بلاغ في فائدة كوكب ميت..

بلاغ في فائدة كوكب ميت..

في يوم واحد تم إعلان وفاة كوكب عن عمر اكتشاف دام 76 عاما.. وأعلن نقل فرعون من شارع ظل يقيم به أزيد من  نصف قرن.. والحدثان فيهما من الغرابة ما يجعلني أتوقف عندهما قليلا..
الكوكب الذي اتفق بشأنه 2500 عالم فلك في العاصمة التشيكية براغ هو بلوتو (والأصح بلوتون حسب النطق اللاتيني للكلمة) إذ أن نقاشات معمقة شارك فيها علماء يقضون ثلاثة أرباع يومهم في مراصدهم معلقين في الفضاء مستخدمين في ذلك مناظير عملاقة، يلاحقون الأجسام الثابتة والمتحركة.. ويحاولون سبر أغوار الكواكب والشهب والنيازك، ويقدمون في كل مرة خلاصة تفتيش فضائي في مؤتمر يحتد فيه النقاش إلى درجة يتصور فيها بعضهم أن الأرض مهددة بغزو خارجي..

ولعل الحدث الأكبر الذي شهده مؤتمر براغ هو اتفاق الجميع على وضع تصنيف جديد للكواكب، أي أن هناك درجات وأوزان (..) كما هو معمول به في الأرض. إذ توصل المؤتمرون إلى أن هناك كواكب "محترمة" من أوزان ثقيلة، هي كواكب الدرجة الأولى، وعددها ثمانية، بعد أن ظل العلم على مدار 76 عاما يقول لنا إن العدد هو تسع كواكب تدور كلها حول الشمس هي (المشتري وزحل والمريخ والزهرة والأرض وعطارد وأورانوس ونبتون وبلوتون) وابتداء من نهاية شهر أغسطس يكون بلوتون في عداد الأموات بعد أن وقع علماء الأرض شهادة وفاته.. إلى جانب كواكب الدرجة الثانية، وفي الدرجة الثالثة الأجسام الكبيرة التي لا يمكن اعتبارها كواكب..
المعلومات التي جمعتها عن هذا الكوكب "المقصي" من النظام الشمسي، هي أنه اكتشف بالمصادفة في فبراير 1930 عندما كان الشاب الفلكي الأمريكي المصور كلايد تاومبو يتفقد حركة النجوم والأقمار وإذا به ينتبه إلى وجود جسم غريب لا يختلف كثيرا عن الكواكب الأخرى.. وبعد نقاش حوله تم الإتفاق على أن يكون تاسع الكواكب، وأطلقت عليه تلميذة اسم الإله بلوتون كما هو الشأن بالنسبة للكواكب الأخرى أو للأسماء التي تحملها أيام الأسبوع..
ما جعل أمر بلوتون مثيرا هو أنه يقضي 16 يوما وزيادة ليكمل دورة حول نفسه، وأكثر من هذا فإنه ينتظر مرور 247 عاما ليكمل دورته حول الشمس.. بل أكثر من هذا فإن حجمه يمثل جزءا واحدا من بين 400 جزء من الأرض أي أنه في حجم جزيرة غروينلاند إذا صح تقديري (..) وأكثر من هذا فإن القمر المسمى شارون (..) الملحق به يكبره حجما.. وأمام هذه المعطيات تم إقصاؤه من قائمة الكبار وجعله في تصنيف كواكب الدرجة الثانية إلى جانب الكوكب الذي تم اكتشافه في السنوات الأخيرة وأطلق عليه اسم بطلة السلسلة التلفزيونية الخيالية "زينا"..
بكل صراحة، إن الذي استهجنته في كل ما أقدم عليه هؤلاء العلماء وما تقرر في اتحادهم القوي، ليس إعلانهم موت بلوتون، ولا تغييرهم معلومات ظل يتداولها البشر كمسلمات غير قابلة للنقاش، وثوابت علمية لا يمكن الاجتهاد بشأنها، إنما، هناك شيء من النكران والجحود يتمثل في انتظارهم وفاة مكتشف بلوتون الفلكي الأمريكي كلايد تاومبو في العام 1997 ليلحقوا به.. كوكبه الصغير (..) وكانوا قادرين على أن يعلنوا ذلك في حياته ليتمكن من الدفاع عن اكتشافه الذي ظل يحمل اسمه وتاريخه إلى يوم 24 أغسطس حين رفعت الأيدي في مؤتمر براغ معلنة نهاية كوكب ظل التاسع في النظام الشمسي.. وبذلك يطرح السؤال الكبير. هل يمكن للعلم أن يمارس الكذب أحيانا؟
أما في مصر فإن حكاية الفراعنة مع التطبيب والمعالجة لا تنتهي.. إذ أنه بعد أن عايش العالم مراحل العلاج التي تلقاها الفرعون المومياء توت عنخ أمون في مصحات أوروبا شأنه في ذلك شأن كثير من القادة والحكام  والأثرياء.. جاء الدور على رمسيس الثاني الذي كاد أن يصرخ في وجه مبارك "أبعدني من هذا المكان الموبوء.. يا ريس" إذ أنه في تلك الساحة العامرة التي تحمل اسمه، لم يعد قادرا على مقاومة التلوث الذي تتسبب فيه آلاف المركبات ومداخن ميترو الأنفاق..
إن اثنين وخمسين عاما قضاها رمسيس ثابتا كجندي منضبط في ذلك المكان، تعد رقما قياسيا بالنظر إلى طبيعة المكان ومدى قدرته على المقاومة.. وبالتالي فإن القرار بنقله إلى بيئته الطبيعية سيحقق هدفين رئيسيين هما نقله إلى فضاء سياحي واسع، وتجنيبه مضار التلوث وحركة السير التي يمكنها أن تؤثر على سلامة الصخر من التصدع والتشققات..
وهكذا فإن يوما واحدا شهد موتا "علميا" لكوكب صخري يبعد عن الأرض بحوالي 4.4 مليار كيلومتر.. وإعادة الحياة لتمثال صخري يبعد عن منطقة الجيزة حيث الأهرامات بحوالي نصف ساعة.. فكم هو عظيم اهتمام العلماء بالصخور لو أنه اهتمامهم كان كذلك بالبشر الذين يموتون بفعل تطويرهم للأسلحة الفتاكة.. وإنفاق الملايير في صناعة الموت وزيادة حجم المآسي على ظهر هذا الكوكب الذي لم يعد يفهم شيئا.. وباسم العلم يعلنون أن في طبقة الأوزون ثقبا يتهدد حياة البشر بالفناء.. وباسم العلم يقولون إن الاحتباس الحراري سيجعل الحياة صعبة.. وباسم العلم أيضا يقولون إن الأمريكان وصلوا القمر (..) بينما يظهر من بين علماء النازا من يقول إن وصول أمريكا القمر مجرد خرافة تم ابتداعها سينمائيا (..) للحد من طموح الروس في وضع خطوة البشرية الأولى على سطح القمر.. والله أعلم.

Share this
 

طالع أيضا

حروب الذاكرة على أبوابنا

يتباهى الأرمن بجبل آرارات الذي يقولون إن سفينة نوح رست به بعد الطوفان.. ويضعون اسمه على أفخر أنواع النبيذ (..) ويرفع الأرمن قبعاتهم لأشهر مطرب في تاريخهم، شارل أزنافور، الذي جعلوه سفيرهم في سويسرا بعد أن قلدوه، وهو الفرنسي الشهرة، وسام البطل القومي المدافع عن قضية شعبه الذي "أباده" الأتراك قبل مائة عام.

مالك بن نبي يقرأ الربيع العربي..

لا أزعم أنني التقيت هذا الرجل.. لكنني أذكر ملامحه جيّدا حين دُعيَ لإلقاء محاضرة بإحدى قاعات السينما بباتنة في العام 1972.. ولم أكن حينها أفهم معنى أن يتحدث الانسان عن الحضارة والهوية والزّمن والتاريخ..

نهاية العالم ليست غدا

 

في اليوم 21 ديسمبر 2012. يجلس نوستراداموس في زاوية مقهى باريسيّ يدخّن غليونه ويرتشفُ فنجان قهوة يمنيّة. يتأمّل عقارب ساعته المتثاقلة، ثم يسأل النادل إن تغيّرت أحوال الطقس خارج المقهى، فيقول "لا"، فيبصق في وجهه ويخرج مسرعا، وهو يصرخ في الناس "يمكنكم أن تعودوا إلى بيوتكم.. القيامة ليست اليوم، ونهاية العالم ليست غدا..".

الخوف من عقل لا يفكر..

 

لا يمكن لأي تغيير أو إعادة تشكل في الوعي أو البنية الفكرية أن يتم خارج حدود العقل البشري. فكل شيء منوط بالإنسان الذي يمتلك قدرة التفكير والتصور وصناعة الحضارة.

أقل من ثورة.. أكبر من انتفاضة

طرح أمس خبراء في السياسة والفكر والإعلام، سؤالابحجم المأساة هو: هل ما نشهده اليوم انتفاضات أم ثورات؟ وكانت الإجابة إننا إزاء "شكولاطة عربية" لا هي بيضاء ولا سوداء، فلا هي ثورة ولا هي انتفاضة، لا هي تمرّد، ولا هي انقلاب.. قد تكون سلمية، لكنها لا تعدم استخدام القوة. هي بلا رأس، وقد يكون من الأغراب.. إنها منتوج عربيّ غير قابل للتسمية (..). أو ربّما هي أكبر قليلا من انتفاضة وأقل كثيرا من ثورة.. ولكن كيف حال سؤال كهذا في التاريخ؟

أطفالنا.. هل يعرفون أبوليوس؟

لا شك أن أساس النهضة السليمة تقرره النخب الوطنية التي تمتلك قدرة في الاستيعاب والتحليل والتصور والتنفيذ، ولا يمكن تصور بلد مثل الجزائر مفتقرا إلى هذه الكفاءات التي تنتشر عبر العالم مؤكدة تفوقها وإبداعها في مختلف الميادين.

محمد سامي.. طفل الدهشة

كان عليّ أن أخبئ هذه اللوحة في مكان لا تصل إليه العفاريت، ولا أعرضها على غيري خوفا من أن تمتد إليها يد الآثمين أو اللصوص ليلا فأفقدها إلى الأبد.. فأوصدت الأبواب وأحكمت إغلاق الشبابيك خوفا من ريح عابرة تتلف ألوانها، وأطفأت الأضواء حتى لا تلتفت إليها الفراشات فتتملكها الغيرة.. ووضعت عليها تمائم جلبتها عرافة الحيّ من حيث لا أدري..

 إنها لوحة غير عادية، أسميتها "الجياد المفجوعة"، ولا أعرف أي اسم أطلقه عليها محمد سامي الطفل الذي يلاحق الأحلام الهاربة..

يا ناس.. جائزة لوجه الله

يبدو أن نوبل 2011 (الآداب أو السلام) ستؤول إلى العرب، ولو فكّرت لجنة أوسلو في غير العرب لكانت خارج السياق التاريخي (..) لأنّ جغرافيا الأحداث تفرض ذلك، هكذا يتوقّع خبراء الجائزة، بالنظر إلى توجّهاتها.. السياسية.