وداعًا يا أسعد النّاس عند الله..

وداعًا يا أسعد النّاس عند الله..

كلمة عزالدين ميهوبي في تأبين الدكتور أبو القاسم سعدالله
عرفنا فيه التواضع مع الانضباط، والفطنة مع الطيبة، والجرأة مع الحكمة، والعلم مع الأخلاق..

بمناسبة مرور أربعين يومًا على رحيل الكاتب المؤرّخ الأستاذ أبو القاسم سعدالله نظم المجلس الأعلى للغة العربيّة بالمتحف الوطني للمجاهد يوم 28 يناير 2014 "احتفائيّة الوفاء والعرفان" بحضور نخبة من الأدباء والكتاب والشخصيات السياسيّة برعاية ساميّة من السيّد عبد العزيز بوتفليقة رئيس الجمهوريّو. وألقى رئيس المجلس الأستاذ عزالدين ميهوبي، جاء فيها ما يأتي:
اسمحوا لي في البداية أن أخصّ عائلة الفقيد الكبير الأستاذ الدكتور أبو القاسم سعدالله بالتحيّة والتقدير لتلبيتها دعوة المجلس الأعلى للغة العربيّة في احتفائية الوفاء والعرفان كما أطلقنا على هذه التأبينيّة.. مثلما أخص عائلة الراحل العظيم من أصدقائه وزملائه وتلامذته بأخلص عبارات الامتنان لمقاسمتهم لنا هذه الوقفة الرمزية التي تتمّ تحت رعاية فخامة رئيس الجمهوريّة السيّد عبد العزيز بوتفليقة الذي يعرف قيمة الأستاذ سعد الله وقامته ومكانته. 
كما أشكر للدكتور محمد الحسن زغيدي حرصه على أن يكون سندًا للمجلس في الإعداد والتنشيط، ولإدارة المتحف الوطني للمجاهد التي لا تدخر جهدا في دعم نشاطات هيئتنا، بتأمين كلّ شروط النجاح.

أيّها الحضور الكرام
لقد اخترنا هذا المكان لرمزيّته، فالمحتفى به يحمل بعضًا من دلالاته في خدمة التّاريخ وصون الذاكرة، وتزامن هذا اليوم 28 يناير مع ذكرى إضراب الثمانية أيّام الشهير في العام 1957، وكلّها مواعيد ممجّدة لمسيرة هذا الشعب. 
إنّ سعد الله، هو بالتأكيد سعيدٌ في بيت الخلود، وهو يرى أحباءه وتلامذته، يقيمون اللقاءات والندوات، ويستعيدون في شهاداتهم بعضًا من سيرته العطرة، ويُخلصون له الدّعاء.
يبدو أنّكم لم تعرفوا سببَ دوراني على نفسي داخل الكلمات، ذاك لأنّني لم أجد بوابة لدخول عالم أبو القاسم سعدالله، فالأبواب كثيرة، لكنّ مفاتيحها ليست بحوزتي، ولا أعرف من أين أجيئه بقصد قول كلمة تليق به وبتاريخه. وليس أمامي سوى كلمات دوّنتها عن الرجل في حياته قبل أعوام.. وأنا الذي زرته في خلوته بالمركز الوطني للدراسات التاريخية بالأبيار لتحيّته بعد أن بلغني أنّه معتكف على استكمال ما فاته من تأليف تاريخي.. وطلبت منه أن يمدّني بمعلومات تاريخيّة غير متداولة بين المؤرخين عن احتلال الجزائر، ولم يقل لي لا.. بل اتصل بي بعد يومين وسلمني بعض الكتابات التي نصحني بأن أقرأها أكثر من مرّة فربّما كانت ملغّمة لأنّ أصحابها ليسوا من جلدتنا.. 
وزرته مرّة أخرى، في أعقاب أزمة اتحاد الكتاب الجزائريين، وأذكر قابلني في مدخل مكتبه بالمركز، وبقي واقفًا، ولم يجلس، وأكثر من ذلك لم يدعني إلى الجلوس، فانتبهتُ إلاّ أنني قطعتُ عليه خلوة تفكير وبحث.. وفهمتُ الأمر، ولأدبه وأخلاقه، اتصل بي مساء ذلك اليوم، وقال لي "لم أكن مهيّأ هذا الصباح للحديث في شؤون اتحاد الكتاب الجزائريين، لأنّني أعرفُ متاعبه.. وكنتُ مأخوذا بمسألة استكمال بحث في التاريخ".
أقول هذا، لأنّ الرجل هو من ترأس مؤتمر اتحاد الكتاب الجزائريين في أعقاب الانفجار الذي شهده بعد أحداث أكتوبر 1988، وكان حينها حريصًا على جمع شمل الكتاب والأدباء، لكنّ التشظي حدث، ووقع شرخ كبير بين جيل من الشباب، وكنتُ بينهم، وقدامى الكتاب الذين لم يستوعب بعضهم غضب الشباب من أبوّة يفرضها السنّ لا الأدب.. وانتهى مؤتمر زرالدة بأن عاد كلّ واحد إلى بيته، بعد أن تصدّعت جدران الاتحاد..
قلتُ إنّني كتبتُ كلمة في حياة الدكتور أبو القاسم سعد الله، جاء فيها:
هذا الرجل العالم والمثقف والمفكر والشاعر والمؤرخ والمترجم والمحقق والناقد والباحث والدارس والمربي والموسوعي والمقاوم والانسان من طينة أجزم أنها انقرضت في زماننا، وصار وجودها بيننا لا يختلف عن وجود الماء على سطح المريخ أو أيّ كوكب مجهول.. فمن عثر منكم على بقية من هؤلاء الرجال فليبلغ، لأنّ الأمة أحوج ما تكون لهم ولعلمهم ومعرفتهم.. فهو من أوائل الجزائريين الذين شقوا طريق البحث في الذاكرة وتدوينها، إدراكا منه أن هذه الأمة لا يمكنها أن تعيش خارج التاريخ موصولة بحبل النسيان والموت في الحضارة..
هذا الرجل الذي وهب حياته للعلم والبحث والكتابة، فما كانت لتنال منه الإغواءات التي كثيرا ما قتلت كتابا وعلماء، وظل ذلك الرجل الذي عرف فيه الناس التواضع مع الانضباط، والفطنة مع الطيبة، والجرأة مع الحكمة، والعلم مع كثير من الأخلاق التي يتصف بها صفوة العلماء الثقاة.. فكان رجل موقع وموقف. لم يتبدل أبدا، ثابت على رأي يراه صوابا، ومنافح عن قيم يستشعر فيها ما يليق بالأمة..
إنّ حبه لشعبه وبلده وتاريخه شيءٌ لا يوصف، فقد اختار في حياته المهنة الأصعب وهي التنقيب في ذاكرة مخرومة بفعل الاستعمار، ومسحوقة بفعل الإهمال، ومنسية بفعل الشعور بالخوف من الماضي..
لقد كانت كلمته "نحن شعب يصنع التاريخ ولا يحسن كتابة التاريخ" إشعارا بأن الذاكرة في خطر، وأن تدوينها يقتضي من الجزائريين شعبا ودولة أن يستعيدوا ذلك بوعي كبير لا أن يتركوا الأمر للأغراب فيشوهون التاريخ ويدمرون الذاكرة..
إن هذا الرجل يرهق من يسعى إلى اختزال سيرة حياته..

قال مرّة "اكتبوا حتّى بأهدابكم وأظافركم إن لم تُطعكم أقلامكم"، وهو يُدرك أن هناك من لم تطعهم أقلامهم، وهناك من لم تطاوعهم أقدامهم في الذهاب إلى أقصى الأرض لينبشوا عن تاريخ مُهمل أو منسيّ.. وهو يُدرك أيضًا أن هناك من ليست لهم أهدابٌ أو أظافر، فيديرون ظهورهم للتاريخ خوفًا منه، لا خوفًا عليه، ولا حتّى تواضعًا أمامه..
استحضر ذكراه اليوم، معكم أنتم الذين جئتم لأجله، لأجل شيخ المؤرخين، مثلما أستحضر ذكرى رفاق القلم الكبار الذين غادروا إلى دار الخلود بعد عمر من العطاء، الجنيدي خليفة، عبد الله الركيبي، الطاهر وطّار، محمد قنانش، محفوظ قداش، مولاي بلحميسي، أبو العيد دودو، محمد بن عبد الكريم، عبد الله شريّط، رابح بلعيد وآخرون..
وأستحضر مقتطفًا من تعزيّة السيّد رئيس الجمهوريّة لعائلة الفقيد، إذ يقول "إنه كلما ذكر مؤرخ في المغرب العربي، ارتسمت في الذهن صورة أبو القاسم سعد الله الذي أفنى جل وقته بين المؤلفات والمخطوطات مؤلفا وباحثا ومنقبا، ولعل الغرّة الناصعة في الإرث المعرفي الكبير الذي تركه المرحوم للأجيال هي موسوعته في التاريخ الثقافي للجزائر التي أهلته ليكون شيخ المؤرخين، وأن يغدوَ مرجعا في كل ربوع العالم العربي".
هي شهادة لمكانة الرّجل الذي زهد في المناصب، وانتصر للعلم والمعرفة، وترك ما خقّ له ولعائلته ولنا جميعًا وللجزائر، أن تفتخر بها، هذا الرصيد من المؤلفات التي لو طاولت قامته، لجاوزتها.
في ختام هذه الكلمة، لا يسعني إلاّ أن أدعو المولى عزّ وجل أن يُسبغ على الراحل الكبير عظيم رحماته، وأن يدخله جنته مع الأبرار والصادقين.. وأشكر لمن لبّى دعوتنا، وحضر معنا هذه الاحتفائية المتواضعة، لرجل خدم العربيّة بأهدابه، ودافع عن هويّته بأظافره، وكان ممن أطاعته أقلامه، فطوّع أفكاره لما يؤمن به..
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

Share this
 

طالع أيضا

عبد الله الركيبي

في ألبوم اليوم كلمة وفاء كتبتها لروح رجل مختلف تماما. "لقد رحل أحباؤك قبل أشهر وأيام.. رحل أبو العيد دودو بضحكته الطفولية البريئة، المفعمة بالطيبة والكبرياء. ورحل الطاهر وطار آخذا معه عمرا من العناد والمنافحة عن رأي يعرف أن فاتورته باهظة.. ورحل عبد الله شريط حاملا معه سيرة رجل صلب، ومسيرة مثقف رصين.. ورحل آخرون تعرفهم ويعرفونك.. وسيعرفونك أكثر حين تطرق بابهم.

يا عبد الله، أيها الرجل الذي خدم وطنه في صمت الحكماء الكبار.. ولم يثر حوله صخب الكلام الفارغ، ولم تثره أضواء تطفأ عندما تنتهي اللحظة.. أيها الرجل الذي لم يغلق باب بيته أمام قاصديه، ولم يقل لا لمن يطلب ودّه، ولم يكابر فيما لا يرى فيه نفعا، ولم يساوِم فيما له صله بالمبدأ والموقف..

إن كنّا نتمنّع عن البكاء، فذاك لأننا تعلّمنا منك الصبر. وإذا كنّا نصمت أمام قبرك فلأننا فهمنا أن الصبر حكمة.. وداعا أيها الرجل الحيّ فينا أبدا"..

أحمد هوبر

لهذه الرجل قصّة غريبة مع الثورة الجزائريّة، رواها لي في طهران قبل عشرين عاما. وأحمد هوبر، سياسيّ وصحفي سويسري، عُرف بدفاعه عن القضايا العادلة، وقد عانى كثيرا في سبيل تمسّكه بهذه المبادئ والقناعات. وذكر لي واقعة، عاشها مع مناضلين جزائريين، فرّوا عبر الحدود الفرنسيّة السويسريّة، وهناك التقى بهم، ولمّا كانوا مطاردين، فلم يتردد في أن يأويهم في بيتهم لمدّة تصل إلى ثلاثة أسابيع، أو شهر. وهي الفترة التي أحدثت انقلابا في فكر هوبر. فالرجل كان ينظر إلى هؤلاء المناضلين، وكأنهم ملائكة في بيته، حديثهم همس، وحياؤهم يدفع إلى المحبّة، وصلواتهم تثير الإعجاب، وقضيّتهم لا تقبل المساومة. وصار هوبر أكثر ارتباطا بالدّين والقضيّة معا.. وراح يسألهم، عن سرّ دينهم وطقوسهم، ولم تمض أسابيع حتى صار الرجل مسلما.

قال لي "ثورتكم، أيّدتها عن قناعة، ومناضلوها أقنعوني بأن الإسلام دين الحقّ". ومن يومها صار الرجل مناصرا لكل القضايا التي يشعر أنّ فيها امتهانا لكرامة الانسان.. وصار أقرب الناس إلى المناضل التركي نجم الدين أربكان الذي يرى فيه، نموذج الرجل المفيد..

مصطفى رهنما

ما أن انتهت الأمسيّة الشعريّة التي دعينا إليها على هامش مؤتمر دعم الثورة الفلسطينية في العام 1991، حتى اقترب منّي شيخ بعمامته البيضاء، وقد جاوز السبعين، وسلّم عليّ، ثم راح يقبّل سترتي، وهو يقول لي دعني أشمّ بركات الثورة الجزائريّة (..) فسألته وما قصتك بهذه الثورة، فقال بعربيّة كان يجهد نفسه لينطق بها. وقصّة مصطفى رَهْنَمَا، أنّه كان مناضلا من أجل الثورة الجزائريّة، إذ أنّه يجمع أموالا لها، فيدخله الشّاه السجن، وما أن يخرج حتى يلقي محاضرة لجلب التأييد لها، فيسجن ثانية، ويخرج مرة أخرى فينظم مسيرة، لكنّه يرمى في الزنزانة، ويعاود الكرّة مرة أخرى، ليستمرّر في عناده للشاه. ومساندته للثورة الجزائرية، إلى أن انتصرت، وبقي وفيّا لها، وهو في هذه السنّ يشعر باعتزاز عندما يقبّل ثوبا قادما من الأوراس..

مرّت عشرون سنة عن هذه الواقعة، لألتقي كاتبا إيرانيا في دورة البابطين بسراييفو، لأسأله عن مصطفى رهنما، فضحك وأخبرني إنّه حيٌّ يرزق، وأنّه لا يتوقف عن دعم الثورة.. الفلسطينية.

عبد الرحمن سوار الذهب

في العام 1990 التقيت به في بهو قصر المؤتمرات بجدّة، قدمت له نفسي، وطلبت منه موعدا لمحاورته، فرحّب بذلك، وحدّّد العاشرة ليلاً بغرفته. وافترقنا.

قبل ربع ساعة من الموعد، حضرت إلى حيث يقيم، وفي العاشرة طرقت الباب، ما من مجيب. وأعدت الطرق مرات دون أن يردّ أحد. وانتظرت إلى الحادية عشرة، ولم يأت. قلت في نفسي ربّما أخطأت في رقم الغرفة. سألت في بهو الفندق عن رقم غرفة المشير سوار الذهب، فأكّدوا لي أنّها هي، وأضافوا لقد خرج منذ ساعتين، وقد يتأخّر. وعدت إلى الرواق حيث غرفة المشير، وبقيت جيئة وذهابا إلى أن مرّ منتصف الليل، فالواحدة صباحًا، دون أن يأتي، فاتكأت على باب غرفته، إلى أن تملكني النعاس فنمت منتظرا قدوم المشير. وبعد حوالي نصف ساعة، شعرت بيد ترْبتُ على كتفي بهدوء.. فرفعت عيني وإذا بالمشير يفتح الباب، مبتسما. وتأسف للتأخير.. ولكنه لم يمانع في أن يجري معي الحوار الذي استمرّ حتى الرابعة صباحا، وفي نهايته قلت له ضاحكا "هل في مثل هذه الساعة قمت بالانقلاب؟" فرد ضاحكا "في الانقلاب لا تفكر في الساعة..".

مرت عشرون عاما، لألتقي بالمشير في سراييفو، وأذكره بها، فيضحك، وهو ينظر إلى الساعة..

العقيد الحاج الأخضر

كنت طفلا، وأسمع الناس يقولون في شوارع باتنة، إنّ لهذا الرجل يدًا لو صفع بها جدارا لسقط (..) ويذكرون أشياء كثيرة يخيّل للمرء أنه أمام ابن آدم ينتمي لزمن عيواج بن عناق..

في 1987 شاركت في مهرجان الشباب والثورة وقرأت قصيدة وطنية استحسنها الحاضرون، وبينهم العقيد الحاج الأخضر الذي تدخّل في أثناء الندوة، وقال بما معناه، "لو أرسلنا شعراء إلى الخارج لجلب سلاح للثورة لعادوا إلينا بباخرة ليس فيها سوى الشعر والكلام الفارغ".. فارتجلت بيتين من الشعر، عاتبت فيهما الحاج الأخضر، فصفق الحاضرون، لكنّني لاحظت الحاج يهمس في أذن صديق له يجلس على يساره، وربّما كان يسأله إن كان ما قلته هجاءً له، ويبدو أنّ صاحبه أفهمه أن ما قلته فيه إساءة لقائد الولاية الأولى بعد بن بولعيد، فبان عليه الانزعاج ووقف من مكانه، متّجها نحوي، فلم أجد بدّا من إطلاق ساقيّ للريح.. لكنّه كان الأقرب إلى الباب، فأمسك بي، وضغط بشدة على معصمي، وهو يقول لي "وين تهرب؟". ثم انفجر ضاحكا وهو يقول لي "عندك الزّهر.. الثورة خلاصت". ثم قبّلني، وقال لي "كمّل الكتبة.. وماتنساش تخليلي الشيء اللي كتبته فيّ". وكنت أنتظر متى تنزل يده على خدّي..

جلول ملائكة

حدث هذا في أواخر العام 1991 في طهران، حيث حضر وفدٌ سياسي وإعلامي جزائري مؤتمرا لدعم الثورة الفلسطينية، وكانت عيون بعض المشاركين تنظر إلى الجزائريين وكأنهم قدموا من كوكب الموت.. فلم يكن من حديث لهم إلا ما يجري في الجزائر.. وأثناء إلقاء كلمات الوفود في حفل انطلاق الأشغال، راح رئيس حركة التوحيد اللبنانية سعيد شعبان ينعت الحكومة والجيش الجزائريين بأسوأ النعوت، قائلا بأنهم يحاربون الإسلام ويمنعون الناس من الصّلاة بالقوة.. وطلّ على هذه الحال أكثر من خمس أو سبع دقائق، دون أن ينبّهه أحد إلى أنه تجاوز الخطوط الحمراء.. وفجأة يرتفع صوتٌ من وسط القاعة التي تتسع لأكثر من ألف وخمسمائة شخص "أسكت يا عميل.. نحن من تكون. ولستَ أنت من يعطي الجزائريين دروسا في دينهم وسياستهم.. إنزل يا عميل.." فعمّ الصمتُ القاعة، ولم يجرؤ سعيد شعبان على إكمال كلمته، وبقي واقفا في مكانه. لكن جلول ملائكة، لم يتوقف عن مناداته "يا عميل.. إمّا أن تنول من المنصّة أو أُنزلك بالقوة.. الجزائريون أشرف منك يا عميل". ونزل.. العميل. أما جلّول فجلس في مكانه وكأنّ شيئا لم يكن..

محمود درويش

تعرّفت عليه في فرنكفورت2004، وقرأت الشعر أمامه في الرباط في ذات السنة، وتحدّثنا في كلّ شيء أثناء آخر زيارة للجزائر 2005. في ألمانيا كان مبدعا لأنّه جعل الألمان يصفقون له طويلا. وفي المغرب قرأ جداريته وقد عاد من فترة نقاهة، تفاعل معه ومعها الجمهور طويلا أيضا، وفي الجزائر، كان طيلة إقامته يتحدث عن زياراته السابقة، ولم ينس أسماء الناس الذين قابلهم قبل ثلاثين عاما.. وروى لي قصتّه في بيروت، أيام حصار 1982، وكيف عاش حدثا، يراه كبيرا في حياته، هو انتصار الجزائر على ألمانيا في كأس العالم، وظلّ يسألني عن أحوال اللاعبين، ماجر وعصاد ودحلب وبلومي وسرباح، ويتحدّث عنهم وكأنهم شعراء، ثم عرّج على زيارة البرازيلي رونالدو إلى رام الله، وقال إنه مهمه رغم أنها جاءت متأخرة.. وختم كلامه عن أيام بيروت، بقوله "كانت عواصم عدّة تطلب منّي التكفّل بإخراجي، لكنني خرجت بجواز سفر جزائري.. لأن الجزائر مظلّة الثوار التي لا يمكن أن نقول لها لا..".

عبد الحميد كرمالي

رجل مثقف وذكي ويملك الحيلة.. كان أول لقاء لي به في 1986 بمكتبته الخاصة بسطيف، أما سبب االتعارف فلم يكم لشراء كتاب أو قلم حبر، لكن لتصفيّة حساب (..) بيني وبينه. فقد كان كرمالي في تلك الفترة مدرّبا لنادي رأس الخيمة بالإمارات العربية المتحدة، ولم تكن أموره تسير كما يريد، فالفريق متواضع جدّا ولم تنفع معه حيّل الشيخ، فقد انهزم في مباراة الكأس أمام الوصل بعشرة أهداف كاملة، وبلغني الخبر عن طريق مجلة متخصصة، فنشرت ذلك في جريدة الشعب، ولم تمرّ ساعات حتى انتشر كالناّر في الهشيم، وأخبره بعض أحبّائه بالموضوع، فانزعج كثيرا، واعتبره تحاملا على شخصه. وعند عودته إلى سطيف، سأل عنّي، ففهمت السبب وذهبت إليه ضاحكا كعادتي، لكنّه انفجر في وجهي قائلا "كيف تنشر كلاما غير صحيح"، قلت له "وما هو الصحيح؟" فردّ "لم ننهزم سوى بهدف مقابل صفر". قلت "ومن أين أتى الصفر في الخبر الذي أوردته الصحف؟" قال بثقة عالية "ربّما سقط في المطبعة؟" قلت له "ولكنّ المجلة التي بحوزتي ذكرت أسماء اللاعبين الذي سجلوا في شباككم الأهداف العشرة بالتفصيل". فسكت قليلا، وابتسم قائلا "في آخر الدنيا.. ولحقتونا".

مختار عريبي

في علاقته بالآخرين نوع من الارستقراطية، لكن تحت صلعته البرّاقة وقامته القويمة طفلٌ تقطر من عينيه البراءة. تعرّفت عليه في العام 1986 عندما احترفت الصحافة، وصرت قريبا من بيت وفاق سطيف. كنت في كل شهر أقطعت مسافة متر للوصول إليه، ملتفّا حول عناده عندما يتكلم مع الصحفيين، ولم يكن كثير الكلام.. ولم تمض سنتان حتى رأيت أنّ الرجل صار يأنس إليّ.. وأذكر أنني كنت مداوما له في رحلة التأهل إلى نهائي كأس إفريقيا للأندية البطلة في القاهرة أمام الأهلي بنجومه.. ويطلب منّي أن أترجم له ما يطرح عليه من أسئلة الصحفيين المصريين. وفي مرّة استفزّه أحدهم بقوله "مدرب الأهلي الألماني فايتسه يقول إذا لم يتأهل فريقه فإنّه سيرحل.."، فقال لي محتار رحمه الله "قل للصحفي أن ينقل رسالتي إلى الألماني، يمكنك أن تعدّ حقائبك منذ الآن.. لأنك سترحل". واستغرب الصحفي ذلك. لكنّه جاء بعد المباراة، ليهنئ عريبي قائلا "فعلتها يا شيخ..".

أبو العيد دودو

حين دخلت بيته أول مرّة، اعتقدت أنّه يتعمّد إزهار الوجه البائس من حياته، فلم تكن الغرفة التي حوّلها إلى مكتب ومكتبة، تسع أكثر من أربعة أنفار، أي بحجم طاولة مطعم (..) ولكنّك عندما تنظر إليه لا يسعك دفء فلبه، ولا سعة ما في عينيه من براءة الأطفال.. قلت له "لقد طلبوا منّي في مهرجان المتنبي بسويسرا أن أترجم نصّين إلى الألمانية، ولا أعرف غيرك فارسا في هذا.." فابتسم قائلا "تلك لغتي الأولى.. بعد العربية". ووضعت بين يديه قصيدتين رأيت أنهما تصلحان للمهرجان.. وقرأتهما عليه، ورأيت في عينيه بريق الرغبة في البدء بترجمتهما.. وقبل أن أغادر سألني إن كنت أعرف شيئا عن دار نشر عربية مقرها بألمانيا، طلبت منه ترجمة بعض الكتب، وقام بذلك، لكنّها ضحكت عليه، ولم يجد سبيلا إلى استعادة حقوقه.. وسألت عنها لاحقا فعرفت أن لها سوابق من كتاب آخرين.

عدت بعد يومين، فراح يقرأ ترجمة قصيدتي "اللعنة والغفران" و"بكائية بختي" بلسان جرماني، شعرت لحظتها أنني أمام "فيخته".. صفقت له، ولم أستوعب كلمة واحدة. وحين قرئت القصيدتان في مهرجان زيوريخ، قال لي علي الشلاه مدير المهرجان "أين عثرت على هذا الألماني الذي ترجم قصيدتك؟. قلت له " إنه جزائري من.. النمسا"..