الأخضر بوطمين

الأخضر بوطمين

يقول لك هذا الرجل الطيب، في بلادنا يوجد الحاج الأخضر قائد الأوراس، والأخضر بن طوبال أحد كبار الثورة، والأخضر حامينا أعظم سينمائي عرفته الجزائر، والأخضر بلومي أشهر لاعب أنجبته الجزائر، والأخضر بريش أفضل معلّق رياضي، والأخضر بوطمين أهمّ مفكر لا تعرفه الجزائر.. ويوجد الكتاب الأخضر الذي سمعت به ولم أقرأه.

إذا كان "الخضر" كلّهم معروفين، فمن هو الاخضر بوطمين؟. هو باختصار مواطن من عنابة، يعرفه الكتاب والأدباء، كونه لا يغيب عن أي ملتقى أو منتدى، فيتحدّث في كلّ شيء، في الأدب والثقافة والسياسة والدين والاستراتيجيا والاعلام.. ويرى أنّ رأيه هو الفيصل في كلّ شيء. يبدو بأناقته، وجديّته، شخصا لا يجارى، وهو هكذا يرى نفسه، فيحبّه الناس، ويظهرون له الاحترام، لصدقه الذي لا حدود له.
الأخضر، مواطن جزائري عادي، فكّر في المنافسة على الرئاسة في العام 1995، وطرح نفسه بديلا لكلّ ما هو موجود، وطلب دعم النخب الثقافية له ولأفكاره، ولكنّه اقتنع لاحقا أنه كمن يؤذّن في مالطا (..) وألمّ به المرض في السنوات اللاحقة، بفعل أمراض مزمنة، ليودّعنا الأخضر.. الرائع، الذي يرى فيه أصدقاؤه أنّه ملح الملتقيات، بما يضفيه من أجواء مرح جاد، وانفعالات تولّد لديه شعورا بأنّ المثقفين في الجزائر، بحاجة إلى من يهزّهم، ويكشف عجزهم، ويرميهم في البحر..
رحمة الله عليك يا أيها الأخضر الطيب جدا.
Share this
 

طالع أيضا

نبيه برّي

في العام 1991 التقيت به في جدّة. اقتربت منه، وقدّمت نفسي، فرحّب بي، وسألني عن الجزائر في فترة كانت الأوضاع متوترة عقب حرب الخليج، ثم راح يثني على دور الجزائر في مساعدة لبنان بعد حرب أهلية مدمّرة.
طلبت منه إجراء حوار لصالح يومية الشعب التي كنت أرأس تحريرها يومذاك، فلم بمانع، وقال لي "أنا جاهز.. فهل أنت جاهز بأسئلتك وجهاز تسجيلك". فاستأذنته في ربع ساعة، لإعداد ذلك، ولم يمانع، فقد شعرت أنه كان مرتاحا للحديث معي ولجريدة جزائرية. وحاورته في كلّ شيء، ولم يرفض أي سؤال. شكرته ومضيت..
بعد عشر سنوات، انعقد المؤتمر البرلماني العربي بالجزائري، وكنت يومها نائبا بالمجلس الشعبي الوطني، وكلّفني الأستاذ عبد القادر بن صالح، بإعداد "إعلان الجزائر" مع ممثلين لبعض البلدان العربية، وفي ختام المؤتمر قرأت الإعلان أمام الحضور، ولم أغادر المنبر، حتّى سمعت صوتا يناديني "السيد النائب.. تفضل"، فكان نبيه برّي، الذي قال لي ولبن صالح وهو يتأمّل وجهي "لست غريبا عنّي.. أذكر وجهك. أين التقينا؟"، قلت له "لم تخطئ السيد الرئيس، فقد حاورتك قبل عشر سنوات لصالح جريدة الشعب". فضرب على الطاولة بيده وهو يقول "لم تتغيّر ملامحك.. أنت هو هو.. تركت الصحافة لتكون نائبا تطارده الصحافة؟". ضحك من كان حاضرا، ثم قال لي "أين الحوار الذي أجريته معي. لقد وعدتني بإرسال نسخة منه.". لم أجد ما أقوله..

مولود قاسم

في بداية عهدي بالعمل الصحفي، كتبت عمودا في جريدة الشعب، يتعلّق باجتماع للأطباء النفسانيين بمدينة سطيف، تحدّث فيه الجميع باللغة الفرنسية، إلاّ طبيبة فرنسية، قالت للحاضرين بلغة المتنبّي "اسمحوا لي إن تحدّثت بلغتكم الجميلة، الساحرة" فأسقط في أيدي الجميع، فاحمرّت واصفرت واسوذّت وجوههم، وكأن الأرض أطبقت عليهم.. فاتصل المرحوم مولود قاسم بالجريدة طالبا إيضاحات منّي على المكان والزمان، بهدف توبيخ المشاركين في الملتقى، والتنويه بموقف تلك المرأة التي انتصرت للعربية.
وفي مطلع التسعينيات، وصلني كتابان من السويد، باللغة الاسكندنافية، لكاتب مغربّي،  فقلّبتهما في كلّ الاتجاهات، ولم أفهم شيئا سوى أنّ لهما علاقة بتاريخ المغرب والانقلاب على الملك الحسن الثاني، فتذكّرت أنّ الوحيد الذي يمكنه أن يفكّ شفرة الكتابين هو مولود قاسم الملمّ بلغات أوروبا الشمالية، واتصلت به، ليطلب منّي الحضور إلى بيته، وهناك قابلته في قبو تراكمت فيه الكتب والأوراق، وما أن أعطيته الكتابين حتى قال لي "هذان الكتابان لن يقرأهما سوى اثنين، أنا وسفيرنا في ستوكهولم محمد الشريف ساحلي". وبعد أن خاض معي في مسائل سياسية، وعدم رضاه عن الذي يحدث في البلد، خرج معي إلى ساحة البيت، ثم انتبهت إلى أنّه يجد صعوبة في وضع قدمه على السلّم، وحين رفعها قليلا، رأيت قطرات دم مجمّة في راحة القدم.. وبعد أيّام أدركت أنّ ذلك لم يكن سوى سرطان الدّم الذي أودى بالرّجل الذي أحبّه الجزائريون، لأنّه كان مختلفا تماما..

عاشور شرفي

هادئ تماما، عندما تتحدث معه. يبدو وكأنّه غير جاد فيما يقول، لا يرى إلا باسما، وقد يطلق ضحكته إذا سمع شيئا فيه مفارقة. وعندما ترى أعماله الكبرى، من معاجم وموسوعات تتساءل متى يكتب هذا الرجل، ومن أين له بالوقت ليعرف كلّ شيء عن الساسة والكتاب والمثقفين والفنانين والصحفيين..  فيصدر كلّ عام موسوعة يمكن من خلالها قراءة تاريخ الجزائر السياسي والثقافي.
هو مولود عاشور، الصحفي بالمجاهد اليومي. منذ أن أصدر قبل 12 عاما موسوعة الذاكرة الجزائرية، انخرط بكامل جوارحه في وضع معاجم أخرى، تتطلب فرق بحث وجهد مالي وبشري، لكنّني لم أسمع منه ولو مرّة واحدة شكوى من نقص مال، وهو يعرف أنّه عصب كلّ مشروع، ولا يشكو نقص وقت، وهو الذي لا ينام إلا قليلا، ولا يستمتع براحة مثل كثيرين.. وأشعر أنّه الأكثر فائدة بين الكتاب الجزائريين فيما ينتجه باستمرار من أعمال مؤلفات توثّق لمسيرة شعب، ثقافيا وسياسيا، ويمنح الأكاديميين والمهتمين  كنزا من المعلومات المدوّنة بكثير من العناية والتدقيق.
حاولت مرّة أن امتحنه فيما يتعلّق بالمعلومات التي دوّنها بشأني في الذاكرة الجزائرية، فقال لي "أنا لم أكتب شيئا من فراغ، لأنني اعتمدت على حوار صحفي صدر لك في إحدى الجرائد. إن كان ما قلته غير صحيح، فما عليك إلاّ أن تقبل أخطائي.." وراح يضحك.

بوكشاش

هو ذاكرة الحركة الأدبية الجزائرية بامتياز.. يحتفظ بقصاصات صحف ومجلات تؤرخ لتجارب مختلفة، لأسماء قديمة وجديدة في المشهد الثقافي والأدبي في الجزائر. هو الأخضر الرحموني، المعروف سابقا ببوكشاش..
هو مهندس معماري، غير أنه كان أكثر ارتباطا بحركة الأدب والثقافة والابداع  في الجزائر، يكتب أحيانا شعرا ومقالات، لكنّة يمتلك ذاكرة فيل بسكريّ (..) فعندما يدور الحديث حول مقال أو حوار أو قصيدة نشرت في صحيفة ما، يكون بحوزته الخبر اليقين، فيأتي بها وبتفاصيلها دون الحاجة إلى أن يوثق ذلك في وسيلة إلكترونية..
كنّا نستعين بالأخضر، في معرفة ما نكتب أو ننشر، وهو من يحتفظ بأخبارنا ومشاركاتنا في الندوات والمهرجانات والملتقيات، ونلجأ إليه عندما نختلف في معلومة أو تاريخ.
إنّه كنز من الوثائق التي تؤرخ لمسار طويل في الحركة الأدبية الجزائرية، ومخزون من الذاكرة التي يمكن اعتمادها في الدراسات الأكاديمية والجامعية التي تهتم بالأدب الجزائري ورموزه، خاصة في السبعينيات والثمانينيات، حيث كانت الساحة الأدبية تزخر بكثير من الأسماء التي شقت طريقها وسط تجاذبات أيديولوجية وفكرية وجمالية، يبقى الأخضر شاهدا عليها، وموثقا لها، وحافظا لما اتسمت به من صراعات وملاسنات ومشاحنات ومدابزات أحيانا (..). وإذا كانت كتابات الأخضر تتجه أحيانا نحو التذكير برموز الإصلاح والأدب في فترة ما قبل الاستقلال، فإنّه يمتلك المادة الكافية والكفيلة بإعادة تحميض خارطة المشهد الأدبي في فترة الانتقال من لغة الحزب الواحد إلى اللغة المتعددة.. الأحزاب، وتصفية الحساب. بوركت أيها الأديب المهندس.

روراوة

هذا الرجل لا يمكن له إلاّ أن يكون ناجحا، لأنّ قدرته في استثمار مخزون تجربته الطويلة في الإدارة وخبرته في التسيير، تمكّنه من تقديم القيمة المضافة في أيّ موقع يكون فيه.. تعرّفت عليه قبل عشرين عاما.. أي بعد أكثر من عشرين عاما قضاها في قطاعي الثقافة والإعلام.. بمعنى أنّ له من الرصيد ما يفوق أربعين عاما في خدمة البلد.
تعرفت على الحاج محمد روراوة، أيّام كأس إفريقيا للأمم بالجزائر سنة 1990، التي عاد فيها اللقب الإفريقي الوحيد للجزائر، وكان رئيسا للجنة التنظيم .. وواكبت رحلته في مؤسسة النشر والإشهار، غير أنني اكتشفت كفاءة الرجل في إدارته لفعاليات سنة الجزائر الثقافية بفرنسا 2003، وأبان فيها على حسّ ثقافي راقٍ، بدعم الكتّاب، وكل أنواع الإبداع.. وأذكر أنّه قال لي يومها "أريد منك أن تُخرج إلى النور أسماءً جديدة، كتّابا ومترجمين..". وعندما اقتربت منه أكثر في إدارته لاتحاد كرة القدم، فهمت أسرار نجاح هذا الرجل، وهي الذكاء والمرونة والتواضع، فلا يُعلى عليه عربيا، ولا يؤخذ بغير رأيه إفريقيا، ولا يمكن الاستغناء عن تجربته دوليا.. فهو رقم ثابت في كل المعادلات، فإذا كان مقتدرا في قيادة سفينة الإصلاح الكروي وطنيا وعربيا وإفريقيا، بإرساء دعائم الإحتراف، فإنه من طينة أولئك الذين شعارهم على الدوام "ممنوع الفشل..".

بلحسن

قد تعاشر امرأً سنوات عديدة، فلا تعرف عنه إلاّ ما ظهر، ويمكن أن تعرفه بتفاصيله (..) في يوم واحد.. إنّما هذا مشروط برحلة خارج البلد. بهذا المنطق تعرّفتُ على مناقب الكاتب الراحل عمّار بلحسن، ذي القامة الفارهة، والهندام البهيّ ..
كان ذلك في العام 1988 ببغداد، حين شاركنا معاً ضمن وفد ثقافي في مهرجان المربد السنوي.. وهناك خبرتُ الكاتب والأديب والإنسان. كان عميقا في ثقافته، واضحا في أفكاره، عنيدا إزاء من يكرهه على ما لا يقبل، مرحا في المجالس الحميمية..
كنتُ أحيانا أنبّهه إلى أنّه يشبه المدخنة، كونه يستبدل سيجارة بأخرى، فيقول لي ضاحكا "لو جرّبتَ ذلك ما قلت لي هذا..". وفي جولة قادتنا إلى مجمّع الشهداء ببغداد، كانت لنا جلسة مع الراحل يوسف إدريس، وهناك أدركت قيمة عمّار، حين راح يحدّثه عن أعماله بتفصيل جعل الروائي المصري يقول له "يبدو أنك قرأتني أكثر مما أعرف عن نفسي.."، ويقيم عمار، مقاربات بين كتابات إدريس وغيره، فشعرت أنّه استحوذ على اهتمام صاحب "الندّاهة" الذي عُرف عنه أنّه استعلائي في علاقاته بالناس، وأسعدني كثيرا، أن هذا الناقد والقاص القادم من وهران، يعطي صورة المثقف المقتدر، الذي يكتب كثيرا، يقرأ كثيرا، ولا يتحدث إلاّ قليلا.. فكلّ وقته للإبداع والإمتاع.

الطاهر ومان

اقتطع من حيّز شقّته الصغيرة ببوسماعيل ورشة لرسم لوحاته، فهي بمثابة أبنائه الذين يولدون تباعا في حديقة ألوان لا يعرف سرّها إلاّ هو.. ولا يبتكر أشكالا جديدة، إلاّ هو.. إذ له في كلّ موسم تقليعة فنّية غير مسبوقة، وينتج تشكيلات مبهرة بأحجام قد تصل حجم علبة السيجارة لتصل سقف البيت (..). هو لا يتوقف عن الإبداع ..
الطاهر الذي زيّن قبل ثلاثين عاما أو يزيد أغلفة الكتاب والشعراء الجزائريين، برسومات متفرّدة، حتّى لُقّب بشاعر الألوان، ومنح النصّ الأدبي الجزائري مسحة من سريالية الطفل القادم من الجنوب، حاملا أسراره المجنّحة، باحثا عن فضاءات تسع خياله الملتهب.
قبل ثلاثين عاما، تعرّفت على الطاهر، وأدركت حجم هواجسه، إذ أنّه التحف الحريّة وآمن بالانطلاق، فداس على الحدود لتبتلعه زنزانة ملعونة في حديقة العقيد (..) وعاد يوزّع وروده بين الناس بعد شهور من المعاناة.. وواصل رحلته مع الإبداع، ليكون اسما مضيئا في حركة التشكيل العربي والعالمي.. ولم تتوقف معاناته.
كان يأتيني في اتحاد الكتاب الجزائريين، فيحدّثني عن متاعبه، ويغضب كثيرا لأنّ العالم من حوله لم يفهمه، وقبل أن يخرج يقول لي "لا أريدك أن تتوقف عن الرسم.. إنّ لك يدا تعرف طريقها إلى الفكرة واللون..".
كان يأتيني صباحا وفي يده فنجان قهوة، ولا يغادرني إلاّ في آخر المساء، ولم يشرب قهوته، فقد شرب المرّ طويلا..

شاهين

بعضهم يولد وفي فمه ملعقة من ذهب، وهم أبناء الملوك والأثرياء.. وبعضهم يولد وفي فمه ملعقة من خشب، وهم أبناء المزاليط والفقراء، وبعضهم يولد وفي يده كاميرا لتصوير الملعقتين، وهم رجال السينما، بينهم حامينا وراشدي وشاهين وغيرهم من رجال الفن السابع، السابح في خيالات الإنسان والكون.
يوسف شاهين تعرفت عليه من خلال عيد أفلامه، باب الحديد، إسكندرية ليه، عودة الإبن الضال، جميلة، المصير، اليوم السادس.. وتعرفت عليه في جلسة حضرها مثقفون ورجال سياسة عندنا بينهم حبيب شوقي، قبل سنوات بجنان الميثاق ويومها كان الرجل يطل" على الثمانين بوجه شاب لا يريد أن يمتد إليه البياض والتجاعيد.. سألته عن آخر مشاريعه، فقال لي "أمنيتي أن أنجز فيلما عن شيء يربط بين مصر والجزائر.." فقلت له "عندي فكرة، وأعتقد أنها ستروق لك.. وهي تكاد تكون جاهزة كسيناريو.." ففتح عينين ككاميرا وأذنيه كرادار، وقال لي ارو لي القصة. فرحت أسرد قصة الملك يوبا الثاني وزواجه من كليوباترا سيليني بأدق التفاصيل، وكأنني عايشت تلك الحقبة التي شهدت صراع يوليوس قيصر ومارك أنطونيو وسقوط كليوباترا الفرعونية وانهيار زاما.. وكان شاهين منجذبا إلي، ومندهشا مما أقوله، إلى أن أنهيت السرد الذي بدا مشوقا، فقال لي "هذا ما أريد.. ارسل إلي النص، وسيكون الفيلم الذي حلمت به.. إنها قصة رائعة.
 ثم أردف قائلا "لا أعرف لماذا لم ينتبه السينمائيون إلى قصة تبدأ في الاسكندرية وتكبر في روما وتنتهي في الجزائر..
شرعت في إعادة كتابة يوبا وكليوباترا.. لم أكد أنه كتابة النص حتى سقطت برقية تقول: مات شاهين..

حسين طلبي

لا يختلف اثنان في أنّ هذا الرجل لا يمكن له أن يتكرّر في أيّامنا هذه.. فهو الذي قضى حياته مهندسا في منشآت ومقاولات عديد الشركات في الخليج، لم يترك الجزائر وهو هناك، في الكويت أو دبي أو أبو ظبي. لا يتوقف عن الكتابة وعقد الندوات، والاحتفاء بالجزائريين الذين يقصدون تلك البلاد لأيّ حاجة كانت..
أنا أعرف هذا الرجل الجزائري الرائع. فإذا كان هناك اخترق المنابر الإعلامية، والصحف والمجلات، ولا تمرّ مناسبة من تاريخ الجزائر، إلا ويعيدها إلى الأذهان، محتفيا بأعياد الثورة والاستقلال، وناشرا لمؤلفات، يقرأ من خلالها واقع بلده بعيون في الغربة..
هو هكذا المهندس محمد حسين طلبي، الرجل المثقف، النشيط، الذي يطرق كلّ الأبواب ليساعد جزائريين في مواقف صعبة (..) ولا يتردد في القول إننا مقصّرون في حقّ تاريخنا وثورتنا، ونبقي دائما الفراغ حولنا عندما نكون في بلاد بعيدة.. إن ثورتنا أكبر من أن نتخيّلها عندما نقترب من الآخر، وثقافتنا أعمق مما لا ندري عندما نضعها أمام الآخر. لا ينقصنا شيء، سوى قليل من العمل الصادق لأجل الجزائر..
حسين، الذي يستحق أعلى الأوسمة، فهو سفير للجزائر بلا حدود، يقدّم أوراق اعتماده للبسطاء من الناس، لأنّه يثق بعبقرية الشعب الذي أنجب أمثاله.. وله في فادي ابنه الفنان المتألق صورة الأصيل بن الأصيل، سليل الأرض التي لا تنبت إلا الخير.

بول بالطا

تعرّف عليه الجزائريون في السبعينيات أيّام كان مراسلا لصحيفة "لوموند"، حين أصدر محاوراته الشهيرة مع الرئيس هواري بومدين، كاشفا عن جوانب مجهولة من سيرة الرجل الذي قضى معه خمسين ساعة (..) تناول فيها معه سيرته قبل الثورة وأثناء الثورة وبعد الثورة وإعلان الثورات الثلاث.. على غرار لطفي الخولي الذي توّج لقاءاته مع بومدين في كتاب "عن الثورة، في الثورة وبالثورة"..
التقيت بالطا قبل عشر سنوات في ندوة عتبات بالدار البيضاء (المغرب) وحدّثني طويلا عن ذكرياته في الجزائر، ولأنّ الندوة تناولت الثقافة المتوسطية، فقد اخترت موضوع "الفكر التنويري والفكر التدميري، يوبا الثاني نموذجا" بينما اختار بالطا المطبخ المتوسطي، وتوقف طويلا عند طعام البربر عبر التاريخ، وناقش فكرة "البربري حليق الرأس، يلبسون البرنس، ويأكل الكسكس"، وراح يعطي تفاصيل الكسكسي، والفروق بين أنواعه. وعرّج على المناسبات التي تعدّ فيها هذه الأكلات التقليدية، ويعطي معاني لتسمياتها، وكيفية انتقالها من بلاد المغرب إلى اليونان وجنوب إيطاليا..
عندما أنهى بالطا تدخّله الذي شدّ إليه الحضور، وكنت على يمينه، قلت له مازحا "ألم تسأل بومدين عن علاقته بالكسكسي؟" فردّ ضاحكا "بل معه اكتشفت أنواع أجهلها.. ومعه أحببت هذه الوجبة". وفي الربيع الماضي قابلت بالطا، في جناح الجزائر بالمعرض الدولي للكتاب بباريس. كان مُقعدًا على كرسيّ متحرّك، فذكّرته بالواقعة، فضحك طويلا..