وداعًا يا أسعد النّاس عند الله..

وداعًا يا أسعد النّاس عند الله..

كلمة عزالدين ميهوبي في تأبين الدكتور أبو القاسم سعدالله
عرفنا فيه التواضع مع الانضباط، والفطنة مع الطيبة، والجرأة مع الحكمة، والعلم مع الأخلاق..

بمناسبة مرور أربعين يومًا على رحيل الكاتب المؤرّخ الأستاذ أبو القاسم سعدالله نظم المجلس الأعلى للغة العربيّة بالمتحف الوطني للمجاهد يوم 28 يناير 2014 "احتفائيّة الوفاء والعرفان" بحضور نخبة من الأدباء والكتاب والشخصيات السياسيّة برعاية ساميّة من السيّد عبد العزيز بوتفليقة رئيس الجمهوريّو. وألقى رئيس المجلس الأستاذ عزالدين ميهوبي، جاء فيها ما يأتي:
اسمحوا لي في البداية أن أخصّ عائلة الفقيد الكبير الأستاذ الدكتور أبو القاسم سعدالله بالتحيّة والتقدير لتلبيتها دعوة المجلس الأعلى للغة العربيّة في احتفائية الوفاء والعرفان كما أطلقنا على هذه التأبينيّة.. مثلما أخص عائلة الراحل العظيم من أصدقائه وزملائه وتلامذته بأخلص عبارات الامتنان لمقاسمتهم لنا هذه الوقفة الرمزية التي تتمّ تحت رعاية فخامة رئيس الجمهوريّة السيّد عبد العزيز بوتفليقة الذي يعرف قيمة الأستاذ سعد الله وقامته ومكانته. 
كما أشكر للدكتور محمد الحسن زغيدي حرصه على أن يكون سندًا للمجلس في الإعداد والتنشيط، ولإدارة المتحف الوطني للمجاهد التي لا تدخر جهدا في دعم نشاطات هيئتنا، بتأمين كلّ شروط النجاح.

أيّها الحضور الكرام
لقد اخترنا هذا المكان لرمزيّته، فالمحتفى به يحمل بعضًا من دلالاته في خدمة التّاريخ وصون الذاكرة، وتزامن هذا اليوم 28 يناير مع ذكرى إضراب الثمانية أيّام الشهير في العام 1957، وكلّها مواعيد ممجّدة لمسيرة هذا الشعب. 
إنّ سعد الله، هو بالتأكيد سعيدٌ في بيت الخلود، وهو يرى أحباءه وتلامذته، يقيمون اللقاءات والندوات، ويستعيدون في شهاداتهم بعضًا من سيرته العطرة، ويُخلصون له الدّعاء.
يبدو أنّكم لم تعرفوا سببَ دوراني على نفسي داخل الكلمات، ذاك لأنّني لم أجد بوابة لدخول عالم أبو القاسم سعدالله، فالأبواب كثيرة، لكنّ مفاتيحها ليست بحوزتي، ولا أعرف من أين أجيئه بقصد قول كلمة تليق به وبتاريخه. وليس أمامي سوى كلمات دوّنتها عن الرجل في حياته قبل أعوام.. وأنا الذي زرته في خلوته بالمركز الوطني للدراسات التاريخية بالأبيار لتحيّته بعد أن بلغني أنّه معتكف على استكمال ما فاته من تأليف تاريخي.. وطلبت منه أن يمدّني بمعلومات تاريخيّة غير متداولة بين المؤرخين عن احتلال الجزائر، ولم يقل لي لا.. بل اتصل بي بعد يومين وسلمني بعض الكتابات التي نصحني بأن أقرأها أكثر من مرّة فربّما كانت ملغّمة لأنّ أصحابها ليسوا من جلدتنا.. 
وزرته مرّة أخرى، في أعقاب أزمة اتحاد الكتاب الجزائريين، وأذكر قابلني في مدخل مكتبه بالمركز، وبقي واقفًا، ولم يجلس، وأكثر من ذلك لم يدعني إلى الجلوس، فانتبهتُ إلاّ أنني قطعتُ عليه خلوة تفكير وبحث.. وفهمتُ الأمر، ولأدبه وأخلاقه، اتصل بي مساء ذلك اليوم، وقال لي "لم أكن مهيّأ هذا الصباح للحديث في شؤون اتحاد الكتاب الجزائريين، لأنّني أعرفُ متاعبه.. وكنتُ مأخوذا بمسألة استكمال بحث في التاريخ".
أقول هذا، لأنّ الرجل هو من ترأس مؤتمر اتحاد الكتاب الجزائريين في أعقاب الانفجار الذي شهده بعد أحداث أكتوبر 1988، وكان حينها حريصًا على جمع شمل الكتاب والأدباء، لكنّ التشظي حدث، ووقع شرخ كبير بين جيل من الشباب، وكنتُ بينهم، وقدامى الكتاب الذين لم يستوعب بعضهم غضب الشباب من أبوّة يفرضها السنّ لا الأدب.. وانتهى مؤتمر زرالدة بأن عاد كلّ واحد إلى بيته، بعد أن تصدّعت جدران الاتحاد..
قلتُ إنّني كتبتُ كلمة في حياة الدكتور أبو القاسم سعد الله، جاء فيها:
هذا الرجل العالم والمثقف والمفكر والشاعر والمؤرخ والمترجم والمحقق والناقد والباحث والدارس والمربي والموسوعي والمقاوم والانسان من طينة أجزم أنها انقرضت في زماننا، وصار وجودها بيننا لا يختلف عن وجود الماء على سطح المريخ أو أيّ كوكب مجهول.. فمن عثر منكم على بقية من هؤلاء الرجال فليبلغ، لأنّ الأمة أحوج ما تكون لهم ولعلمهم ومعرفتهم.. فهو من أوائل الجزائريين الذين شقوا طريق البحث في الذاكرة وتدوينها، إدراكا منه أن هذه الأمة لا يمكنها أن تعيش خارج التاريخ موصولة بحبل النسيان والموت في الحضارة..
هذا الرجل الذي وهب حياته للعلم والبحث والكتابة، فما كانت لتنال منه الإغواءات التي كثيرا ما قتلت كتابا وعلماء، وظل ذلك الرجل الذي عرف فيه الناس التواضع مع الانضباط، والفطنة مع الطيبة، والجرأة مع الحكمة، والعلم مع كثير من الأخلاق التي يتصف بها صفوة العلماء الثقاة.. فكان رجل موقع وموقف. لم يتبدل أبدا، ثابت على رأي يراه صوابا، ومنافح عن قيم يستشعر فيها ما يليق بالأمة..
إنّ حبه لشعبه وبلده وتاريخه شيءٌ لا يوصف، فقد اختار في حياته المهنة الأصعب وهي التنقيب في ذاكرة مخرومة بفعل الاستعمار، ومسحوقة بفعل الإهمال، ومنسية بفعل الشعور بالخوف من الماضي..
لقد كانت كلمته "نحن شعب يصنع التاريخ ولا يحسن كتابة التاريخ" إشعارا بأن الذاكرة في خطر، وأن تدوينها يقتضي من الجزائريين شعبا ودولة أن يستعيدوا ذلك بوعي كبير لا أن يتركوا الأمر للأغراب فيشوهون التاريخ ويدمرون الذاكرة..
إن هذا الرجل يرهق من يسعى إلى اختزال سيرة حياته..

قال مرّة "اكتبوا حتّى بأهدابكم وأظافركم إن لم تُطعكم أقلامكم"، وهو يُدرك أن هناك من لم تطعهم أقلامهم، وهناك من لم تطاوعهم أقدامهم في الذهاب إلى أقصى الأرض لينبشوا عن تاريخ مُهمل أو منسيّ.. وهو يُدرك أيضًا أن هناك من ليست لهم أهدابٌ أو أظافر، فيديرون ظهورهم للتاريخ خوفًا منه، لا خوفًا عليه، ولا حتّى تواضعًا أمامه..
استحضر ذكراه اليوم، معكم أنتم الذين جئتم لأجله، لأجل شيخ المؤرخين، مثلما أستحضر ذكرى رفاق القلم الكبار الذين غادروا إلى دار الخلود بعد عمر من العطاء، الجنيدي خليفة، عبد الله الركيبي، الطاهر وطّار، محمد قنانش، محفوظ قداش، مولاي بلحميسي، أبو العيد دودو، محمد بن عبد الكريم، عبد الله شريّط، رابح بلعيد وآخرون..
وأستحضر مقتطفًا من تعزيّة السيّد رئيس الجمهوريّة لعائلة الفقيد، إذ يقول "إنه كلما ذكر مؤرخ في المغرب العربي، ارتسمت في الذهن صورة أبو القاسم سعد الله الذي أفنى جل وقته بين المؤلفات والمخطوطات مؤلفا وباحثا ومنقبا، ولعل الغرّة الناصعة في الإرث المعرفي الكبير الذي تركه المرحوم للأجيال هي موسوعته في التاريخ الثقافي للجزائر التي أهلته ليكون شيخ المؤرخين، وأن يغدوَ مرجعا في كل ربوع العالم العربي".
هي شهادة لمكانة الرّجل الذي زهد في المناصب، وانتصر للعلم والمعرفة، وترك ما خقّ له ولعائلته ولنا جميعًا وللجزائر، أن تفتخر بها، هذا الرصيد من المؤلفات التي لو طاولت قامته، لجاوزتها.
في ختام هذه الكلمة، لا يسعني إلاّ أن أدعو المولى عزّ وجل أن يُسبغ على الراحل الكبير عظيم رحماته، وأن يدخله جنته مع الأبرار والصادقين.. وأشكر لمن لبّى دعوتنا، وحضر معنا هذه الاحتفائية المتواضعة، لرجل خدم العربيّة بأهدابه، ودافع عن هويّته بأظافره، وكان ممن أطاعته أقلامه، فطوّع أفكاره لما يؤمن به..
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

Share this
 

طالع أيضا

علّموني..

لم تكن بلدتي في السنوات الأولى للاستقلال، كما هي اليوم، تنعم لا بالماء ولا الكهرباء ولا المدارس. شأنها في ذلك شأن قرى كثيرة تعرف معنى الحرمان. وحين اقترب أبي من المدينة، أقمنا بقرية تازّغت، فأخذني كبيرا لمدرسة لها سقف وبها كهرباء وكراسي، سألني أوّل معلّم لي سي قدّور، هل تعرف القراءة؟ قلت نعم. فوضع كتابا أمامي وقال لي "اقرأ" فشرعت ألتهم تلك السطور. أوقفني وأخرج كتابا آخر، وقال لي "اقرأ" ولم أُبق سطرا واحدا من الصفحة. وأخرج كتابا ثالثا، وابتلعت ما به كسابقيه، ثم طلب منّي إحضار أبي، وقال له إنّ مستواه يفرض عليّ أن أحرق المراحل، وأضمّه للسنة الرابعة أو الخامسة ابتدائي. واكتشفت معنى أن تقرأ جالسا على كرسي متكئا على طاولة وأمامك سبّورة، وحولك أطفال تكبرهم أو يكبرونك سنّا. إنّها دهشة الاكتشاف.
معلّمنا الآخر، سيد علي الصّيد، تعلّمت معه أبجدية اللغة الفرنسية، وكان يطلب منّا نحن الأطفال، أن نجمع ما قيمته ثلاثة دنانير، لنشتري كرة، ويعلّمنا هو كيف نلعب مثل الفرق الكبيرة، ويحرص على ألاّ يعلم آباؤنا بذلك، والأفضل أن يكون تحصيل المبلغ من.. الأمهات. وهو ما فعلناه، لكنّ الذي حدث، أنّ في أوّل يوم من اللعب بالكرة، كسرنا زجاجة أحد الأقسام، فغضب سي قدّور، وأنّبَ سيد علي، وأطلقنا نحن الأطفال أقدامنا للريح. واليوم أذكرهما وهما في دار الخلد..

حميد عبد القادر

يعتقد بعض النّاس أن هناك مساحة في التاريخ لا يقربها إلاّ من كانوا من صانعيها أو كانوا شهودا على أحداثها أو ربّما صاروا أوصياء عليها لاعتبارات ثقافية أو إيديولوجية أو عرقية.. ولكن هناك من ينجح إلى التسلل إلى مناطق الظل الساخنة ليستكشف درجة الحرارة والرطوبة فيها. وحميد عبد القادر واحد من الذين اختاروا المشي على مسامير التاريخ، بطرح جملة من الأسئلة التي تثير شهية الباحثين عن حقيقة ملفوفة في أوراق مهملة أو نائمة في أفواه صامتة.
هو من جيل الاستقلال، لكنه مهموم بأسئلة الثورة والنبش في تاريخ رجالها، وبعض الوقائع التي أسالت حبرا بألوان شتّى. كتب عن عبّان وفرحات وأعدّ كتبا عن بومدين ودباغين، وقام بإحصاء ما تم تأليفه عن الثورة من كتب ومذكرات وأطروحات. وعندما سألته وهو الروائي الذي صدرت له بعض الأعمال الإبداعية عن سرّ اهتمامه بالتاريخ وتناول سيّر بعض الرموز قال لي "لا أهدف إلى العثور عن حقيقة ضائعة ولكنني لا أريد مواجهة الأسئلة المزعجة التي يهرب منه الآخرون.. فالتاريخ يعني تفتيت الأسئلة لمعرفة التفاصيل".
حميد قلمٌ لا يتوقف عن الكتابة، لأنه يعرف أن أسئلة التاريخ والهوية والانسان لا تنتهي..

بوليفة

خرج من بلدة صغيرة في صحراء الجزائر تسمّى جامْعة قاصدا بغداد، وليس في يده شيء سوى حبّه للموسيقى. وفي بلد الرشيد التقى الموصلي وتحاور مع زرياب ودرس على يد منير بشير وأساطين العود والمقام العراقي.. فأخذ نصيبه من المعرفة، وصار فارسا في النهاوند والبياتي والسيكا والمايا.. وعندما كان يهمّ بجمع متاعه والعودة بعد التخرّج رأى وجهين من العراق يدخلان معهد الموسيقى بعده هما كاظم الساهر ونصير شمّة.. إنّه الفنان محمد بوليفة.
عاد متأبّطا عُودَهُ وكثيرا من المعرفة في علوم الموسيقى، وراح ينبش في ذاكرة الأغنية الجزائرية وطبوعها وتراث الأسلاف، فقدم عديد الأغاني التي عاشت مع الأذواق طويلا، وكان أوّل من حوّل نصوصا شعريّة لأغنيات جميلة، أبدعها سليمان جوادي وعاشور فنّي ومالك بوذيبة.. وتألق في فن الأوبيريت مع قال الشهيد وحيزية وملحمة الجزائر.. وشكّل مع وردة لوحة فنية رائعة في "بلادي أحبّك".. وأشياء كثيرة أعتزّ أنني تقاسمت فيها معه عذوبة ألحانها وإيقاعاتها الرائقة.
بوليفة الفنان الأصيل، لا يدقّ الأبواب ليصل قبل غيره، ولكنّه يعرف أنّ ما قدّمه وحده كفيل بأن يجعل منه واحدا من كبار الفنانين الذين يتكلمون قليلا ويبدعون كثيرا، ويحملون همّ الأغنية النظيفة في شوارع الفنّ الموبوءة بالرداءة والمحاباة والخروج عن السلّم الموسيقي..

Susanne GOUHOT

هذه سيدة فرنسية نشأت في ماكون، بلدة شاعر فرنسا الأكبر لامارتين، وهي فنانة تشكيلية، مبدعة. زارتني في اتحاد الكتاب قبل 12 عاما، ووضعت على مكتبي عددا من رسومات أطفال جزائريين، وقالت لي هل يمكن أن تضع لها عنوانا، فكتب لها شيئا مما رأيته قريبا من المعنى.. فقالت لي "كأنّك رسّام.."، فكشفت لها عن ميولي الفنية، ومنذ ذلك اللقاء، صرنا أصدقاء، زرتها في ماكون في 2003، ونظمت لي أمسية شعرية بأكاديمية الفنون، حضرها مثقفون فرنسيون ومغتربون عرب، وعندما قرأت مقطع "ذات سبت/ أنشدت زينب في موكب أطفال الحواري قسمًا.." وقف المهاجرون الجزائريون وراحوا يرددون نشيد "قسمًا"، ثم وقف الجميع في مشهد حوّل القصيدة إلى تجمّع سياسي. وأذكر أن الشاعر الفرنسي بيار مالو قرأ النص بالفرنسية، وعندما وصل مقطع قسما، وقف هو الآخر، فصفّق من في القاعة.. وبعد عام أبلغتني سوزان بأنه قضى في حادث سير.
تأتي سوزان مرتين أو ثلاثا في السنة، لتشارك في ورشات لتعليم الأطفال الرسم التجريدي، والتعبير بالألوان، فقصدت جميلة وآيت اسماعيل وتيميمون، وفي كلّ مرّة تقول لي "أطفالكم ولدوا بأصابع ملوّنة.. إنهم مبدعون".

خمّار

سأبقي مدينا لهذا الرجل الرائع بعديد المواقف التي كان يتعامل معي فيها بمنطق الأب أولا والكاتب ثاني والصديق ثالثا. وكلّما زرته في بيته، إلاّ وانتظرت صاروخ سكود منه، فهو لا يفتأ يلومني، إذا تأخّرت عن زيارته أو الاتصال به، ويحدث هذا كثيرا، ولكنّني لن أغفر له شيئا واحدا هو توريطي في اتحاد الكتاب الجزائريين في مؤتمر سطيف في ربيع 1998، حين بقي المؤتمر يبحث عن مرشّح الربع ساعة الأخير، فكان الحلّ في اللجوء إليه، باعتباره يعرف البيت بما فيه وبمن فيه، حين ترأس مائدة الغداء التي ضمّت ما يفوق الثلاثين من أهمّ وجوه الاتحاد، وقال "لا أرى بديلا لعزالدين". وبدأت رحلتي مع الاتحاد، وعندما وقعت أزمة 2005 وقف الرجل على الحياد.. هو هكذا أبو القاسم خمّار الرجل الحكيم، العاقل، الذي بلغ عقده الثامن بروح الشباب، ومرح الطفولة، فليس غريبا أن يكون الشاعر، زوجا لامرأة مبدعة، هي السيدة جميلة، وأبا لسينمائي متألق هو مؤنس، وصديقا للجميع، لأنّه لا يعرف القسمة ولا الطرح ولا الضرب، إنّما يفضّل الجمع. هو رجل الاجماع الذي لا يتأخر عن موعد، فيقول كلمته ويمشي.. باحترام.

الساسي

يذكر الناس هذا الاسم كثيرا، ويرددون مقولة "اشكون قال الساسي ما يلعبش"، لكنهم لا يعرفون من يكون صاحب الكلمة التي جرت مثلا. فالرجل المقصود هو الساسي حاوزماني، لاعب شباب باتنة، وصاحب الشنبات المعقوفة، والقامة الفارعة التي أكسبته شهرة واسعة امتدت شرقا وغربا. ففي العام 1993 فكّرت مليّا بعد أن أطلقت أسبوعية "صدى الملاعب" أن أكرّم شخصيّة رياضية ذات شعبية كبيرة، فوقع اختياري على الساسي دون غيره، ورغم إمكاناتي المحدودة، إلاّ أنني نظمت حفل اعتزال الساسي بباتنة، حضره نجوم منتخب 1982 يتقدمهم ماجر، ومنتخب الأوراس يقوده الساسي، كما دعوت أطول رجل في الجزائر، منير، الذي جاوزت قامته 2.40 م ليكون شاهدا على أنّ الساسي بقامته يظل قصيرا أمامه.. وكان الحفل كبيرا، ومشهودا. وروى الساسي، حكاياته مع الكرة، ومع الحكام، واللاعبين الذين يزعجونه في الملاعب.. وأكّد أنه كان يدخل قبل المباراة غرفة الملابس ويأخذ قميصه الرقم 7 ثم يقول للمدرب "اختر العشرة الباقين". وإذا ما شعر أنّ هناك من لا يحبّذ وجوده في التشكيلة، ينظر يمينا ويسارا ويقول "اشكون قال الساسي ما يلعبش". وذكر لي في حوار طويل أنّه كان قبل المباراة، يرهب الفريق الخصم، بضرب رأسه في الباب الحديدي لغرفة تبديل الملابس، مما يزرع الخوف في نفوس بعضهم، فيلعب مرتاحا دون أن يزعجه أحد.. فمن قال إنّ الساسي لا يستحقّ التكريم.

أركون

التقيت به في إحدى الندوات بالرباط قبل عشر سنوات، ورأيت كيف كان المفكّرون الأجانب والعرب المشاركون في الندوة ينتظرون محاضرته حول السلام في فلسطين.. إذ أنّ الناس اعتادوا على سماع رأي الرجل في قضايا فكرية مرتبطة بالدين والعقل وتأويل النص.. إلاّ أنّ تزامن الندوة مع مجزرة جنين، جعل كلّ الحديث عن السلام الضائع في أرض الرسالات.
لم يكن الرجل مجاملا، فقد بدا غاضبا على ما يحدث من إبادة للشعب الفلسطيني الأعزل، واستعرض جوانب من تاريخ المنطقة، وعرض حلولا يتبناها المثقفون قبل الساسة، ورجال الدين قبل المجتمع المدني والعسكري. وعلى هامش الندوة، اقتربت من محمد أركون، ورحت أسأله عن السبب الذي يجعله يغيب عن الجزائر ويرفض دعوات المشاركة في ندوات فكرية، أو أخرى تستهدف تكريمه، فقال لي "لا أحبّذ الخوض في موضوع أغلقته منذ سنين.."، قلت له "أنت تعاقب جيلا من المثقفين الذين يحترمون فكرك". فقال لي مبتسما "أعرف ذلك.. لأنّ هناك جيلا عاقبني أيضا، ووضع البلد لا يشجعني على المجيئ، فربما أغضب كلامي أناسا لست في حاجة لأخوض معهم نقاشا يرفضون فيه حججي، وأرفض فيه حججهم..". ثمّ شدّ على يدي، وكأنه يقول لي "اتخذت قراري. انتهى كلّ شيء.."

عبد المجيد حبّة

روى لي أبي واقعة عن هذا الرجل، فكدت ألاّ أصدقها. ذلك أنه قصده في بلدته المغيّر ليستفسره في مسألة فقهيّة استعصى حلّها على أحدهم، فاحتفى بهم، وأكرم وفادتهم، وأعدّ لهم الغداء، وقضى حاجتهم. وتلك عادته كما يقول أبي. وبعد يومين وصلت أبي رسالة من الرجل يقول فيها "اعذروني إن كان الغداء مجازا.. ففي ذلك اليوم توفّيت أمّ الأبناء، ولم أشأ أن أحرجكم بأمر لا رادّ له..". رجل يفقد زوجته، ويكرم ضيوفه، دون أن تبدو عليه ملامح ذلك، لأنّه كظم أحزانه، وخشيَ ألاّ يقضي حاجة قاصديه. هذا رجل من صنف الصحابة والتابعين..
عبد المجيد حبّة، أو كما يعرف بابن حبّة، حضرت بعض مجالسه، في بسكرة. يكتفي بلحاف وعباءة بيضاء، ويجلس القرفصاء ويقطر علمًا. كنت على صغري أسمعه، ينتقل من رأي مذهب إلى آخر، ويذكر عشرات العلماء، ويعيد بناء شجرة أنساب الذين يقصدونه لمعرفة أصولهم، فقد كان نسّابة، عارفا بالبطون والأفخاذ والقبائل، ويكفي أن تذكر له لقب العائلة ليذهب بك بعيدا في نسبك. وكان عالم لغة، وشاعرا وفقيها، وله في كل معرفة نصيب. لقد اجتمعت فيه فضائل العلماء وطبائع الرجال الذين لا يولدون مرتّين..

شريبط

هذا الرجل لا يرى قدره خارج الكتابة، فهو لا يتوقف أبدا عن النزيف حبرا، ولو كان ممدّدا تحت جهاز تصفية الكلى. هو أحمد شريبط، أحد الأسماء الأدبية الجزائرية الجادة التي كرّست حضورها الدائم في المشهد الثقافي، دارسا أكاديميا، ناقدا مثابرا، ومتابعا لكل ما ينشر، ومثقفا منافحا عن الأدب الجزائري.
يعد أحمد شريبط جزءا من ذاكرة الأدب الجزائري المعاصر، بما ألّفه من كتب، وما نشره من مقالات، وما أثاره من معارك أدبية. يشهد له الجميع بالتفاني، إلى الحدّ الذي يجعله يقسو على نفسه، وهو الذي يعاني منذ سنوات فشلا كلويّا، جعله يقضي وقته في مصحة تصفية الدم، لكنّه لا يعدم جهدا في التواصل مع الأدباء والكتاب.. ويؤلمني كثيرا عندما يتّصل بي بين الحين والآخر ويقول لي "خرجت قبل قليل من المصحّة.. ولا يمكنك أن تتصوّر حجم الألم الذي أتحمّله"، ولا يلبث أن يكلّمني عن موضوع كتاب يؤلفه أو مقال يكتبه، أو ندوة يفكّر في المشاركة فيها..
هو الأديب المقاوم بامتياز، المؤمن برسالة الكاتب، المتعالي على آلامه الحادة، بالكتابة والحضور المستمر في الساحة. فلا يشعر الآخرون بألمه واحتراقه، ولا يعرفون أن أحمد شريبط من طينة لا تتكرّر أبدا.. شكرا لك أحمد، وأصبغ الله عليك من فيض رحمته في هذا الشهر الكريم، لتكون القدوة لكتّاب قادمين..

محمد سعيدي

إذا لم تكن واثقا مما تقول فليس لك أن تجادل هذا الرجل، وإذا لم تستوعب ما يقوله فليس لك في الثقافة والفكر شيء.. فهو واحد من أساطين النقد والفكر المستنير، والرؤية المفككة للأشياء. لا ينطلق في حديثه من فراغ، ولا يصل في تحليله إلى هدف لا يقصده، فهو يعي ما يقول، ويملك الجرأة فيما يقول. كان يتحلّق حوله مثقفون من جيل الاستقلال، فيسمعون منه ما لا يصنّف في لغة الخشب، ويوجّههم إلى قراءة الأشياء بعيون نقدية، ويحثّهم على أن تكون المعرفة ثابتهم الأساس، وألا ينساقوا خلف حديث الليل يمحوه النهار.
تعرّفت عليه قريبا من والدي، فكان كلّ واحد منهما يسألني عن الآخر، فأدركت كم هي كبيرة فضيلة الوفاء بين الكبار. وأذكر أنني اصطحبته قبل سنوات إلى البويرة لتكريم حمري بحري بعد صدور كتابه «الرجم بالكلام»، فتناول الكلمة، وكانت بمثابة «بيان من أجل رؤية ثقافية جديدة» ضمّنها تجربة رجل عميق في رؤياه، جريئ في طرحه، بناء في أفكاره العقلانية المفعمة بالحداثة، لا يخفي خوفه من المجهول، لكنّه يتحلّى بكثير من الأمل. وحين أوصلته إلى البيت قال لي «أوصيك بأبيك خيرا.. وإياك أن تتوقف عن الكتابة..»، وبعد أيّام راح يكتب عن مراجعة التجربة وتغيير المسار..