احذر مزاج قائد الطائرة؟

تعرفت على عثمان أثناء وجودنا معا في فعاليات الأسبوع الثقافي الجزائري بدمشق في أفريل 1995 وهناك اكتشفت رجلا مختلفا تماما، جزائري الطباع، حلو المعشر، ذكي الملمح، فنان بما تحمله الكلمة من أبعاد..
عندما جلس القرفصاء كما يفعل التوراق في حياتهم، كانت والدته خديجاتا على يمينه.. أغمض عينيه ليرحل بعيدا في إيقاعاته، ويحلق مع روحه دون أن يأبه بمن حضر أو من صفق له وهو يؤدي رائعته "دمعة.. دمعة".. وكان أهل الشام، وهم من أكثر شعوب الأرض ذائقة ومعرفة لأسرار الغناء، مشدودين إليه كما لو أنه جاء من الكوكب.. الأزرق.
صفقوا كثيرا، وهو ما يزال يعيد ترنيمة أغنيته في إيقاع تواتري منخفض بينما تشد أصابعه على أوتار العود كما يشد المحارب عل مقبض سيفه.. ويرسل عثمان ابتسامة عريضة تعبر عن حالة انتصار الجمال والإبداع في حضرة الصحو الفني والألق الرائع..
منذ دمشق صرت على تواصل مستمر مع عثمان بالي فكنت ألتقي به كلما كانت هناك فعالية كبرى يكون أحد صناع الفرحة فيها.. غير أن وادي جانت صنع الفجيعة وكأنه لا يعرف أن الذي جرفته مياهه هو واحد من أعظم فناني هذا القرن..

ذكرت الراحل عثمان، الذي جرفته مياه وادي جنات بعد عامين من لقائي به في ربيع 2004 بجانت. زرته في بيته مع المخرج السوري سامي الجنادي بمعية حسني البرم وعبد الباري بهدف التحضير لعمل درامي كبير يخص بطل المقاومة في الجنوب "الشيخ أمود بن المختار".. فقد وجدناه ينتظرنا أمام بيته بعد أن أنهى قيلولة فرضت عليه فرضا، لأنه قضى ليله مناوبا في مستشفى جانت حيث يعمل منذ سنوات طويلة ضمن قطاع الاستشفاء.. وما إن دخلنا الصالون حتى لفت انتباهنا وجود عدد من صور أفراد العائلة وبعض صوره المنتقاة والمرسومة باليد. كان الشاي جاهزا، وراح يصبه في أكواب زجاجية صغيرة على طريقة أهل الصحراء، وقبل أن ينهي أحدنا كوبه حتى يسارع إلى ملئه ولم نحرج إلا وقد امتلأت بطوننا شايا ورؤوسنا إيقاعا جميلا..
عندما حمل عوده وشرع يُدَوْزِنُ أوتاره لاحظت أن أصدقائي السوريين كانوا منجذبين إليه بصورة لافتة.. وراح سامي يأخذ له صورا بكاميرته في إعجاب كبير.. وأكثر من ساعتين قدم فيهما عثمان وصلات من أجمل إيقاعات التوارق، وباللهجة المحلية، مع شروح وافية لكل طابع ومقارنته بالطبوع العربية الأخرى فأبان عن خبرة كبيرة في فهم أسرار الإيقاع والسماع العربي..
ثم فتحنا سيرة الشيخ أمود. وراح يكلمنا عنه كما لو أنه كان واحدا من جنوده. ولكنه فاجأنا بمعلومة هامة هي أنه واحد من أحفاده، والسر يكمن في أن جدة عثمان بالي هي واحدة من إماء الشيخ أمود. وعثمان يعتز كونه ينتسب إلى هذا الرجل الأسطورة. وعند عودتي كتبت كلمة عن أمود وأقمت مقارنته بينه وبين حنبعل، لما بينهما من تشابه في الشخصية وكره الأعداء. وقلت فيما كتبت "الكثير منكم يعرف حنبعل لكن القليل منكم فقط يعرف أمود. فالأول قائد عسكري ومحارب في التاريخ، أعلن الحرب على روما انتقاما لما قامت به من إذلال لقرطاج، فقاد جيشا من آلاف المحاربين تتقدمه الفيلة، وعبَرَ في رحلة يقول التاريخ لا يقوم بها إلا المجانين، جبال الألب، وراح يؤدّب الرومان ويحاصرهم، لكنه لم يدخل روما التي ظل يقف أمام أسوارها ما يقارب العشر سنوات.. وهكذا فعل هتلر وهو يرأف بباريس.
حنبعل كان عدوا للرومان، ويرفض أن تلامس يده يد واحد منهم، مثلما علمه أبوه "هاملكار" وأقسم ألا يقع في أيديهم، وبعد هزيمته في "زاما" أمام ماسينيسا وشيبو الإفريقي، وشعوره بانكسار شوكته، رحل بعيدا عن قرطاج واضعًا خبرته في خدمة ملوك يناصبون روما العداء.. ومات ولم يقبض عليه الرومان.
أما الشيخ أمود بن المختار فهو ثائر جزائري من بلاد التوارق، أعلن الحرب والمقاومة ضد الاستعمار الفرنسي أزيد من أربعين عاما، كان خلالها يعبر الصحراء من حدود ليبيا إلى مالي والنيجر، إلى أعلى مدن الشمال في صحراء الجزائر. فمنذ 1881 وهو يشق عصا الطاعة على الفرنسيين ويدمّر كل مخططاتهم إلى أن وافته المنية في 1928 دون أن تلامس يده يد فرنسي، ولو تنكر في ثياب تارقي (..) ولم يوقّع مع المحتلين وثيقة استسلام حتى وهم يدخلون مدينة جانت ويحاصرون أهلها.. فاختار مواصلة المقاومة مع السنوسيين ضد الاحتلال الإيطالي لليبيا، وعاد إلى بلاده مواصلا المقاومة، وحين أدرك أنه قد يقع في أيدي الفرنسيين اختفى ومات بعيدا دون أن يعرف له قبر..
هكذا يكون العظماء الذين إذا أقسموا فعلوا، وإذا فعلوا ذكرهم التاريخ بأفضل ما تكون الأوصاف وما تحمل المناقب. وإن قراءتنا للتاريخ من جديد يمكن لها أن تكشف لنا عن تقاطعات عجيبة في سير الرجال الذين صنعوا التاريخ لا الذين صنعتهم الصدفة (..) وما أكثر الذين كانوا أبطالا رغم أنوفهم.. وما أقل الذين ذكرهم التاريخ وكانوا أبطالا فيه رغم.. أنفه".
وهكذا اتفقنا على أن يقوم عثمان بالي بوضع الموسيقى التصويرية لحلقات مسلسل أمود، وقدم لنا نماذج من أغانيه ومن الأغاني التي تؤدى بآلة الإمزاد وحدها، وشرح لنا فلسفة هذا النوع من الغناء الذي إذا سمع الناس صوت الأمزاد تتحرك في بواطنهم مشاعر عجيبة.. لو طلب بعدها من التوارق تفتيت جبال جانت لأحالوها إلى رمال. هم هكذا.. لكن الموت كان أسرع منا جميعا حين أخذ منا الرجل الذي كنا نرى فيه أمود وأبناء أمود..
هذا ما كان من أمر جانت وبالي وأمود.. أما الذي حدث لي، فهو غريب جدا، فقبل يومين من العودة إلى الجزائر كما كان مبرمجا، تلقيت اتصالا هاتفيا من جهة مسؤولة تدعوني إلى ضرورة العودة سريعا لأمر طارئ، مرتبط بحدث سياسي دولي. وكان عليّ أن أستعين بالمسؤولين في دائرة جانت لمساعدتي في العودة. وطمأنوني إلى أنه يمكنني الذهاب إلى الجزائر في الطائرة القادمة من تامنراست على العاشرة من صباح الغد. وكنت في الموعد، بمطار الشيخ أمود، أبادل من معي كثيرا من الحكايات مطمئنا إلى أن الرحلة نحو العاصمة لن تكون طويلة، فالطقس لطيف، ويغري بفسحة مريحة في التاسيلي والوقوف عند البقرة الباكية التي كشفت عن عبقرية الرجل الأزرق قبل آلاف السنين.
كنت بين الحين والآخر أنظر إلى الساعة، كعادتها بطيئة لما يتعلق الأمر بانتظار موعد أو حاجة إلى سفر. وكان مسؤول الخطوط الجوية، يأتي بين الحين والآخر يعطيني آخر المعلومات، منذ إقلاعها من تامنراست، إلى غاية اقترابها من جانت، ولما اقتربت أكثر، تهيأت للخروج، وشرعت في توديع من كانوا معي، وأوصيتهم خيرا بالفريق السوري الذي بقي في المدينة لضبط أمور العمل الدرامي "أمود". وخرجت من القاعة الشرفية إلى بوابة الخروج، وكنت أرى الطائرة وهي تقترب من مدرج المطار، وفجأة غيّرت مسارها وشرعت في الارتفاع متجهة شمالا، فاعتقدت أول الأمر أن المسألة فنية، وأن رُبّانها سيعاود الهبوط من زاوية أخرى. لكن الأمر طال، فعدت إلى القاعة، أسأل مثل الجميع ماذا حدث؟ ولم نفهم شيئا، إلى أن جاء المسؤول، وبدت عليه علامات الحرج وقال بصوت خافت أشبه بطفل قام بفعلة مشينة وينتظر صفحا من أمه "رفض قائد الطائرة الهبوط بعد أن أخبرناه بأن عدد المسافرين اثنان.. وواصل طريقه نحو الجزائر". لم أجد لغة تصلح للرد فسكتت ولم أزد على "لا حول ولا قوة إلا بالله" وقلت لمسؤول الخطوط بالمطار "الله يكون معاكم". وطلبت من السائق إعادتي إلى مقر الدائرة للبحث في حل يوصلني إلى العاصمة.
حين وصلت، وجدت الذين ودعتهم في المطار، يستقبلونني وكأنني عائد من سفر، فرويت لهم الذي حصل، فرد عليّ أحدهم "ليس جديدا علينا ما تقول.. فنحن اعتدنا عليه، وعندما نذهب إلى المطار، يكون الأمل في السفر دائما أقل من 50 بالمائة.. لأن كل شيء يتوقف على مزاج قائد الطائرة، رغم أننا ندفع قرابة الثلاثين ألف دينار في الرحلة الواحدة". وأغلقت النقاش، بعد أن طلبت من رئيس الدائرة أن يساعدني في تأمين وسيلة نقل إلى مدينة إيليزي، فربما وجدت الحل هناك.
أقلعت بنا سيارة نيسان رباعية الدفع باتجاه إيليزي في حدود الرابعة زوالا. وكان السائق قليل الكلام، وتلك من طباع أهل المنطقة الذي يقتصدون كثيرا في الحديث، لأن المسافات الطويلة تعلم الناس الصمت، هكذا فهمت. فاكتفيت بالكتابة أحيانا، أو بسماع أشرطة عثمان بالي التي أهداها إليّ، وأتسلى أحيانا، بتصوير الأروية، وهي أنواع من الغزلان البرية، وهو الحيوان البري الذي ينتشر في المنطقة، وكان السائق يتعمد أحيانا تخفيف السرعة حتى أتمكن من أخذ مزيد الصور، ويقول لي "كثيرا ما يظهر في هذا الوقت".
الطريق صخرية ووعرة، ولولا شق مسالك بين الجبال لما تمكن الناس من بلوغ جانت أو إليزي أو ما بينهما في مدة لا تقل عن يوم أو يومين. ورغم أن المسافة تتجاوز أربعمائة كيلومتر، فإن مرافقي السائق الطيب والهادئ، لم يفكر لحظة في طلب التوقف لأجل قليل من الراحة، وعندما اقترحت عليه، قال لي "والو.. لم يبق سوى مائة كيلومتر".
عندما وصلت مدينة إيليزي، وأنا أزورها لأول مرة، اتصلت بالأخضر وهو من تقاسمت وإياه الغرفة أثناء الدراسة الجامعية أربعة أعوام كاملة، حيث يشتغل مفتشا للوظيف العمومي، وقضيت الليلة بإقامة الضيوف التابعة للولاية، ولشدة الإرهاق غرقت في سبات عميق..
عند الصباح التقيت الوالي وحدثته عن الطائرة وقائدها الذي لم يعجبه وجود مسافرين فأكمل رحلته دون أن يكلف نفسه عناء الهبوط والإقلاع.. وحدثته عن الطريق بين جانت وإيليزي وأخبرني بأنه سيستكمل إنجازه كاملا قبل نهاية العام.. واغتنمت وجودي في إيليزي فزرت الإذاعة المحلية وتحدثت عن رحلتي إلى جانت ومشروع مسلسل الشيح أمود، وأشياء أخرى..
وبعد الغداء وجدت نفسي مع سائق آخر لا يختلف عن الذي رافقني من جانت، إنما ميزته أنه يحفظ كثيرا من التراث التارقي، فأفدت منه في طريقي إلى إنْ أميناس كثيرا، والمسافة تقارب الثلاثمائة كيلومتر فقط.. وهناك وجدت بعض مسؤولي شركة سوناطراك في انتظاري.. ووصلت إلى العاصمة لأنقل إلى المسؤول الذي استعجلني في المجيء إلى العاصمة بسرعة، فضحك، ثم قال لي "على أي حال.. أجلنا الاجتماع. لكن سيأتي اليوم الذي تتذكر فيه هذه الرحلة وتدونها ليقرأها آخرون، ويأخذون منها العبرة."..طبعا مثلما أخذتها أنا.. وبالألوان.

Share this
 

طالع أيضا

هارون الذي ضاع منّي في الخرطوم..

أحيانا يشدك الحنين إلى أحداث عشتها أو أماكن زرتها أو أناس تعرفت عليهم، فتستعيد في كل مرة تلك الوقائع، ورحلتي إلى السودان في 2005 تعد من أجمل الذكريات التي تستدعي في كل مرة استحضارها، ورواية بعض فصولها للآخرين..
اعتقدت أول الأمر أنه يمكننا أن نجلس في أي مقعد شئنا، كما هو الحال في خطوطنا الجزائرية، لكنني رأيت مسافري الخطوط المصرية وهم يبحثون عن مقاعدهم حسب بطاقة السفر، فكان حظ الكاتب سعيد بن زرقة رفيقي في رحلة السودان مقعدا في الصفوف الأولى بينما رمى بي الحظ في مقعد على الجناح الأيسر من الطائرة وبجانبي جلس مواطن مصري بلباس شعبي، لم يتحدث طوال الرحلة، وفهمت منه أنه لا يرغب في ذلك بسبب منع التدخين، في حين أنه من فئة الذين يتسببون في تلويث الرئتين.. كان بين الفينة والأخرى يسألني "وصلنا الخرطوم؟" فأجيب "لم نصل بعد.." وقبل الوصول بحوالي نصف ساعة سلمت لنا استمارات الدخول فطلب مني أن أملأ استمارته، ورحت أسأله عن الجهة التي يقصدها فقال "وانا إيش اللي عرفني.. آهي شركة إسمنت وخلاص.. وما اعرفش فين مقرها".. كان اسمه عبد الفتاح والباقي لا أذكره..

سبعة أيام دون نوم..

صيف 1999 كان متميزا بالنسبة لي، ففيه قررت التوقف عن الترحال من أرض إلى أخرى، والبقاء في البيت. هكذا قررت بالاتفاق ديمقراطيا مع أفراد العائلة.. ولكن "تسونامي" من الدعوات وصلني في يومين أو ثلاثة أيام، أما الدعوة الأولي فمن مهرجان المتوسط بإيطاليا، والثانية من الملتقى العربي والإسلامي الثوري ببيروت، ودعوة من مهرجان المحبة باللاذقية (سوريا) ودعوة من مهرجان صيادة الثقافي بتونس ودعوة أخيرة من مهرجان جرش بالأردن، في أقل من عشرة أيام، وكل مواعيدها متقاربة، ويصعب ضمان الإيفاء بها، ولو كان صاحبها ذا بساط سحري، لكنني توكلت على الله وقلت لزوجتي سأنكث عهدي هذه المرة، وأجيب بالإيجاب على كل الدعوات.. فقالت لي "إذا فعلتها فأنت السندباد". وسأريكم ما لا يفعله السندباد".
 دعوة إيطاليا وصلتني من جينو لوكابوتو مدير مهرجان البحر الأبيض المتوسط بمدينة بتشيلية الإيطالية الذي أصرّ على حضوري بهدف تكريمي بصفتي شاعرا تشغله قضايا الإنسان، أو هكذا قرأ في نصوصي التي ترجمت إلى الإيطالية.
هذه الرحلة دونتها أكثر من مرة لأنها، وردت إليّ من رجل مناضل من أجل القضية الفلسطينية، وأقام لأجلها مهرجانا فنيا وأدبيا، ودفع بلديته إلى تمويل ذلك رغم أنف المناوئين لهذا الخط السياسي الواقف مع قضية ليس من اليسير المجاهرة بالوقوف معها، لأن ذلك يعد سباحة ضد التيار..

شاعر يضحك على أمن المطار..

 أكثر الناس "رفضا" لأحقية نجيب محفوظ بجائزة نوبل  للآداب كان الدكتور يوسف إدريس الذي أعلنها صراحة أمام الملأ: " أنا أولى منه.." وتساءل الناس عن السبب الذي جعل سيد القصة العربية يخرج عن وقاره ولا يكظم  غيظه، وبدل أن يفرح الناس لفوز محفوظ  صاروا يطاردون إدريس وهكذا استطاع صاحب "الفرافير" و"النداهة" و"جمهورية فرحات" أن يقتسم الحدث  مع "سي السيد ".
كنت مدعوا إلى حضور المربد الشعري ببغداد في نهاية حرب الخليج الأولى 1988               مع وفد من شعراء وكتاب جزائريين، من بينهم أبو القاسم خمار وعياش يحياوي وعبد العالي رزاقي وبلقاسم بن عبد الله..  وكانت رحلتنا (الجزائر- باريس- بغداد) ذهابا وإيابا.. وفي عاصمة الرشيد المنتشية بانتصار ثمنه مليون قتيل، كان أبرز المدعوين الدكتور يوسف إدريس الذي منح جائزة صدام مناصفة مع جبرا إبراهيم جبرا، واعتبرها الإعلام آنذاك تعويضا له عن خسارة نوبل.

كيف تنبت لحية في خمسة أيام؟

ليت ابن بطوطة يطل عليّ من قبره فأروي له رحلاتي بين مطارات العالم فينسى حينها أنه حين بدأ رحلته على دابة شهباء من طنجة ليصل بعد سنوات طويلة إلى بلاد الهند والسند لم يشهد من المتاعب ما عشته في رحلة دامت خمسة أيام فقط.. وليت ماجلان وأحمد بن ماجد وفاسكو دي غاما يسمعون مني حكايتي التي أرويها فلا يتباهون أمام التاريخ بأنهم فعلوا ما عجز عن فعله غيرهم..

لا تصدق حلاق الخامسة صباحا..

ترددت في كتابة ما تقرؤونه، لكنني رأيت ألا أحرمكم من مقاسمتي شيئا من الذكرى الطريفة التي كثيرا ما رويتها لأصدقائي.
كان ذلك في مطلع العام 2000 حين تقرر كسر الحصار المضروب على العراق منذ حرب الخليج الثانية، فقد أقدمت بلدان عربية كثيرة على إرسال طائرات مدنية إلى بغداد تضم فعاليات من المجتمع المدني (برلمانيون، كتاب ونقابيون وإعلاميون..) كخطوة جريئة لإحراج المجتمع الدولي ودفعه إلى اتخاذ موقف مما يحدث..
ولم تكن الجزائر خارج هذا الموقف، وبادرت فعاليات كثيرة من مجاهدين وبرلمانيين ونقابيين واتحادات مهنية وكتاب وإعلاميين إلى تحديد موعد للذهاب إلى بغداد، وهكذا اتصل بي منسقو المبادرة وطلبوا مني الحضور على الثامنة صباحا بمطار هواري بومدين الدولي، وألحوا في ألا أتأخر عن الموعد.
أخبرت زوجتي، فقالت لي كعادتها "ومن يضمن وصول الطائرة إلى بغداد والعراق يحاصره الأمريكان وحلفاؤهم؟" قلت لها بلغة الفلاح الجزائري "الضّامن ربي.."، ورحت أبحث في دفاتري القديمة عن عناوين وأرقام هواتف أصدقائي في بغداد، من كتاب وإعلاميين ورياضيين، فهي فرصة لألتقيهم عن قرب.
ولأن الرحلة لن تدوم أكثر من أربع وعشرين ساعة، فليس هناك ما يحمله المسافر من متاع، وأفقت على الرابعة صباحا، فقد اعتدت على خداع عقارب الساعة لي.. وكعادتها قامت الزوجة بما تقوم به سيدة بيت تجاه زوجها المسافر، فأعدت القهوة، واطمأنت على أن كل شيء على ما يرام.. لكنها سمعت صوتي من الحمام "أين شفرات الحلاقة؟" فردت "لا أدري..". وحاولت عبثا العثور على ما يمكنني من حلق شعر وجهي، ولو شفرة مستعملة، ولكن دون جدوى.

لست السندباد..

لم يكن همّي عندما وصلت الصين زيارة ضريح ماو تسي تونغ ولا ساحة تان آن مين، ولكن حرصت على الوصول إلى سورها العظيم، وما إن بلغت المكان، نظرت إلى السّماء وأنا أقول "يا ألله أنا في المكان الذي يُرى من القمر" ثم سألت مرافقي ماذا تعني هذه اللافتة المكتوبة بخط اليد. قال لي "من وصل هذا المكان فهو بطل".. يبدو أنني كذلك.
وعندما زرت هانوي عاصمة فييتنام، اندهشت للبيت الذي ظل يقيم به القائد هو شي منه، لكن الذي شدّني أكثر هو ذلك الجزائري الذي فتح مطعما له يقدم وجبات مغاربية وعربية لشعب تربّى على الأرز ولا يعرف كيف يؤكل الكسكسي، وعندما سألته كيف جاءته فكرة اختيار هذه البلاد قال "سل زوجتي سليلة الجنرال جياب.." ففهمت..
أما عندما زرت شيراز الإيرانية فإنني لم أزر أكثر من مقام الشاعر الحكيم حافظ الشيرازي، وهو تحفة معمارية تليق بشاعر متفرد. وفي زوايا الضريح كتبت بخط بديع مقاطع من قصائده الخالدة "بستان" و"غولستان".. وقبل أن أغادر المكان اقتنيت أعماله الخالدة. أما في طهران فلم أنس ذلك الرجل المسنّ الذي ما إن عرف أنني جزائري حتى جاء يقبلني ويحضنني ويقول لي "إنني أشم فيك رائحة الثورة التي سجنت لأجلها سبع عشرة مرة. إنني واحد من أبنائها." كان اسمه مصطفى رَهْنَمَا..
وفي اسطنبول مخرت بنا السفينة نحو جزر الأميرات، وهناك سمعت من دليلنا السياحي أن هذه الجزر كانت في فترة سابقة منفى لمناوئي السلطان، ولا يأتي إليها إلا المغضوب عليهم.. واليوم لا يزورها إلا من أوتيَ جيبا ملآن وبطنا شبعانا.. ولا أحسبني منهما.. إنما أحببت أن أكتشف هذا المكان الذي تمنع فيه مركبات البنزين ولا ترى فيه إلاّ الحناطير تتحرك بحرية في دروب وعرة وملتوية.. إنما على الأطراف تنتشر القصور والفيلات التي ينعم أصحابها بمنفى.. مستحبّ.