مولود قاسم

مولود قاسم

في بداية عهدي بالعمل الصحفي، كتبت عمودا في جريدة الشعب، يتعلّق باجتماع للأطباء النفسانيين بمدينة سطيف، تحدّث فيه الجميع باللغة الفرنسية، إلاّ طبيبة فرنسية، قالت للحاضرين بلغة المتنبّي "اسمحوا لي إن تحدّثت بلغتكم الجميلة، الساحرة" فأسقط في أيدي الجميع، فاحمرّت واصفرت واسوذّت وجوههم، وكأن الأرض أطبقت عليهم.. فاتصل المرحوم مولود قاسم بالجريدة طالبا إيضاحات منّي على المكان والزمان، بهدف توبيخ المشاركين في الملتقى، والتنويه بموقف تلك المرأة التي انتصرت للعربية.
وفي مطلع التسعينيات، وصلني كتابان من السويد، باللغة الاسكندنافية، لكاتب مغربّي،  فقلّبتهما في كلّ الاتجاهات، ولم أفهم شيئا سوى أنّ لهما علاقة بتاريخ المغرب والانقلاب على الملك الحسن الثاني، فتذكّرت أنّ الوحيد الذي يمكنه أن يفكّ شفرة الكتابين هو مولود قاسم الملمّ بلغات أوروبا الشمالية، واتصلت به، ليطلب منّي الحضور إلى بيته، وهناك قابلته في قبو تراكمت فيه الكتب والأوراق، وما أن أعطيته الكتابين حتى قال لي "هذان الكتابان لن يقرأهما سوى اثنين، أنا وسفيرنا في ستوكهولم محمد الشريف ساحلي". وبعد أن خاض معي في مسائل سياسية، وعدم رضاه عن الذي يحدث في البلد، خرج معي إلى ساحة البيت، ثم انتبهت إلى أنّه يجد صعوبة في وضع قدمه على السلّم، وحين رفعها قليلا، رأيت قطرات دم مجمّة في راحة القدم.. وبعد أيّام أدركت أنّ ذلك لم يكن سوى سرطان الدّم الذي أودى بالرّجل الذي أحبّه الجزائريون، لأنّه كان مختلفا تماما..

Share this
 

ذكرى من قراءة نص

وانا اقرا اسطر كلماتك هذه في حق الراحل المحترم مولود قاسم نايت بلقاسم رحمه الله برحمته الواسعة:
في ايام وفاته انني كنت مقيم بالجزائر العاصمة وبالضبط بابن عكنون وكنت ازور مستشفى بن عكنون في العديد من المرات وعلمت من بعد على ما اظن انه كان مقيم بذات المستشفى وهو الامر الذي المني في ان لا يحالفني الحظ في زيارته خاصة واني كنت احبه كثيرا ومتاثر بشخصيته واصالته... وبعد وفاته كتبت رسالة من عشرة اوراق احصي فيها ماثره وشخصيته الرائعة والمتكاملة كمفكر ثائر ارسلتها من بريد الابيار الى السيد وزير الثقافة في تلك الايام حمراوي جبيب شوقي اطالبه باطلاق اسمه على قاعة من قاعات الجزائر واخترت له في رسالتي قاعة الاطلس  بجانب قصر الحكومة ....
كما اتذكر اني التقيته بسطيف في سنة 1990 بدار الثقافة في الذكرى الاولى للايام المخلدة للزعيم هواري بومدين وكان لي شرف الالتقاء به وتحيته وحضور مداخلته بخصوص حياته مع بومدين ايام الوزارة وما ادلى به حينها لا زلت اذكره جيدا ومنها ان بومدين حين يحتاجه لامر مهم بخصوص وزارته فان لغة الاشارة بينهم --- تعال لنشرب الشاي-- واتذكر جيدا انه قبل مداخلة وزير الخارجية الاسبق عبد الحميد الابراهيمي صعد المنصة للاجابة عن بعض الاسئلة طرحت عليه في مداخلته في قصاصات اوراق ولم يسعفه الوقت للرد عليها وفي انتضار وصول عبد الحميد الابراهيمي صعد الى المنصة وبدا في اخراج قصاصات الورق من جيب بنطلونه الشتوي الا انه تفاجئ بنزول تلك القصاصات الى الاسفل بعد ان وجدت تلك القصاصات جيبه مقعر حيث شبع كل من في القاعة بدار الثقافة بسطيف من الضحك الا انه تمكن منها في الاخير واجاب على بعض الاسئلة قبل وصول عبد الحميد الابراهيمي واتذكر جيدا انه بعد ذلك نزل من المنصة وجلس بجانب الصحفي القدير سعد بوعقبة وكنت قريبا جدا منهما وتمكنت من الوصول اليهما ومصافحتهما وامضى لي الاستاذ سعد بوعقبة على صفحة مجلة الوحدة وبين اسطر صفحته او عموده الواسع == بلا نظارات==
والله استاذنا بعد قراءة موضوعك على هذا الرجل الفذ والعبقري المنسي الذي كان يحمل الالوان الزيتية والريشة لتصحيح الاخطاء اللغوية في اللافتات في كل اسفاره في الجزائر رحمه الله برحمته ولك كل الشكر الاستاذ عزالدين ميهوبي
عبد الباقي فكايري صالح باي سطيف

طالع أيضا

وداعًا يا أسعد النّاس عند الله..

كلمة عزالدين ميهوبي في تأبين الدكتور أبو القاسم سعدالله

عبد الحميد مهري

هو تاريخ يمشي على قدمين، وذاكرة تختزن سيرة شعب ونضال أمة. قبل سبعين عاما كان يمارس السياسة، وبعد سبعين عاما ما زال يقرأ الأشياء، ويقترح ما يراه يليق بحلّ أزمة، أو عرض رؤية في لحظة انسداد.

محمد حّبوش

هذا رجل، لا يعرفه الناس، إلاّ من كانوا قريبين منه في سطيف أو مسيلة. هو رجل تربية وتعليم. حين عرفته، لم تبدّل ملامحه وهيئته في مخيّلتي إلى اليوم. فهو بدينٌ نسبيا، تغطي صلعته، طاقية بنيّة، ولا يرى إلا وهو يرتدي معطفا، صيفا وشتاء.

الأخضر بوطمين

يقول لك هذا الرجل الطيب، في بلادنا يوجد الحاج الأخضر قائد الأوراس، والأخضر بن طوبال أحد كبار الثورة، والأخضر حامينا أعظم سينمائي عرفته الجزائر، والأخضر بلومي أشهر لاعب أنجبته الجزائر، والأخضر بريش أفضل معلّق رياضي، والأخضر بوطمين أهمّ مفكر لا تعرفه الجزائر.. ويوجد الكتاب الأخضر الذي سمعت به ولم أقرأه.

أشرف محمود

عليك أن تعرفه حتى تصدّق ما أكتبه عنه، وعليك أن تتعامل معه حتى تدرك قيمته إنسانا متميّزا، وإعلاميا  مبدعا..

بوعلام رحوي

يقول خبراء ألعاب القوى عن هذا الرجل ذي الشنبات الرفيعة، إنّه كان قادراعلى أن يحطم الرقم القياسي العالمي لمسافة ثلاثة آلاف متر حواجز، غيرأنّه حطّم نفسه بفعل الفرح. كان ذلك في ألعاب البحر الأبيض المتوسط في 1975 بالجزائر، حين راحت قدما بوعلام رحوي تلتهم أروقة ملعب 5 يوليو في مشهد تاريخي لا ينسى.. ولمّا شعر أنّه صار قريبا من التتويج، راح يرفع يديه ويحيي الجمهور، فرحا بمنح الجزائر ميدالية أخرى، ولم يكن يعرف في تلك اللحظة أنّه قاب قوسين أو أدنى من تحطيم الرقم العالمي.. والأمر ليس غريبا، فالهدف كان الفوز، ولم يفكّر أيّ كان في تحطيم الرقم..

العربي دحّو

كان أوّل من قدّمني لطلبة جامعة باتنة في أول أمسية شعرية لي في العام 1983، ولم أكن تمرّستُ بمثل هذه الفضاءات. وكان أوّل من قدّم لديواني "في البدء كان أوراس" في العام 1985 في صحيفة النصر بعنوان "ميهوبي في السوق" مما أعطى دعاية أكبر لباكورة أعمالي.. وكان له شرف رئاسة المؤتمر السابع لاتحاد الكتاب الجزائريين بسطيف 1998..

كاتشو

يعتقد كثير من الناس أننا شقيقان، هكذا قال لي ذات مرة، فملامحنا تتشابه، وبشرتنا القمحية متقاربة، ولنا ذات القامة، ونلتقي باستمرار.
علي ناصري، أو كاتشو، كما يعرفه الناس. كان صديقا عزيزا، لا يمرّ أسبوع إلا ويتّصل بي، أو أتصل به، أسأله عن أحواله وجديده في الفن، ويسألني عن صحّتي وجديدي في الكتابة، والأمر ليس غريبا فقد عشنا في حيّ واحد، وجمعتنا طفولة واحدة، وتواصلنا في فضاءات مختلفة، ولكنني كنت أرى فيه ذلك الطفل القادر على النجاح، والذهاب بعيدا بالأغنية الشاوية في زخم التنافس الكبير بين عشرات الطبوع والإيقاعات.. ومرّة قال لي بعد حفل أجراه تحت رذاذ المطر بسطيف "أريد أن يصل صوتي خارج الوطن". فبدأت اتصالات ببعض من أعرف في مهرجانات فنية، ولكن للأسف لم يتحقق هذا الحلم، لأن الموت كان أسبق..
زارني مرات عديدة في الإذاعة الوطنية، ولم أسمع منه مرّة واحدة، ما كنت أسمعه من بعض الفنانين، من إدراج أغاني ألبوماته الجديدة في مختلف الإذاعات للترويج، وكان يحبّ الخوض في أمور السياسة، والبحث عن أجوبة لأسئلته التي لا تنتهي، وعندما تقول له "دعنا نتحدث في الفن"، يرد ببرودة "الفن نسمعه ولا نتحدث فيه..". وتبقى فترة الحجّ هي التي كشفت للجميع عن معدن كاتشو، المؤمن، الطيب، المتخلق، الصبور، المحبّ للناس.. وحين بلغني خبر موته المفجع بكيت، لأنّ أخًا لي رحل، دون أن أكلّمه في جديد السياسة، وكنت أنتظره بعد يومين في مكتبي..

بختي بن عودة

صعبٌ جدّا اختزال هذا الرجل، فهو من طينة عصيّة على  التناول بارتجال. كان يبشّر بميلاد عقل تنويري في زمن انهيار القيم وتلوث المفاهيم وحضور العنف في حياة الناس.
لم يفشل، لأنه مؤمن بقدره، ولم يتردد لأنه لم يخطئ حين اختار طريقه، ولم يُكره غيره على أن يكونوا مثله. يدافع عن رأيه في غير عناد، ويقرأ غيرَه في غير تطاول أو إقصاء. لا يغيب عن أي ندوة يُدعى لها، ولا يخرج من أيّ ملتقى إلاّ وترك وراءه فكرة، أو رأيا، أو مقترحا..
كنت ألتقيه في كلّ مرة، فلا يسأل عن صحّتي، إلاّ بعد أن يطلب منّي جديدي في الشعر، ويقدّم لي وجهة نظره بلا مجاملات، ثم يقول لي "والآن كيف حالك؟".
آخر مرّة التقيت فيها بالشهيد بختي بن عودة، في الأيام الأدبية بالعلمة، كنّا أعضاء في لجنة التحكيم، وأذكر أنني ودّعته قريبا من مسرح المدينة، وأعطيته وردة، ابتسم وقال لي "لا أعرف إن كانت ستقاوم الذبول قبل وصولي إلى وهران..". قلت له "لن تذبل لأنها ترتوي من عرق يديك".
مرت أيّام، فكانت فاجعة اغتيال الطفل الذي لم يكن يعلم أن عينا غادرة كانت تترصده، وهو يداعب الكرة مع أبناء حيّه. ليت الرصاصة عرفت من يكون.. لكنها وُلدت لتقتل الوردة. ومن حقّي أن أبكي بختي في نص "أستحي أن ألمح الورد يموت وأغنّي..".