سبعة أيام دون نوم..

صيف 1999 كان متميزا بالنسبة لي، ففيه قررت التوقف عن الترحال من أرض إلى أخرى، والبقاء في البيت. هكذا قررت بالاتفاق ديمقراطيا مع أفراد العائلة.. ولكن "تسونامي" من الدعوات وصلني في يومين أو ثلاثة أيام، أما الدعوة الأولي فمن مهرجان المتوسط بإيطاليا، والثانية من الملتقى العربي والإسلامي الثوري ببيروت، ودعوة من مهرجان المحبة باللاذقية (سوريا) ودعوة من مهرجان صيادة الثقافي بتونس ودعوة أخيرة من مهرجان جرش بالأردن، في أقل من عشرة أيام، وكل مواعيدها متقاربة، ويصعب ضمان الإيفاء بها، ولو كان صاحبها ذا بساط سحري، لكنني توكلت على الله وقلت لزوجتي سأنكث عهدي هذه المرة، وأجيب بالإيجاب على كل الدعوات.. فقالت لي "إذا فعلتها فأنت السندباد". وسأريكم ما لا يفعله السندباد".
 دعوة إيطاليا وصلتني من جينو لوكابوتو مدير مهرجان البحر الأبيض المتوسط بمدينة بتشيلية الإيطالية الذي أصرّ على حضوري بهدف تكريمي بصفتي شاعرا تشغله قضايا الإنسان، أو هكذا قرأ في نصوصي التي ترجمت إلى الإيطالية.
هذه الرحلة دونتها أكثر من مرة لأنها، وردت إليّ من رجل مناضل من أجل القضية الفلسطينية، وأقام لأجلها مهرجانا فنيا وأدبيا، ودفع بلديته إلى تمويل ذلك رغم أنف المناوئين لهذا الخط السياسي الواقف مع قضية ليس من اليسير المجاهرة بالوقوف معها، لأن ذلك يعد سباحة ضد التيار..

وحتى أبدي كثيرا من الدعم لهذا الرجل، تكفلت بتذكرة سفري من الجزائر إلى روما، واتفقت مع زوجتي على ألا تخبر أحدا بذلك حتى أرتاح قليلا.
أحضرت في البداية خارطة جغرافية مفصلة لإيطاليا ورحت أبحث عن مدينة بتشيلية الصغيرة وبعد ساعتين من البحث والتدقيق اكتشفت أنها تطل على بحر الأدرياتيك ولا تبعد عن مدينة باري بأكثر من 20 أو 30 كيلومترا.. وفي اليوم الموالي اتصلت بمدير المهرجان السيد جينو لوكابوتو الذي كان يعرف كلمتين بالعربية وثلاث كلمات بالفرنسية وجملة كاملة بالإنكليزية وكثيرا من الإيطالية التي لا أعرف منها سوى "تشاو".. وسألته عن طبيعة المهرجان ومدته والمدعوين إليه، فأفادني بأنه ذو طابع ثقافي، تلقى فيه القصائد وتقدم فيه العروض الفنية الراقصة..
عند وصولي مطار ليوناردو دي فنشي سألت عن الخطوط الداخلية، فدلّوني على الجناح وانتظرت إقلاع طائرة باري على التاسعة ليلا، فالمسافة عن روما لا تقل عن 500 كلم. حين وصلت باري كان المطار متواضعا جدا، ولم يكن صعبا عليّ التعرف على أحد منظمي المهرجان الذي كان في انتظاري، فقد حمل لافتة صغيرة كتب عليها اسمي الذي بدا لبعضهم أنه قريب من النطق الإيطالي.
انتقلت، في سيارة مرسيديس مع الشاب الأنيق الذي لا يتحدث سوى الإيطالية لكنه كان يبذل جهدا كبيرا ليشرح لي ما يريد أن يريني إياه من معالم وآثار خلال المسافة بين باري وبتشيلية، إلى أن وصلنا إلى فندق المدينة، الصغير مبنًى الكبير حركة وحضورا.. وهناك تعرفت أول مرة إلى جينو لوكابوتو الذي قال لي بالعربية "السلام عليكم.. أهلا وسهلا" وجينو هذا رجل آتاه الله بسطة في الجسم وحلاوة في اللسان وحبا كبيرا للعرب.. واكتشفت عن قرب أن هذا المهرجان هو نصير للقضايا العربية وخاصة فلسطين.. إذ إن من بين المشاركين يوجد عدد من الفرق الفنية الأردنية والفلسطينية، وجمع من الشعراء العرب القادمين من اليمن ومصر والمغرب وفلسطين وسوريا إلى جانب شعراء من إيطاليا..
قال لي جينو "أنا كاتب مسرح وشاعر ومدافع عن فلسطين" فقلت له أنا "شيء منك.." واختار لي مرافقة مختصة في علم الآثار تتحدث الفرنسية فصار الأمر سهلا علي في تبليغ ما أريد وفهم ما يريدونه..
وأفتح قوسا هنا لأشير إلى أنني التقيت في العام 2004 بعمان (الأردن) جينو في فندق القدس، وما إن لمحني حتى أسرع نحوي وراح يشدني إليه في سعادة بالغة وهو يقول لي "أين أنت. عزالدين. أين اختفيت؟" وتبادلت معه قليلا من الحديث، وعرفت أنه اعتنق الإسلام وتزوّج صبيّة فلسطينية، وصار يضع الكوفية في كل مكان متحديا الهكسوس والرومان..
أول فعالية دُعيت إليها كانت أمسية شعرية تحت سقف كنيسة (..) وهو ما لم أفهمه أول الأمر لكن المرافقة لي قالت لي "إن كل القراءات الشعرية والمحاضرات التي تتم في بتشيلية يحتضنها هذا المكان لأن الناس يفضلونه عن غيره لاعتبارات روحية أولاً ولعدم وجود فضاءات واسعة تسمح بذلك.." واحتسبت أمري إلى الله وقلت مادام الأمر كذلك فليقرأ عزالدين في كنيسة ولتعلق الذنوب في رقبة جينو لوكابوتو..
صعد شاب مغربي وقدمني إلى جانب الشاعر عبد الله رضوان ثم تلته فتاة إيطالية وقدمتنا بالإيطالية.. وفسح المجال لي ولرضوان لقراءة نصوصنا الشعرية المترجمة إلى الإيطالية.. وقد لاحظت أن الإيطاليين مشدودون إلى ما نقرأ وكأنهم من عرب اليمن أو الشام (..) ويتابعون نبرات الصوت وكأنهم يستمتعون بأوبرا عايدة أو إحدى ملاحم الإغريق القديمة..
وما أذكره أن مرافقتي الإيطالية وهي تقرأ أمام الحاضرين قصيدة قصيرة لي نصها كالتالي:
واحد
     خمسه
             عشره
مائة
       مائتان
            مئات
              هنا وردة
                 وهنا مقبره
راحت تبكي، فبكى معها الحاضرون، لأنني كنت قبل هذا أحدثها عن الجزائر في تلك السنوات وكيف أن الإرهاب كان يحصد يوميا أرواح المئات من الناس الذين لا ذنب لهم إلا لأنهم يكرهون السياسة التي تقتلهم.. فصرت كلما أقرأ نصا يبكي الحاضرون دون سبب ولو تعلق الأمر بالحب أو أشياء لا علاقة لها بالموت والفجيعة.
في نهاية الأمسية ألقى رئيس بلدية بتشيلية كلمة مؤثرة وسلمني درع المدينة تحت تصفيق الحاضرين وتقديرهم.. وهمست مرافقتي في أذني "بتشيلية مدينة تحب العرب".. فبحثت في شوارع ذاكرتي عن مدينة عربية تحب إيطاليا فلم أجد سوى حواضر الرومان القديمة التي تنتشر في بلاد العرب، فربما بقي فيها شيء يتعلق بروما.. وبتشيلية.
وفي السهرة الليلية، أخذنا جينو إلى مسرح الهواء الطلق للمدينة فرأيت الناس يتوافدون عليه حتى ليتهيأ للمرء أن كل المدينة ازدحمت على مدرجاته. أطفئت الأنوار تماما قبل أن تظهر على خشبة المسرح الواسعة راقصة تجلس القرفصاء كالبوذيين، وتحت إيقاع بدوي جزائري راحت تتمايل تحت دهشة الحاضرين.. ورحت أسأل من تكون هذه الراقصة إذا كانت الإيقاعات جزائرية خالصة؟.. فكلما مرّت الدقائق وازدادت الإيقاعات المصاحبة للراقصة جزائرية (..) إلا وصرت أكثر حرصا على معرفة هذه الراقصة ذات السمرة القمحية والجسد المتناسق.. وبعد أزيد من ساعة، راح جينو يصفق ويقول "حيوا معي الراقصة الجزائرية صباح" ولم يتوقف الحاضرون عن التصفيق.. فخرجت في نهاية العرض إلى غرف الملابس، لأجد جينو والراقصة، فبادرني من بعيد "هذه ابنة بلدك.." فاحمر وجهها وقالت لي من أين أنت؟ قلت من مدينة كذا، فازداد وجهها احمرارا.. فقلت لها وأنت؟ فصمتت قليلا وقالت لي بانكسار أنا من مدينتك (..) قلت لها وما لقب عائلتك. فقالت كذا (..) فرحت أعدد لها أسماء عائلتها، فلان وعلان وفلتان.. فقالت لي "ذاك أخي والآخر ابن عمي.. وأنا مقيمة في إيطاليا منذ سبع سنوات ولا يعلم بوجودي هنا أي أحد من عائلتي".. وأضافت "حين أنهيت دراستي الجامعية  هربت من الإرهاب وأقمت بفرنسا حيث تعرفت إلى شاب إيطالي ثم تزوجته ولي معه ولدان ونحن ندير حاليا مدرسة للرقص الشرقي بمدينة باليرمو الإيطالية".. وختمت كلامها "أستر ما ستر الله".. لكنها قالت لي "إن كنت قادرا على أن تنقل سلامي لأمي فلا تتأخر فأمنيتي أن أراها بعد طول غياب وغربة"..
واكتشفت بعد سنوات أن الراقصة حوّلت عددا من النصوص التي قرأتها في بتشيلية إلى لوحات راقصة، وشاركت بها في مسارح عالمية.
عدت إلى فندق المدينة في آخر الليل، لأجد ورقة عليها رقم هاتف من الجزائر يدعوني إلى العودة من حيث أتيت، أي الرجوع إلى الجزائر لأمر هام.. وحين اتصلت بالمعني قال لي "إننا بحاجة إليك ولا مجال لشرح ذلك في الهاتف". فما كان مني إلا أن أخبرت جينو برغبتي في العودة، واعتقد المسكين أنني غاضب من عدم الاحتفاء بي، وأنه مقصر معي، لكنني أكدت له أن المسألة عائلية.. فعدت في القطار إلى روما، وقضيت ليلة هناك تعرفت فيها على طباخ مصري يصرّ على أنه من أمهر الذين يطبخون الكسكسي المغربي.. لكنني نصحته بأن يحافظ على الأكل الشرقي لأن للكسكسي طقوسه..
عندما وصلت الجزائر، اتصلت بصاحبي الذي ألحّ في عودتي، فقال لي إننا بحاجة إلى مراجعة هذه الوثيقة.. ولم يأخذ مني العمل أكثر من ساعة، بينما قضيت ستا وثلاثين ساعة أمشي بين بتشيلية وباري وروما وشوارع الجزائر..

وما إن ارتحت من وعثاء السفر الإيطالي ثلاثة أيام حتى حملت عصا الترحال، وأقلعت صباح الأحد إلى بيروت للمشاركة في مؤتمر يناقش موضوع التطبيع ينظمه الملتقى العربي الإسلامي الثوري، ويحضره كثير من المثقفين والسياسيين العرب، واخترت الحديث عن نظرة الجزائريين للتطبيع مع الكيان الصهيوني، غير أنني فوجئت بأكثر من معول يسعى للنيل من الجزائر بعد زيارة بعض الصحفيين إسرائيل.. وكان التحامل شديدا، فما كان مني إلا أن أدرت ظهر المجن لهؤلاء الذين يضعون أنفسهم في واجهة الدفاع عن القضايا العربية ووضع القوائم السوداء يقيدون فيها أسماء من يخالفونهم الرأي، فقلت لهم "أين كنتم عندما كان الإرهاب يحصد أرواح الكتاب والصحفيين الجزائريين؟ لم تصلنا منكم برقية تعزية واحدة في موت هؤلاء الرجال والنساء، وتأتون اليوم لتعلقوا قائمة بتخوين الصحفيين الجزائريين ونحن لا نغطي على ما قاموا به.. إنما من يضع هذه القائمة السوداء فأولى به أن يضع اسمه أولا". وساد الجلسة نقاش واسع، وانقسم المشاركون بين مؤيّد لي ومعارض.. غير أنني أذكر أن كريم بقردوني أمين عام حزب الكتائب كان يجلس إلى يساري، هنأني بحرارة وقال لي فعلا كنا نجهل الكثير عمّا تعرض له الكتاب والصحفيون الجزائريون.. وعندما هممت بالخروج من القاعة تقدم نحوي صحفي لبناني زار الجزائر في تلك السنوات الصعبة وقال لي "هل تعرف من كان على يمينك؟" قلت "لا" قال لي ضاحكا "إنه من يضع القوائم السوداء.. هو أمين عام اتحاد الصحفيين العرب. ولم يجرؤ على الكلام لأنك مسحت به الأرض". وغادرت بيروت ليلا باتجاه اللاذقية مرورا بطرابلس وطرطوس حتى لا يتحوّل التطبيع إلى أداة للتخوين..
وصلت اللاذقية على الساعة الثانية صباحا، ووجدت بعض الأصدقاء الذين يحرمونك النوم ولو على الساعة السابعة صباحا.
كانت أمسيتي الشعرية على التاسعة مساء، فقضيت يومي في الفندق، خاصة وأن الرطوبة عالية، واكتفيت برحلة قصيرة إلى "أوغاريت" عاصمة الأبجدية الأولى كما يقول المؤرخون.. وعدت لأقضي وقتا مع مدير المهرجان الفنان أسعد فضة الذي كلمته عن "ماسينيسا" فوجدت لديه رغبة كبيرة لإنتاجه بالشراكة مع الجزائر. كان حلما وانتهى..
قرأت في الأمسية بعضا من قصائدي التي أعجب بعضها الجمهور كاللعنة والغفران، وعهد في اللاذقية، بينما لم تنل قصائد أخرى أي اهتمام.. وما إن أنهيت الأمسية حتى جمعت أمتعتي في الفندق وغادرت إلى دمشق لأجد بعض الأدباء في استقبال على الثالثة صباحا، ولم أمكث بفندق الشام سوى نصف ساعة لأول الطريق إلى مطار دمشق للذهاب إلى تونس لحضور مهرجان صيادة السنوي، حيث تقرّر تكريمي إلى جانب الشاعر أحمد سويلم.
لم أنم أبدا. وعند وصولي، وجدت صديقا قديما يعمل مستشارا بسفارة الجزائر لدى تونس ينتظرني، ولم أكن أخبرته بمجيئي، فإذا به أخذ المعلومة من الصحافة واتصل بالمنظمين الذين كفاهم عناء استقبالي في المطار. ورغم الإعياء قضيت معه سويعات استعدنا فيها أيام الدراسة والحراسة.. وفي آخر المساء ذهبت إلى سوسة حيث ينعقد المهرجان الأدبي على الشاطئ، ويشرف عليه الدكتور التهامي العبدولي.
قرأت كثيرا من الشعر، وناقشت الدكتور الهادي مهنّي وزير الصحة والداخلية فيما بعد في بعض الأفكار التي وردت في كتاب خصصه لسنوات حكم الرئيس زين العابدين بن علي. وهو شهادة ثمينة من واحد يمثل نخبة تونس الحديثة. وفي منتصف الليل، قريبا من شباك الصيادين التي تشكل ديكور المكان، قرأ التهامي حيثيات التكريم وأسباب الاختيار، ثم سلم لي "مركب الشعر"، وهي تحفة رائعة، فاختتمت قراءاتي بنص كتبته من وحي المناسبة أسميته "التونسية".
لم أنم طبعا، لأن عشاء الحفل كان في الثانية صباحا، ومع حكايات أحمد سويلم يجد المرء نفسه وقت الفجر، حملت حقيبتي وذهبت إلى مطار قرطاج الدولي لأعود إلى الجزائر. حين وصلت البيت الأربعاء صباحا، لم تسأل زوجتي عن أحوالي مثل العادة، وأخبرتني أن مدير مهرجان جرش بالأردن اتصل بي مرات عديدة ليطلب تأكيد حضوري يوم الخميس، قلت لها "بعد أن أنام"، لكنها لم تعر ما قلت لها اهتماما، أو لم تثرها عيناي المحمرّتان من شدة التعب والسهر، وأعطتني ورقة تتضمن اجتماعا مساء الأربعاء في البرلمان الذي أنا عضو فيه، ولا يمكن لي أن أتحجج بأي مبرر. فذهبتُ وأنا أندب حظي مع قلة النوم..
منتصف نهار الخميس ذهبت إلى عمّان، حاولت النوم قليلا، لكن حظي التعيس أوقعني مع تاجر جزائري مقيم في دبي، لا علاقة له بالشعر، لكنه يحبّ الكرة، ويشجع وفاق سطيف، وما إن علم بأنني صاحب أسبوعية جريدة "صدى الملاعب" حتى أرهقني بعشرة آلاف سؤال، اللاعب الفولاني والمدرب الفلتاني، والهدف المرفوض، والملعب المغلق، ورئيس الاتحاد المتواطئ، والمنتخب الفاشل. يتوقف قليلا ثم يعيد الكلام نفسه بطريق التاجر الذي يبيعك شيئا لا تحتاج إليه، ورغم أنني أتثاءب متعمّدا لأشعره بأنني أريد أن أرتاح قليلا، لكن الرجل لا يهتم لذلك، وينتقل بي إلى كأس العالم في فرنسا، ودور زيدان في منح الفرنسيين أول لقب لهم في التاريخ. وما إن يتوقف، أو يقصد دورة المياه أشعر براحة كبيرة، ثم يعود ليواصل مسلسله المكسيكي عن الجلد المنفوخ.. إلى أن وصلنا عمّان، فقال لي التاجر "اسمح لي صدّعت لك رأسك". قلت له "لا.. بالعكس كنت مرتاحا جدا والدليل لم أنم".
ما إن نزلت من سلم الطائرة حتى رأيت شخصا يحمل ورقة عليه اسمي، هو من منظمي مهرجان جرش، فقدمت نفسي، قال لي "مرحبا يا أستاذ.. الجماعة ينتظرونك في قاعة عبد الحميد شومان لبدء الأمسية الشعرية". تصوروا من الباب للمحراب كما يقولون..
ذهبت رأسا إلى القاعة، وما كدت أسلّم على بعض من أعرف في القاعة، حتى شُرع في القراءات، فاستهل حيدر محمود الشاعر ووزير الثقافة الأردني الأمسية بقراءة بعض نصوصه القديمة، وتبعه الشاعر الفلسطيني أحمد دحبور، فالبحريني قاسم حداد، واختتمت الأمسية بقراءة مقاطع من قصائد مختلفة. ولاحظت أن الجمهور الحاضر كان كله سعيدا بما استمع إليه، إلا أنا فقد اشتقت إلى قليل من النعاس، ولا يمنعك عن ذلك إلاّ ملاحقة الصحفيين لك ليسألونك عن كل شيء إلا ما كنت تقرأ..
أقمت تلك الليلة في فندق القدس، وما إن وضعت أمتعتي واستلقيت على السرير، حتى رنّ جرس الهاتف، تردّدت أول الأمر في الردّ لكنني قلت من العيب ألا أردّ وأنا ضيف لديهم (..) فكان المتصل صديق قديم لي، اضطررت إلى النزول إليه في بهو الفندق، وبعد أن كلمني في كل شيء، دعاني إلى العشاء معه في مطعم بضواحي عمّان.. وكما أقول دائما، ما الذي يقدر على فعله الميّت في يد غسّاله، منعت نفسي من التثاؤب، حتى لا أشعره أنني مرهق، وادعيت الحيوية والنشاط وصفاء الذهن..
جاوزت الساعة الثانية صباحا، ودّعت النوم، وقاومت كل حاجة إلى النعاس. ولكن شعرت أن من كانوا بدأوا يتثاءبون معلنين نهاية بطاريات الشحن المقاومة للسهر (..) وعدتُ إلى الفندق أبحث عمّن أكمل معه ما تبقى من عمر الليل. وما إن دقّت الساعة التاسعة صباحا حتى حزمت أمتعتي وعدت إلى الجزائر لأنتقم من الأيام التي قضيتها مكرها بعيدا عن النّوم.
سألتني زوجتي إن كنت ذهبت إلى عمّان، أجبتها "لا.. كنت أبحث عن سرير لأنام فيه قليلا". ونمتُ إلى يوم الأحد..

Share this
 

طالع أيضا

احذر مزاج قائد الطائرة؟

تعرفت على عثمان أثناء وجودنا معا في فعاليات الأسبوع الثقافي الجزائري بدمشق في أفريل 1995 وهناك اكتشفت رجلا مختلفا تماما، جزائري الطباع، حلو المعشر، ذكي الملمح، فنان بما تحمله الكلمة من أبعاد..
عندما جلس القرفصاء كما يفعل التوراق في حياتهم، كانت والدته خديجاتا على يمينه.. أغمض عينيه ليرحل بعيدا في إيقاعاته، ويحلق مع روحه دون أن يأبه بمن حضر أو من صفق له وهو يؤدي رائعته "دمعة.. دمعة".. وكان أهل الشام، وهم من أكثر شعوب الأرض ذائقة ومعرفة لأسرار الغناء، مشدودين إليه كما لو أنه جاء من الكوكب.. الأزرق.
صفقوا كثيرا، وهو ما يزال يعيد ترنيمة أغنيته في إيقاع تواتري منخفض بينما تشد أصابعه على أوتار العود كما يشد المحارب عل مقبض سيفه.. ويرسل عثمان ابتسامة عريضة تعبر عن حالة انتصار الجمال والإبداع في حضرة الصحو الفني والألق الرائع..
منذ دمشق صرت على تواصل مستمر مع عثمان بالي فكنت ألتقي به كلما كانت هناك فعالية كبرى يكون أحد صناع الفرحة فيها.. غير أن وادي جانت صنع الفجيعة وكأنه لا يعرف أن الذي جرفته مياهه هو واحد من أعظم فناني هذا القرن..

هارون الذي ضاع منّي في الخرطوم..

أحيانا يشدك الحنين إلى أحداث عشتها أو أماكن زرتها أو أناس تعرفت عليهم، فتستعيد في كل مرة تلك الوقائع، ورحلتي إلى السودان في 2005 تعد من أجمل الذكريات التي تستدعي في كل مرة استحضارها، ورواية بعض فصولها للآخرين..
اعتقدت أول الأمر أنه يمكننا أن نجلس في أي مقعد شئنا، كما هو الحال في خطوطنا الجزائرية، لكنني رأيت مسافري الخطوط المصرية وهم يبحثون عن مقاعدهم حسب بطاقة السفر، فكان حظ الكاتب سعيد بن زرقة رفيقي في رحلة السودان مقعدا في الصفوف الأولى بينما رمى بي الحظ في مقعد على الجناح الأيسر من الطائرة وبجانبي جلس مواطن مصري بلباس شعبي، لم يتحدث طوال الرحلة، وفهمت منه أنه لا يرغب في ذلك بسبب منع التدخين، في حين أنه من فئة الذين يتسببون في تلويث الرئتين.. كان بين الفينة والأخرى يسألني "وصلنا الخرطوم؟" فأجيب "لم نصل بعد.." وقبل الوصول بحوالي نصف ساعة سلمت لنا استمارات الدخول فطلب مني أن أملأ استمارته، ورحت أسأله عن الجهة التي يقصدها فقال "وانا إيش اللي عرفني.. آهي شركة إسمنت وخلاص.. وما اعرفش فين مقرها".. كان اسمه عبد الفتاح والباقي لا أذكره..

شاعر يضحك على أمن المطار..

 أكثر الناس "رفضا" لأحقية نجيب محفوظ بجائزة نوبل  للآداب كان الدكتور يوسف إدريس الذي أعلنها صراحة أمام الملأ: " أنا أولى منه.." وتساءل الناس عن السبب الذي جعل سيد القصة العربية يخرج عن وقاره ولا يكظم  غيظه، وبدل أن يفرح الناس لفوز محفوظ  صاروا يطاردون إدريس وهكذا استطاع صاحب "الفرافير" و"النداهة" و"جمهورية فرحات" أن يقتسم الحدث  مع "سي السيد ".
كنت مدعوا إلى حضور المربد الشعري ببغداد في نهاية حرب الخليج الأولى 1988               مع وفد من شعراء وكتاب جزائريين، من بينهم أبو القاسم خمار وعياش يحياوي وعبد العالي رزاقي وبلقاسم بن عبد الله..  وكانت رحلتنا (الجزائر- باريس- بغداد) ذهابا وإيابا.. وفي عاصمة الرشيد المنتشية بانتصار ثمنه مليون قتيل، كان أبرز المدعوين الدكتور يوسف إدريس الذي منح جائزة صدام مناصفة مع جبرا إبراهيم جبرا، واعتبرها الإعلام آنذاك تعويضا له عن خسارة نوبل.

كيف تنبت لحية في خمسة أيام؟

ليت ابن بطوطة يطل عليّ من قبره فأروي له رحلاتي بين مطارات العالم فينسى حينها أنه حين بدأ رحلته على دابة شهباء من طنجة ليصل بعد سنوات طويلة إلى بلاد الهند والسند لم يشهد من المتاعب ما عشته في رحلة دامت خمسة أيام فقط.. وليت ماجلان وأحمد بن ماجد وفاسكو دي غاما يسمعون مني حكايتي التي أرويها فلا يتباهون أمام التاريخ بأنهم فعلوا ما عجز عن فعله غيرهم..

لا تصدق حلاق الخامسة صباحا..

ترددت في كتابة ما تقرؤونه، لكنني رأيت ألا أحرمكم من مقاسمتي شيئا من الذكرى الطريفة التي كثيرا ما رويتها لأصدقائي.
كان ذلك في مطلع العام 2000 حين تقرر كسر الحصار المضروب على العراق منذ حرب الخليج الثانية، فقد أقدمت بلدان عربية كثيرة على إرسال طائرات مدنية إلى بغداد تضم فعاليات من المجتمع المدني (برلمانيون، كتاب ونقابيون وإعلاميون..) كخطوة جريئة لإحراج المجتمع الدولي ودفعه إلى اتخاذ موقف مما يحدث..
ولم تكن الجزائر خارج هذا الموقف، وبادرت فعاليات كثيرة من مجاهدين وبرلمانيين ونقابيين واتحادات مهنية وكتاب وإعلاميين إلى تحديد موعد للذهاب إلى بغداد، وهكذا اتصل بي منسقو المبادرة وطلبوا مني الحضور على الثامنة صباحا بمطار هواري بومدين الدولي، وألحوا في ألا أتأخر عن الموعد.
أخبرت زوجتي، فقالت لي كعادتها "ومن يضمن وصول الطائرة إلى بغداد والعراق يحاصره الأمريكان وحلفاؤهم؟" قلت لها بلغة الفلاح الجزائري "الضّامن ربي.."، ورحت أبحث في دفاتري القديمة عن عناوين وأرقام هواتف أصدقائي في بغداد، من كتاب وإعلاميين ورياضيين، فهي فرصة لألتقيهم عن قرب.
ولأن الرحلة لن تدوم أكثر من أربع وعشرين ساعة، فليس هناك ما يحمله المسافر من متاع، وأفقت على الرابعة صباحا، فقد اعتدت على خداع عقارب الساعة لي.. وكعادتها قامت الزوجة بما تقوم به سيدة بيت تجاه زوجها المسافر، فأعدت القهوة، واطمأنت على أن كل شيء على ما يرام.. لكنها سمعت صوتي من الحمام "أين شفرات الحلاقة؟" فردت "لا أدري..". وحاولت عبثا العثور على ما يمكنني من حلق شعر وجهي، ولو شفرة مستعملة، ولكن دون جدوى.

لست السندباد..

لم يكن همّي عندما وصلت الصين زيارة ضريح ماو تسي تونغ ولا ساحة تان آن مين، ولكن حرصت على الوصول إلى سورها العظيم، وما إن بلغت المكان، نظرت إلى السّماء وأنا أقول "يا ألله أنا في المكان الذي يُرى من القمر" ثم سألت مرافقي ماذا تعني هذه اللافتة المكتوبة بخط اليد. قال لي "من وصل هذا المكان فهو بطل".. يبدو أنني كذلك.
وعندما زرت هانوي عاصمة فييتنام، اندهشت للبيت الذي ظل يقيم به القائد هو شي منه، لكن الذي شدّني أكثر هو ذلك الجزائري الذي فتح مطعما له يقدم وجبات مغاربية وعربية لشعب تربّى على الأرز ولا يعرف كيف يؤكل الكسكسي، وعندما سألته كيف جاءته فكرة اختيار هذه البلاد قال "سل زوجتي سليلة الجنرال جياب.." ففهمت..
أما عندما زرت شيراز الإيرانية فإنني لم أزر أكثر من مقام الشاعر الحكيم حافظ الشيرازي، وهو تحفة معمارية تليق بشاعر متفرد. وفي زوايا الضريح كتبت بخط بديع مقاطع من قصائده الخالدة "بستان" و"غولستان".. وقبل أن أغادر المكان اقتنيت أعماله الخالدة. أما في طهران فلم أنس ذلك الرجل المسنّ الذي ما إن عرف أنني جزائري حتى جاء يقبلني ويحضنني ويقول لي "إنني أشم فيك رائحة الثورة التي سجنت لأجلها سبع عشرة مرة. إنني واحد من أبنائها." كان اسمه مصطفى رَهْنَمَا..
وفي اسطنبول مخرت بنا السفينة نحو جزر الأميرات، وهناك سمعت من دليلنا السياحي أن هذه الجزر كانت في فترة سابقة منفى لمناوئي السلطان، ولا يأتي إليها إلا المغضوب عليهم.. واليوم لا يزورها إلا من أوتيَ جيبا ملآن وبطنا شبعانا.. ولا أحسبني منهما.. إنما أحببت أن أكتشف هذا المكان الذي تمنع فيه مركبات البنزين ولا ترى فيه إلاّ الحناطير تتحرك بحرية في دروب وعرة وملتوية.. إنما على الأطراف تنتشر القصور والفيلات التي ينعم أصحابها بمنفى.. مستحبّ.