بختي بن عودة

بختي بن عودة

صعبٌ جدّا اختزال هذا الرجل، فهو من طينة عصيّة على  التناول بارتجال. كان يبشّر بميلاد عقل تنويري في زمن انهيار القيم وتلوث المفاهيم وحضور العنف في حياة الناس.
لم يفشل، لأنه مؤمن بقدره، ولم يتردد لأنه لم يخطئ حين اختار طريقه، ولم يُكره غيره على أن يكونوا مثله. يدافع عن رأيه في غير عناد، ويقرأ غيرَه في غير تطاول أو إقصاء. لا يغيب عن أي ندوة يُدعى لها، ولا يخرج من أيّ ملتقى إلاّ وترك وراءه فكرة، أو رأيا، أو مقترحا..
كنت ألتقيه في كلّ مرة، فلا يسأل عن صحّتي، إلاّ بعد أن يطلب منّي جديدي في الشعر، ويقدّم لي وجهة نظره بلا مجاملات، ثم يقول لي "والآن كيف حالك؟".
آخر مرّة التقيت فيها بالشهيد بختي بن عودة، في الأيام الأدبية بالعلمة، كنّا أعضاء في لجنة التحكيم، وأذكر أنني ودّعته قريبا من مسرح المدينة، وأعطيته وردة، ابتسم وقال لي "لا أعرف إن كانت ستقاوم الذبول قبل وصولي إلى وهران..". قلت له "لن تذبل لأنها ترتوي من عرق يديك".
مرت أيّام، فكانت فاجعة اغتيال الطفل الذي لم يكن يعلم أن عينا غادرة كانت تترصده، وهو يداعب الكرة مع أبناء حيّه. ليت الرصاصة عرفت من يكون.. لكنها وُلدت لتقتل الوردة. ومن حقّي أن أبكي بختي في نص "أستحي أن ألمح الورد يموت وأغنّي..".

Share this
 

بن عودة الأخ و الصديق و العبقرية التي أغتيلت في ريعان الشباب

هذا المقال قد أعادني الى أيام الشباب و ذكرني بأخ عزيز و صديق وفي ، كان كلما صدر له مقال الا و أتحفني بقراءته ، و كنا حينها نحضر شهادة الماجستير بوهران .و لقد كان رحمه الله شغوفا بالقراءة، مجتهدا الى حد أنه كان لا ينام حتى يكمل الكتاب الذي بدأ قراءته. أذكر أنه طلب رأي في مقال صدر له بمجلة خليجية ، فقلت له : إما أنت عبقري وإما أنا تراثي قديم ، فلا أستطيع إدراك ما تكتب ، فضحك رحمه الله . لقد تعدى نشاطه رحمه الله تراب الوطن فكات يكتب في مجلات في المغرب والمشرق ويساهم في الملتقيات ويحب النقاس الفكري الهادئ ، كما يحب الأطفال وأذكر أنه بعد سنوات من الانتهاء من الدراسة حين زرته في بيته بوهران وكانت رفقتي ابنتي التي لم تتجاوز الرابعة آنذاك ، وبعد أن اطلعني على بعض كتاباته و جديد المنشورات و تناول القهوة ، خصص كل وقته لابنتي ، طاف بها البيت و قدمها لأهله ، وحتى وهو يرافقني الى وسط المدينة أبى إلا أن يحملها على كتفيه. رحمك الله يا بختي بن عودة

طالع أيضا

عبد الحميد بن هدوقة

عرفت هذا الرجل في رحلتين الأولى إلى المملكة العربية السعودية في العام 1987 والثانية إلى سوريا في العام 1995، ورغم أن الحديث بيني وبينه لم يخرج عن إطاره الثقافي، إلاّ أنني اكتشفت رجلا ذا شخصية جزائرية في كل أبعادها. لا يجامل فيما لا يرى فيه فائدة، ولا يعاند إذا أقنعه محدّثه بجدوى فكرته، ولا يتكلّم كثيرا حتى لا يقع في الغلط بسبب الإسفاف في اللغط.
في جدّة، ألقى محاضرة حول تاريخ السينما الجزائرية، أعجب بها الجمهور كثيرا، لأنه ربط بين الفن السابع والثورة ومضامين سينما بعد الاستقلال، وفي اليوم الموالي، نشرت صحيفة عكاظ نص المحاضرة كاملا، فانزعج عبد الحميد بن هدوقة كثيرا وقال لي "من سمح لهم بهذا.. إنّ نشر مقال يقتضي موافقة صاحبه". واتصل بإدارة الصحيفة مؤنّبا المسؤول عن هذا التصرف الذي يتعارض وأخلاقيات المهنة، فجاءه الصحفي إلى الفندق معتذرا، واقترح عليه أن تدفع له "عكاظ" مبلغا ماليا مقابل نشر نص المحاضرة، فثارت ثائرة ابن هدوقة، وقال في انفعال "هذا عذرٌ أكبر من ذنب.. ومن قال لك إنني أريدُ مالاً.. إنني ضدّ تصرّف غير أخلاقي، وغير مسؤول". فاصفرّ واحمرّ واسودّ وجه الصحفي، وقبّل رأسه..

سعيد آيت مسعودان

هو من طينة الناس التي لا يتطلّب الأمر معرفتها عن قرب، أو يستدعي مجالستها و التعامل معها، لأنّها تكون قريبة من القلب بما تركته من أثر، وبما اتسمت به من صفات لا يحوزها إلا من كانوا على قدر من الخلق والجديّة والإيثار وخدمة الآخرين.. هو سعيد آيت مسعودان، عرفت اسمه قبل ثلاثين عاما، وعرفت قيمته أكثر بعد حضرت رحيله  في "العالية"، حيث قال أحباؤه والمقرّبون منه، إنّ أمثاله لا يتكررون، لأنهم ولدوا في زخم الحركة الوطنية، وترعرعوا في أتون الثورة التحريرية، وقادوا معركة بناء الدولة ومؤسساتها بعد استعادة الاستقلال، ولم يخوضوا حروب دونكيشوت عندما اختاروا الانزواء بعيدا، في سنوات النبش في القبور وإخراج ما في الصدور.. لهذا عاش كبيرا ومات كبيرا.

أبو شجّة

عندما تجالسه تشعر أنّك مع واحد خرج لتوّه من خيمة طرفة بن العبد أو عنترة العبسيّ.. فهو شاعر من ذلك الزمن. لغته قويّه، متينة، معجميّة، لا تزعجه رطانة المتهافتين وراء الحداثة، ولا تثير في نفسه أقاويل من ينظرون إلى المحافظين على الميزان الخليلي على أنّهم خارج توقيت العالم..
أبو شجّة الشاعر الموريتاني، الهادئ، المتواضع، الذي يتنفس شعرا ليس به غبار المتنطعين بلغة غير مفهومة وأفكار أكثر غموضا، يتّسم بصفات الرجل الأصيل، الوفيّ. جاء منذ أيّام إلى الجزائر، فاستعدت معه ذكريات لقاءاتنا السابقة، وقراءاتنا الشعرية في محافل عديدة. قال لي "أجمل ما في اللهجة الجزائرية هي كلمة بُشراكْ.." قلت: "ماذا قلت؟" فقال "بشراكْ". قلت "ولكننا نقول واشراكْ". فاستغرب الأمر وقال لي "اعتقدتُ أنكم تقولون بشراك، أي من البشرى والتفاؤل عند اللقاء..". قلت له "إنّه أجمل شرح لهذه الكلمة.. رغم أنني كنت دائما أفسّرها على أنها تعني أيّ شيء وراءك، وأدغمت الكلمات لتصير واشراكْ..". فضحك الشاعر الأسمر، وقال لي "كلتاهما تحملان الخير للإنسان..". وافترقنا على إيقاعات أغنية حيزيّة التي اكتشفها.. فأحبّها.

حسن نجمي

التقيت بحسن نجمي، الكاتب والشاعر والمثقف المغربي، المرة الأولى في مطلع 1999 بالدار البيضاء مع نخبة من الكتاب والأدباء المغاربة، وتحدثنا في شؤون الكتابة وهموم المبدعين، وأسئلة الراهن، وركّزنا على سبل التعاون والتنسيق بين اتحادينا في كل المسائل الثقافية، واتفقنا على أن يكون التواصل مستمرا

مارغريت أوبانك

هذه السيدة الانكليزية النبيلة، أخذت على عاتقها التعريف بالأدب العربي للانكليز من خلال مجلتها "بانيبال" التي بدأت الصدور في نهاية التسعينيات، وأفردت عددا خاصا للأدب الجزائري في العام 2000.

شكلت مع زوجها الكاتب العراقي صامويل شيمون، زوجا مبدعا، لا يتعب أبدا. زارا الجزائر معا، وتعرّفا على بعض تفاصيل مشهدها الثقافي، وتكررت الزيارة أكثر من مرّة. وعندما اقترحت مؤسسة تجارب الألفية بلندن، نصا شعريا لي لينقش على رخامية دائرية على خط غرينيتش، اتصل بي صامويل وأخبرني بأنّه سيكون النص الوحيد باللغة العربية (..) بين عشرين نصا تم انتقاؤها. فزرت لندن، وأقمت أيّاما ضيفا لدى مارغريت وصامويل، وهناك تعرّفت عن قرب على مارغريت، المرأة الرقيقة، التي كانت تبكي عندما يصلها خبر مرض والدتها، أو أنّ المجلّة تأخّرت في الطبع لسبب فنّي.. وكانت تحرص على أن توظّف كلمات بالعربية في حديثها، ممزوجة بألفاظ فرنسية، وما تيسّر من عبارات مألوفة بالانكليزية حتّى لا أكون كالأطرش في الزفة، عندما يتشعّب الحديث في أمور.. أكبر من أن أستوعبها بلغة لا أتقنها.

قلت لأحد أصدقاء مارغريت "هذه المرأة ولدت خطأ في هذه الجزيرة.. إنّ في عروقها شيئا من يعرب وقحطان".

وداعا عمي..

حين ولدت كان عمره أسبوعين.. وحين سقطت في مطمورة خارج البيت ظل يصرخ ويطلب النجدة إلى أن أتى من أخرجني منها سالما. وهكذا كنّا كتوأمين، وأنا في مثل سنّه أقول له "عمّي" فيضحك ويقول لي "عليك أن تطيعني حتّى وأنت وزير..".

كان طيبا، لأن أباه كان كذلك، فهو أحد معيني الشيخ عبد الحميد بن باديس في الأعوام الأولى من تأسيس جمعية العلماء. ولم يكن يتباهى بذلك، بل بأخلاقه، وكرمه، وحرصه على خدمة الناس. كان محبّا لأبنائه، ولوالدته وكل إخوته، والعاملين معه في سلك التربية، والرياضة. كان يتحدّى أصدقاءه، بأداء صلاة الفجر كلّ يوم، ويسأل عن الغائبين.

عمار العسكري

لا أعتقد أنّ هناك من السينمائيين الجزائريين من يملك قدرة الكلام كهذا الرجل. فهو من الذين التحقوا بالثورة صغارا وبالسينما شبابا، وتركوا أثرا كبيرا في مسيرة الفن السابع الجزائري بأعمال كبيرة، أبرزها دورية نحو الشرق وأبواب الصمت وزهرة اللوتس.. وكّلها معطّرة برحيق الثورة.

محمد بن عبد الكريم

يوّقع مؤلفاته باسم محمد بن عبد الكريم الزّموري الجزائري، فيظنّه الناس واحدا من علماء القرن السابع عشر بينما هو بيننا حيٌّ يرزق، ويواصل التأليف دون توقف، ودون أن يمنعه تقدّم سنّه في ذلك.

عندما زارني قبل أيّام بالمكتبة الوطنيّة، طالبا نسخا من مؤلفاته، لم ينتبه إليّ، فكان يكلّمني وكأنه لم يلتق يوما بي. وقضيت حاجته. وبعد ساعة، تذكّر من أكون؟ فعاد إليّ مع ابنه، وراح يعتذر لي، ويرمي اللّوم على الذاكرة وضعف البصر. لكنني كنت مدركا لما يقع فيه عالم بحجم الدكتور محمد بن عبد الكريم، ذي الثمانين كتابا، وزيادة. فقد تجاوزت مؤلفاته طول قامته، وتنوعت اهتماماته بين الأدب واللغة والشعر والفقه والتفسير والتاريخ.. إنّه من طينة علماء زمان..

قبل عشرين عاما، عاد من فرنسا ليقيم بسطيف، وحدث أن اعتدى عليه أحدهم، وهو طبيب، فروى لي الواقعة، ونصحته بأن يلجأ إلى العدالة لاسترداد حققه. فتردد أوّل الأمر، ثم أخذ بالنصيحة، إذ أنصفه القاضي، بعد أن عرف قيمته عالما ومعلّما، وتلقى الطبيب درسا في كيفية احترام الجار، وعدم التطاول على الكبار..

حامينا

حين ألتقي المخرج الكبير محمد الأخضر حامينا، يحدثني طويلا عن الظروف التي أنجز فيها "وقائع سنين الجمر" وأفلامه الأخرى.. فيستعيد تفاصيل صغيرة من هذه الإنجازات الخالدة تشكل في وعيه ارتباطا حقيقيا بهذه الأرض وانتماء ثابتا لشعبها.. وكان مثل كثير من الجزائريين يشعر أن تلك الأفلام ما هي إلا ترجمة لوقائع مر بها الآلاف، بل الملايين من الجزائريين، وإعادة تحميضها بهذه الصورة إنما هو حفظ للذاكرة..

الطاهر بن عائشة

إذا خير الواحد منا في أن يحسد رجلا على نعمة أتاها فلن يجد أفضل من الطاهر بن عائشة ليحسده على ذلك المخزون من التراث الذي تنوء به المكتبات ولا ينوء به جسمه النحيف..

ليس سهلا أن تجاري هذا الرجل في نقاش يصب في مسائل تراثية أو تاريخية أو فلسفية أو دينية أو أدبية، فهو ملم بشيء عن كل شيء، وأحيانا بأشياء عن أي شيء، ويذكر الشواهد والوقائع ويسقط هذه عن تلك، فيخرج من فضاء تاريخي إلى آخر، ويذكر أسماء وتواريخ ومدنا وينهيها بتخريجات فنية لا يقوى عليها إلا الراسخون في مجالس الحكمة والإبداع..