..
ولم تكن الجزائر خارج هذا الموقف، وبادرت فعاليات كثيرة من مجاهدين وبرلمانيين ونقابيين واتحادات مهنية وكتاب وإعلاميين إلى تحديد موعد للذهاب إلى بغداد، وهكذا اتصل بي منسقو المبادرة وطلبوا مني الحضور على الثامنة صباحا بمطار هواري بومدين الدولي، وألحوا في ألا أتأخر عن الموعد.
أخبرت زوجتي، فقالت لي كعادتها "ومن يضمن وصول الطائرة إلى بغداد والعراق يحاصره الأمريكان وحلفاؤهم؟" قلت لها بلغة الفلاح الجزائري "الضّامن ربي.."، ورحت أبحث في دفاتري القديمة عن عناوين وأرقام هواتف أصدقائي في بغداد، من كتاب وإعلاميين ورياضيين، فهي فرصة لألتقيهم عن قرب.
ولأن الرحلة لن تدوم أكثر من أربع وعشرين ساعة، فليس هناك ما يحمله المسافر من متاع، وأفقت على الرابعة صباحا، فقد اعتدت على خداع عقارب الساعة لي.. وكعادتها قامت الزوجة بما تقوم به سيدة بيت تجاه زوجها المسافر، فأعدت القهوة، واطمأنت على أن كل شيء على ما يرام.. لكنها سمعت صوتي من الحمام "أين شفرات الحلاقة؟" فردت "لا أدري..". وحاولت عبثا العثور على ما يمكنني من حلق شعر وجهي، ولو شفرة مستعملة، ولكن دون جدوى.

لست السندباد..

لم يكن همّي عندما وصلت الصين زيارة ضريح ماو تسي تونغ ولا ساحة تان آن مين، ولكن حرصت على الوصول إلى سورها العظيم، وما إن بلغت المكان، نظرت إلى السّماء وأنا أقول "يا ألله أنا في المكان الذي يُرى من القمر" ثم سألت مرافقي ماذا تعني هذه اللافتة المكتوبة بخط اليد. قال لي "من وصل هذا المكان فهو بطل".. يبدو أنني كذلك.
وعندما زرت هانوي عاصمة فييتنام، اندهشت للبيت الذي ظل يقيم به القائد هو شي منه، لكن الذي شدّني أكثر هو ذلك الجزائري الذي فتح مطعما له يقدم وجبات مغاربية وعربية لشعب تربّى على الأرز ولا يعرف كيف يؤكل الكسكسي، وعندما سألته كيف جاءته فكرة اختيار هذه البلاد قال "سل زوجتي سليلة الجنرال جياب.." ففهمت..
أما عندما زرت شيراز الإيرانية فإنني لم أزر أكثر من مقام الشاعر الحكيم حافظ الشيرازي، وهو تحفة معمارية تليق بشاعر متفرد. وفي زوايا الضريح كتبت بخط بديع مقاطع من قصائده الخالدة "بستان" و"غولستان".. وقبل أن أغادر المكان اقتنيت أعماله الخالدة. أما في طهران فلم أنس ذلك الرجل المسنّ الذي ما إن عرف أنني جزائري حتى جاء يقبلني ويحضنني ويقول لي "إنني أشم فيك رائحة الثورة التي سجنت لأجلها سبع عشرة مرة. إنني واحد من أبنائها." كان اسمه مصطفى رَهْنَمَا..
وفي اسطنبول مخرت بنا السفينة نحو جزر الأميرات، وهناك سمعت من دليلنا السياحي أن هذه الجزر كانت في فترة سابقة منفى لمناوئي السلطان، ولا يأتي إليها إلا المغضوب عليهم.. واليوم لا يزورها إلا من أوتيَ جيبا ملآن وبطنا شبعانا.. ولا أحسبني منهما.. إنما أحببت أن أكتشف هذا المكان الذي تمنع فيه مركبات البنزين ولا ترى فيه إلاّ الحناطير تتحرك بحرية في دروب وعرة وملتوية.. إنما على الأطراف تنتشر القصور والفيلات التي ينعم أصحابها بمنفى.. مستحبّ.