صابينا.. عاشقة المتنبي!

صابينا.. عاشقة المتنبي!

حدث هذا في ربيع 2000.. حين دعيت للمشاركة في أول دورة من مهرجان المتنبي العالمي للشعر بزيوريخ بدولة سويسرا!..
فقد اجتمع عشرات الشعراء المدعوين إلى مسرح " غاليري الأرض " الذي يديره المركز الثقافي العربي السويسري بكبرى المدن السويسرية زيوريخ.. وأذكر من بين الشعراء المشاركين: سورتاريوس أحد أكبر شعراء ألمانيا حاليا وواحد المعجبين بشعر العرب الصوفي وأحد الحاملين لأجمل الذكريات عن زياراته للبلاد العربية كما أخبرني بذلك.. وهو كما علمت يشغل حاليا مدير عام المهرجانات الثقافية بألمانيا بدرجة وزير.. كما حضر المهرجان الشعراء عبد المعطي حجازي من مصر،  ومحمد الفيتوري من ليبيا، وسيلفيان دوبوي من سويسرا، وأمل الجبوري من العراق، وفوزية السندي من البحرين، وتيوبالدي من سويسرا وعبد الوهاب المؤدب من تونس، وشعراء من فرنسا والنمسا وإيطاليا وليشتنشتاين..

أبو الطيب المتنبي في زيوريخ.. هل هذا معقول يا عباد الله ؟.
قد يكون مجنونا علي الشلاه عندما فكر في نقل هذا الشاعر الذي يمدح سيف الدولة ويهجو كافور ويرتقي ببدر بن عمار ويموت بسيف فاتك بن جهل.. ويترك وراءه خلقا محتارا في أمره.. فهو شاعر استثنائي.. ولكن أعود فأقول أي بعوضة إفريقية لسعت الشاعر الرقيق على الشلاه ليأخذ المتنبي ويزج به في شوارع زيوريخ السويسرية جغرافية والألمانية لسانا؟، ربما خوفا عليه من العرب الجدد الذين ينامون على الماكدونالد ويستيقظون على.. الهومبورجر !!
المهم شكرا لعلي البابلي.. ولأنه ليس من السهل إلقاء شعر في قاعة مسرح جمهورها  لا يعرف سوى الألمانية كان علي  أن أستعين بالدكتور الراحل أبو العيد دودو الخبير بالجرمان ولغتهم ليترجم لي قصيدتين هما " اللعنة والغفران " و" بكائية بختي "، ففي يوم الافتتاح كرمني المنظمون بأن أكون ضمن الأربعة المختارين لقراءة شعرهم (سورتاريوس، وحجازي وتيوبالدي.. وأنا).
ولأنني رابع الشعراء فقد عرفت أن الجمهور الحاضر يعرف متى يصفق للشاعر ومتى يصمت؟.. وهو ما جعلني أطمئن لذلك اللقاء الشعري الذي تم تحت شموع سويسرية خافتة الإنارة. وعندما شرعت في قراءة قصيدتي ارتجالا دون الاستعانة بالنص مكتوبا وبصوت متغير النبرة مع استخدام لحركات اليد وملامح الوجه.. لاحظت أن القاعة اندمجت بصورة تلقائية مع القصيدة  مما أكسبها تصفيقا متواصلا.. وذات المشهد تكرر مع الممثل السويسري  الذي تم اختياره لقراءة القصيدة مترجمة حيث استعاد أجواء النص الدرامية.. فقد شهد الجميع ببلوغ الترجمة الرائعة للدكتور دودو مستوى من تفاعل الجمهور ما جعل البعض يعتقد أنها النص الأصلي.. شعرت في نهاية الأمسية أن الشعر لم ينته مثلما قال بعض المتعصبين للرواية والأشكال الإبداعية الأخرى وشعرت أن كل العرب حاضرون معي في تلك اللحظات السعيدة.. وزاد من ذلك الإحساس أن الشاعر الألماني سورتاريوس تقدم مني وقال لي: " كنت متألقا.. وكانت قصيدتك مؤثرة جدا"، وإذا تلقيت شهادة من شاعر كبير فذلك يعني أنك قلت شيئا مهما  هكذا فهمت كلمة سورتاريوس.. وهكذا قرأت في عيون السويسريين الذين أحاط بعضهم بي لأخذ صورة للذكرى..
في اليوم الموالي جاءتني شاعرة سويسرية نحيفة الجسم حليقة الرأس كأنما هي واحدة من غجر أوروبا الشرقية.. اسمها " صابينا نايف " بادلتني كثيرا من المجاملات وقالت لي إن ديوانها الأخير فاز بجائزة ألمانية كأحسن ديوان شعري للشعراء الشباب للعام 1999 وقالت إنها تعشق الشعر وتكتبه باستمرار.. غير أنها أدركت أن ما كانت تكتبه لا يعدو أن يكون كلاما تجريديا لا علاقة له بالشعر.. وأن الشعراء الحقيقيين هم الشعراء العرب !! الذين ينتمون إلى فصيلة المتنبي العظيم.
فحاولت أن أقنعها بأن الشعر ليس حكرا على أمة دون أخرى فهناك طاغور وسعدي الشيرازي وريمبو ونيرودا وإليوت وأراغون ودرويش.. لكنها قالت لي إن الذي يحمل ورقة ويقرأها كخطبة سياسية أمام الناس.. لا علاقة له بالشعر (!) وأضافت ثلاثة أشياء شدتني نحو قصيدتك: الأولى أنك قرأت دون ورقة، والثانية أنك استخدمت موسيقى جميلة ذات إيقاع مختلف، والثالثة أنك استعنت بحركات رأسك ويديك لتعطي القصيدة أبعادا أخرى.. هكذا يكون الشعر وهكذا يكون الشاعر! ... وافترقنا على هذه الكلمات.. وفي صبيحة الغد جاءت صابينا ومعها عدد من أصدقائها الذين يكتبون أو يحبون سماع الشعر وقالت لي: " أريدك أن تحكم     علي إن كنت شاعرة أم لا؟، فضحكت وقلت لها تفوزين بجائزة في ألمانيا وتريدين مني أن أحكم على شاعريتك وأنا الذي جئت أمتحن شاعريتي في بلادكم ؟"،  فقالت بلهجة مختلفة: " رأي شاعر عربي يهمني كثيرا! "، وراحت تقرأ أشعارا من الذاكرة مستعينة بحركات يديها وبموسيقى داخلية هادئة.. فقرأت مقطعا ما زلت أذكره:
كان الثلج يتساقط
وكان الشارع يفصل بيني وبينه
كلمني.. لم أسمع كلماته
كلمته.. لم يسمع كلماتي
الثلج غطى الكلمات!
صفقت لها، فقالت أخشى أن تكون مجاملا لي؟ ، فلم أجد بدا من أن أقول لها ليس أمامك في هذه الحال سوى أن تسألي المتنبي إن كنت شاعرة أم لا؟!.. وفي صبيحة الغد عدت تاركا ورائي المتنبي وضيوفه يقرأون الشعر ويتبادلون الطرائف ويهربون من برد شوارع زيوريخ الجميلة إلى قاعة " غاليري الأرض" حيث يقيم أبو الطيب الذي ترك الشعر جانبا وصار يسأل من يلتقي بهم عن.. معنى الحداثة

Share this
 

طالع أيضا

حروب الذاكرة على أبوابنا

يتباهى الأرمن بجبل آرارات الذي يقولون إن سفينة نوح رست به بعد الطوفان.. ويضعون اسمه على أفخر أنواع النبيذ (..) ويرفع الأرمن قبعاتهم لأشهر مطرب في تاريخهم، شارل أزنافور، الذي جعلوه سفيرهم في سويسرا بعد أن قلدوه، وهو الفرنسي الشهرة، وسام البطل القومي المدافع عن قضية شعبه الذي "أباده" الأتراك قبل مائة عام.

مالك بن نبي يقرأ الربيع العربي..

لا أزعم أنني التقيت هذا الرجل.. لكنني أذكر ملامحه جيّدا حين دُعيَ لإلقاء محاضرة بإحدى قاعات السينما بباتنة في العام 1972.. ولم أكن حينها أفهم معنى أن يتحدث الانسان عن الحضارة والهوية والزّمن والتاريخ..

نهاية العالم ليست غدا

 

في اليوم 21 ديسمبر 2012. يجلس نوستراداموس في زاوية مقهى باريسيّ يدخّن غليونه ويرتشفُ فنجان قهوة يمنيّة. يتأمّل عقارب ساعته المتثاقلة، ثم يسأل النادل إن تغيّرت أحوال الطقس خارج المقهى، فيقول "لا"، فيبصق في وجهه ويخرج مسرعا، وهو يصرخ في الناس "يمكنكم أن تعودوا إلى بيوتكم.. القيامة ليست اليوم، ونهاية العالم ليست غدا..".

الخوف من عقل لا يفكر..

 

لا يمكن لأي تغيير أو إعادة تشكل في الوعي أو البنية الفكرية أن يتم خارج حدود العقل البشري. فكل شيء منوط بالإنسان الذي يمتلك قدرة التفكير والتصور وصناعة الحضارة.

أقل من ثورة.. أكبر من انتفاضة

طرح أمس خبراء في السياسة والفكر والإعلام، سؤالابحجم المأساة هو: هل ما نشهده اليوم انتفاضات أم ثورات؟ وكانت الإجابة إننا إزاء "شكولاطة عربية" لا هي بيضاء ولا سوداء، فلا هي ثورة ولا هي انتفاضة، لا هي تمرّد، ولا هي انقلاب.. قد تكون سلمية، لكنها لا تعدم استخدام القوة. هي بلا رأس، وقد يكون من الأغراب.. إنها منتوج عربيّ غير قابل للتسمية (..). أو ربّما هي أكبر قليلا من انتفاضة وأقل كثيرا من ثورة.. ولكن كيف حال سؤال كهذا في التاريخ؟

أطفالنا.. هل يعرفون أبوليوس؟

لا شك أن أساس النهضة السليمة تقرره النخب الوطنية التي تمتلك قدرة في الاستيعاب والتحليل والتصور والتنفيذ، ولا يمكن تصور بلد مثل الجزائر مفتقرا إلى هذه الكفاءات التي تنتشر عبر العالم مؤكدة تفوقها وإبداعها في مختلف الميادين.

محمد سامي.. طفل الدهشة

كان عليّ أن أخبئ هذه اللوحة في مكان لا تصل إليه العفاريت، ولا أعرضها على غيري خوفا من أن تمتد إليها يد الآثمين أو اللصوص ليلا فأفقدها إلى الأبد.. فأوصدت الأبواب وأحكمت إغلاق الشبابيك خوفا من ريح عابرة تتلف ألوانها، وأطفأت الأضواء حتى لا تلتفت إليها الفراشات فتتملكها الغيرة.. ووضعت عليها تمائم جلبتها عرافة الحيّ من حيث لا أدري..

 إنها لوحة غير عادية، أسميتها "الجياد المفجوعة"، ولا أعرف أي اسم أطلقه عليها محمد سامي الطفل الذي يلاحق الأحلام الهاربة..

يا ناس.. جائزة لوجه الله

يبدو أن نوبل 2011 (الآداب أو السلام) ستؤول إلى العرب، ولو فكّرت لجنة أوسلو في غير العرب لكانت خارج السياق التاريخي (..) لأنّ جغرافيا الأحداث تفرض ذلك، هكذا يتوقّع خبراء الجائزة، بالنظر إلى توجّهاتها.. السياسية.