محمد حّبوش

محمد حّبوش

هذا رجل، لا يعرفه الناس، إلاّ من كانوا قريبين منه في سطيف أو مسيلة. هو رجل تربية وتعليم. حين عرفته، لم تبدّل ملامحه وهيئته في مخيّلتي إلى اليوم. فهو بدينٌ نسبيا، تغطي صلعته، طاقية بنيّة، ولا يرى إلا وهو يرتدي معطفا، صيفا وشتاء.

باسم الثغر، ولا يرى مقطب الجبين أبدا. يمشي وحده، ونادرا ما يكون برفقة بعض أصحابه. يقيم في فندق متواضع، طوال السنة. أقصده مع أبي بين الحين والآخر، ويكون رابعنا في الحديث الشيخ البشير الإبراهيمي، فالرجل يحفظ كلّ نصوصه وكتاباته، ويمكنه أن يسرد أمامك "عيون البصائر" كما لو أنّه يرتّل القرآن. ويحفظ من نوادر الإبراهيمي، وسيرته وعلاقاته، ما لا يعرفها خبراء في حياة العلامة.
كنتُ أتردد عليه في عرفته، لأسمع منه، ما لا يمكنني أن أحصل عليه في مؤلفات، فالرجل يمتلك ذاكرة فيل من الحضنة (..) ويحبّ استعادة أشياء من تاريخ، عاش بعضه، وسمع بعض الآخر متواترا عن غيره.
فكّرتُ مرارا في تدوين بعض ما سمعته من محمد حبّوش، لأهميّته، وقيمة ذلك في توثيق تاريخ الجزائر الثقافي، وحين قصدته في غرفته بالفندق الذي يتوسط مدينة سطيف، قال لي صاحب الفندق "كأنّك لا تعيش معنا في هذا الكوكب.. فسي محمد انتقل إلى جوار ربّه منذ.. سبع سنوات"، وأضاف "أمثاله لا يولدون مرتين..".
Share this
 

طالع أيضا

وداعًا يا أسعد النّاس عند الله..

كلمة عزالدين ميهوبي في تأبين الدكتور أبو القاسم سعدالله

عبد الحميد مهري

هو تاريخ يمشي على قدمين، وذاكرة تختزن سيرة شعب ونضال أمة. قبل سبعين عاما كان يمارس السياسة، وبعد سبعين عاما ما زال يقرأ الأشياء، ويقترح ما يراه يليق بحلّ أزمة، أو عرض رؤية في لحظة انسداد.

الأخضر بوطمين

يقول لك هذا الرجل الطيب، في بلادنا يوجد الحاج الأخضر قائد الأوراس، والأخضر بن طوبال أحد كبار الثورة، والأخضر حامينا أعظم سينمائي عرفته الجزائر، والأخضر بلومي أشهر لاعب أنجبته الجزائر، والأخضر بريش أفضل معلّق رياضي، والأخضر بوطمين أهمّ مفكر لا تعرفه الجزائر.. ويوجد الكتاب الأخضر الذي سمعت به ولم أقرأه.

أشرف محمود

عليك أن تعرفه حتى تصدّق ما أكتبه عنه، وعليك أن تتعامل معه حتى تدرك قيمته إنسانا متميّزا، وإعلاميا  مبدعا..

بوعلام رحوي

يقول خبراء ألعاب القوى عن هذا الرجل ذي الشنبات الرفيعة، إنّه كان قادراعلى أن يحطم الرقم القياسي العالمي لمسافة ثلاثة آلاف متر حواجز، غيرأنّه حطّم نفسه بفعل الفرح. كان ذلك في ألعاب البحر الأبيض المتوسط في 1975 بالجزائر، حين راحت قدما بوعلام رحوي تلتهم أروقة ملعب 5 يوليو في مشهد تاريخي لا ينسى.. ولمّا شعر أنّه صار قريبا من التتويج، راح يرفع يديه ويحيي الجمهور، فرحا بمنح الجزائر ميدالية أخرى، ولم يكن يعرف في تلك اللحظة أنّه قاب قوسين أو أدنى من تحطيم الرقم العالمي.. والأمر ليس غريبا، فالهدف كان الفوز، ولم يفكّر أيّ كان في تحطيم الرقم..

العربي دحّو

كان أوّل من قدّمني لطلبة جامعة باتنة في أول أمسية شعرية لي في العام 1983، ولم أكن تمرّستُ بمثل هذه الفضاءات. وكان أوّل من قدّم لديواني "في البدء كان أوراس" في العام 1985 في صحيفة النصر بعنوان "ميهوبي في السوق" مما أعطى دعاية أكبر لباكورة أعمالي.. وكان له شرف رئاسة المؤتمر السابع لاتحاد الكتاب الجزائريين بسطيف 1998..

كاتشو

يعتقد كثير من الناس أننا شقيقان، هكذا قال لي ذات مرة، فملامحنا تتشابه، وبشرتنا القمحية متقاربة، ولنا ذات القامة، ونلتقي باستمرار.
علي ناصري، أو كاتشو، كما يعرفه الناس. كان صديقا عزيزا، لا يمرّ أسبوع إلا ويتّصل بي، أو أتصل به، أسأله عن أحواله وجديده في الفن، ويسألني عن صحّتي وجديدي في الكتابة، والأمر ليس غريبا فقد عشنا في حيّ واحد، وجمعتنا طفولة واحدة، وتواصلنا في فضاءات مختلفة، ولكنني كنت أرى فيه ذلك الطفل القادر على النجاح، والذهاب بعيدا بالأغنية الشاوية في زخم التنافس الكبير بين عشرات الطبوع والإيقاعات.. ومرّة قال لي بعد حفل أجراه تحت رذاذ المطر بسطيف "أريد أن يصل صوتي خارج الوطن". فبدأت اتصالات ببعض من أعرف في مهرجانات فنية، ولكن للأسف لم يتحقق هذا الحلم، لأن الموت كان أسبق..
زارني مرات عديدة في الإذاعة الوطنية، ولم أسمع منه مرّة واحدة، ما كنت أسمعه من بعض الفنانين، من إدراج أغاني ألبوماته الجديدة في مختلف الإذاعات للترويج، وكان يحبّ الخوض في أمور السياسة، والبحث عن أجوبة لأسئلته التي لا تنتهي، وعندما تقول له "دعنا نتحدث في الفن"، يرد ببرودة "الفن نسمعه ولا نتحدث فيه..". وتبقى فترة الحجّ هي التي كشفت للجميع عن معدن كاتشو، المؤمن، الطيب، المتخلق، الصبور، المحبّ للناس.. وحين بلغني خبر موته المفجع بكيت، لأنّ أخًا لي رحل، دون أن أكلّمه في جديد السياسة، وكنت أنتظره بعد يومين في مكتبي..

بختي بن عودة

صعبٌ جدّا اختزال هذا الرجل، فهو من طينة عصيّة على  التناول بارتجال. كان يبشّر بميلاد عقل تنويري في زمن انهيار القيم وتلوث المفاهيم وحضور العنف في حياة الناس.
لم يفشل، لأنه مؤمن بقدره، ولم يتردد لأنه لم يخطئ حين اختار طريقه، ولم يُكره غيره على أن يكونوا مثله. يدافع عن رأيه في غير عناد، ويقرأ غيرَه في غير تطاول أو إقصاء. لا يغيب عن أي ندوة يُدعى لها، ولا يخرج من أيّ ملتقى إلاّ وترك وراءه فكرة، أو رأيا، أو مقترحا..
كنت ألتقيه في كلّ مرة، فلا يسأل عن صحّتي، إلاّ بعد أن يطلب منّي جديدي في الشعر، ويقدّم لي وجهة نظره بلا مجاملات، ثم يقول لي "والآن كيف حالك؟".
آخر مرّة التقيت فيها بالشهيد بختي بن عودة، في الأيام الأدبية بالعلمة، كنّا أعضاء في لجنة التحكيم، وأذكر أنني ودّعته قريبا من مسرح المدينة، وأعطيته وردة، ابتسم وقال لي "لا أعرف إن كانت ستقاوم الذبول قبل وصولي إلى وهران..". قلت له "لن تذبل لأنها ترتوي من عرق يديك".
مرت أيّام، فكانت فاجعة اغتيال الطفل الذي لم يكن يعلم أن عينا غادرة كانت تترصده، وهو يداعب الكرة مع أبناء حيّه. ليت الرصاصة عرفت من يكون.. لكنها وُلدت لتقتل الوردة. ومن حقّي أن أبكي بختي في نص "أستحي أن ألمح الورد يموت وأغنّي..".

زعيتر

بسمرته الدافئة، وكلماته الرقيقة، كان يقابلني الشهيد جمال الدين زعيتر، أيام كنّا نؤدي فترة الخدمة العسكرية قريبا من حديقة صوفيا، فنتحدّث في كلّ شيء، الأدب والثقافة والسياسة والفن والرياضة، ونروي النّكت الجديدة عشية مشاركة المنتخب الوطني في مونديال مكسيكو 1986، وأذكر أنه قال لي "إذا فشل سعدان في الحصول على كأس العالم أمر طبيعي فهو سيلعب ضد البرازيل وإسبانيا.. لكنه عليه ألا يفشل في نيل كأس الجزائر". ويضحك جمال، ويطلب منّي نكتة شبيهة، فأقول له "إذا فشل في نيل كأس الجزائر، عليه ألاّ يسقط إلى الدرجة الثانية..". ولا يتوقف جمال عن رواية ما يجري في القسم الثقافي لجريدة الجمهورية، وملحقها الثقافي المتميّز، وكيف كان المرحوم عمار بلحسن والشهيد بختي بن عودة، يعملان على أن يكون كلّ عدد، حاملا لقضايا وأفكار جديدة، وأنهما لا يقبلان بأقل من فضيحة أو هزّة عنيفة في المشهد الأدبي..
زارني في سطيف، وحين سألته إن كان قطع تلك الرحلة الطويلة لأجل رؤيتي، قال لي "علمت أنّ أصول عائلتي من الحضنة، فجئت لأخبرك وأزور المكان..". وكان ينشر لي بعض نصوصي الشعرية، وبقينا على تواصل، إلى أن بلغني خبر اغتياله في مقبرة قديّل وهو يقرأ الفاتحة على قبر أمّه.. ذنبه أن يكتب ويفكّر، ويحبّ أمّه كأيّ طفل.. غير إرهابي..