غراس يكتب بالدم والحبر.. والصبر

غراس يكتب بالدم والحبر.. والصبر

لو كنت عضوا في مؤسسة ألفريد نوبل السويدية لما ترددت في منح الكاتب الألماني الكبير "غونتر غراس" جائزة أخرى من جوائز نوبل الخمس المعروفة إنما أطلق عليها اسم  جائزة نوبل للصبر (..) لسبب بسيط أن هذا الكاتب المثير للجدل استطاع أن يحتفظ بسر خطير بين أضلاعه لمدة تفوق الستين عاما، دون أن يفكر الناس في ذلك، لأنهم كانوا مشغولين بما يكتب وبقراءة روايته "الطبل" التي ترجمت إلى كل لغات العالم..
غونتر غراس الكاتب الذي كانت تفلت منه الجائزة كل مرة، استطاع أن يظفر بها في العام 1999 ويهز الأوساط الثقافية والأدبية والإعلامية في العالم، لأنه كان كاتبا متمردا، لا يهمه ما يقوله الناس عنه فيما بعد، ولا يتردد في اتخاذ مواقف سياسية وثقافية، تثير زوابع وردود فعل تستمر طويلا، ولكنه يواصل الكتابة والتصريحات وهو يداعب غليونه، ويحرك شواربه، ويرسل نظرات ماكرة من وراء نظارات شفافة..

قبل انطلاق مونديال ألمانيا2006  أقحم غراس نفسه في نقاش عام حول جدوى الخطط التكتيكية التي يتبناها المدرب كلينسمان، ودعا الألمان إلى ضرورة ترك المدرب وشأنه لأنه اختار طريق التشبيب خدمة لمستقبل ألمانيا.. وكان على حق. فتركه الناس ونال الألمان المركز الثالث وأثنوا على كلينسمان. وقال بعضهم إن اثنين فقط كانا واثقين من قدرات المدرب هما أنجيلا ميركل وغونتر غراس..
ومنذ فترة بلغت مسامع غونتر غراس أخبار مفادها أن الكاتب اليمني الشاب وجدي الأهدل قابع في بيته لا يمكنه مغادرته، بعد أن أصدرت في حقه بعض الجماعات المتطرفة فتوى تهدر دمه جزاء كتاباته المنحرفة (..) ورغم النداءات المتكررة لتأمين حماية لهذا الكاتب الواعد الذي لم تيجاوز الثلاثين من عمره،  فإن وجدي ظل وراء جدران البيت ينتظر من يعيده إلى حرارة شوارع صنعاء.. إلى أن جاء غونتر غراس من ألمانيا إلى اليمن، ضمن وفد اللقاء الثقافي العربي الألماني، وقابل الرئيس علي عبد الله صالح وطرح أمامه المسألة.. فوجدت حلها سريعا. وتساءلت حينها، هل المطلوب من العرب استنساخ عشرين غونتر غراس لحل مشكلات الحرية والمضايقات التي كثيرا ما تطفو على سطح الساحة الثقافية والسياسية ويكون ضحاياها كتاب وإعلاميون.. أم نطلب من عمرو موسى يجعل من غونتر غراس مندوبا للحريات ببلاد العرب؟
فجّر غراس يوم 12 أوت 2006  قنبلة هزت ألمانيا، كما هزت نطحة زيدان العالم قبل شهر (..) فقد صرح لصحيفة "فرانكفورتر ألجماين زايتونغ" أنه بصدد كتابة سيرته الذاتية وفيها يعترف أنه انخرط في العام 1944 وعمره آنذاك 17 عاما في الشرطة السرية الألمانية "الوافن أس أس" التي ينظر إليها كتنظيم دموي.. ويقول في الحوار المطول الذي يسرد فيه الظروف التي جعلته ينضم "متطوعا" في الجيش الألماني، إن السبب هو التخلص من قبضة العائلة والتحرر منها.. وأن إرهاصات ذلك بدأت في سن الخامسة عشرة مع بعض الشباب الذين كانوا في مثل سنه.. ويضيف بأنه كان يتمنى الإنخراط في سلك البحرية لكنه وجد نفسه في الشرطة السرية قبل أن تأسره القوات الأمريكية في مدينة مارينباد بتشيكوسلوفاكيا.. ولهذا فإن كثيرا من الأوساط الإعلامية والثقافية بدأت تسأل إن كان الأمريكان يعرفون بذلك ويكتمون السر (..) ويتحدث غراس طويلا عن وعيه السياسي بخطورة النازية عقب محاكمات نورمبرغ الشهيرة التي فتحت ذهنه على حقائق كثيرة منها أن الألمان ليس من حقهم أن يصمتوا إزاء جرائم هتلر.. وأن في صمتهم ولو بعد هذا العمر الطويل تواطؤ غير مفهوم.. ويتساءل ببساطة ما الذي جعل الألمان ينتخبون  كورت جورج كيسنغير مستشارا لهم في الفترة ما بين 1966– 1969 وهو المعروف كأحد رموز النازية في ألمانيا؟ وهنا يبدأ في طرح أسئلة المحرقة والهولوكوست ومعتقلات أوشويتز..
ويضيف بأنه عاش أياما في المعتقل جعلته يفهم كيف تمارس العنصرية، وكيف يتعامل الضابط الأبيض مع الجندي الأسود وهما ينتميان لكتيبة واحدة.. فالحرب أيضا مدرسة.
ويعتقد غراس أن إقامته في فرنسا لفترة قصيرة ومعايشته  للمحاورات التي جرت بين جان بول سارتر وألبير كامو جعلته ينخرط بشكل نهائي في الفعل السياسي، وأنه كان مناصرا لكامو الذي يمتلك مفاهيم أكثر مرونة للحرية..
غراس يعترف بانخراطه في النازية بعد ستين عاما.. ويعترف بأنه كان يحمل على كاهله جبلا من الحقيقة التي كان عليه أن يقولها يوما ما، وجاءت اللحظة الفاصلة ليقول إنه كان نازيا وليفعل العالم ما أراد (..) وإذا كان جزء من الرأي العام الألماني يرى في اعتراف غراس شجاعة خارقة فإن جزءا يرى في ذلك اعترافا متأخرا بالذنب.. ويرى اليهود إن ما قاله غراس عن انتسابه للشرطة السرية النازية لا يعدو أن يكون دعاية لكتابه القادم (..) بينما لا ترى مؤسسة نوبل ضرورة لتجريد غراس من الجائزة التي نالها عن جدارة، ولا مجال لمحاولة ربطها بالماضي التاريخي المؤلم الذي يسعى العالم إلى نسيانه..
إن ثقافة الإعتراف، بقدر ما هي مؤلمة وقاسية وجارحة، فإنها لا تصدر إلا عن الذين بلغوا مستوى متقدما من ممارسة الحرية بوعي كبير وحاد.. ويمكن لكثير من الرموز الفكرية والسياسية أن ترهن تاريخها الطويل في اعتراف يجهله الناس، قد يكون شخصيا أو يكون مرتبطا بموقف ثقافي أو سياسي.. ولنا في مذكرات كثير من الشخصيات التي لامست سطح العالمية ما يدل على ذلك.. ويكفي أن نتأمل ما قاله غراس في حواره مع الصحيفة الألمانية "كثيرا ما كنت أفكرا طويلا في كيفية الإعتراف أمام جيل جديد  بحقيقة أخفيتها طويلا.." فهل نحن في زمن الاعتراف؟..

Share this
 

طالع أيضا

حروب الذاكرة على أبوابنا

يتباهى الأرمن بجبل آرارات الذي يقولون إن سفينة نوح رست به بعد الطوفان.. ويضعون اسمه على أفخر أنواع النبيذ (..) ويرفع الأرمن قبعاتهم لأشهر مطرب في تاريخهم، شارل أزنافور، الذي جعلوه سفيرهم في سويسرا بعد أن قلدوه، وهو الفرنسي الشهرة، وسام البطل القومي المدافع عن قضية شعبه الذي "أباده" الأتراك قبل مائة عام.

مالك بن نبي يقرأ الربيع العربي..

لا أزعم أنني التقيت هذا الرجل.. لكنني أذكر ملامحه جيّدا حين دُعيَ لإلقاء محاضرة بإحدى قاعات السينما بباتنة في العام 1972.. ولم أكن حينها أفهم معنى أن يتحدث الانسان عن الحضارة والهوية والزّمن والتاريخ..

نهاية العالم ليست غدا

 

في اليوم 21 ديسمبر 2012. يجلس نوستراداموس في زاوية مقهى باريسيّ يدخّن غليونه ويرتشفُ فنجان قهوة يمنيّة. يتأمّل عقارب ساعته المتثاقلة، ثم يسأل النادل إن تغيّرت أحوال الطقس خارج المقهى، فيقول "لا"، فيبصق في وجهه ويخرج مسرعا، وهو يصرخ في الناس "يمكنكم أن تعودوا إلى بيوتكم.. القيامة ليست اليوم، ونهاية العالم ليست غدا..".

الخوف من عقل لا يفكر..

 

لا يمكن لأي تغيير أو إعادة تشكل في الوعي أو البنية الفكرية أن يتم خارج حدود العقل البشري. فكل شيء منوط بالإنسان الذي يمتلك قدرة التفكير والتصور وصناعة الحضارة.

أقل من ثورة.. أكبر من انتفاضة

طرح أمس خبراء في السياسة والفكر والإعلام، سؤالابحجم المأساة هو: هل ما نشهده اليوم انتفاضات أم ثورات؟ وكانت الإجابة إننا إزاء "شكولاطة عربية" لا هي بيضاء ولا سوداء، فلا هي ثورة ولا هي انتفاضة، لا هي تمرّد، ولا هي انقلاب.. قد تكون سلمية، لكنها لا تعدم استخدام القوة. هي بلا رأس، وقد يكون من الأغراب.. إنها منتوج عربيّ غير قابل للتسمية (..). أو ربّما هي أكبر قليلا من انتفاضة وأقل كثيرا من ثورة.. ولكن كيف حال سؤال كهذا في التاريخ؟

أطفالنا.. هل يعرفون أبوليوس؟

لا شك أن أساس النهضة السليمة تقرره النخب الوطنية التي تمتلك قدرة في الاستيعاب والتحليل والتصور والتنفيذ، ولا يمكن تصور بلد مثل الجزائر مفتقرا إلى هذه الكفاءات التي تنتشر عبر العالم مؤكدة تفوقها وإبداعها في مختلف الميادين.

محمد سامي.. طفل الدهشة

كان عليّ أن أخبئ هذه اللوحة في مكان لا تصل إليه العفاريت، ولا أعرضها على غيري خوفا من أن تمتد إليها يد الآثمين أو اللصوص ليلا فأفقدها إلى الأبد.. فأوصدت الأبواب وأحكمت إغلاق الشبابيك خوفا من ريح عابرة تتلف ألوانها، وأطفأت الأضواء حتى لا تلتفت إليها الفراشات فتتملكها الغيرة.. ووضعت عليها تمائم جلبتها عرافة الحيّ من حيث لا أدري..

 إنها لوحة غير عادية، أسميتها "الجياد المفجوعة"، ولا أعرف أي اسم أطلقه عليها محمد سامي الطفل الذي يلاحق الأحلام الهاربة..

يا ناس.. جائزة لوجه الله

يبدو أن نوبل 2011 (الآداب أو السلام) ستؤول إلى العرب، ولو فكّرت لجنة أوسلو في غير العرب لكانت خارج السياق التاريخي (..) لأنّ جغرافيا الأحداث تفرض ذلك، هكذا يتوقّع خبراء الجائزة، بالنظر إلى توجّهاتها.. السياسية.