المجلة التي أزعجت ملاحدة فرنسا..

المجلة التي أزعجت ملاحدة فرنسا..

تعترف مجلة "علم وحياة" الفرنسية الذائعة الصيت أن العدد الذي خصصته لفكرة "الله.. لماذا لا يزول أبدا"... أثار وما زال يثير كثيرا من ردود الفعل المختلفة بين مؤيد ممن غمرهم الإيمان، ومن الملحدين من أنكروا وجود الخالق ولا معنى للخلود (..) وتعترف المجلة أن مسألة "الحتمية" في المسألة المقدسة نالت حظا أوفر من نقاش القراء والمهتمين..    وأنا واحد منهم.
هذه المجلة التي مضى على وجودها سنوات طويلة، هي من أكثر المجلات العلمية التي تفتح في كل مرة ملفا مختلفا تماما عن الذي سبقه، وتسعى إلى إماطة اللثام عن قضايا علمية       غير مرئية، أو لها تماس مع الدين أو الخرافة أو الأسطورة  أو العرافة والتنجيم.. فهي تجمع بين روح العلم وتأويلات العقل الأصغر والإيمان المبني على قناعات مكتسبة أو موروثة.

وعندما تثير المجلة مسألة "ا لله لماذا لا يزول أبدا " فهي منذ البداية تنطلق من قناعة إيمانية ثابتة هي أن الله خالق السماوات والأرض وما بينهما من كائنات وعوالم.. لكن هناك            من لا يعترف بوجود الله ولا بخلوده أو زواله.. ولفت نظري رد من ( جمعية ملحدي البيريني الشرقية ) إذ يقول الناطق باسم الجمعية  إن معدل عمر أعضائها 72 عاما وأن عميد الملحدين فيها بلغ 92 عاما.. ما شاء الله (..) وأنهم يحتجون على فكرة طرحتها المجلة هي أن " الإيمان بالله يقوي الرجاء بالحياة على الأرض "، وأن الملحدين يرون غير ذلك، فهم يرجعون العمر المديد لاعتبارات وراثية، وأسلوب الحياة المتبع، والمناخ، و..و..، ويمكن أيضا للعقل البشري أن يطيل في عمر الإنسان إذا استخدم القوة النفسية الكامنة فيه (..)، ويرى ملحد آخر  في رسالة للمجلة المذكورة " لا تتفاجأوا إذا عرفتم أن قارئا عجوزا ملحدا بلغ الـ 85 من عمره مستاء جدا ومحبط مما نشرتم حول موضوع الله.. لماذا لا يزول أبدا، وأنتم رجال علم ،عليكم أن تعلموا أن ليس هناك شيء خالدا، فالأديان مثل الحضارات، للأسف، تنتهي إلى الموت"..
ورغم أن مجلة "علم وحياة" حاولت أن تقنع شيوخ الإلحاد في فرنسا بأنها لم تخطئ، فإنها  ربما تكون عمقت إلحادهم وجعلتهم يكفرون بها وبعلميتها، ومن يدري فربما ردوا عليها بمجلة عنوانها " الله.. لن يخلد أبدا " ولن يخسروا شيئا ما دام  لا يفصلهم عن القبر سوى شبر واحد.
وأذكر أن مجلة "المسار المغاربي" التي كانت تصدر في نهاية الثمانينيات في الجزائر طرحت استبيانا في أوساط الناس بسؤال جريء جدا، في ظل تصاعد المد الإسلامي في الشارع الجزائري، هو " هل فكرة الله ستزول في العام 2000؟ "، وحدثت جلبة في الشارع واستنكار لدى الجوامع والمؤسسات الدينية، وصار مسئولو المجلة مهددين، وتم توقيفها فيما بعد، لكن الجواب لم يأت بعد الاستبيان، وجاء بعد 15 عاما على ظهر مجلة فرنسية " الله.. لماذا لن يزول أبدا"...
هذا ما كان من أمر ملاحدة فرنسا ورجال علمها.. أما ما كان من أمر حركة التنصير في بلاد الجزائر، فإن المسألة تتطلب كثيرا من البحث والمتابعة، إذ أن القساوسة الذين صاحبوا جيوش الاحتلال كانوا يتقدمون الجنرالات ويعملون على محو كل أثر للإسلام واستبدال ذلك بكل  ما هو صليبي.. ولنا في التاريخ شواهد كثيرة.. فهذا القس زويمر يقول: " لم نأت أرض الجزائر للنزهة، إنما جئنا لتبديل دين بدين، ولغة بلغة، وعادات بعادات.. هكذا أرادت فرنسا وهكذا طلب منا المسيح "..
ربما يبدو هذا غريبا لأن هذا قد قيل منذ قرن ونصف.. لكن الذي يجري منذ سنوات فقط         في الجزائر يبدو أعمق من ذلك، فقد تم ضبط شبكة تنصيرية تعمل في كثير من المناطق في الشمال كما في الجنوب.. إذ تم توقيف عدد من الأفراد العاملين ضمن مجموعات تقوم بتوزيع الإنجيل مترجما إلى العربية والأمازيغية فضلا عن أفلام حول سيرة السيد المسيح مترجمة إلى الأمازيغية وبدأ يظهر أتباع لهذه الحركة التبشيرية التي اختارت المكان والزمان في ظرف كانت عيون الجزائريين شاخصة فيما يحدث من قتل وإرهاب وتدمير.
إن السنوات التي مرت بها الجزائر منذ توقيف انتخابات 1991 وما انجر عنها من تفكيك لبنية الدولة، وتدمير لنسيج المجتمع، وانهيار تام لمعنويات الجزائريين أمام مشاهد الموت الجماعي، والقتل البشع، وظهور جماعات تدعى " الغاضبون على الله " ،يقومون بما لم يقم به الخمير الحمر وإيفان الرهيب.
هذه السنوات جعلت بعض الناس يرون فيما تقوم به الجماعات الإرهابية الضالة "مبررا" لتبديل الدين، واختيار عقيدة أخرى لا يقتل فيها الناس باسم الإسلام وتطهير الأمة من الكفار والآثمين، وانتشرت مثل هذه الدعوات في أوساط الشباب المهيأ لأي هبة ريح ليغير قميصه الديني بأي قميص آخر.
وحدثني أحد الأصدقاء عن قرية في منطقة القبائل تيزي وزو، قائلا إن عددا من شبابها التحقوا بعد غوايات مستمرة بالمسيحية، وحدث أنهم أثناء جلسة روحية في أحد المنازل، ضرب زلزال المنطقة يوم 21 مارس 2003 ففزع من في القاعة، ولكن أغلبهم وجدوا أنفسهم في جامع القرية وهم يقولون "لا إله إلا الله محمدا رسول الله"، فهل كان اختيارهم للصليب مجرد خدعة للحصول على "فيزا" للإقامة  في فرنسا وكندا؟ كما يقولون، أم أنها فعلا محاولة للهروب  من وضع فرضته الجماعات الإرهابية على السكان.. غير الآمنين.

Share this
 

طالع أيضا

حروب الذاكرة على أبوابنا

يتباهى الأرمن بجبل آرارات الذي يقولون إن سفينة نوح رست به بعد الطوفان.. ويضعون اسمه على أفخر أنواع النبيذ (..) ويرفع الأرمن قبعاتهم لأشهر مطرب في تاريخهم، شارل أزنافور، الذي جعلوه سفيرهم في سويسرا بعد أن قلدوه، وهو الفرنسي الشهرة، وسام البطل القومي المدافع عن قضية شعبه الذي "أباده" الأتراك قبل مائة عام.

مالك بن نبي يقرأ الربيع العربي..

لا أزعم أنني التقيت هذا الرجل.. لكنني أذكر ملامحه جيّدا حين دُعيَ لإلقاء محاضرة بإحدى قاعات السينما بباتنة في العام 1972.. ولم أكن حينها أفهم معنى أن يتحدث الانسان عن الحضارة والهوية والزّمن والتاريخ..

نهاية العالم ليست غدا

 

في اليوم 21 ديسمبر 2012. يجلس نوستراداموس في زاوية مقهى باريسيّ يدخّن غليونه ويرتشفُ فنجان قهوة يمنيّة. يتأمّل عقارب ساعته المتثاقلة، ثم يسأل النادل إن تغيّرت أحوال الطقس خارج المقهى، فيقول "لا"، فيبصق في وجهه ويخرج مسرعا، وهو يصرخ في الناس "يمكنكم أن تعودوا إلى بيوتكم.. القيامة ليست اليوم، ونهاية العالم ليست غدا..".

الخوف من عقل لا يفكر..

 

لا يمكن لأي تغيير أو إعادة تشكل في الوعي أو البنية الفكرية أن يتم خارج حدود العقل البشري. فكل شيء منوط بالإنسان الذي يمتلك قدرة التفكير والتصور وصناعة الحضارة.

أقل من ثورة.. أكبر من انتفاضة

طرح أمس خبراء في السياسة والفكر والإعلام، سؤالابحجم المأساة هو: هل ما نشهده اليوم انتفاضات أم ثورات؟ وكانت الإجابة إننا إزاء "شكولاطة عربية" لا هي بيضاء ولا سوداء، فلا هي ثورة ولا هي انتفاضة، لا هي تمرّد، ولا هي انقلاب.. قد تكون سلمية، لكنها لا تعدم استخدام القوة. هي بلا رأس، وقد يكون من الأغراب.. إنها منتوج عربيّ غير قابل للتسمية (..). أو ربّما هي أكبر قليلا من انتفاضة وأقل كثيرا من ثورة.. ولكن كيف حال سؤال كهذا في التاريخ؟

أطفالنا.. هل يعرفون أبوليوس؟

لا شك أن أساس النهضة السليمة تقرره النخب الوطنية التي تمتلك قدرة في الاستيعاب والتحليل والتصور والتنفيذ، ولا يمكن تصور بلد مثل الجزائر مفتقرا إلى هذه الكفاءات التي تنتشر عبر العالم مؤكدة تفوقها وإبداعها في مختلف الميادين.

محمد سامي.. طفل الدهشة

كان عليّ أن أخبئ هذه اللوحة في مكان لا تصل إليه العفاريت، ولا أعرضها على غيري خوفا من أن تمتد إليها يد الآثمين أو اللصوص ليلا فأفقدها إلى الأبد.. فأوصدت الأبواب وأحكمت إغلاق الشبابيك خوفا من ريح عابرة تتلف ألوانها، وأطفأت الأضواء حتى لا تلتفت إليها الفراشات فتتملكها الغيرة.. ووضعت عليها تمائم جلبتها عرافة الحيّ من حيث لا أدري..

 إنها لوحة غير عادية، أسميتها "الجياد المفجوعة"، ولا أعرف أي اسم أطلقه عليها محمد سامي الطفل الذي يلاحق الأحلام الهاربة..

يا ناس.. جائزة لوجه الله

يبدو أن نوبل 2011 (الآداب أو السلام) ستؤول إلى العرب، ولو فكّرت لجنة أوسلو في غير العرب لكانت خارج السياق التاريخي (..) لأنّ جغرافيا الأحداث تفرض ذلك، هكذا يتوقّع خبراء الجائزة، بالنظر إلى توجّهاتها.. السياسية.