عبد الحميد مهري

عبد الحميد مهري

هو تاريخ يمشي على قدمين، وذاكرة تختزن سيرة شعب ونضال أمة. قبل سبعين عاما كان يمارس السياسة، وبعد سبعين عاما ما زال يقرأ الأشياء، ويقترح ما يراه يليق بحلّ أزمة، أو عرض رؤية في لحظة انسداد.

عبد الحميد مهري، هو سليلُ بيتِ مناضلين لا يتعبون، فحضوره في الحركة الوطنية كان لافتا منذ أيّام الشباب، ولصوته وقعٌ في نقاشات الثورة وتوجهاتها وإن تعقّدت الأمور، ولرأيه موقعُه في بناء الدولة بعد استعادة الحرية.
مثقفٌ، محنّكٌ، داهيةٌ، يفكك الأشياء بعقل المتمرّس، ويقرأ الأحداثَ بعين الخبير، هو من طينة الذين يمشون مع الجميع، إنّما خطوته وحده، هو من يحدّد المسافة والتوقيت والإيقاع. يستعيد التاريخ في لحظة القرار، ويتخّذ الموقف الذي يراه غيره تطرّفا، ويراه العارفون به حكمة. فحين تعرّض لما سمّي بالمؤامرة العلمية، اكتشف أنّ بعض من يثق فيهم متورّطون، فأعاد كلمة يوليوس قيصر "حتّى أنت يا بروتس.." ولم يفهمها بعضهم..
تعرّفت عليه أيّام "الشعب" وتعلّمت منه كيف تنبت الأخلاق في الكتابة، وكيف تتجلّى المهنيّة في النقد، وكيف يكون التخلص من ثقافة التجريح بتجنّب التشخيص. قال لي مرّة، "التشخيص المفرط للأشياء، يبعد عنها المهنيّة، ويجعلها على تماس مع القذف والتجريح". وحين دخلت "الشعب" في أتُون الأزمة في العام 1992، كتبَ آنذاك رسالة لسيد أحمد غزالي، رئيس الحكومة، قال له فيها "إذا كان خطأ الصحفيين يحال على المحاكم، فخطأ السياسيين يحال على الشعب في الأنظمة الديمقراطية".
Share this
 

تعليق

تحية صادقة وخالصة لعبد الحميد مهري

الناس معادن ومعدن الاستاذ يقاس بوطن كالجزائر

الرجل الوحيد الذي اثق فيه في الجزائر الحالية واعتقد جازما انه الرجل الوحيد الموثوق فيه وهو الذي نادى في بداية الازمة واذكر ذلك جيدا بان تعود الناس الى بعضها وكان ينادي في كل الفضاءات بان لا نترك الجرح يكبر فان كبر لن يلتئم وفي تلك الايام كان صوته يرجع صداه ولا احد سمع له وكانه يؤذن في مالطاحتى كبر الجرح وكبرت الماساة وبعد السنين عادت المصالحة الوطنية ولكن باسم اخر وفي حقيقة الامر ان اول من نادى بالمصالحة الوطنية في بداية الازمة هو الاستاذ عبد الحميد مهري لكن الناس لا تتذكر وتتذكر الا من الاخير
كم احترم هذا الرجل وكم احبه وكم اتمنى لقاءه ولو لتحيته فقط
عبد الباقي فكايري صالح باي سطيف

طالع أيضا

علّموني..

لم تكن بلدتي في السنوات الأولى للاستقلال، كما هي اليوم، تنعم لا بالماء ولا الكهرباء ولا المدارس. شأنها في ذلك شأن قرى كثيرة تعرف معنى الحرمان. وحين اقترب أبي من المدينة، أقمنا بقرية تازّغت، فأخذني كبيرا لمدرسة لها سقف وبها كهرباء وكراسي، سألني أوّل معلّم لي سي قدّور، هل تعرف القراءة؟ قلت نعم. فوضع كتابا أمامي وقال لي "اقرأ" فشرعت ألتهم تلك السطور. أوقفني وأخرج كتابا آخر، وقال لي "اقرأ" ولم أُبق سطرا واحدا من الصفحة. وأخرج كتابا ثالثا، وابتلعت ما به كسابقيه، ثم طلب منّي إحضار أبي، وقال له إنّ مستواه يفرض عليّ أن أحرق المراحل، وأضمّه للسنة الرابعة أو الخامسة ابتدائي. واكتشفت معنى أن تقرأ جالسا على كرسي متكئا على طاولة وأمامك سبّورة، وحولك أطفال تكبرهم أو يكبرونك سنّا. إنّها دهشة الاكتشاف.
معلّمنا الآخر، سيد علي الصّيد، تعلّمت معه أبجدية اللغة الفرنسية، وكان يطلب منّا نحن الأطفال، أن نجمع ما قيمته ثلاثة دنانير، لنشتري كرة، ويعلّمنا هو كيف نلعب مثل الفرق الكبيرة، ويحرص على ألاّ يعلم آباؤنا بذلك، والأفضل أن يكون تحصيل المبلغ من.. الأمهات. وهو ما فعلناه، لكنّ الذي حدث، أنّ في أوّل يوم من اللعب بالكرة، كسرنا زجاجة أحد الأقسام، فغضب سي قدّور، وأنّبَ سيد علي، وأطلقنا نحن الأطفال أقدامنا للريح. واليوم أذكرهما وهما في دار الخلد..

حميد عبد القادر

يعتقد بعض النّاس أن هناك مساحة في التاريخ لا يقربها إلاّ من كانوا من صانعيها أو كانوا شهودا على أحداثها أو ربّما صاروا أوصياء عليها لاعتبارات ثقافية أو إيديولوجية أو عرقية.. ولكن هناك من ينجح إلى التسلل إلى مناطق الظل الساخنة ليستكشف درجة الحرارة والرطوبة فيها. وحميد عبد القادر واحد من الذين اختاروا المشي على مسامير التاريخ، بطرح جملة من الأسئلة التي تثير شهية الباحثين عن حقيقة ملفوفة في أوراق مهملة أو نائمة في أفواه صامتة.
هو من جيل الاستقلال، لكنه مهموم بأسئلة الثورة والنبش في تاريخ رجالها، وبعض الوقائع التي أسالت حبرا بألوان شتّى. كتب عن عبّان وفرحات وأعدّ كتبا عن بومدين ودباغين، وقام بإحصاء ما تم تأليفه عن الثورة من كتب ومذكرات وأطروحات. وعندما سألته وهو الروائي الذي صدرت له بعض الأعمال الإبداعية عن سرّ اهتمامه بالتاريخ وتناول سيّر بعض الرموز قال لي "لا أهدف إلى العثور عن حقيقة ضائعة ولكنني لا أريد مواجهة الأسئلة المزعجة التي يهرب منه الآخرون.. فالتاريخ يعني تفتيت الأسئلة لمعرفة التفاصيل".
حميد قلمٌ لا يتوقف عن الكتابة، لأنه يعرف أن أسئلة التاريخ والهوية والانسان لا تنتهي..

بوليفة

خرج من بلدة صغيرة في صحراء الجزائر تسمّى جامْعة قاصدا بغداد، وليس في يده شيء سوى حبّه للموسيقى. وفي بلد الرشيد التقى الموصلي وتحاور مع زرياب ودرس على يد منير بشير وأساطين العود والمقام العراقي.. فأخذ نصيبه من المعرفة، وصار فارسا في النهاوند والبياتي والسيكا والمايا.. وعندما كان يهمّ بجمع متاعه والعودة بعد التخرّج رأى وجهين من العراق يدخلان معهد الموسيقى بعده هما كاظم الساهر ونصير شمّة.. إنّه الفنان محمد بوليفة.
عاد متأبّطا عُودَهُ وكثيرا من المعرفة في علوم الموسيقى، وراح ينبش في ذاكرة الأغنية الجزائرية وطبوعها وتراث الأسلاف، فقدم عديد الأغاني التي عاشت مع الأذواق طويلا، وكان أوّل من حوّل نصوصا شعريّة لأغنيات جميلة، أبدعها سليمان جوادي وعاشور فنّي ومالك بوذيبة.. وتألق في فن الأوبيريت مع قال الشهيد وحيزية وملحمة الجزائر.. وشكّل مع وردة لوحة فنية رائعة في "بلادي أحبّك".. وأشياء كثيرة أعتزّ أنني تقاسمت فيها معه عذوبة ألحانها وإيقاعاتها الرائقة.
بوليفة الفنان الأصيل، لا يدقّ الأبواب ليصل قبل غيره، ولكنّه يعرف أنّ ما قدّمه وحده كفيل بأن يجعل منه واحدا من كبار الفنانين الذين يتكلمون قليلا ويبدعون كثيرا، ويحملون همّ الأغنية النظيفة في شوارع الفنّ الموبوءة بالرداءة والمحاباة والخروج عن السلّم الموسيقي..

Susanne GOUHOT

هذه سيدة فرنسية نشأت في ماكون، بلدة شاعر فرنسا الأكبر لامارتين، وهي فنانة تشكيلية، مبدعة. زارتني في اتحاد الكتاب قبل 12 عاما، ووضعت على مكتبي عددا من رسومات أطفال جزائريين، وقالت لي هل يمكن أن تضع لها عنوانا، فكتب لها شيئا مما رأيته قريبا من المعنى.. فقالت لي "كأنّك رسّام.."، فكشفت لها عن ميولي الفنية، ومنذ ذلك اللقاء، صرنا أصدقاء، زرتها في ماكون في 2003، ونظمت لي أمسية شعرية بأكاديمية الفنون، حضرها مثقفون فرنسيون ومغتربون عرب، وعندما قرأت مقطع "ذات سبت/ أنشدت زينب في موكب أطفال الحواري قسمًا.." وقف المهاجرون الجزائريون وراحوا يرددون نشيد "قسمًا"، ثم وقف الجميع في مشهد حوّل القصيدة إلى تجمّع سياسي. وأذكر أن الشاعر الفرنسي بيار مالو قرأ النص بالفرنسية، وعندما وصل مقطع قسما، وقف هو الآخر، فصفّق من في القاعة.. وبعد عام أبلغتني سوزان بأنه قضى في حادث سير.
تأتي سوزان مرتين أو ثلاثا في السنة، لتشارك في ورشات لتعليم الأطفال الرسم التجريدي، والتعبير بالألوان، فقصدت جميلة وآيت اسماعيل وتيميمون، وفي كلّ مرّة تقول لي "أطفالكم ولدوا بأصابع ملوّنة.. إنهم مبدعون".

خمّار

سأبقي مدينا لهذا الرجل الرائع بعديد المواقف التي كان يتعامل معي فيها بمنطق الأب أولا والكاتب ثاني والصديق ثالثا. وكلّما زرته في بيته، إلاّ وانتظرت صاروخ سكود منه، فهو لا يفتأ يلومني، إذا تأخّرت عن زيارته أو الاتصال به، ويحدث هذا كثيرا، ولكنّني لن أغفر له شيئا واحدا هو توريطي في اتحاد الكتاب الجزائريين في مؤتمر سطيف في ربيع 1998، حين بقي المؤتمر يبحث عن مرشّح الربع ساعة الأخير، فكان الحلّ في اللجوء إليه، باعتباره يعرف البيت بما فيه وبمن فيه، حين ترأس مائدة الغداء التي ضمّت ما يفوق الثلاثين من أهمّ وجوه الاتحاد، وقال "لا أرى بديلا لعزالدين". وبدأت رحلتي مع الاتحاد، وعندما وقعت أزمة 2005 وقف الرجل على الحياد.. هو هكذا أبو القاسم خمّار الرجل الحكيم، العاقل، الذي بلغ عقده الثامن بروح الشباب، ومرح الطفولة، فليس غريبا أن يكون الشاعر، زوجا لامرأة مبدعة، هي السيدة جميلة، وأبا لسينمائي متألق هو مؤنس، وصديقا للجميع، لأنّه لا يعرف القسمة ولا الطرح ولا الضرب، إنّما يفضّل الجمع. هو رجل الاجماع الذي لا يتأخر عن موعد، فيقول كلمته ويمشي.. باحترام.

الساسي

يذكر الناس هذا الاسم كثيرا، ويرددون مقولة "اشكون قال الساسي ما يلعبش"، لكنهم لا يعرفون من يكون صاحب الكلمة التي جرت مثلا. فالرجل المقصود هو الساسي حاوزماني، لاعب شباب باتنة، وصاحب الشنبات المعقوفة، والقامة الفارعة التي أكسبته شهرة واسعة امتدت شرقا وغربا. ففي العام 1993 فكّرت مليّا بعد أن أطلقت أسبوعية "صدى الملاعب" أن أكرّم شخصيّة رياضية ذات شعبية كبيرة، فوقع اختياري على الساسي دون غيره، ورغم إمكاناتي المحدودة، إلاّ أنني نظمت حفل اعتزال الساسي بباتنة، حضره نجوم منتخب 1982 يتقدمهم ماجر، ومنتخب الأوراس يقوده الساسي، كما دعوت أطول رجل في الجزائر، منير، الذي جاوزت قامته 2.40 م ليكون شاهدا على أنّ الساسي بقامته يظل قصيرا أمامه.. وكان الحفل كبيرا، ومشهودا. وروى الساسي، حكاياته مع الكرة، ومع الحكام، واللاعبين الذين يزعجونه في الملاعب.. وأكّد أنه كان يدخل قبل المباراة غرفة الملابس ويأخذ قميصه الرقم 7 ثم يقول للمدرب "اختر العشرة الباقين". وإذا ما شعر أنّ هناك من لا يحبّذ وجوده في التشكيلة، ينظر يمينا ويسارا ويقول "اشكون قال الساسي ما يلعبش". وذكر لي في حوار طويل أنّه كان قبل المباراة، يرهب الفريق الخصم، بضرب رأسه في الباب الحديدي لغرفة تبديل الملابس، مما يزرع الخوف في نفوس بعضهم، فيلعب مرتاحا دون أن يزعجه أحد.. فمن قال إنّ الساسي لا يستحقّ التكريم.

أركون

التقيت به في إحدى الندوات بالرباط قبل عشر سنوات، ورأيت كيف كان المفكّرون الأجانب والعرب المشاركون في الندوة ينتظرون محاضرته حول السلام في فلسطين.. إذ أنّ الناس اعتادوا على سماع رأي الرجل في قضايا فكرية مرتبطة بالدين والعقل وتأويل النص.. إلاّ أنّ تزامن الندوة مع مجزرة جنين، جعل كلّ الحديث عن السلام الضائع في أرض الرسالات.
لم يكن الرجل مجاملا، فقد بدا غاضبا على ما يحدث من إبادة للشعب الفلسطيني الأعزل، واستعرض جوانب من تاريخ المنطقة، وعرض حلولا يتبناها المثقفون قبل الساسة، ورجال الدين قبل المجتمع المدني والعسكري. وعلى هامش الندوة، اقتربت من محمد أركون، ورحت أسأله عن السبب الذي يجعله يغيب عن الجزائر ويرفض دعوات المشاركة في ندوات فكرية، أو أخرى تستهدف تكريمه، فقال لي "لا أحبّذ الخوض في موضوع أغلقته منذ سنين.."، قلت له "أنت تعاقب جيلا من المثقفين الذين يحترمون فكرك". فقال لي مبتسما "أعرف ذلك.. لأنّ هناك جيلا عاقبني أيضا، ووضع البلد لا يشجعني على المجيئ، فربما أغضب كلامي أناسا لست في حاجة لأخوض معهم نقاشا يرفضون فيه حججي، وأرفض فيه حججهم..". ثمّ شدّ على يدي، وكأنه يقول لي "اتخذت قراري. انتهى كلّ شيء.."

عبد المجيد حبّة

روى لي أبي واقعة عن هذا الرجل، فكدت ألاّ أصدقها. ذلك أنه قصده في بلدته المغيّر ليستفسره في مسألة فقهيّة استعصى حلّها على أحدهم، فاحتفى بهم، وأكرم وفادتهم، وأعدّ لهم الغداء، وقضى حاجتهم. وتلك عادته كما يقول أبي. وبعد يومين وصلت أبي رسالة من الرجل يقول فيها "اعذروني إن كان الغداء مجازا.. ففي ذلك اليوم توفّيت أمّ الأبناء، ولم أشأ أن أحرجكم بأمر لا رادّ له..". رجل يفقد زوجته، ويكرم ضيوفه، دون أن تبدو عليه ملامح ذلك، لأنّه كظم أحزانه، وخشيَ ألاّ يقضي حاجة قاصديه. هذا رجل من صنف الصحابة والتابعين..
عبد المجيد حبّة، أو كما يعرف بابن حبّة، حضرت بعض مجالسه، في بسكرة. يكتفي بلحاف وعباءة بيضاء، ويجلس القرفصاء ويقطر علمًا. كنت على صغري أسمعه، ينتقل من رأي مذهب إلى آخر، ويذكر عشرات العلماء، ويعيد بناء شجرة أنساب الذين يقصدونه لمعرفة أصولهم، فقد كان نسّابة، عارفا بالبطون والأفخاذ والقبائل، ويكفي أن تذكر له لقب العائلة ليذهب بك بعيدا في نسبك. وكان عالم لغة، وشاعرا وفقيها، وله في كل معرفة نصيب. لقد اجتمعت فيه فضائل العلماء وطبائع الرجال الذين لا يولدون مرتّين..

شريبط

هذا الرجل لا يرى قدره خارج الكتابة، فهو لا يتوقف أبدا عن النزيف حبرا، ولو كان ممدّدا تحت جهاز تصفية الكلى. هو أحمد شريبط، أحد الأسماء الأدبية الجزائرية الجادة التي كرّست حضورها الدائم في المشهد الثقافي، دارسا أكاديميا، ناقدا مثابرا، ومتابعا لكل ما ينشر، ومثقفا منافحا عن الأدب الجزائري.
يعد أحمد شريبط جزءا من ذاكرة الأدب الجزائري المعاصر، بما ألّفه من كتب، وما نشره من مقالات، وما أثاره من معارك أدبية. يشهد له الجميع بالتفاني، إلى الحدّ الذي يجعله يقسو على نفسه، وهو الذي يعاني منذ سنوات فشلا كلويّا، جعله يقضي وقته في مصحة تصفية الدم، لكنّه لا يعدم جهدا في التواصل مع الأدباء والكتاب.. ويؤلمني كثيرا عندما يتّصل بي بين الحين والآخر ويقول لي "خرجت قبل قليل من المصحّة.. ولا يمكنك أن تتصوّر حجم الألم الذي أتحمّله"، ولا يلبث أن يكلّمني عن موضوع كتاب يؤلفه أو مقال يكتبه، أو ندوة يفكّر في المشاركة فيها..
هو الأديب المقاوم بامتياز، المؤمن برسالة الكاتب، المتعالي على آلامه الحادة، بالكتابة والحضور المستمر في الساحة. فلا يشعر الآخرون بألمه واحتراقه، ولا يعرفون أن أحمد شريبط من طينة لا تتكرّر أبدا.. شكرا لك أحمد، وأصبغ الله عليك من فيض رحمته في هذا الشهر الكريم، لتكون القدوة لكتّاب قادمين..

محمد سعيدي

إذا لم تكن واثقا مما تقول فليس لك أن تجادل هذا الرجل، وإذا لم تستوعب ما يقوله فليس لك في الثقافة والفكر شيء.. فهو واحد من أساطين النقد والفكر المستنير، والرؤية المفككة للأشياء. لا ينطلق في حديثه من فراغ، ولا يصل في تحليله إلى هدف لا يقصده، فهو يعي ما يقول، ويملك الجرأة فيما يقول. كان يتحلّق حوله مثقفون من جيل الاستقلال، فيسمعون منه ما لا يصنّف في لغة الخشب، ويوجّههم إلى قراءة الأشياء بعيون نقدية، ويحثّهم على أن تكون المعرفة ثابتهم الأساس، وألا ينساقوا خلف حديث الليل يمحوه النهار.
تعرّفت عليه قريبا من والدي، فكان كلّ واحد منهما يسألني عن الآخر، فأدركت كم هي كبيرة فضيلة الوفاء بين الكبار. وأذكر أنني اصطحبته قبل سنوات إلى البويرة لتكريم حمري بحري بعد صدور كتابه «الرجم بالكلام»، فتناول الكلمة، وكانت بمثابة «بيان من أجل رؤية ثقافية جديدة» ضمّنها تجربة رجل عميق في رؤياه، جريئ في طرحه، بناء في أفكاره العقلانية المفعمة بالحداثة، لا يخفي خوفه من المجهول، لكنّه يتحلّى بكثير من الأمل. وحين أوصلته إلى البيت قال لي «أوصيك بأبيك خيرا.. وإياك أن تتوقف عن الكتابة..»، وبعد أيّام راح يكتب عن مراجعة التجربة وتغيير المسار..