العربي دحّو

العربي دحّو

كان أوّل من قدّمني لطلبة جامعة باتنة في أول أمسية شعرية لي في العام 1983، ولم أكن تمرّستُ بمثل هذه الفضاءات. وكان أوّل من قدّم لديواني "في البدء كان أوراس" في العام 1985 في صحيفة النصر بعنوان "ميهوبي في السوق" مما أعطى دعاية أكبر لباكورة أعمالي.. وكان له شرف رئاسة المؤتمر السابع لاتحاد الكتاب الجزائريين بسطيف 1998.. هذا الرجل، العصامي، الذي كافح طويلا، ليكون اسما له حضوره في المشهد الأكاديمي ببحوثه ودراساته فقد أوقف نفسه خدمة للموروث الجزائري، وله حضوره الثقافي في كتاباته ومساهماته في الملتقيات والندوات، ولا يرى إلا وهو يأخذ بأيدي من يرى فيهم الموهبة والاستعداد، وله اسمه السياسي لنضاله المتواصل ضمن ما يتوافق وقناعاته في خدمة المواطن والوطن، وله حضوره الانساني لما يعرف عنه من تواصل مع أصدقائه، ومتابعة أخبارهم وأحوالهم..
ولعلّ ما أُكبره في الدكتور العربي دحّو هو اهتمامه الذي لا يتوقف، وجهده الذي لا يجارى، في خدمة التراث والأدب الشعبي وموروث الثورة التحريرية، فكان من القلّة القليلة التي أفردت ثلاثة أرباع وقتها للمخطوطات، دراسة وتنقيحا وتحقيقا، وكلّما اتصلنا ببعضنا إلا أفادني بجديده، ومثلما يسألني الناس "من أين لك بالوقت لتكتب؟" أحيل السؤال ذاته للأستاذ دحّو، فيقول لي "لو فكّرت في كيفية الحصول على الوقت، ما كتبت كلّ هذا..".

Share this
 

طالع أيضا

عبد الله الركيبي

في ألبوم اليوم كلمة وفاء كتبتها لروح رجل مختلف تماما. "لقد رحل أحباؤك قبل أشهر وأيام.. رحل أبو العيد دودو بضحكته الطفولية البريئة، المفعمة بالطيبة والكبرياء. ورحل الطاهر وطار آخذا معه عمرا من العناد والمنافحة عن رأي يعرف أن فاتورته باهظة.. ورحل عبد الله شريط حاملا معه سيرة رجل صلب، ومسيرة مثقف رصين.. ورحل آخرون تعرفهم ويعرفونك.. وسيعرفونك أكثر حين تطرق بابهم.

يا عبد الله، أيها الرجل الذي خدم وطنه في صمت الحكماء الكبار.. ولم يثر حوله صخب الكلام الفارغ، ولم تثره أضواء تطفأ عندما تنتهي اللحظة.. أيها الرجل الذي لم يغلق باب بيته أمام قاصديه، ولم يقل لا لمن يطلب ودّه، ولم يكابر فيما لا يرى فيه نفعا، ولم يساوِم فيما له صله بالمبدأ والموقف..

إن كنّا نتمنّع عن البكاء، فذاك لأننا تعلّمنا منك الصبر. وإذا كنّا نصمت أمام قبرك فلأننا فهمنا أن الصبر حكمة.. وداعا أيها الرجل الحيّ فينا أبدا"..

أحمد هوبر

لهذه الرجل قصّة غريبة مع الثورة الجزائريّة، رواها لي في طهران قبل عشرين عاما. وأحمد هوبر، سياسيّ وصحفي سويسري، عُرف بدفاعه عن القضايا العادلة، وقد عانى كثيرا في سبيل تمسّكه بهذه المبادئ والقناعات. وذكر لي واقعة، عاشها مع مناضلين جزائريين، فرّوا عبر الحدود الفرنسيّة السويسريّة، وهناك التقى بهم، ولمّا كانوا مطاردين، فلم يتردد في أن يأويهم في بيتهم لمدّة تصل إلى ثلاثة أسابيع، أو شهر. وهي الفترة التي أحدثت انقلابا في فكر هوبر. فالرجل كان ينظر إلى هؤلاء المناضلين، وكأنهم ملائكة في بيته، حديثهم همس، وحياؤهم يدفع إلى المحبّة، وصلواتهم تثير الإعجاب، وقضيّتهم لا تقبل المساومة. وصار هوبر أكثر ارتباطا بالدّين والقضيّة معا.. وراح يسألهم، عن سرّ دينهم وطقوسهم، ولم تمض أسابيع حتى صار الرجل مسلما.

قال لي "ثورتكم، أيّدتها عن قناعة، ومناضلوها أقنعوني بأن الإسلام دين الحقّ". ومن يومها صار الرجل مناصرا لكل القضايا التي يشعر أنّ فيها امتهانا لكرامة الانسان.. وصار أقرب الناس إلى المناضل التركي نجم الدين أربكان الذي يرى فيه، نموذج الرجل المفيد..

مصطفى رهنما

ما أن انتهت الأمسيّة الشعريّة التي دعينا إليها على هامش مؤتمر دعم الثورة الفلسطينية في العام 1991، حتى اقترب منّي شيخ بعمامته البيضاء، وقد جاوز السبعين، وسلّم عليّ، ثم راح يقبّل سترتي، وهو يقول لي دعني أشمّ بركات الثورة الجزائريّة (..) فسألته وما قصتك بهذه الثورة، فقال بعربيّة كان يجهد نفسه لينطق بها. وقصّة مصطفى رَهْنَمَا، أنّه كان مناضلا من أجل الثورة الجزائريّة، إذ أنّه يجمع أموالا لها، فيدخله الشّاه السجن، وما أن يخرج حتى يلقي محاضرة لجلب التأييد لها، فيسجن ثانية، ويخرج مرة أخرى فينظم مسيرة، لكنّه يرمى في الزنزانة، ويعاود الكرّة مرة أخرى، ليستمرّر في عناده للشاه. ومساندته للثورة الجزائرية، إلى أن انتصرت، وبقي وفيّا لها، وهو في هذه السنّ يشعر باعتزاز عندما يقبّل ثوبا قادما من الأوراس..

مرّت عشرون سنة عن هذه الواقعة، لألتقي كاتبا إيرانيا في دورة البابطين بسراييفو، لأسأله عن مصطفى رهنما، فضحك وأخبرني إنّه حيٌّ يرزق، وأنّه لا يتوقف عن دعم الثورة.. الفلسطينية.

عبد الرحمن سوار الذهب

في العام 1990 التقيت به في بهو قصر المؤتمرات بجدّة، قدمت له نفسي، وطلبت منه موعدا لمحاورته، فرحّب بذلك، وحدّّد العاشرة ليلاً بغرفته. وافترقنا.

قبل ربع ساعة من الموعد، حضرت إلى حيث يقيم، وفي العاشرة طرقت الباب، ما من مجيب. وأعدت الطرق مرات دون أن يردّ أحد. وانتظرت إلى الحادية عشرة، ولم يأت. قلت في نفسي ربّما أخطأت في رقم الغرفة. سألت في بهو الفندق عن رقم غرفة المشير سوار الذهب، فأكّدوا لي أنّها هي، وأضافوا لقد خرج منذ ساعتين، وقد يتأخّر. وعدت إلى الرواق حيث غرفة المشير، وبقيت جيئة وذهابا إلى أن مرّ منتصف الليل، فالواحدة صباحًا، دون أن يأتي، فاتكأت على باب غرفته، إلى أن تملكني النعاس فنمت منتظرا قدوم المشير. وبعد حوالي نصف ساعة، شعرت بيد ترْبتُ على كتفي بهدوء.. فرفعت عيني وإذا بالمشير يفتح الباب، مبتسما. وتأسف للتأخير.. ولكنه لم يمانع في أن يجري معي الحوار الذي استمرّ حتى الرابعة صباحا، وفي نهايته قلت له ضاحكا "هل في مثل هذه الساعة قمت بالانقلاب؟" فرد ضاحكا "في الانقلاب لا تفكر في الساعة..".

مرت عشرون عاما، لألتقي بالمشير في سراييفو، وأذكره بها، فيضحك، وهو ينظر إلى الساعة..

العقيد الحاج الأخضر

كنت طفلا، وأسمع الناس يقولون في شوارع باتنة، إنّ لهذا الرجل يدًا لو صفع بها جدارا لسقط (..) ويذكرون أشياء كثيرة يخيّل للمرء أنه أمام ابن آدم ينتمي لزمن عيواج بن عناق..

في 1987 شاركت في مهرجان الشباب والثورة وقرأت قصيدة وطنية استحسنها الحاضرون، وبينهم العقيد الحاج الأخضر الذي تدخّل في أثناء الندوة، وقال بما معناه، "لو أرسلنا شعراء إلى الخارج لجلب سلاح للثورة لعادوا إلينا بباخرة ليس فيها سوى الشعر والكلام الفارغ".. فارتجلت بيتين من الشعر، عاتبت فيهما الحاج الأخضر، فصفق الحاضرون، لكنّني لاحظت الحاج يهمس في أذن صديق له يجلس على يساره، وربّما كان يسأله إن كان ما قلته هجاءً له، ويبدو أنّ صاحبه أفهمه أن ما قلته فيه إساءة لقائد الولاية الأولى بعد بن بولعيد، فبان عليه الانزعاج ووقف من مكانه، متّجها نحوي، فلم أجد بدّا من إطلاق ساقيّ للريح.. لكنّه كان الأقرب إلى الباب، فأمسك بي، وضغط بشدة على معصمي، وهو يقول لي "وين تهرب؟". ثم انفجر ضاحكا وهو يقول لي "عندك الزّهر.. الثورة خلاصت". ثم قبّلني، وقال لي "كمّل الكتبة.. وماتنساش تخليلي الشيء اللي كتبته فيّ". وكنت أنتظر متى تنزل يده على خدّي..

جلول ملائكة

حدث هذا في أواخر العام 1991 في طهران، حيث حضر وفدٌ سياسي وإعلامي جزائري مؤتمرا لدعم الثورة الفلسطينية، وكانت عيون بعض المشاركين تنظر إلى الجزائريين وكأنهم قدموا من كوكب الموت.. فلم يكن من حديث لهم إلا ما يجري في الجزائر.. وأثناء إلقاء كلمات الوفود في حفل انطلاق الأشغال، راح رئيس حركة التوحيد اللبنانية سعيد شعبان ينعت الحكومة والجيش الجزائريين بأسوأ النعوت، قائلا بأنهم يحاربون الإسلام ويمنعون الناس من الصّلاة بالقوة.. وطلّ على هذه الحال أكثر من خمس أو سبع دقائق، دون أن ينبّهه أحد إلى أنه تجاوز الخطوط الحمراء.. وفجأة يرتفع صوتٌ من وسط القاعة التي تتسع لأكثر من ألف وخمسمائة شخص "أسكت يا عميل.. نحن من تكون. ولستَ أنت من يعطي الجزائريين دروسا في دينهم وسياستهم.. إنزل يا عميل.." فعمّ الصمتُ القاعة، ولم يجرؤ سعيد شعبان على إكمال كلمته، وبقي واقفا في مكانه. لكن جلول ملائكة، لم يتوقف عن مناداته "يا عميل.. إمّا أن تنول من المنصّة أو أُنزلك بالقوة.. الجزائريون أشرف منك يا عميل". ونزل.. العميل. أما جلّول فجلس في مكانه وكأنّ شيئا لم يكن..

محمود درويش

تعرّفت عليه في فرنكفورت2004، وقرأت الشعر أمامه في الرباط في ذات السنة، وتحدّثنا في كلّ شيء أثناء آخر زيارة للجزائر 2005. في ألمانيا كان مبدعا لأنّه جعل الألمان يصفقون له طويلا. وفي المغرب قرأ جداريته وقد عاد من فترة نقاهة، تفاعل معه ومعها الجمهور طويلا أيضا، وفي الجزائر، كان طيلة إقامته يتحدث عن زياراته السابقة، ولم ينس أسماء الناس الذين قابلهم قبل ثلاثين عاما.. وروى لي قصتّه في بيروت، أيام حصار 1982، وكيف عاش حدثا، يراه كبيرا في حياته، هو انتصار الجزائر على ألمانيا في كأس العالم، وظلّ يسألني عن أحوال اللاعبين، ماجر وعصاد ودحلب وبلومي وسرباح، ويتحدّث عنهم وكأنهم شعراء، ثم عرّج على زيارة البرازيلي رونالدو إلى رام الله، وقال إنه مهمه رغم أنها جاءت متأخرة.. وختم كلامه عن أيام بيروت، بقوله "كانت عواصم عدّة تطلب منّي التكفّل بإخراجي، لكنني خرجت بجواز سفر جزائري.. لأن الجزائر مظلّة الثوار التي لا يمكن أن نقول لها لا..".

عبد الحميد كرمالي

رجل مثقف وذكي ويملك الحيلة.. كان أول لقاء لي به في 1986 بمكتبته الخاصة بسطيف، أما سبب االتعارف فلم يكم لشراء كتاب أو قلم حبر، لكن لتصفيّة حساب (..) بيني وبينه. فقد كان كرمالي في تلك الفترة مدرّبا لنادي رأس الخيمة بالإمارات العربية المتحدة، ولم تكن أموره تسير كما يريد، فالفريق متواضع جدّا ولم تنفع معه حيّل الشيخ، فقد انهزم في مباراة الكأس أمام الوصل بعشرة أهداف كاملة، وبلغني الخبر عن طريق مجلة متخصصة، فنشرت ذلك في جريدة الشعب، ولم تمرّ ساعات حتى انتشر كالناّر في الهشيم، وأخبره بعض أحبّائه بالموضوع، فانزعج كثيرا، واعتبره تحاملا على شخصه. وعند عودته إلى سطيف، سأل عنّي، ففهمت السبب وذهبت إليه ضاحكا كعادتي، لكنّه انفجر في وجهي قائلا "كيف تنشر كلاما غير صحيح"، قلت له "وما هو الصحيح؟" فردّ "لم ننهزم سوى بهدف مقابل صفر". قلت "ومن أين أتى الصفر في الخبر الذي أوردته الصحف؟" قال بثقة عالية "ربّما سقط في المطبعة؟" قلت له "ولكنّ المجلة التي بحوزتي ذكرت أسماء اللاعبين الذي سجلوا في شباككم الأهداف العشرة بالتفصيل". فسكت قليلا، وابتسم قائلا "في آخر الدنيا.. ولحقتونا".

مختار عريبي

في علاقته بالآخرين نوع من الارستقراطية، لكن تحت صلعته البرّاقة وقامته القويمة طفلٌ تقطر من عينيه البراءة. تعرّفت عليه في العام 1986 عندما احترفت الصحافة، وصرت قريبا من بيت وفاق سطيف. كنت في كل شهر أقطعت مسافة متر للوصول إليه، ملتفّا حول عناده عندما يتكلم مع الصحفيين، ولم يكن كثير الكلام.. ولم تمض سنتان حتى رأيت أنّ الرجل صار يأنس إليّ.. وأذكر أنني كنت مداوما له في رحلة التأهل إلى نهائي كأس إفريقيا للأندية البطلة في القاهرة أمام الأهلي بنجومه.. ويطلب منّي أن أترجم له ما يطرح عليه من أسئلة الصحفيين المصريين. وفي مرّة استفزّه أحدهم بقوله "مدرب الأهلي الألماني فايتسه يقول إذا لم يتأهل فريقه فإنّه سيرحل.."، فقال لي محتار رحمه الله "قل للصحفي أن ينقل رسالتي إلى الألماني، يمكنك أن تعدّ حقائبك منذ الآن.. لأنك سترحل". واستغرب الصحفي ذلك. لكنّه جاء بعد المباراة، ليهنئ عريبي قائلا "فعلتها يا شيخ..".

أبو العيد دودو

حين دخلت بيته أول مرّة، اعتقدت أنّه يتعمّد إزهار الوجه البائس من حياته، فلم تكن الغرفة التي حوّلها إلى مكتب ومكتبة، تسع أكثر من أربعة أنفار، أي بحجم طاولة مطعم (..) ولكنّك عندما تنظر إليه لا يسعك دفء فلبه، ولا سعة ما في عينيه من براءة الأطفال.. قلت له "لقد طلبوا منّي في مهرجان المتنبي بسويسرا أن أترجم نصّين إلى الألمانية، ولا أعرف غيرك فارسا في هذا.." فابتسم قائلا "تلك لغتي الأولى.. بعد العربية". ووضعت بين يديه قصيدتين رأيت أنهما تصلحان للمهرجان.. وقرأتهما عليه، ورأيت في عينيه بريق الرغبة في البدء بترجمتهما.. وقبل أن أغادر سألني إن كنت أعرف شيئا عن دار نشر عربية مقرها بألمانيا، طلبت منه ترجمة بعض الكتب، وقام بذلك، لكنّها ضحكت عليه، ولم يجد سبيلا إلى استعادة حقوقه.. وسألت عنها لاحقا فعرفت أن لها سوابق من كتاب آخرين.

عدت بعد يومين، فراح يقرأ ترجمة قصيدتي "اللعنة والغفران" و"بكائية بختي" بلسان جرماني، شعرت لحظتها أنني أمام "فيخته".. صفقت له، ولم أستوعب كلمة واحدة. وحين قرئت القصيدتان في مهرجان زيوريخ، قال لي علي الشلاه مدير المهرجان "أين عثرت على هذا الألماني الذي ترجم قصيدتك؟. قلت له " إنه جزائري من.. النمسا"..