نهاية العالم ليست غدا

نهاية العالم ليست غدا

 

في اليوم 21 ديسمبر 2012. يجلس نوستراداموس في زاوية مقهى باريسيّ يدخّن غليونه ويرتشفُ فنجان قهوة يمنيّة. يتأمّل عقارب ساعته المتثاقلة، ثم يسأل النادل إن تغيّرت أحوال الطقس خارج المقهى، فيقول "لا"، فيبصق في وجهه ويخرج مسرعا، وهو يصرخ في الناس "يمكنكم أن تعودوا إلى بيوتكم.. القيامة ليست اليوم، ونهاية العالم ليست غدا..".

قد يكون هذا المشهد لقطة مبتورة من فيلم لم يخرجه رولاند أمريش صاحب رائعة "2012" التي استعاد فيها منذ عامين نبوءات شعب المايا التي جعلت من 21 ديسمبر 2012 نهاية للعالم، ووضع البشرية على حافة انهيار عصبيّ يستمرّ حتى مساء الجمعة من اليوم الموعود..

إنّ العرافين والمنجمين وباعة الوهم والأكاذيب، في بلادنا، يخرجون هذه الأيام من جحورهم بعد بيات شتويّ ليطلقوا نبوءاتهم في كل الاتجاهات، وهي كما عهدناها، تبشير بكوارث وفواجع ومآسي. وينتظر الناس عرافات القنوات الفضائية وقارئات الكفّ، ليعرفوا أيّ مصير يكون للفنان فلان والممثلة فلانة، والرياضي علاّن والصحفية علاّنة، ولا يسأل كثير منهم عمّا سيحمله العام الجديد للعرب بعد عام من الغليان والثورة، وأيّ مفاجآت سيحملها لكل بلد، وهل سيطلق الشارع العربي لحيته كما كان عليه الوضع في صناديق الاقتراع أم أنّ الشارع سيخرج شاهرا مقصّه ليحلق اللحى ويقرّب الجلابيب من الركبة (..) ويرفع شعار الراحل الطاهر وطّار "لا إكراه في الرأي".. ولو كان خاطئا.

سيطلع تجّار الوهم والخرافة ويُخرجون لنا آيات من القرآن وأحاديث من السنة ومأثورات وردت على ألسنة السلف الصالح، ويقولون بثقة "إنّه الحقّ"، ثم يزفّون لنا بعض تنبؤات نوستراداموس، فيقولون لقد تحدث عن الربيع العربي وانهيار الأنظمة وإعدام الحكام، مثلما تحدث عن 11 سبتمبر وأسامة بن لادن، وانشتار العنف والارهاب على امتداد الخريطة العربية وما جاورها، وفي اليوم الموالي يقولون "مبروك.. صار للفلسطينيين دولة موحّدة القيادة، مكتملة السيادة، وأنّ نتنياهو انهار عصبيا بعد أن أفاق شارون من غيبوبته الطويلة، وأنّ مبارك زار ميدان التحرير سرّا، وأنّ بن علي أرسل برقية تهنئة للغنوشي الثاني معتقدا أنّ وزيره الأول الغنوشي الأول ما زال يحكم.. وأنّ الأسد خرج إلى ساحة السبع بحرات يدخّن غليونا، وأن علي صالح زار صعدة وتصالح مع الحوثيين، وأنّ سيف الإسلام اقترح معرفة قبر والده مقابل اعترافه بثورة 17 فبراير، وأنّ إيران تعرّضت لإنزال جويّ اسرائيلي فاشل استهدف منشآتها النووية، وأن دولة جنوب السودان اقترحت على عمر البشير الوحدة بعد الانفصال، وأن الأوروبيين دفنوا عملتهم، اليورو، في مقبرة ماستريخت، وأنّ ستّ حكومات أوروبية أسقتها أزمة اليورو، وأنّ بوتين قال للأوروبيين تلك لعنة الاتحاد السوفياتي، فككتموه ليأتي عليكم الدور، وأنّ دولا خليجية عرضت على أوروبا شراكة مالية لإنقاذ اليورو بعد فوات الأوان، وأنّ فضيحة سياسية تهزّ أركان حزب أردوغان، وأنّ الظواهري اقترح على قادة وزعماء الأحزاب ورؤساء الحكومات ذات الأغلبية الإسلامية الانطواء تحت مظلّته ومبايعته أميرا عليهم تكريما لبن لادن، وأنّ أوباما اعترف بأنه أخفى إسلامه حتى لا يؤلّب الأمريكان ضدّه وأنه ينوي أداء العمرة، وأنّ ميسي سيلعب لريال مدريد مقابل 800 مليون يورو فقط (..)، وأنّ كريستيانو رونالدو يقاطع بطولة أمم أوروبا بأوكرانيا وبولندا 2012 بسبب خلاف مع اتحاد الكرة البرتغالي، وأنّ إحدى جوائز نوبل تمنح لشخصيّة عربية خليجية، وأنّ علماء العرب يهاجمون القائلين بأن نهاية العالم ستكون يوم الجمعة 21 سبتمبر..وأشياء أخرى تدخل في دائرة استعباط الخلق..

لقد قرأتْ المنجّمة الشهيرة مدام صولاي (السيدة الشمس) الفرنسية أيدي عشرات الساسة، واطمأنوا جميعا لها ولما كانت تقوله لهم، وعادوا إلى بيوتهم مقتنعين أن الشمس ستطلع من جهة الغرب (..) وأنّ كراسي السلطة لن ينالها غيرهم، ولكنّهم، في اليوم الموالي، يغرقون في بئر الخيبة، يد فارغة وأخرى لا شيء فيها، ولا يقولون إنّ مدام صولاي أخطأت، بل يرمون كلّ اللوم على إبليس والحظّ التعيس.

هكذا هو العالم. يفرح صباحا بولادة الطفل الأوّل في المليار (البليون) السابع من البشر، ويحتفي باكتشاف كوكب توأم للأرض، أطلق عليه اسم (كيبلر 22 ب)لا يبعد عنها سوى بمسافة 600 سنة ضوئية (السنة الواحدة تساوي 9.460 بليون كلم).. ويعتقد أنّ أخت الأرض تتوفر على شروط الحياة من ماء وأوكسجين.. بمعنى أنّ العلماء يبشّرون بفتوحات علمية، ولو بدت مستحيلة التحقيق، على المدى القريب أو المتوسط.. ويمكن أن تفكّر فيها الأجيال القادمة حين يصل تعداد سكان الأرض 36 مليار (بليون) نسمة.. وهو أقصى ما يمكن أن تسعه أمّنا الأرض كما قال مالتوس. فلماذا يستعجلون نهاية العالم، ويجعلون سيّد العطور ومصمم الأزياء الفرنسي باكو رابان يتنبأ في كتابه "نهاية الأزمة" أن باريس ستنمحي من على وجه الأرض في 11 أغسطس 1999، وانتظر الناس قيامة باريس، لكنّ شيئا لم يحدث، واعتذر باكو عن شطحته العلمية الفاشلة، ليقول له الناس "أفضل لك أن تصمم ملابس فاخرة، على أن تصمم تنبؤات ساخرة..". والآن هل تريدون أن أكتب لكم عن النيزك العظيم الذي سيصطدم بكوكب الأرض في العام 2028؟.. لا مزيد من القلق والحيرة..

Share this
 

طالع أيضا

حروب الذاكرة على أبوابنا

يتباهى الأرمن بجبل آرارات الذي يقولون إن سفينة نوح رست به بعد الطوفان.. ويضعون اسمه على أفخر أنواع النبيذ (..) ويرفع الأرمن قبعاتهم لأشهر مطرب في تاريخهم، شارل أزنافور، الذي جعلوه سفيرهم في سويسرا بعد أن قلدوه، وهو الفرنسي الشهرة، وسام البطل القومي المدافع عن قضية شعبه الذي "أباده" الأتراك قبل مائة عام.

مالك بن نبي يقرأ الربيع العربي..

لا أزعم أنني التقيت هذا الرجل.. لكنني أذكر ملامحه جيّدا حين دُعيَ لإلقاء محاضرة بإحدى قاعات السينما بباتنة في العام 1972.. ولم أكن حينها أفهم معنى أن يتحدث الانسان عن الحضارة والهوية والزّمن والتاريخ..

الخوف من عقل لا يفكر..

 

لا يمكن لأي تغيير أو إعادة تشكل في الوعي أو البنية الفكرية أن يتم خارج حدود العقل البشري. فكل شيء منوط بالإنسان الذي يمتلك قدرة التفكير والتصور وصناعة الحضارة.

أقل من ثورة.. أكبر من انتفاضة

طرح أمس خبراء في السياسة والفكر والإعلام، سؤالابحجم المأساة هو: هل ما نشهده اليوم انتفاضات أم ثورات؟ وكانت الإجابة إننا إزاء "شكولاطة عربية" لا هي بيضاء ولا سوداء، فلا هي ثورة ولا هي انتفاضة، لا هي تمرّد، ولا هي انقلاب.. قد تكون سلمية، لكنها لا تعدم استخدام القوة. هي بلا رأس، وقد يكون من الأغراب.. إنها منتوج عربيّ غير قابل للتسمية (..). أو ربّما هي أكبر قليلا من انتفاضة وأقل كثيرا من ثورة.. ولكن كيف حال سؤال كهذا في التاريخ؟

أطفالنا.. هل يعرفون أبوليوس؟

لا شك أن أساس النهضة السليمة تقرره النخب الوطنية التي تمتلك قدرة في الاستيعاب والتحليل والتصور والتنفيذ، ولا يمكن تصور بلد مثل الجزائر مفتقرا إلى هذه الكفاءات التي تنتشر عبر العالم مؤكدة تفوقها وإبداعها في مختلف الميادين.

محمد سامي.. طفل الدهشة

كان عليّ أن أخبئ هذه اللوحة في مكان لا تصل إليه العفاريت، ولا أعرضها على غيري خوفا من أن تمتد إليها يد الآثمين أو اللصوص ليلا فأفقدها إلى الأبد.. فأوصدت الأبواب وأحكمت إغلاق الشبابيك خوفا من ريح عابرة تتلف ألوانها، وأطفأت الأضواء حتى لا تلتفت إليها الفراشات فتتملكها الغيرة.. ووضعت عليها تمائم جلبتها عرافة الحيّ من حيث لا أدري..

 إنها لوحة غير عادية، أسميتها "الجياد المفجوعة"، ولا أعرف أي اسم أطلقه عليها محمد سامي الطفل الذي يلاحق الأحلام الهاربة..

يا ناس.. جائزة لوجه الله

يبدو أن نوبل 2011 (الآداب أو السلام) ستؤول إلى العرب، ولو فكّرت لجنة أوسلو في غير العرب لكانت خارج السياق التاريخي (..) لأنّ جغرافيا الأحداث تفرض ذلك، هكذا يتوقّع خبراء الجائزة، بالنظر إلى توجّهاتها.. السياسية.

غرينيتش.. على توقيت جزائري!

دث هذا في خريف 1999 حين رن هاتف المكتب ليكلمني أحدهم بلغة إنكليزية قحة.. حاولت جاهدا تفكيك بعض طلاسمها الطالعة من أسلاك الهاتف اللندني لكن دون جدوى ولم أفهم سوى wait a minute  التي تعلمتها من مدرسة الإنكليزية قبل ثلاثين عاما (!)، وانتظرت ثوان قليلة ليكلمني أحدهم بلكنة فرنسية هي أقرب إلى فرنسية الممثل وودي ألن أو المطربة جين بيركين (..)، حيث قدم لي نفسه كأحد القائمين على مشروع عالمي اسمه تجارب الألفية يرصد تجارب الشعوب وإنجازاتها في كل المجالات..