غرينيتش.. على توقيت جزائري!

غرينيتش.. على توقيت جزائري!

دث هذا في خريف 1999 حين رن هاتف المكتب ليكلمني أحدهم بلغة إنكليزية قحة.. حاولت جاهدا تفكيك بعض طلاسمها الطالعة من أسلاك الهاتف اللندني لكن دون جدوى ولم أفهم سوى wait a minute  التي تعلمتها من مدرسة الإنكليزية قبل ثلاثين عاما (!)، وانتظرت ثوان قليلة ليكلمني أحدهم بلكنة فرنسية هي أقرب إلى فرنسية الممثل وودي ألن أو المطربة جين بيركين (..)، حيث قدم لي نفسه كأحد القائمين على مشروع عالمي اسمه تجارب الألفية يرصد تجارب الشعوب وإنجازاتها في كل المجالات.. فقد فكر الفتى الإنكليزي البارع توني بلير، أو مثلما يتباهى به أحفاد الملكة فيكتوريا، ومن ورائه نخبة من مهندسي السياسة البريطانية وهم "شيوخ العالم" في هذا شرقا وغربــا، في كيفية الاحتفاء بقدوم ألفية جديدة.. ولم يجدوا أفضل من تسجيل ما حققته البشرية في كل الميادين من فنون ومعارف وأديان وسياسة وإبداع وأدب ورياضة، و توظيف أرقى الوسائل التكنولوجية من خلال إقامة أجنحة مختصة يؤمها الزوار من كل العالم.. وهذا المعلم الثقافي السياحي العجيب يتوزع على مساحة شاسعة أطلق عليها قبة الألفية أو "الدّوم" في حي غرينيتش الشهير الذي يضبط عليه العالم عقارب ساعاته..
محدثي قال لي: "لقد وقع بين أيدينا ديوان شعر صغير عنوانه     A Candle  for my Country   واخترنا مقطعا من قصيدة لك رأينا أن نضمها  إلى النصوص التي تم انتخابها لتكون من بين قصائد الشعراء العشرين الذين تقع  بلدانهم على خط غرينيتش وهي انجلترا، فرنسا، إسبانيا، الجزائر، مالي، بوركينا فاسو، غانا، نيجيريا، فهل توافق؟ "، قلت له: " طبعا أوافق.. فهذا شيء يشرفني ويشرف بلدي " ، وأضاف محدثي قائلا: "إننا نريد أن ننقش شعرك باللغتين العربية والإنكليزية فنأمل أن ترسل لنا النص الأصلي"، وتسهيلا لمهمة المنظمين أرسلت النص إلى الصديق الكاتب العراقي صمويل شمعون المقيم في لندن، ويصدر مع زوجته الكاتبة مارغريت أوبانك مجلة بانيبال Banipal التي تعنى بالآداب العربية، إذ قام بمساعدة هذه الهيئة في كتابة النص بالعربية وهو النص الوحيد بين النصوص العشرين المختارة الذي نقش بحروف عربية..
وعندما زرت المكان في شتاء 2000 مع صمويل شمعون أسعدني أن رأيت مجموعة أطفال إنجليز وهي تغني هذا المقطع الشعري الذي لم أكن أتوقع أن يصل إلى بلاد الضباب دون أدنى حساب.. وقد اختار المنظمون مقاطع أخرى لشعراء وكتاب جزائريين كبار هم مالك حداد ومحمد ديب والصحفي الشاعر مزيان وراد.. والطريف في كل هذا أنني عندما ذهبت إلى لندن سألت بعض الجزائريين المقيمين بها وبعض موظفي سفارتنا أيضا إن كانوا على علم بالأمر فأنكروا ذلك وأبدى بعضهم عجبا من هذا الإهتمام الإنكليزي..
في حقيقة الأمر أن الحظ لعب معي وكسبت.. فأنا لست أشهر من شعراء جزائريين كبار قدموا كثيرا للشعر وللتاريخ.. إنما من حسن حظي أنني اجتهدت في ترجمة بعض القصائد  إلى الإنكليزية بهدف الاقتراب من الآخر الذي لا يفهمنا أو يجد صعوبة في الوصول إلينا.. وأتت أكلها في ظرف كانت فيه بلادنا بحاجة إلى أي نقطة مضيئة تنسي الآخرين جزائر الدم والإرهاب.. وتكشف لهم عن جزائر الفرح والإبداع !.
وكان آخر من أخبرته بحكاية هذه المقطوعات الشعرية المنقوشة على خط غرينيتش الكاتب الصحفي مصطفى صواق المقيم هو الآخر في لندن فقال لي إن الدّوم أسال حبرا كثيرا بين الإنكليز لأنه كلف الخزينة مبالغ مالية ضخمة ليس من اليسير استعادتها من خلال الزيارات السياحية.. وبالتالي فإن الحكومة عرضت دُوم الألفية للبيع لتجاوز العجز الذي سجل في السنة الأولى لتدشينه.. وحتى لا يكون الدوم سببا في سقوط بلير صاحب الفكرة!.
شيء واحد يحز في نفسي أنني لا أملك مالا لأشتري تلك الرخامة التي خلدت الجزائر وأدباء من الجزائر واللغة العربية أيضا وأبقيها على ذلك الخط الذي يضبط توقيت البشرية على إيقاع الشعر العربي الجزائري.
وأما المقطع الشعري الذي كتبته عام 1994 وترجمه إلى الإنكليزية الأستاذ عمر زياني ووقع عليه اختيار المنظمين فهو:
وطني أكبر مني
وأنا أكبر من كل الجراحْ
وطني قطعة سكر
وبقايا حلم طفل في " نوفمبر"
وطني نغمة ناي
عزفتها يد أطفال بـ "ماي"
ويدي عصفورة دون جناح
وعيوني قمر يختزن الضوء
بأضلاع الصباحْ.
وأذكر أنني عندما سألت أحد أعضاء اللجنة القائمة على مشروع الألفية لماذا اخترتم هذا المقطع الشعري دون غيره قال لي: "لأنه جميل أولا.. ولأنه لا يتضمن سياسة.. نريد شعرا للإنسان أولا !.".

Share this
 

طالع أيضا

حروب الذاكرة على أبوابنا

يتباهى الأرمن بجبل آرارات الذي يقولون إن سفينة نوح رست به بعد الطوفان.. ويضعون اسمه على أفخر أنواع النبيذ (..) ويرفع الأرمن قبعاتهم لأشهر مطرب في تاريخهم، شارل أزنافور، الذي جعلوه سفيرهم في سويسرا بعد أن قلدوه، وهو الفرنسي الشهرة، وسام البطل القومي المدافع عن قضية شعبه الذي "أباده" الأتراك قبل مائة عام.

مالك بن نبي يقرأ الربيع العربي..

لا أزعم أنني التقيت هذا الرجل.. لكنني أذكر ملامحه جيّدا حين دُعيَ لإلقاء محاضرة بإحدى قاعات السينما بباتنة في العام 1972.. ولم أكن حينها أفهم معنى أن يتحدث الانسان عن الحضارة والهوية والزّمن والتاريخ..

نهاية العالم ليست غدا

 

في اليوم 21 ديسمبر 2012. يجلس نوستراداموس في زاوية مقهى باريسيّ يدخّن غليونه ويرتشفُ فنجان قهوة يمنيّة. يتأمّل عقارب ساعته المتثاقلة، ثم يسأل النادل إن تغيّرت أحوال الطقس خارج المقهى، فيقول "لا"، فيبصق في وجهه ويخرج مسرعا، وهو يصرخ في الناس "يمكنكم أن تعودوا إلى بيوتكم.. القيامة ليست اليوم، ونهاية العالم ليست غدا..".

الخوف من عقل لا يفكر..

 

لا يمكن لأي تغيير أو إعادة تشكل في الوعي أو البنية الفكرية أن يتم خارج حدود العقل البشري. فكل شيء منوط بالإنسان الذي يمتلك قدرة التفكير والتصور وصناعة الحضارة.

أقل من ثورة.. أكبر من انتفاضة

طرح أمس خبراء في السياسة والفكر والإعلام، سؤالابحجم المأساة هو: هل ما نشهده اليوم انتفاضات أم ثورات؟ وكانت الإجابة إننا إزاء "شكولاطة عربية" لا هي بيضاء ولا سوداء، فلا هي ثورة ولا هي انتفاضة، لا هي تمرّد، ولا هي انقلاب.. قد تكون سلمية، لكنها لا تعدم استخدام القوة. هي بلا رأس، وقد يكون من الأغراب.. إنها منتوج عربيّ غير قابل للتسمية (..). أو ربّما هي أكبر قليلا من انتفاضة وأقل كثيرا من ثورة.. ولكن كيف حال سؤال كهذا في التاريخ؟

أطفالنا.. هل يعرفون أبوليوس؟

لا شك أن أساس النهضة السليمة تقرره النخب الوطنية التي تمتلك قدرة في الاستيعاب والتحليل والتصور والتنفيذ، ولا يمكن تصور بلد مثل الجزائر مفتقرا إلى هذه الكفاءات التي تنتشر عبر العالم مؤكدة تفوقها وإبداعها في مختلف الميادين.

محمد سامي.. طفل الدهشة

كان عليّ أن أخبئ هذه اللوحة في مكان لا تصل إليه العفاريت، ولا أعرضها على غيري خوفا من أن تمتد إليها يد الآثمين أو اللصوص ليلا فأفقدها إلى الأبد.. فأوصدت الأبواب وأحكمت إغلاق الشبابيك خوفا من ريح عابرة تتلف ألوانها، وأطفأت الأضواء حتى لا تلتفت إليها الفراشات فتتملكها الغيرة.. ووضعت عليها تمائم جلبتها عرافة الحيّ من حيث لا أدري..

 إنها لوحة غير عادية، أسميتها "الجياد المفجوعة"، ولا أعرف أي اسم أطلقه عليها محمد سامي الطفل الذي يلاحق الأحلام الهاربة..

يا ناس.. جائزة لوجه الله

يبدو أن نوبل 2011 (الآداب أو السلام) ستؤول إلى العرب، ولو فكّرت لجنة أوسلو في غير العرب لكانت خارج السياق التاريخي (..) لأنّ جغرافيا الأحداث تفرض ذلك، هكذا يتوقّع خبراء الجائزة، بالنظر إلى توجّهاتها.. السياسية.