حتى بريجيت قالت "لا للحرب.."

حتى بريجيت قالت "لا للحرب.."

انتبهت السيدة "ب.ب" إلى أن البشر أيضا يتعرضون للقتل البشع وليست الحيوانات فقط التي تتعرض للإبادة بفعل الإنسان، وأن ما شهدته "قانا" ينسي ما تتعرض له الفيلة في كينيا وقطعان الغنم في يوم النحر لدى المسلمين أيام عيد الأضحى..
بريجيت باردو سيدة السينما الفرنسية والعالمية قبل خمسين عاما، درست الفلسفة ثم انتبهت إلى أن الله وهبها جمالا وحسنا فاتجهت إلى السينما وصارت نجمة الشباك الأولى بلا منازع في العالم كله.. وعندما بلغت سن اليأس وأدركت أن الفأس في الرأس انسحبت من عالم السينما لتختار وجهة أخرى هي الدفاع عن الحيوانات.. ولا غرابة إن كان بيتها حظيرة لكل أنواع الحيوانات من قردة وقطط وكلاب ودواجن وخنازير وأبقار.. وأسست في سبيل ذلك جمعية عالمية لا هم لها إلا إعلان الحرب على كل من يؤذي قطا أو كلبا (..) ووجدت في دعم الإعلام لها سلاحا توجهه نحو من لا يحمون الحيوانات ويتركونها عرضة للقتل والإبادة..

لم تكن بريجيت تخفي ميولها الداعمة لإسرائيل، وربما كانت تنظر إليها كحيوان أليف يسعى العرب لقتله والتخلص منه (..) وربما كانت تنظر إلى الكيان العبري وكأنه حيوان "الباندا" الآيل للإنقراض فصارت مدافعا شرسا عن شارون وشامير وقبلهما بيجن ومائير.. وربطت العرب والمسلمين بما يقومون به سنويا من نحر للملايين من رؤوس الغنم تنفيذا لشعيرة دينية لا تريد بريجيت أن تفهمها.. فالذين يقتلون، كما تقول، البقر يقتلون البشر.. وكأن أتباع شارون يرمون على أطفال لبنان وفلسطين ورودا في الليل وعطورا في النهار..
بريجيت في الحرب على لبنان 2006 شاهدت ربّما عن طريق الخطأ (..) في التلفزيون الفرنسي صورا لأطفال قانا وهم يسحبون من تحت الأنقاض، ويبدو أنها شعرت بشيء من الألم (..) فقالت لعمير بيراتس "عليك أن توقف الحرب فورا" وكأن وزير الحرب الإسرائيلي ظل ينتظر رسالة من السيدة "ب.ب" ليأمره جيشه بالتوقف عن قتل المدنيين وتدمير البنية التحتية للبنان (..) لا ينقصه سوى رسالة من ممثلة سينمائية.
لا بأس إن قلنا، لقد حصل تطور كبير في فهم السيدة باردو لمعنى الإبادة والقتل، وأنها انتقلت في آخر عمرها من الدفاع عن الحيوان إلى الدفاع عن الإنسان.. ومع هذا نقول إن بريجيت سجلت موقفا لم تجرؤ عليه حكومات عربية (..) مع الإحتفاظ بموقفي حسين فهمي وجمال سليمان اللذين رميا ورقة اعتمادهما سفيرين للنوايا الحسنة في مكتب كوفي عنان احتجاجا على العدوان والقتل الذي تمارسه إسرائيل أمام أنظار العالم..
في زاوية أخرى من العالم وجد ستيفن سبيلبيرغ فرصة استعادة صورته المشوهة لدى اليهود بعد فيلمه "ميونيخ" الذي استعاد فيه مخطط الانتقام الذي قامت به إسرائيل بعد مقتل 11 رياضيا من بعثتها للإلعاب الأولمبية بميونيخ 1972 إذ قدم رؤية مختلفة عما كان يريده الإسرائليون من إدانة للعرب.. بل إنه جعل الذين يقومون من اليهود بعمليات الثأر يسألون في النهاية عن السبب الذي يدفعهم إلى القتل والإنتقام.. ويقرر البطل الرئيس الهجرة والإقامة بعيدا عن تل أبيب (..).
سبيلبيرغ وجد في الحرب على لبنان فرصة تصالحه مع أبناء ديانته فمنح إسرائيل مليون دولار للتكفل بالنازحين من شمالها بفعل صواريخ حزب الله.. المختار التي تهطل يوميا على شعب الله.. المحتار.
فأشهر مخرج سينمائي شهده العالم في الثلاثين سنة الأخيرة عاد إلى جلده ولم ير ما فعلته طائرات الموت في قانا.. أو ربما لأنه لم يشاهد أخبار الحرب مثل باردو، ولم ير منها سوى صور القابعين في الملاجئ أو الهاربين في لشوارع حيفا..
سألني أحد الشباب العربي على هامش المخيم القومي للشباب العربي الذي احتضنته الجزائر في 2006 "ماذا قدم المثقفون العرب للبنان ومقاومته؟" فأجبت طبعا "قدموا كثيرا من الكلام.. لأنهم لا يملكون أكثر من ذلك؟ ومن كان عنده بديلا غير ذلك فليقدمه.. تلك هي الحقيقة." ولم أشأ أن أرفع سقف السؤال إلى طرح سؤال مكمل هو "ما دام المثقفون أعجز من أن يؤثروا في القرار السياسي العربي وفي تحريك الشارع.. فما هو السبيل؟ فأجيب بعفوية بالغة "ربما تجدون الجواب لدى الرئيس الفنزويلي شافيز فقد بدا للناس أكثر عروبة من عمرو موسى.."
تقول الأرقام والمعلومات القادمة من إسرائيل إن المثقفين كانوا في بداية الحرب على خط واحد مع قرار أولمرت وفي منتصف الشهر بدأ بعضهم يشعر أن مغامرة الحرب غير محسوبة.. وفي نهاية الشهر صار صوت المثقفين أعلى بأن طالبوا بالاعتراف بالهزيمة وحل الصراع بالطرق الودية والديبلوماسية.. وبعد أيام سيقلب المثقفون ومن يؤيدهم الطاولة على رأس أولمرت المحامي الفاشل وبيراتس النقابي التعبان وأن يحال قادة الجيش على المعاش المسبق.. وأن يواصل الحاخامات تلاوة ما حرفوه من توراة منتظرين ساعة النجاة.
مثقفوهم يشكلون الترمومتر الحقيقي لمدى صلابة وتماسك المجتمع الإسرائيلي.. فهم يدركون أنهم ولدوا في ملاجئ وأقاموا في دبابات وأصبحوا "دولة" حرب بامتياز، وأنهم قدموا إلى أرض الميعاد من 90 بلدا وفي جيب كل واحد عدد من جوازات السفر.. إذا وصل الأمر حدا لا يطاق، هرب إلى أرض الله حيث لا حزب الله ولا شعب الله.. ولا سيدة من باريس تدعو لحماية خلق الله.

Share this
 

طالع أيضا

حروب الذاكرة على أبوابنا

يتباهى الأرمن بجبل آرارات الذي يقولون إن سفينة نوح رست به بعد الطوفان.. ويضعون اسمه على أفخر أنواع النبيذ (..) ويرفع الأرمن قبعاتهم لأشهر مطرب في تاريخهم، شارل أزنافور، الذي جعلوه سفيرهم في سويسرا بعد أن قلدوه، وهو الفرنسي الشهرة، وسام البطل القومي المدافع عن قضية شعبه الذي "أباده" الأتراك قبل مائة عام.

مالك بن نبي يقرأ الربيع العربي..

لا أزعم أنني التقيت هذا الرجل.. لكنني أذكر ملامحه جيّدا حين دُعيَ لإلقاء محاضرة بإحدى قاعات السينما بباتنة في العام 1972.. ولم أكن حينها أفهم معنى أن يتحدث الانسان عن الحضارة والهوية والزّمن والتاريخ..

نهاية العالم ليست غدا

 

في اليوم 21 ديسمبر 2012. يجلس نوستراداموس في زاوية مقهى باريسيّ يدخّن غليونه ويرتشفُ فنجان قهوة يمنيّة. يتأمّل عقارب ساعته المتثاقلة، ثم يسأل النادل إن تغيّرت أحوال الطقس خارج المقهى، فيقول "لا"، فيبصق في وجهه ويخرج مسرعا، وهو يصرخ في الناس "يمكنكم أن تعودوا إلى بيوتكم.. القيامة ليست اليوم، ونهاية العالم ليست غدا..".

الخوف من عقل لا يفكر..

 

لا يمكن لأي تغيير أو إعادة تشكل في الوعي أو البنية الفكرية أن يتم خارج حدود العقل البشري. فكل شيء منوط بالإنسان الذي يمتلك قدرة التفكير والتصور وصناعة الحضارة.

أقل من ثورة.. أكبر من انتفاضة

طرح أمس خبراء في السياسة والفكر والإعلام، سؤالابحجم المأساة هو: هل ما نشهده اليوم انتفاضات أم ثورات؟ وكانت الإجابة إننا إزاء "شكولاطة عربية" لا هي بيضاء ولا سوداء، فلا هي ثورة ولا هي انتفاضة، لا هي تمرّد، ولا هي انقلاب.. قد تكون سلمية، لكنها لا تعدم استخدام القوة. هي بلا رأس، وقد يكون من الأغراب.. إنها منتوج عربيّ غير قابل للتسمية (..). أو ربّما هي أكبر قليلا من انتفاضة وأقل كثيرا من ثورة.. ولكن كيف حال سؤال كهذا في التاريخ؟

أطفالنا.. هل يعرفون أبوليوس؟

لا شك أن أساس النهضة السليمة تقرره النخب الوطنية التي تمتلك قدرة في الاستيعاب والتحليل والتصور والتنفيذ، ولا يمكن تصور بلد مثل الجزائر مفتقرا إلى هذه الكفاءات التي تنتشر عبر العالم مؤكدة تفوقها وإبداعها في مختلف الميادين.

محمد سامي.. طفل الدهشة

كان عليّ أن أخبئ هذه اللوحة في مكان لا تصل إليه العفاريت، ولا أعرضها على غيري خوفا من أن تمتد إليها يد الآثمين أو اللصوص ليلا فأفقدها إلى الأبد.. فأوصدت الأبواب وأحكمت إغلاق الشبابيك خوفا من ريح عابرة تتلف ألوانها، وأطفأت الأضواء حتى لا تلتفت إليها الفراشات فتتملكها الغيرة.. ووضعت عليها تمائم جلبتها عرافة الحيّ من حيث لا أدري..

 إنها لوحة غير عادية، أسميتها "الجياد المفجوعة"، ولا أعرف أي اسم أطلقه عليها محمد سامي الطفل الذي يلاحق الأحلام الهاربة..

يا ناس.. جائزة لوجه الله

يبدو أن نوبل 2011 (الآداب أو السلام) ستؤول إلى العرب، ولو فكّرت لجنة أوسلو في غير العرب لكانت خارج السياق التاريخي (..) لأنّ جغرافيا الأحداث تفرض ذلك، هكذا يتوقّع خبراء الجائزة، بالنظر إلى توجّهاتها.. السياسية.