كاتشو

كاتشو

يعتقد كثير من الناس أننا شقيقان، هكذا قال لي ذات مرة، فملامحنا تتشابه، وبشرتنا القمحية متقاربة، ولنا ذات القامة، ونلتقي باستمرار.
علي ناصري، أو كاتشو، كما يعرفه الناس. كان صديقا عزيزا، لا يمرّ أسبوع إلا ويتّصل بي، أو أتصل به، أسأله عن أحواله وجديده في الفن، ويسألني عن صحّتي وجديدي في الكتابة، والأمر ليس غريبا فقد عشنا في حيّ واحد، وجمعتنا طفولة واحدة، وتواصلنا في فضاءات مختلفة، ولكنني كنت أرى فيه ذلك الطفل القادر على النجاح، والذهاب بعيدا بالأغنية الشاوية في زخم التنافس الكبير بين عشرات الطبوع والإيقاعات.. ومرّة قال لي بعد حفل أجراه تحت رذاذ المطر بسطيف "أريد أن يصل صوتي خارج الوطن". فبدأت اتصالات ببعض من أعرف في مهرجانات فنية، ولكن للأسف لم يتحقق هذا الحلم، لأن الموت كان أسبق..
زارني مرات عديدة في الإذاعة الوطنية، ولم أسمع منه مرّة واحدة، ما كنت أسمعه من بعض الفنانين، من إدراج أغاني ألبوماته الجديدة في مختلف الإذاعات للترويج، وكان يحبّ الخوض في أمور السياسة، والبحث عن أجوبة لأسئلته التي لا تنتهي، وعندما تقول له "دعنا نتحدث في الفن"، يرد ببرودة "الفن نسمعه ولا نتحدث فيه..". وتبقى فترة الحجّ هي التي كشفت للجميع عن معدن كاتشو، المؤمن، الطيب، المتخلق، الصبور، المحبّ للناس.. وحين بلغني خبر موته المفجع بكيت، لأنّ أخًا لي رحل، دون أن أكلّمه في جديد السياسة، وكنت أنتظره بعد يومين في مكتبي..

Share this
 

طالع أيضا

جدّو حقي

في جيبه قطع حلوى يوزعها على الأطفال أينما كانوا. تراه يتأبط محفظة بنيّة اللون ملأى بالقصاصات، والمخطوطات ورسائل الأطفال..
كان عبد الوهاب حقّي، المعروف لدى الأطفال بجدّو حقّي، يأتيني يوميا إلى مقر اتحاد الكتاب الجزائريين، فيحدّثني عن ماضيه مع الكتابة، وعن مسرحيته الأولى عن جميلة بوحيرد التي هزّت وجدان الأهالي في دير الزور ودمشق.. ويروي لي سنوات العمر في الجزائر، معلمّا ومربيّا، وكيف امتزج دمه بتراب هذه الأرض التي أحبها وتعلّق بها، ولم يعد يشعر بشيء سوى أنّه جزائري الدم والوجدان..
امتدّ به العمر، ولم يتوقف عن الكتابة والتأليف، وإنتاج البرامج للأطفال، وحضور مختلف الملتقيات والمنتديات، ولا يخلو مجلس من حديث له..
زارني أكثر من مرة في مكتبي بالإذاعة، عارضا جملة من المشاريع للأطفال، وأنجز بعضها. فهو لا يتعب، ولا يرى نفسه إلاّ سمكة في ماء الإبداع والكتابة للطفل.. وغير الطفل.
ببحّة صوته، ونظاراته المميّزة، يختار المقاعد الأولى ليقول كلمته، ويمشي. ولا يجد حرجا من أن يحدّثك عن وضعه الصحّي والاجتماعي، مثلما يحدثك عن مشاريعه ومؤلفاته التي لم تر النور، وهي كثيرة.
قال لي في تكريمي بالمكتبة الوطنية في ربيع 1998 "عين الله تكلؤك بعزّه.. امض شامخا تلفّك دعواتنا، ولك ربٌّ في السماء يحميك..". فلك التحية والعمر المديد جدّو حقّي.

الغزالي الاوراسي

كان يدعوه أبي بين الفينة والأخرى مع شيوخ وأئمة أذكر منهم البخاري والتهامي.. فيتطارحون في قضايا فقهية ومسائل اجتماعية تقتضي مساهمة الدين في حلّها. ولم أكن أفهم شيئا مما يقولون، غير أنني كنت أرجّح أنّ من يرفع صوته، ويقاطع غيره لعرض حجّته، هو الأفضل.. إذ لم يكن عمري تجاوز العاشرة.
كان بين الحاضرين مجلس أبي، الشيخ الغزالي بن دعّاس، ولا أعني به الداعية المصري المعروف، ولكنّه داعية أوراسي، يحترف حياكة البرانيس (..) ويقدّم دروسه في مساجد باتنة، ويشدّ إليه النّاس بفصاحته، ومنطقه الشعبي البسيط، وجرأته الكبيرة، في انتقاد ما لا يراه متوافقا مع أخلاق المجتمع الجزائري. كانت شعبيته عالية جدّا.
كعادته جاء مرّة إلينا مع آخرين، وتحدّثوا في شؤون مختلفة، ورأيت أنّه سيطر على المجلس بقدرته في الإقناع، وذكر لهم أنه في منتصف السبعينيات قدّم درسا في مكّة المكرمة، ولكنّ أحد المتطرفين من الوهابية، قاطعه بعنف وقال له "لا يحق لك أن تتحدث عن الاسلام في الجزائر.. لا علاقة لكم بالدين، فأنتم شيوعيون"، فردّ عليه غزالي الجزائري "شيوعيون يشيدون ألف قرية، في كل واحدة مسجد لذكر الله". فأسقط في يد الوهابي.
بعد أن انفض المجلس، همست في أذن أبي "الشيخ الغزالي هذا.. حلّوف بن حلّوف". فنقل أبي رأيي للغزالي رحمه الله، فأرسل لي دينارين مكافأة لي على مدحه (..) ولم يدخل جيبي يومذاك مبلغ كهذا..

إبراهيم حاصي

لم تمنعه الديبلوماسية في أن يكتب الشعر بأكثر من لغة، وأن يرسم لوحات بأكثر من لون، وأن يشكّل منحوتاته بأكثر من مادة، وأن يكلّم الناس بأكثر من لسان، وأن يستحضر أمامك مهاراته المختلفة في أشياء تنبئ عن موهبة لم تقتلها المغلقة والروتين الإداري..
يروي لك قصّة كلّ نصّ، ويشرح لك سبب استخدامه لهذا اللون دون ذاك، ويفاجئك باختراق فنّ لا يقوى عليه إلا المتمرّسون به. هو إبراهيم حاصي بن عودة، السفير الذي يروي بعضهم أنّه في فترة انتدابه لطهران، استقبل وفدا جزائريا في مهمّة، فأبدى رئيس الوفد إعجابا به حين رآه يتكلّم مع هذا الفارسية، ويردّ على الآخر بالإنكليزية، ويعقّب على الثالث بالفرنسية، ويطلق تعليقا على رابع بالعربية، فقال له رئيس الوفد "لم يبق لك إلاّ أن تتكلّم الأمازيغية في طهران"، فشغّل إبراهيم جهاز تسجيل السيارة ليسمع محدّثة  رائعة "أسفرو"، فضرب الرجل أخماسه وبأسداسه وقال له "حتى آيت منقلات أدخلته إلى إيران..".
أصدر إبراهيم ديوانه ببيروت مزيّنا برسوماته الجذّابة، وقرأ في قاعاتها، واكتشف الناس الطفل القادم من الدهموني، وهو يتألق في عاصمة الإبداع، وقد وضع قبعّة السفير غير بعيد عن فندق.. سمرلند.

لوصيف

كان أوّل لقاء بيننا في العام 1979 بباتنة حين سمعت منه "لامية الفقراء" فبدا لي أنّه شاعر لا يسعى إلى مجد أو شهرة، لكنّه يسعى إلى أن يجد في الناس من يسمع شعره فيحبّه.
يكتب باستمرار، وما يدخل جيب باليمنى ينفقه باليسرى في طبع ديوان جديد، حتّى بلغت خزانته الثلاثين مجموعة شعرية أو أكثر. هو هكذا عثمان لوصيف. الشاعر الأسمر الذي لا يغادر بلدته طولقة إلاّ إلى التلّ أيام الصيف، أو ليشارك في مهرجانات شعرية في مدن أخرى.
كان منجذبا إلى زوجته بوفاء نادر، فيذكرها في قصائده، ويضع صورتها على أغلفة مجاميعه الشعرية، وحين وافاها الأجل، رحل عن المكان، لتكون ظلاّ له أينما حلّ وارتحل..
صدر ديوانه الأول "الكتاب بالنار" 1982 بتصريح لي "عثمان لوصيف هو أمير الشعراء في الجزائر" فانزعج أشباه الشعراء، لأنّهم لم يدركوا ذلك إلاّ بعد ثلاثين عاما من مكابدات عثمان الأسمر الطيب، ولم يفهموا شيئا إلا بعد أن وجدوا أنفسهم أمام شاعر مكتمل الموهبة، يمنح الشعر كلّ حياته، ولا يستجدي أحدا في أن يُوجِدَ له منبرا لينتزع اعتراف الناس بقدرته، وهو الذي يحقّ له أن يصدر أحكامه على من يشتغلون في حقل.. القصيدة.

بن حمودة

كنت واقفا في الشارع الرئيسي، أول نوفمبر، بسطيف، وفجأة توقفت أمامي سيارة سوداء، يقودها رجلٌ لم يكن معروفا قبل أسبوع، نحيف قليلا، وله نظارات مميّزة، ويتحدث لكنة قسنطينية، ولا يضع ربطة عنق (..) سألني إن كنت أعرف مقرّ اتحاد العمال، قلت له إنّ على مسافة مائتي متر على اليمين، وأضفت ألست الأمين العام الجديد للاتحاد العام للعمال الجزائريين؟ ابتسم وقال لي "أنا بلحمه وشحمه". قلت له "يبدو أن كارثة منجم خرزة يوسف هي من جاء بك؟"، قال لي "هي بالذات.."، قلت له "أنا صحفي بجريدة الشعب هل تأذن لي بطرح سؤالين أو ثلاثة، فلم يمانع، وأجابني وهو وراء مقود سيارته، بينما كنت أقف على الرصيف (..). كان أوّل لقاء مع سي عبد الحق..
كنت في مكتبي بالتلفزيون، وحضر عبد الحق بن حمودة قبل نصف ساعة ليشارك في حصة توقيعات التي يقدّمها محمد هلوب ونوارة جعفر، فسألته ما قصّة الحزب الذي تتهيأون لإطلاقه، ابتسم وقال لي "سيولد كما يقولون بشلاغمه.." وراح يشرح لي أسباب إنشائه تنظيم سياسي يرتكز على المنظمات الكبرى، وعلى المؤمنين بجزائر قوية لا مكان فيها لمن لا مبادئ أو قيم لهم.. وقبل أن يخرج من المكتب، ابتسم وقال لي "نريد أمثالك في حزبنا.." وبعد أسبوع نزل علينا خبر اغتياله.. واغتيال مولود سياسي وُلد، كما قال، كبيرا.

شبين

لم يتغيّر منذ ثلاثين عاما.. في لغته ودعاباته وذكائه. ربّما الشيء الوحيد الذي تغيّر، هو تساقط شعره بين أبو ظبي وواشنطن وغربة السنوات.
مراد شبين يعرفه الناس أيام لقاءاته مع الساسة والزعماء في "لقاء مع الصحافة"، ومهارته في إدارة حوارات ساخنة مع شخصيات لا تحسن سوى الضرب تحت الحزام (..) واعتبر في تلك الفترة واحدا من ذئاب التلفزيون في فترة تكاثر الأحزاب والصحف. وفجأة اختفى مراد من واجهة التلفزيون الجزائري مثل عشرات الأسماء التي اختارت وجْهات وجِهات، مؤكّدة تألقها وتفوقها، وأسهمت في بهجة قنوات فضائية لم تكن شيئا يذكر..
مراد الذي قدّم لتلفزيون أبوظبي الكثير، رحل بعيدا إلى أمريكا، ليخوض تجربة أخرى معزّزا بخبرة شاب جزائري موهوب، ومبدع، قادم من بجاية، يحدّثك في السياسة كما لو أنّه قضى عمرا في مختبراتها، ويناقشك في الإعلام الجديد كما لو أنّه خبير لدى بيل غيتس، ويجادلك في مستقبل المنطقة العربية وكأنه عاش في ظل عمرو موسى، ويسمعك من شعره الجميل ما يجعلك تشكّ في أنّ الغربة تقتل المتنبّي.. فلا البحر يتذكرّ، ولا العطر يبوح بأسراره.
زرته مرات في أبو ظبي، فكان يستعيد معي أيام لقاءاتنا الأولى في مقاهي سطيف وشوارع العاصمة، وتواصلت معه وراء المحيط.. ولم أشعر أنّه تغيّر أبدا.

شيبان

كان قريبا من جدي محمد الدراجي في جمعية العلماء، وصار مسؤولا على والدي في وزارة الشؤون الدينية، وكنت قريبا منه منذ أرسل لي، وهو وزير، رسالة شكر وامتنان عندما أهديته نسخة من ديواني "في البدء كان أوراس" في العام 1985.. ومنذ ذلك اليوم وأنا على تواصل مع هذا الرجل الذي ينتمي لطينة لن تتكرر..
هذا آخر المحترمين من رجال الزمن الصعب، بعلمه وأخلاقه، ووطنيته ومواقفه، وقدرته في أن يكون الجامع لكل ما هو متناقض، المتفتّح على كلّ ما هو مغلق. هو سيّد الاعتدال بامتياز، لا يساوم فيما هو حق، ولا يجادل فيما لا جدوى منه، ولا يقول ما لا خير فيه. تراه قريبا من الشباب، وكأنه منهم، يوقّرهم، وكأنهم أكبر منه، ويجلّ العلماء كما لو أنّه ليس منهم، فيؤثرهم على نفسه. يختزل الجزائر في دينه ولغته وانتمائه وثوابته، ويقول إن الشهداء أكرم منّا جميعا، وأن الشرفاء فيهم خير للأمة.
زرته في بيته مع والدي، أيام محنته مع المرض، وفي ساعتين من الزمن، أخذت فيهما منه ما لو بقيت عقدين ما نلت ذلك، ففي لسانه من رقّة الحديث ما يجعلك تأنس إليه، وفي ضوء عينية صفاء الفكرة، وسداد الرأي، وحكمة الجزائري الأصيل.. رحمة الله عليك يا آخر الباديسيين الكبار.

الخالدي

قبل عشرين دخل مكتبي في صحيفة الشعب. كان يرتدي بدلة بيضاء وربطة عنق حمراء، ويحمل حافظة صغيرة تحت إبطه، ويدخن باستمرار. قدم لي نفسه، فرحت أستحضر في ذاكرتي أسماء من قرأت لهم، وعرفت أن له كتابات ومؤلفات.. وتبادلنا قليلا من الحديث، فطلب منّي هاتفي أحمد حمدي ومحمد الصالح حرز الله.. وخرج ليعود في اليوم الموالي، ليكلمني بشيء من الخجل عن وضعه بعد حرب الخليج التي أكلت ما في جيبه.. فعاد إلى الجزائر بعد أن تأزمت أموره هناك. وسألني إن كانت الشعب تقبله صحفيا، ولم أتردد في أن اقترحت عليه عمودا يوميا في مقابل ثلاثة آلاف دينار، وبعدها نرى الأمر.. ولم يقصر الرجل بعد أن رفعت المنحة إلى أربعة آلاف لما لاسمه من وزن ولكتاباته من قيمة. وهكذا بدأ العلاقات بيننا تتعمق حتى صرنا لا نفترق طيلة وجودي على رأس التحرير بالجريدة..
كان يكتب المقالة بمعايير المهنيّة العالية، ويبتدع الفكرة بذكاء خارق، ويملك حسّا تحليليا للأحداث، ويشكّل ذاكرة حقيقية للجزائريين المهجّرين إلى بلاد الشام، فيكّلمك عن كلّ شخصية وإسهامها في نهضة تلك البلاد.
كان متعلّقا بأمّه إلى أن رحلت، وظلّ في غدوّ ورواح بين دمشق والجزائر، ولم تنقطع الشعرة بينه وبين بلده، وأعاد ريّ شجرة العائلة في وادي البردي، ليبدأ حياة المهجّر العائد لجذوره.. مواصلا الكتابة دون عناء ولو في دار للشيخوخة.

ماجر

هو أيقونة الكرة الجزائرية بلا منازع، فما حققه لاعبا موهوبا لم يصل إليه أي لاعب جزائري آخر، بل إنّه ترك بصمته في تاريخ الكرة العالمية، وقّعها بكعبه الذهبي يوم 27 مايو 1987، مانحا النادي البرتغالي لقبا لا يناله إلا الكبار.. وعرف المجد مع منتخب الجزائر في مونديالي 1982 و1986 وحاز معه بطولة أمم إفريقيا 1990، قبل أن يختار قليلا من التدريب وكثيرا من الخبرة في تحليل المباريات، فاحتفظ بذلك البريق، دون أن تمتد إليه يدُ النسيان التي ابتلعت كثيرا من الأسماء.. لكنّ ميزة مصطفى ماجر كما يحلو للمقربين منه مناداته، أنّه يحسن بناء علاقاته مع محيطه، والحفاظ على سقف ما حققه من ألقاب..
قبل أن أعرفه عن قرب، وظّفت اسمه في واحدة من "ملصقاتي" الشعرية، حين كتبت في العام 1990 الآتي:

في بلادي لا تقل إنّيَ شاعرْ
أو روائيٌّ مغامرْ
لا تقلْ أكتبُ للشعب
فإنّ الشعبَ لا يعرف شيئا عن قضايا النقد والفكر المعاصرْ
كلّ ما يبدعه الخلق جميعاً
لا يساوي كعبَ ماجرْ

وحققت هذه الملصقة انتشارا واسعا لدى القرّاء، ولست أدري هل كان ذلك إعجابا بالشاعر أم بكعب ماجر؟. أرجح القدم ثم القلم..

الورتيلاني

كان يوما مشهودا في بلدته قبل ربع قرن. ولكن كان عمره شاهدا على رجل يصعب اختزال حياته في كلمات. هو الفضيل الورتيلاني، الرجال العالم، المصالح، الثائر، المغامر، الخطيب، الوزير، الإمام، اللغوي..
حين جيئ برفاته من تركيا ليعاد دفنه في مسقط رأسه، شعر الناس أنّه عاد من رحلة طويلة فاحتفوا به، وأقاموا الأعراس، وهتفوا باسمه، وكان يبادلهم التحيّة، ويلوّح بيديه كبطل عاد منتصرا من حرب المنفى. قيل لي حينذاك، إن هذا الباديسي، خرج إلى المشرق باحثا عن العلم، طالبا الدعم لثورة شعبه، فاكتنفت حياته أشياء، أوصلته إلى اليمن ليكون وزيرا بها، ومكنّته سنوات الغربة ليكون متقنا لأكثر من عشر لغات، ونُفيَ في باخرة ظلّ على متنها أزيد من ثلاثة أشهر، فقد رفضت بلدان المشرق دخوله إليها، وحين فُرجت قالوا إنّه كانت ينتقل من منبر إلى آخر، ينافح عن الثورة، ويدعو إلى دعمها ومساندتها، وبلغ الأمر به أن ظلّ يتكلّم ثلاثة أيّام دون توقّف، فأصابه نزيف وانتهى شهيدا في غربته بتركيا..
اشتاق أهله إليه، فأعادوه في نعش مسجّى وأقاموا له ضريحا، وأنزلوه منزلة العظام الذي أنجبتهم هذه البلدة الكريمة، التي لا تحسن شيئا سوى إنجاب العلماء والمصلحين وذوي الفضل.