الشيخ الديلمي

الشيخ الديلمي

كنت، في فترة دراستي الثانوية، أحيانا أتعمّد كتابة موضوع الإنشاء بلغة معجمية، مستعرضا مهرتي أمام زملائي، وحتى الأساتذة، فقد كان التنافس بيننا يدفعنا إلى استخدام أساليب مختلفة للتفوق.

وكان محمد الديلمي واحدا من الأساتذة القدامى بثانوية الشهيد قيرواني، بسطيف، التي تخرّج منها عدد كبير من السياسيين والوزراء والأدباء، وعلى طيبته فهو يتسم بصرامة في التعامل مع الطلبة، ولا يتسامح مع بعض التصرفات الطائشة أحيانا. وحدث أنني قرأت أمام الطلبة موضوعا إنشائيا يتناول جانبا من قيم الثورة، فرحت أتنطّع بلغة فيها كثير من غريب الألفاظ، والتركيب اللغوي الشاذ، وكان ينظر إليّ، ولا يقاطعني مثلما يفعل مع الآخرين. واكتفى بتسجيل عدد من الكلمات المعجمية التي وظّفتها في النّص. وما أن انتهيت، حتى قال لي "الآن جاء الدور على شرح هذه الكلمات". ورحت أشرح ما يطلبه منّي، إلى أن اختلفت معه في كلمتين، فطلب منّي إحضار القاموس من مكتبة الثانوية، ليتأكّد من صحة شرحي، وخشيتُ أن أضع أستاذي في حرج أمام الطلبة، إذا ما تبيّن أنني لم أخطئ، وأنّ احتكامه للقاموس يعني أنّه اعتقد شيئا غير ذلك. وحين قرأت تفسير الكلمتين أمام الطلبة، كنت على حقّ. فابتسم رحمه الله، وربت على كتفي وقال لي "سيكون لك شأن مع اللغة..".

Share this
 

الشيخ الديلمي استاذ الملايين

السلام عليكم و رحمة الله
هذا التصرف الراقي من أستاذ كان العلم تاجا على رأسه ، حمله منذ طفولته و صانه في شبابه ثم أدى زكاته في كهولته و ختم عمره بمصحف كان يحمله بين يديه و على شفتيه في آخر اللحظات ، ما كان لهذا المعلم الصارم في الحق أن يتحرج من تفوق تلميذه إن أصاب في معنى كلمتين و هو الذي جاهد بكل جوارحه في سبيل تعليم آلاف الكلمات من كنوز اللغة العربية ، هو الذي كان يرسل من يسأله عن معنى أو مفهوم ان يبحث عنه بنفسه في الكتاب حتى يذوق طعم الاجتهاد و ترسخ المعلومة في ذاكرته أبدا ، هو الذي قدس العلم و جنوده وجعل من نفسه خادما جادا لهم ، ما كان لموقف كذاك ان ينتقص منه بل على العكس لعله أعجب به كما كان يفرح دائما بكل من أبدى له النجابة في ما ينفع .....
هكذا كان الشيخ الديلمي رحمه الله أستاذي و أستاذ الملايين

ذاك ما قصدته

تلك هي الرسالة التي وددت قولها، فلولا أنها رسخت في ذهني، وبقيت كلّ هذا العمر، ما أعدت التذكير بها، ليفهم الجيل الجديد، كيف هي مكانة التلميذ/الطالب لدى أستاذه.. إنّها علاقة أكبر من الأبوّة. شكرا لك، وكل الرحمة للراحل الشيخ الديلمي، الذي التقيت منذ أيّام بالسيدة زوجته، وطلبت منها صورا له، وهو ما تمّ، حيث أرسلت لي ابنته منى ذات الميول الأدبية، فهي كاتبة أطفال ورسامة أيضا..

و انا على يقين

السلام عليكم ورحمة الله
و انا على يقين من التقاء قصدكم بما حاولت تفسيره لعامة المطلعين في ردي المدرج اعلاه و الذي لا يفوتني شكركم على ادراجه و قبله على ذكركم والدي رحمه الله ضمن صفحات مدونتكم فقد تركت لنفسي مطلق الحرية في التعبير عما شعرت به في تلك اللحظة و عادت بي ذكرياتي لعدة مواقف مماثلة عشتها في صغري مع مكتبة والدي و انا ابحث عن كلمة او معنى فيصيبني التعب و العجب حتى فهمت انه كان يعلمني بطريقته،و يالها من طريقة احتجتها وتألمت لفراقها في سن مبكر عندما أحسست بشغف الكتابة الأدبية و شغف حضور المعلم الصارم.ولعلي أجد من العزم و الاصرار مايدفعني للاجتهاد كلما تذكرت ما قاله لي و انا طفلة : ستكونين -ان شاءالله -من كبار كتاب القصة.
مع أخلص التحيات وبالاخص من والدتي لكم و لعائلتكم الكريمة

طالع أيضا

وداعًا يا أسعد النّاس عند الله..

كلمة عزالدين ميهوبي في تأبين الدكتور أبو القاسم سعدالله

عبد الحميد مهري

هو تاريخ يمشي على قدمين، وذاكرة تختزن سيرة شعب ونضال أمة. قبل سبعين عاما كان يمارس السياسة، وبعد سبعين عاما ما زال يقرأ الأشياء، ويقترح ما يراه يليق بحلّ أزمة، أو عرض رؤية في لحظة انسداد.

محمد حّبوش

هذا رجل، لا يعرفه الناس، إلاّ من كانوا قريبين منه في سطيف أو مسيلة. هو رجل تربية وتعليم. حين عرفته، لم تبدّل ملامحه وهيئته في مخيّلتي إلى اليوم. فهو بدينٌ نسبيا، تغطي صلعته، طاقية بنيّة، ولا يرى إلا وهو يرتدي معطفا، صيفا وشتاء.

الأخضر بوطمين

يقول لك هذا الرجل الطيب، في بلادنا يوجد الحاج الأخضر قائد الأوراس، والأخضر بن طوبال أحد كبار الثورة، والأخضر حامينا أعظم سينمائي عرفته الجزائر، والأخضر بلومي أشهر لاعب أنجبته الجزائر، والأخضر بريش أفضل معلّق رياضي، والأخضر بوطمين أهمّ مفكر لا تعرفه الجزائر.. ويوجد الكتاب الأخضر الذي سمعت به ولم أقرأه.

أشرف محمود

عليك أن تعرفه حتى تصدّق ما أكتبه عنه، وعليك أن تتعامل معه حتى تدرك قيمته إنسانا متميّزا، وإعلاميا  مبدعا..

بوعلام رحوي

يقول خبراء ألعاب القوى عن هذا الرجل ذي الشنبات الرفيعة، إنّه كان قادراعلى أن يحطم الرقم القياسي العالمي لمسافة ثلاثة آلاف متر حواجز، غيرأنّه حطّم نفسه بفعل الفرح. كان ذلك في ألعاب البحر الأبيض المتوسط في 1975 بالجزائر، حين راحت قدما بوعلام رحوي تلتهم أروقة ملعب 5 يوليو في مشهد تاريخي لا ينسى.. ولمّا شعر أنّه صار قريبا من التتويج، راح يرفع يديه ويحيي الجمهور، فرحا بمنح الجزائر ميدالية أخرى، ولم يكن يعرف في تلك اللحظة أنّه قاب قوسين أو أدنى من تحطيم الرقم العالمي.. والأمر ليس غريبا، فالهدف كان الفوز، ولم يفكّر أيّ كان في تحطيم الرقم..

العربي دحّو

كان أوّل من قدّمني لطلبة جامعة باتنة في أول أمسية شعرية لي في العام 1983، ولم أكن تمرّستُ بمثل هذه الفضاءات. وكان أوّل من قدّم لديواني "في البدء كان أوراس" في العام 1985 في صحيفة النصر بعنوان "ميهوبي في السوق" مما أعطى دعاية أكبر لباكورة أعمالي.. وكان له شرف رئاسة المؤتمر السابع لاتحاد الكتاب الجزائريين بسطيف 1998..

كاتشو

يعتقد كثير من الناس أننا شقيقان، هكذا قال لي ذات مرة، فملامحنا تتشابه، وبشرتنا القمحية متقاربة، ولنا ذات القامة، ونلتقي باستمرار.
علي ناصري، أو كاتشو، كما يعرفه الناس. كان صديقا عزيزا، لا يمرّ أسبوع إلا ويتّصل بي، أو أتصل به، أسأله عن أحواله وجديده في الفن، ويسألني عن صحّتي وجديدي في الكتابة، والأمر ليس غريبا فقد عشنا في حيّ واحد، وجمعتنا طفولة واحدة، وتواصلنا في فضاءات مختلفة، ولكنني كنت أرى فيه ذلك الطفل القادر على النجاح، والذهاب بعيدا بالأغنية الشاوية في زخم التنافس الكبير بين عشرات الطبوع والإيقاعات.. ومرّة قال لي بعد حفل أجراه تحت رذاذ المطر بسطيف "أريد أن يصل صوتي خارج الوطن". فبدأت اتصالات ببعض من أعرف في مهرجانات فنية، ولكن للأسف لم يتحقق هذا الحلم، لأن الموت كان أسبق..
زارني مرات عديدة في الإذاعة الوطنية، ولم أسمع منه مرّة واحدة، ما كنت أسمعه من بعض الفنانين، من إدراج أغاني ألبوماته الجديدة في مختلف الإذاعات للترويج، وكان يحبّ الخوض في أمور السياسة، والبحث عن أجوبة لأسئلته التي لا تنتهي، وعندما تقول له "دعنا نتحدث في الفن"، يرد ببرودة "الفن نسمعه ولا نتحدث فيه..". وتبقى فترة الحجّ هي التي كشفت للجميع عن معدن كاتشو، المؤمن، الطيب، المتخلق، الصبور، المحبّ للناس.. وحين بلغني خبر موته المفجع بكيت، لأنّ أخًا لي رحل، دون أن أكلّمه في جديد السياسة، وكنت أنتظره بعد يومين في مكتبي..

بختي بن عودة

صعبٌ جدّا اختزال هذا الرجل، فهو من طينة عصيّة على  التناول بارتجال. كان يبشّر بميلاد عقل تنويري في زمن انهيار القيم وتلوث المفاهيم وحضور العنف في حياة الناس.
لم يفشل، لأنه مؤمن بقدره، ولم يتردد لأنه لم يخطئ حين اختار طريقه، ولم يُكره غيره على أن يكونوا مثله. يدافع عن رأيه في غير عناد، ويقرأ غيرَه في غير تطاول أو إقصاء. لا يغيب عن أي ندوة يُدعى لها، ولا يخرج من أيّ ملتقى إلاّ وترك وراءه فكرة، أو رأيا، أو مقترحا..
كنت ألتقيه في كلّ مرة، فلا يسأل عن صحّتي، إلاّ بعد أن يطلب منّي جديدي في الشعر، ويقدّم لي وجهة نظره بلا مجاملات، ثم يقول لي "والآن كيف حالك؟".
آخر مرّة التقيت فيها بالشهيد بختي بن عودة، في الأيام الأدبية بالعلمة، كنّا أعضاء في لجنة التحكيم، وأذكر أنني ودّعته قريبا من مسرح المدينة، وأعطيته وردة، ابتسم وقال لي "لا أعرف إن كانت ستقاوم الذبول قبل وصولي إلى وهران..". قلت له "لن تذبل لأنها ترتوي من عرق يديك".
مرت أيّام، فكانت فاجعة اغتيال الطفل الذي لم يكن يعلم أن عينا غادرة كانت تترصده، وهو يداعب الكرة مع أبناء حيّه. ليت الرصاصة عرفت من يكون.. لكنها وُلدت لتقتل الوردة. ومن حقّي أن أبكي بختي في نص "أستحي أن ألمح الورد يموت وأغنّي..".