حكايتي مع الأهلي ونجيب محفوظ

حكايتي مع الأهلي ونجيب محفوظ

من حق صحفي شاب أن يتباهى بإنجازاته وأن يذكرها كل مرة ويعيد ذكرها كلما شعر أن الناس نسوها ليؤكد لهم أنه حقق فتحا صحفيا غير مسبوق.. ذلك ما قمت به قبل 17 عاما، أي في العام 1988 الذي تزامن مع انفجار الشارع الجزائري والتعجيل بفتح المجالين السياسي والإعلامي، والعام نفسه الذي حطت فيه حرب الخليج الأولى بين إيران والعراق أوزارها، وفي هذا العام نال الروائي الكبير نجيب محفوظ جائزة نوبل للآداب   بعد انتظار طويل للثقافة العربية، رغم إدراك العرب لما للجائزة  من خلفيات سياسية، ولكن الجائزة تعد الأرقى في منظومة الجوائز العالمية قيمة وقيمة.

كنت في هذه الفترة صحفيا بجريدة " الشعب " الجزائرية وانتدبت لتغطية مباراة في كرة القدم برسم نصف نهائي كأس إفريقيا للأندية الأبطال بين الأهلي المصري ووفاق سطيف الجزائري، ولكنني أردت أن أضرب عصفورين بحجر واحد، هو تغطية وقائع المباراة وإجراء حوار مع نجيب محفوظ، واتصلت بالسفارة الجزائرية بالقاهرة التي ضبطت لي موعدا في نفس يوم المباراة إنما بساعتين قبل صافرة الانطلاق.
لم أخبر أحدا بما أعددت له خوفا من مزاحمتي في تحقيق سبق صحفي، وفي تمام الحادية عشرة كنت في الطابق السادس على ما أذكر من مبنى الأهرام منتظرا دوري لإجراء حوار مع نجيب محفوظ.
كانت القاعة غاصة بمن هم في مثل حالتي، خرج علينا موظف وحدد دور كل واحد منا قائلا: " بعد التلفزيون الألماني الدور على هذه السيدة، وصحفي الجزائر.."، وانتبهت  إلي تلك السيدة العجوز، وابتسمت وهي تقول لي بانجليزية لم أفهمها  لأنني باختصار  لا أعرف من الإنجليزية إلا ما سهل من كلام يردده عامة الناس، فكان ردي ابتسامة مماثلة قالت لي: " آي آم جويش "، فلم أنتبه إلى أنها كانت تقول لي: " أنا يهودية "،  فكررت الابتسامة، ولم تمض دقائق حتى نودي عليها، فأسرعت لكن المفاجأة كانت كبيرة  عندما سمعت بعد دقائق معدودة صراخا في مكتب نجيب محفوظ " أخرجي.. أخرجي.. موش عاوز أجاوبك.. أخرجي "، وخرجت السيدة اليهودية خروج شارون من غزة (..)، وتبين    فيما بعد أنها صحفية إسرائيلية بدأت حوارها مع الحائز على نوبل بسؤال استفزازي يتمثل   في دعوة محفوظ لزيارة إسرائيل أو ما شابه ذلك، فاغتاظ وطردها شر طردة، وهو ما جعلني  ذا حظوة لديه.
دخلت مكتبه ومعي الملحقة الثقافية للسفارة الجزائرية آنذاك الآنسة جنات المقراني التي رتبت لي الموعد، فقدمت له نفسي فحيا الجزائر وثورتها وشعبها، ثم أجاب على كل أسئلتي الأدبية وغير الأدبية، بما في ذلك الذي يقرن فوزه بالجائزة بمواقفه السياسية، و كان في كل مرة   يعيد تحيته للشعب الجزائري، وكأنه ينتقم من تلك الصحفية التي عكرت مزاجه وهو في نشوة عالية بالفوز وبالحديث فيما يحب، الأدب أولا والأدب ثانيا.. و السياسة إن بقي مكان.
كان نجيب محفوظ " ثقــيل " السمع، ويضع جهاز تقوية لذلك، فاخترت الجهة التي تجعلني أتحدث بحرية دون أن أصرخ عند طرح السؤال، وهو ما جعل أحد مساعديه ينتبه إلى ذلك ويبتسم قائلا :" برافو.. أنت فاهم الشغـل".
وعند خروجي من مكتبه لاحظت أن من كانوا ورائي أغلبهم من الصحفيين الأجانب، كانوا قلقين جدا وينظرون إلي بغضب وكأنهم يقولون لي: " لقد أعطيت وقتا طويلا "، وهم لا يعلمون أنني قدمت من الجزائر وأنني دخلت بعد صحفية إسرائيلية.. وأنني كنت قلقا       أيضا مثلهم لأن مباراة في القمة تنطلق على الواحدة.. في انتظاري.
وإذا عدت دون أن أغطي المباراة فلن يشفع لدى رئيس تحرير حواري مع نجيب محفوظ  لأن الآلاف من عشاق الكرة ينتظرون أخبارا وتعاليق عن اللقاء الكروي.. وأما الأدب فله أصحابه وهم ليسوا من أنصار.. الجلد المنفوخ.
غادرت بناية الأهرام بعد أن حققت هذه الضربة الصحفية وأغلقت على الشريط بالمفاتيح السبعة وأخذت سيارة أجرة  أقلتني إلى حيث مباراة الأهلي ووفاق سطيف في ستاد القاهرة، ومن حسني حظي أنني وصلت مع صافرة البداية، حتى لكأنني اعتقدت أن الحكم السينغالي (بدارا سيني) كان متواطئا معي.
انتهت المباراة بتأهل وفاق سطيف لأول مرة للنهائي أمام خيبة مائة ألف من أنصار النادي الأشهر في مصر وإفريقيا ليدفع فاتورة الإقصاء المدرب الألماني ( فايتسه)، فأسرعت إلى الفندق واتصلت بالجريدة معلنا عن فوز الوفاق، وفوزي بحوار مع نجيب محفوظ، فكانت ضربة معلم شاب.
بعد يومين عدنا إلى الجزائر، وفي ثالث يوم نشر الحوار على صفحة كاملة مع عديد الصور ولكن ذلك اليوم الذي حققت فيه تلك الخبطة الصحفية لم يمر هكذا دون لوم وسباب أحيانا من الصحفيين الذين انتقلوا إلى القاهرة، فكانوا يتلقون ضربات العصي في مؤسساتهم الإعلامية وهم ينهالون علي بقولهم: " لماذا لم تأخذنا معك؟، فأرد بخبث: " ولكنكم ذهبتم لتغطية مباراة في كرة القدم ".. وبعضهم ما زال يذكرني بها إلى اليوم ويقول  لي: " لا يفعلها إلا إبليس..".

Share this
 

طالع أيضا

حروب الذاكرة على أبوابنا

يتباهى الأرمن بجبل آرارات الذي يقولون إن سفينة نوح رست به بعد الطوفان.. ويضعون اسمه على أفخر أنواع النبيذ (..) ويرفع الأرمن قبعاتهم لأشهر مطرب في تاريخهم، شارل أزنافور، الذي جعلوه سفيرهم في سويسرا بعد أن قلدوه، وهو الفرنسي الشهرة، وسام البطل القومي المدافع عن قضية شعبه الذي "أباده" الأتراك قبل مائة عام.

مالك بن نبي يقرأ الربيع العربي..

لا أزعم أنني التقيت هذا الرجل.. لكنني أذكر ملامحه جيّدا حين دُعيَ لإلقاء محاضرة بإحدى قاعات السينما بباتنة في العام 1972.. ولم أكن حينها أفهم معنى أن يتحدث الانسان عن الحضارة والهوية والزّمن والتاريخ..

نهاية العالم ليست غدا

 

في اليوم 21 ديسمبر 2012. يجلس نوستراداموس في زاوية مقهى باريسيّ يدخّن غليونه ويرتشفُ فنجان قهوة يمنيّة. يتأمّل عقارب ساعته المتثاقلة، ثم يسأل النادل إن تغيّرت أحوال الطقس خارج المقهى، فيقول "لا"، فيبصق في وجهه ويخرج مسرعا، وهو يصرخ في الناس "يمكنكم أن تعودوا إلى بيوتكم.. القيامة ليست اليوم، ونهاية العالم ليست غدا..".

الخوف من عقل لا يفكر..

 

لا يمكن لأي تغيير أو إعادة تشكل في الوعي أو البنية الفكرية أن يتم خارج حدود العقل البشري. فكل شيء منوط بالإنسان الذي يمتلك قدرة التفكير والتصور وصناعة الحضارة.

أقل من ثورة.. أكبر من انتفاضة

طرح أمس خبراء في السياسة والفكر والإعلام، سؤالابحجم المأساة هو: هل ما نشهده اليوم انتفاضات أم ثورات؟ وكانت الإجابة إننا إزاء "شكولاطة عربية" لا هي بيضاء ولا سوداء، فلا هي ثورة ولا هي انتفاضة، لا هي تمرّد، ولا هي انقلاب.. قد تكون سلمية، لكنها لا تعدم استخدام القوة. هي بلا رأس، وقد يكون من الأغراب.. إنها منتوج عربيّ غير قابل للتسمية (..). أو ربّما هي أكبر قليلا من انتفاضة وأقل كثيرا من ثورة.. ولكن كيف حال سؤال كهذا في التاريخ؟

أطفالنا.. هل يعرفون أبوليوس؟

لا شك أن أساس النهضة السليمة تقرره النخب الوطنية التي تمتلك قدرة في الاستيعاب والتحليل والتصور والتنفيذ، ولا يمكن تصور بلد مثل الجزائر مفتقرا إلى هذه الكفاءات التي تنتشر عبر العالم مؤكدة تفوقها وإبداعها في مختلف الميادين.

محمد سامي.. طفل الدهشة

كان عليّ أن أخبئ هذه اللوحة في مكان لا تصل إليه العفاريت، ولا أعرضها على غيري خوفا من أن تمتد إليها يد الآثمين أو اللصوص ليلا فأفقدها إلى الأبد.. فأوصدت الأبواب وأحكمت إغلاق الشبابيك خوفا من ريح عابرة تتلف ألوانها، وأطفأت الأضواء حتى لا تلتفت إليها الفراشات فتتملكها الغيرة.. ووضعت عليها تمائم جلبتها عرافة الحيّ من حيث لا أدري..

 إنها لوحة غير عادية، أسميتها "الجياد المفجوعة"، ولا أعرف أي اسم أطلقه عليها محمد سامي الطفل الذي يلاحق الأحلام الهاربة..

يا ناس.. جائزة لوجه الله

يبدو أن نوبل 2011 (الآداب أو السلام) ستؤول إلى العرب، ولو فكّرت لجنة أوسلو في غير العرب لكانت خارج السياق التاريخي (..) لأنّ جغرافيا الأحداث تفرض ذلك، هكذا يتوقّع خبراء الجائزة، بالنظر إلى توجّهاتها.. السياسية.