النوفمبريون.. رجال من نور

النوفمبريون.. رجال من نور

بشيبه ووقاره اقترب مني رجل يطرق باب الثمانين وقال لي بأدب جم وصوت عميق، وبعربية مفككة الأوصال "دعني أسلم عليك، ففيك شيء من بركات الثورة  الجزائرية العظيمة." فأصابني ذهول وخجل لكوني أصغر الشيخ مصطفى رهنما المناضل الايراني بأزيد من خمسين عاما.. ولم أجد لغة تناسب مقام الحديث مع رجل تعلق بالثورة الجزائرية إلى الحد الذي لا يمكن وصفه.. فقد ذكر لي أنه سجن سبعة عشر مرة لأجل الجزائر، إذ أن شرطة الشاه كانت تلاحقه أينما حل أو ارتحل داعما ومساندا لثورة نوفمبر.. فمرة ينظم مسيرة شعبية في طهران لدعم كفاح الشعب الجزائري فيسجن، وما أن يطلق سراح الرجل حتى يتنقل بين الناس في إصفهان جامعا التبرعات فيؤخذ إلى السجن، وحين يطلق سراحه يصدر بيانا في شيراز يدعو فيه لتأمين السلاح للمجاهدين في الجزائر فيسجن، ويعاود الكرة في خورمشهر فيلقي محاضرة حول انتصارات ثورة الجزائر فيسجن، وما أن يخرج حتى يكتب مقالا يدعو فيه الشاه إلى نصرة الجزائريين وقطع العلاقات مع فرنسا فيسجن.. وهكذا لمدة سبعة أعوام إلى أن استقلت الجزائر.. ولم يتوقف الشيخ رهنما عن النضال حيث فعل الشيء ذاته ويفعله اليوم وهو يفوق التسعين، كما بلغني، مع فلسطين.. إنما في غير زمن الشاه.

حدث هذا في شتاء 1990.. وفي المكان نفسه التقيت رجلا أنيق المظهر، وسيم الوجه، أوروبي الملامح، سمعت الذين حولي يقولون إنه أحمد هوبر.. سويسري مسلم، مناصر للقضايا العربية والاسلامية. تقدمت منه وقدمت له نفسي، فانفتحت سريرة الرجل، وقال لي "لا أعرف إن كان ما سأبوح له لك سرا أم مجرد حقيقة يعرفها قليل من الناس.. لكنني سأقول لك إن من أسباب دخولي الاسلام هي الثورة الجزائرية.." قلت له كيف؟ فراح يروي لي قصة المناضلين الجزائيين الذين عبروا الحدود الفرنسية السويسرية إلى مدينة بيرن وقادتهم الأقدار إلى بيت الكاتب الصحفي أحمد هوبر الذي سمع منهم ما لم يكن يعرفه عن الثورة الجزائرية، وكان حينها ذا حضور إعلامي متميز، ورغبة منه في معرفة الكثير أبقاهم في بيته عدة أيام، وكان خلال هذه الفترة يتأمل سلوك هؤلاء المناضلين المؤمنين بقضيتهم، وكيف أنهم كانوا يحترمون بيت الرجل ويقدرون ما قام به تجاههم، فكانوا يؤدون الصلاة جماعة، ويتحدثون بصوت خافت.. ومع مرور الأيام شعر هوبر أن هؤلاء الرجال أصحاب حق وأن تصرفاتهم تجعلهم أقرب إلى الملائكة، فسألهم عن الشيء الذي يجعلهم على هذه الأخلاق فقالوا إنه القرآن الذي يعلمنا، وهو الذي نقود به جهادنا وثورتنا.. فنحن ننتمي لشعب مسلم يرفض أن يذل أو يهان، لهذا أراد أن يعيش حرا.. ومن يومها بدأ اهتمام هوبر بالاسلام إلى أن نطق بالشهادتين.. وهو مدين منذ هذه الواقعة إلى ثورة نوفمبر المجيدة باختياره اسم أحمد.. السويسري.
هذه ثورة مباركة، لم تطلع من فراغ، لأنها خرجت من رحم أرض طيبة مؤمنة، وكان وقودها شعب أعلن منذ اليوم الأول كلمة السر "خالد – عقبة" ليؤكد للعالم أن إيمانه بضرورة الانتفاض على المحتل والبحث عن الحرية، ليس نزعة أفراد أو جماعة إنما هي محصلة شعور عميق بالحاجة إلى الحرية التي لا تتجزأ ولا تسمح بتلوينها.
التقيت خلال رحلتي في الاعلام والثقافة بالآلاف من مجاهدي الثورة، وكنت أسمع من كل واحد ما يكفي لتدوين عشرات المجلدات، وأشعر - وهم يروون قصصهم المليئة بالإثارة- أن معجزة هذه الثورة ليست في شهدائها فحسب لأنهم يمثلون الفئة الأكرم منا جميعا فليس هناك أكرم من التضحية بالنفس.. وهناك الشهداء- الأحياء من المجاهدين الذين أكرمهم الله بأن يستمروا بعد جهادهم الطويل في وطنهم الحر المتعافى من ربقة الاستعمار.
ولعل أعظم قصة سمعتها من أحدهم فيها من المعاني ما يجعل الانسان يكبر فيه روحه الوطنية النقية غير الملوثة.. فقد ذكر لي المجاهد الفقيد الحاج الباجي أنه كان محكوما عليه بالاعدام في سجن سركاجي وينتظر تنفيذ الحكم عليه كل ليلة، بل إنه كان يعيش حالة الشهيد أحمد زبانا يوما بعد آخر، مستعدا لاحتضان الشهادة التي يأملها كل واحد مثله.. ولكن شاءت الأقدار ألا ينفذ فيه حكم فرنسا الجائر فأطلق سراحه بعد وقف إطلاق النار.. وأمد الله في عمره فلا يجد ما يقوله للناس سوى "إنني أعيش في الفائدة".. أي كان يمكن أن تأخذ المقصلة رأسي في أي لحظة كما أخذت رؤوس آخرين.
 وبعد الاستقلال طلب من الباجي أن يعمل شرطيا في الميناء، يقوم بتسيير حركة سير المعمرين وهم يغادرون الجزائر يجرون أذيال الخيبة والانكسار، لكنه امتنع عن فعل ذلك وقال لا يمكنني القيام بشيء لا أفهمه، لكنهم أصروا، فما كان منه إلا أن قبل بالأمر الواقع واشتغل شرطيا يدير حركة المرور، وحدث أن مرت أمامه سيارة أحد المعمرين، بها الرجل وزوجته وابنتهما، وانتبه الباجي إلى أن المرأة كانت تحمل بين يديها مزهرية، فقل لها "هات المزهرية من فضلك" فلم تجد بدا من إعطائه إياها. فهل لكم أن تتصوروا ماذا فعل بها الباجي؟ لقد أفرغ ما في المزهرية من تراب قائلا للمرأة "يمكنك أن تأخذي هذه الوردة أما التراب فقد سقط من أجله مليون ونصف المليون من أبناء الجزائر.." ولم يزد على هذه الجملة شيئا.. أمام دهشة العائلة الفرنسية..
وبعد أشهر من العمل كشرطي، شعر بعض أصحاب الباجي أنه بحاجة إلى أن يغير الجو، خاصة وأنه فنان شعبي معروف، فقالوا له "ما رأيك في أن تذهب معنا إلى باريس.. للراحة والاستجمام؟" فقال لهم بلغة هادئة مداعبا "أعتقد أنكم تريدون التخلص مني والزج بي في أحد سجون فرنسا من جديد. لا تنسوا أنني كنت من المحكومين عليهم بالاعدام. ومن يضمن لي ألا ينفذ في حكم الاعدام؟" فردوا عليه "لا تنس أن اتفاقيات إيفيان تجب ما قبلها، فلا داعي للقلق". ورضخ لرغبة أصحابه واستخرج جوازا ثم سافر مع جماعته. وفي مطار باريس سأله شرطي الحدود بعد أن تأمل تجاعيد وجهه، وبشرته السمراء "كم يوما ستبقى في باريس؟" فرد الباجي عليه رحمة الله "تأكد أنني لن أبقى مائة واثنين وثلاثين عاما.." فلم يجب الشرطي سوى بأن ختم على الجواز وهو يقول "لأول مرة أسمع جوابا لا أجد له ردا..
هذه صورة من ثقافة المجاهدين الذين لم يأخذوا تعليمهم من أوكسفورد أو كوليج دو فرانس ولا حتى من الأزهر.. إنما تعلموا ذلك من إيمانهم بالحق في الحياة الكريمة، ومن جامعات الأوراس والونشريس وجرجرة وسركاجي ولامبيز.. وشوارع القصبة.
كان إيمانهم يكبر كلما شعروا أن شمس الحرية قريبة منهم. وكانوا يعلمون أن الملائكة تحرسهم في مواقعهم وهم يذودون عن أرضهم وديارهم، وأن الله ناصرهم ولو إلى حين.. هكذا كان النوفمبريون الذين حملوا راية الجهاد عالية وانتصروا على أعتى قوة في أواسط القرن الماضي.. إنهم رجال من نور وعزة وكبرياء شعارهم "رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، منهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا"..

Share this
 

طالع أيضا

حروب الذاكرة على أبوابنا

يتباهى الأرمن بجبل آرارات الذي يقولون إن سفينة نوح رست به بعد الطوفان.. ويضعون اسمه على أفخر أنواع النبيذ (..) ويرفع الأرمن قبعاتهم لأشهر مطرب في تاريخهم، شارل أزنافور، الذي جعلوه سفيرهم في سويسرا بعد أن قلدوه، وهو الفرنسي الشهرة، وسام البطل القومي المدافع عن قضية شعبه الذي "أباده" الأتراك قبل مائة عام.

مالك بن نبي يقرأ الربيع العربي..

لا أزعم أنني التقيت هذا الرجل.. لكنني أذكر ملامحه جيّدا حين دُعيَ لإلقاء محاضرة بإحدى قاعات السينما بباتنة في العام 1972.. ولم أكن حينها أفهم معنى أن يتحدث الانسان عن الحضارة والهوية والزّمن والتاريخ..

نهاية العالم ليست غدا

 

في اليوم 21 ديسمبر 2012. يجلس نوستراداموس في زاوية مقهى باريسيّ يدخّن غليونه ويرتشفُ فنجان قهوة يمنيّة. يتأمّل عقارب ساعته المتثاقلة، ثم يسأل النادل إن تغيّرت أحوال الطقس خارج المقهى، فيقول "لا"، فيبصق في وجهه ويخرج مسرعا، وهو يصرخ في الناس "يمكنكم أن تعودوا إلى بيوتكم.. القيامة ليست اليوم، ونهاية العالم ليست غدا..".

الخوف من عقل لا يفكر..

 

لا يمكن لأي تغيير أو إعادة تشكل في الوعي أو البنية الفكرية أن يتم خارج حدود العقل البشري. فكل شيء منوط بالإنسان الذي يمتلك قدرة التفكير والتصور وصناعة الحضارة.

أقل من ثورة.. أكبر من انتفاضة

طرح أمس خبراء في السياسة والفكر والإعلام، سؤالابحجم المأساة هو: هل ما نشهده اليوم انتفاضات أم ثورات؟ وكانت الإجابة إننا إزاء "شكولاطة عربية" لا هي بيضاء ولا سوداء، فلا هي ثورة ولا هي انتفاضة، لا هي تمرّد، ولا هي انقلاب.. قد تكون سلمية، لكنها لا تعدم استخدام القوة. هي بلا رأس، وقد يكون من الأغراب.. إنها منتوج عربيّ غير قابل للتسمية (..). أو ربّما هي أكبر قليلا من انتفاضة وأقل كثيرا من ثورة.. ولكن كيف حال سؤال كهذا في التاريخ؟

أطفالنا.. هل يعرفون أبوليوس؟

لا شك أن أساس النهضة السليمة تقرره النخب الوطنية التي تمتلك قدرة في الاستيعاب والتحليل والتصور والتنفيذ، ولا يمكن تصور بلد مثل الجزائر مفتقرا إلى هذه الكفاءات التي تنتشر عبر العالم مؤكدة تفوقها وإبداعها في مختلف الميادين.

محمد سامي.. طفل الدهشة

كان عليّ أن أخبئ هذه اللوحة في مكان لا تصل إليه العفاريت، ولا أعرضها على غيري خوفا من أن تمتد إليها يد الآثمين أو اللصوص ليلا فأفقدها إلى الأبد.. فأوصدت الأبواب وأحكمت إغلاق الشبابيك خوفا من ريح عابرة تتلف ألوانها، وأطفأت الأضواء حتى لا تلتفت إليها الفراشات فتتملكها الغيرة.. ووضعت عليها تمائم جلبتها عرافة الحيّ من حيث لا أدري..

 إنها لوحة غير عادية، أسميتها "الجياد المفجوعة"، ولا أعرف أي اسم أطلقه عليها محمد سامي الطفل الذي يلاحق الأحلام الهاربة..

يا ناس.. جائزة لوجه الله

يبدو أن نوبل 2011 (الآداب أو السلام) ستؤول إلى العرب، ولو فكّرت لجنة أوسلو في غير العرب لكانت خارج السياق التاريخي (..) لأنّ جغرافيا الأحداث تفرض ذلك، هكذا يتوقّع خبراء الجائزة، بالنظر إلى توجّهاتها.. السياسية.