آخر أخبار ونشاطات عزالدين ميهوبي

مدوناتي - Mes Blogs

وداعًا يا أسعد النّاس عند الله..

وداعًا يا أسعد النّاس عند الله..

كلمة عزالدين ميهوبي في تأبين الدكتور أبو القاسم سعدالله
عرفنا فيه التواضع مع الانضباط، والفطنة مع الطيبة، والجرأة مع الحكمة، والعلم مع الأخلاق..

بمناسبة مرور أربعين يومًا على رحيل الكاتب المؤرّخ الأستاذ أبو القاسم سعدالله نظم المجلس الأعلى للغة العربيّة بالمتحف الوطني للمجاهد يوم 28 يناير 2014 "احتفائيّة الوفاء والعرفان" بحضور نخبة من الأدباء والكتاب والشخصيات السياسيّة برعاية ساميّة من السيّد عبد العزيز بوتفليقة رئيس الجمهوريّو. وألقى رئيس المجلس الأستاذ عزالدين ميهوبي، جاء فيها ما يأتي:
اسمحوا لي في البداية أن أخصّ عائلة الفقيد الكبير الأستاذ الدكتور أبو القاسم سعدالله بالتحيّة والتقدير لتلبيتها دعوة المجلس الأعلى للغة العربيّة في احتفائية الوفاء والعرفان كما أطلقنا على هذه التأبينيّة.. مثلما أخص عائلة الراحل العظيم من أصدقائه وزملائه وتلامذته بأخلص عبارات الامتنان لمقاسمتهم لنا هذه الوقفة الرمزية التي تتمّ تحت رعاية فخامة رئيس الجمهوريّة السيّد عبد العزيز بوتفليقة الذي يعرف قيمة الأستاذ سعد الله وقامته ومكانته. 
كما أشكر للدكتور محمد الحسن زغيدي حرصه على أن يكون سندًا للمجلس في الإعداد والتنشيط، ولإدارة المتحف الوطني للمجاهد التي لا تدخر جهدا في دعم نشاطات هيئتنا، بتأمين كلّ شروط النجاح.

أيّها الحضور الكرام
لقد اخترنا هذا المكان لرمزيّته، فالمحتفى به يحمل بعضًا من دلالاته في خدمة التّاريخ وصون الذاكرة، وتزامن هذا اليوم 28 يناير مع ذكرى إضراب الثمانية أيّام الشهير في العام 1957، وكلّها مواعيد ممجّدة لمسيرة هذا الشعب. 
إنّ سعد الله، هو بالتأكيد سعيدٌ في بيت الخلود، وهو يرى أحباءه وتلامذته، يقيمون اللقاءات والندوات، ويستعيدون في شهاداتهم بعضًا من سيرته العطرة، ويُخلصون له الدّعاء.
يبدو أنّكم لم تعرفوا سببَ دوراني على نفسي داخل الكلمات، ذاك لأنّني لم أجد بوابة لدخول عالم أبو القاسم سعدالله، فالأبواب كثيرة، لكنّ مفاتيحها ليست بحوزتي، ولا أعرف من أين أجيئه بقصد قول كلمة تليق به وبتاريخه. وليس أمامي سوى كلمات دوّنتها عن الرجل في حياته قبل أعوام.. وأنا الذي زرته في خلوته بالمركز الوطني للدراسات التاريخية بالأبيار لتحيّته بعد أن بلغني أنّه معتكف على استكمال ما فاته من تأليف تاريخي.. وطلبت منه أن يمدّني بمعلومات تاريخيّة غير متداولة بين المؤرخين عن احتلال الجزائر، ولم يقل لي لا.. بل اتصل بي بعد يومين وسلمني بعض الكتابات التي نصحني بأن أقرأها أكثر من مرّة فربّما كانت ملغّمة لأنّ أصحابها ليسوا من جلدتنا.. 
وزرته مرّة أخرى، في أعقاب أزمة اتحاد الكتاب الجزائريين، وأذكر قابلني في مدخل مكتبه بالمركز، وبقي واقفًا، ولم يجلس، وأكثر من ذلك لم يدعني إلى الجلوس، فانتبهتُ إلاّ أنني قطعتُ عليه خلوة تفكير وبحث.. وفهمتُ الأمر، ولأدبه وأخلاقه، اتصل بي مساء ذلك اليوم، وقال لي "لم أكن مهيّأ هذا الصباح للحديث في شؤون اتحاد الكتاب الجزائريين، لأنّني أعرفُ متاعبه.. وكنتُ مأخوذا بمسألة استكمال بحث في التاريخ".
أقول هذا، لأنّ الرجل هو من ترأس مؤتمر اتحاد الكتاب الجزائريين في أعقاب الانفجار الذي شهده بعد أحداث أكتوبر 1988، وكان حينها حريصًا على جمع شمل الكتاب والأدباء، لكنّ التشظي حدث، ووقع شرخ كبير بين جيل من الشباب، وكنتُ بينهم، وقدامى الكتاب الذين لم يستوعب بعضهم غضب الشباب من أبوّة يفرضها السنّ لا الأدب.. وانتهى مؤتمر زرالدة بأن عاد كلّ واحد إلى بيته، بعد أن تصدّعت جدران الاتحاد..
قلتُ إنّني كتبتُ كلمة في حياة الدكتور أبو القاسم سعد الله، جاء فيها:
هذا الرجل العالم والمثقف والمفكر والشاعر والمؤرخ والمترجم والمحقق والناقد والباحث والدارس والمربي والموسوعي والمقاوم والانسان من طينة أجزم أنها انقرضت في زماننا، وصار وجودها بيننا لا يختلف عن وجود الماء على سطح المريخ أو أيّ كوكب مجهول.. فمن عثر منكم على بقية من هؤلاء الرجال فليبلغ، لأنّ الأمة أحوج ما تكون لهم ولعلمهم ومعرفتهم.. فهو من أوائل الجزائريين الذين شقوا طريق البحث في الذاكرة وتدوينها، إدراكا منه أن هذه الأمة لا يمكنها أن تعيش خارج التاريخ موصولة بحبل النسيان والموت في الحضارة..
هذا الرجل الذي وهب حياته للعلم والبحث والكتابة، فما كانت لتنال منه الإغواءات التي كثيرا ما قتلت كتابا وعلماء، وظل ذلك الرجل الذي عرف فيه الناس التواضع مع الانضباط، والفطنة مع الطيبة، والجرأة مع الحكمة، والعلم مع كثير من الأخلاق التي يتصف بها صفوة العلماء الثقاة.. فكان رجل موقع وموقف. لم يتبدل أبدا، ثابت على رأي يراه صوابا، ومنافح عن قيم يستشعر فيها ما يليق بالأمة..
إنّ حبه لشعبه وبلده وتاريخه شيءٌ لا يوصف، فقد اختار في حياته المهنة الأصعب وهي التنقيب في ذاكرة مخرومة بفعل الاستعمار، ومسحوقة بفعل الإهمال، ومنسية بفعل الشعور بالخوف من الماضي..
لقد كانت كلمته "نحن شعب يصنع التاريخ ولا يحسن كتابة التاريخ" إشعارا بأن الذاكرة في خطر، وأن تدوينها يقتضي من الجزائريين شعبا ودولة أن يستعيدوا ذلك بوعي كبير لا أن يتركوا الأمر للأغراب فيشوهون التاريخ ويدمرون الذاكرة..
إن هذا الرجل يرهق من يسعى إلى اختزال سيرة حياته..

قال مرّة "اكتبوا حتّى بأهدابكم وأظافركم إن لم تُطعكم أقلامكم"، وهو يُدرك أن هناك من لم تطعهم أقلامهم، وهناك من لم تطاوعهم أقدامهم في الذهاب إلى أقصى الأرض لينبشوا عن تاريخ مُهمل أو منسيّ.. وهو يُدرك أيضًا أن هناك من ليست لهم أهدابٌ أو أظافر، فيديرون ظهورهم للتاريخ خوفًا منه، لا خوفًا عليه، ولا حتّى تواضعًا أمامه..
استحضر ذكراه اليوم، معكم أنتم الذين جئتم لأجله، لأجل شيخ المؤرخين، مثلما أستحضر ذكرى رفاق القلم الكبار الذين غادروا إلى دار الخلود بعد عمر من العطاء، الجنيدي خليفة، عبد الله الركيبي، الطاهر وطّار، محمد قنانش، محفوظ قداش، مولاي بلحميسي، أبو العيد دودو، محمد بن عبد الكريم، عبد الله شريّط، رابح بلعيد وآخرون..
وأستحضر مقتطفًا من تعزيّة السيّد رئيس الجمهوريّة لعائلة الفقيد، إذ يقول "إنه كلما ذكر مؤرخ في المغرب العربي، ارتسمت في الذهن صورة أبو القاسم سعد الله الذي أفنى جل وقته بين المؤلفات والمخطوطات مؤلفا وباحثا ومنقبا، ولعل الغرّة الناصعة في الإرث المعرفي الكبير الذي تركه المرحوم للأجيال هي موسوعته في التاريخ الثقافي للجزائر التي أهلته ليكون شيخ المؤرخين، وأن يغدوَ مرجعا في كل ربوع العالم العربي".
هي شهادة لمكانة الرّجل الذي زهد في المناصب، وانتصر للعلم والمعرفة، وترك ما خقّ له ولعائلته ولنا جميعًا وللجزائر، أن تفتخر بها، هذا الرصيد من المؤلفات التي لو طاولت قامته، لجاوزتها.
في ختام هذه الكلمة، لا يسعني إلاّ أن أدعو المولى عزّ وجل أن يُسبغ على الراحل الكبير عظيم رحماته، وأن يدخله جنته مع الأبرار والصادقين.. وأشكر لمن لبّى دعوتنا، وحضر معنا هذه الاحتفائية المتواضعة، لرجل خدم العربيّة بأهدابه، ودافع عن هويّته بأظافره، وكان ممن أطاعته أقلامه، فطوّع أفكاره لما يؤمن به..
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

وداعا مالك بوذيبة.. شاعري العزيز

وداعا مالك بوذيبة.. شاعري العزيز

 لا أصدّق أنك رحلت إلى الأبد دون أن أودّعك، وأنت الذي كنت تتصل بي، وتسمعني شيئا من كلامك الطيب الدافئ، أنت الذي لا تتقن فنا آخر غير أدب الحديث..

لا أصدّق أنك رحلت لتترك وراءك جرحا غائرا في النفوس.. رحلت دون استئذان، فهل كنت غاضبا منا، ومن العالم.. أنت الحزين دائما. وداعا صديقي العزيز الذي لم أنس يوما اسمه عندما أتحدث عن شعراء الجزائر المجيدين، الموهوبين.. هل تذكر يوم جئتني بديوانك الأول "عطر البدايات" الذي نشره اتحاد الكتاب الجزائريين قبل عشر سنوات، ليكون باكورة أعمالك.. وأرسلت إليّ ديوانا آخر بعنوان "الشعراء لا يدخلون الجنّة" لكنني غادرت الاتحاد قبل أن يعرف طريقه إلى النشر.. وجاءت أعمالك الإبداعية الأخرى لتكرس اسمك كواحد من أهم الشعراء العرب.. لقد ولدت شاعرا.

وحين تمّ تعييني على رأس الإذاعة الجزائرية، هنأتني بالمنصب، وذكّرتني بوضعك في إذاعة سكيكدة، حيث كنت تشعر بشيء من التهميش.. ولكنني لم أنس أنك ذلك الشاعر الرقيق الذي لا يطلب أكثر من احترامه.. وكان لك معي ما أردت. لأنني أحببت فيك الانسان الذكي والمبدع والمتواضع..

منذ أيام اتصلت بي مرات، وليتني سمعت منك آخر ما يمكن أن أذكره الآن، سامحني إذا لم أسمع صوتك، وأنا الذي كنت أباغتك بين الحين والآخر بمكالمة تسعدك كما تقول لي دائما.. واعذرني إذا عدت إلى رسائلك التي بعثت بها إليّ عبر البريد الإلكتروني. فبتاريخ 20 ديسمبر 2012 كتبت مهنئا "تلقيت نبأ تعيينكم  على رأس المكتبة بفرح غامر أزال عني القلق لأنه من غير المعقول أن يظل مكانك فارغا وأنت الذي ناضلت وكافحت من أجل الوصول إلى ما أنت عليه الآن مكانة راقية ومحبة كبيرة في قلوب الناس .." وتحدثنا عن مشاريع بيننا، كإنشاء تنظيم ثقافي للشعراء، وباركته بطيبة الشاعر الصادق، وتحدثنا في أمر طبع مجموعة شعرية لك، وكتبت لي يومها، في 11 نوفمبر 2011 ما يلي "عزيزي الرائع عز الدين، تحية طيبة وبعد، إذا جاءتك رسالتي هذه وكان العيد أقول لك عيدا سعيدا مجيدا، وكبشا حنيدا لك وللأسرة الكريمة المكرمة.  أنا أعمل الآن  على تنقيح مجموعتي الشعرية كما سبق طلبت متكرما علي بنشرها وقد اخترت لها عنوان قصائد استوائية  لما فيها من مناخات عاطفية حارة ولما فيها من أمطار وبرق وفلافل هههههههه..المهم.. إذا وصلك بريدي هذا أرجو أن ترد علي ولو برسالة قصيرة كي أتأكد من أنه البريد الصحيح . ودمت رائعا ومبدعا وقامة مرفوعة فوق الجميع. أتمنى أن نلتقي كي نتحادث أكثر .المحب  مالك بوذيبة". وكان ردّي في اليوم نفسه " العزيز مالك. وصلتني رسالتك، وشعرت بتلك التوابل التي أكدت مهارتك في طهي الشعر..واصل . عزالدين".

ولعلّ الموقف الذي لا يمكن لي أن أنساه من هذا الرجل الشهم الصادق الأصيل، كان ذلك في  3 يونيو 2010، عندما غادرت كتابة الدولة للاتصال، فكتب ما يلي "تحية طيبة سي عز الدين وبعد // أنت ركن لا يتزعزع من أركان هذه الدولة وهذا الوطن ..ومهما كان موقعكم.. في الركن اليماني أو اليساري ..فلا فرق ..أدام الله عزك وحفظك من كل مكروه وأنا لجميلك غير ناس. وقد كانت لي عدة مطالب واحتياجات ولكني خجلت من كثرة السؤال ورأيت أن السؤال عن الأحوال يغني عن كل سؤال.  مالك بوذيبة /المخلص".

هذا هو مالك لم لا يعرفه. فقدنا برحيله، رجلا لا يتكرر في أخلاقه وشعره، وصبره على المتاعب. رحمك الله يا صديقي العزيز.. وجعلنا ممن يذكرونك بكثير من الوفاء.. الوداع يا مالك. ليرحمك الله ويجعل الجنة مثواك.

 

 

عبد الحميد مهري

عبد الحميد مهري

هو تاريخ يمشي على قدمين، وذاكرة تختزن سيرة شعب ونضال أمة. قبل سبعين عاما كان يمارس السياسة، وبعد سبعين عاما ما زال يقرأ الأشياء، ويقترح ما يراه يليق بحلّ أزمة، أو عرض رؤية في لحظة انسداد.

عبد الحميد مهري، هو سليلُ بيتِ مناضلين لا يتعبون، فحضوره في الحركة الوطنية كان لافتا منذ أيّام الشباب، ولصوته وقعٌ في نقاشات الثورة وتوجهاتها وإن تعقّدت الأمور، ولرأيه موقعُه في بناء الدولة بعد استعادة الحرية.
مثقفٌ، محنّكٌ، داهيةٌ، يفكك الأشياء بعقل المتمرّس، ويقرأ الأحداثَ بعين الخبير، هو من طينة الذين يمشون مع الجميع، إنّما خطوته وحده، هو من يحدّد المسافة والتوقيت والإيقاع. يستعيد التاريخ في لحظة القرار، ويتخّذ الموقف الذي يراه غيره تطرّفا، ويراه العارفون به حكمة. فحين تعرّض لما سمّي بالمؤامرة العلمية، اكتشف أنّ بعض من يثق فيهم متورّطون، فأعاد كلمة يوليوس قيصر "حتّى أنت يا بروتس.." ولم يفهمها بعضهم..
تعرّفت عليه أيّام "الشعب" وتعلّمت منه كيف تنبت الأخلاق في الكتابة، وكيف تتجلّى المهنيّة في النقد، وكيف يكون التخلص من ثقافة التجريح بتجنّب التشخيص. قال لي مرّة، "التشخيص المفرط للأشياء، يبعد عنها المهنيّة، ويجعلها على تماس مع القذف والتجريح". وحين دخلت "الشعب" في أتُون الأزمة في العام 1992، كتبَ آنذاك رسالة لسيد أحمد غزالي، رئيس الحكومة، قال له فيها "إذا كان خطأ الصحفيين يحال على المحاكم، فخطأ السياسيين يحال على الشعب في الأنظمة الديمقراطية".
 

محمد حّبوش

محمد حّبوش

هذا رجل، لا يعرفه الناس، إلاّ من كانوا قريبين منه في سطيف أو مسيلة. هو رجل تربية وتعليم. حين عرفته، لم تبدّل ملامحه وهيئته في مخيّلتي إلى اليوم. فهو بدينٌ نسبيا، تغطي صلعته، طاقية بنيّة، ولا يرى إلا وهو يرتدي معطفا، صيفا وشتاء.

باسم الثغر، ولا يرى مقطب الجبين أبدا. يمشي وحده، ونادرا ما يكون برفقة بعض أصحابه. يقيم في فندق متواضع، طوال السنة. أقصده مع أبي بين الحين والآخر، ويكون رابعنا في الحديث الشيخ البشير الإبراهيمي، فالرجل يحفظ كلّ نصوصه وكتاباته، ويمكنه أن يسرد أمامك "عيون البصائر" كما لو أنّه يرتّل القرآن. ويحفظ من نوادر الإبراهيمي، وسيرته وعلاقاته، ما لا يعرفها خبراء في حياة العلامة.
كنتُ أتردد عليه في عرفته، لأسمع منه، ما لا يمكنني أن أحصل عليه في مؤلفات، فالرجل يمتلك ذاكرة فيل من الحضنة (..) ويحبّ استعادة أشياء من تاريخ، عاش بعضه، وسمع بعض الآخر متواترا عن غيره.
فكّرتُ مرارا في تدوين بعض ما سمعته من محمد حبّوش، لأهميّته، وقيمة ذلك في توثيق تاريخ الجزائر الثقافي، وحين قصدته في غرفته بالفندق الذي يتوسط مدينة سطيف، قال لي صاحب الفندق "كأنّك لا تعيش معنا في هذا الكوكب.. فسي محمد انتقل إلى جوار ربّه منذ.. سبع سنوات"، وأضاف "أمثاله لا يولدون مرتين..".
 

الأخضر بوطمين

الأخضر بوطمين

يقول لك هذا الرجل الطيب، في بلادنا يوجد الحاج الأخضر قائد الأوراس، والأخضر بن طوبال أحد كبار الثورة، والأخضر حامينا أعظم سينمائي عرفته الجزائر، والأخضر بلومي أشهر لاعب أنجبته الجزائر، والأخضر بريش أفضل معلّق رياضي، والأخضر بوطمين أهمّ مفكر لا تعرفه الجزائر.. ويوجد الكتاب الأخضر الذي سمعت به ولم أقرأه.

إذا كان "الخضر" كلّهم معروفين، فمن هو الاخضر بوطمين؟. هو باختصار مواطن من عنابة، يعرفه الكتاب والأدباء، كونه لا يغيب عن أي ملتقى أو منتدى، فيتحدّث في كلّ شيء، في الأدب والثقافة والسياسة والدين والاستراتيجيا والاعلام.. ويرى أنّ رأيه هو الفيصل في كلّ شيء. يبدو بأناقته، وجديّته، شخصا لا يجارى، وهو هكذا يرى نفسه، فيحبّه الناس، ويظهرون له الاحترام، لصدقه الذي لا حدود له.
الأخضر، مواطن جزائري عادي، فكّر في المنافسة على الرئاسة في العام 1995، وطرح نفسه بديلا لكلّ ما هو موجود، وطلب دعم النخب الثقافية له ولأفكاره، ولكنّه اقتنع لاحقا أنه كمن يؤذّن في مالطا (..) وألمّ به المرض في السنوات اللاحقة، بفعل أمراض مزمنة، ليودّعنا الأخضر.. الرائع، الذي يرى فيه أصدقاؤه أنّه ملح الملتقيات، بما يضفيه من أجواء مرح جاد، وانفعالات تولّد لديه شعورا بأنّ المثقفين في الجزائر، بحاجة إلى من يهزّهم، ويكشف عجزهم، ويرميهم في البحر..
رحمة الله عليك يا أيها الأخضر الطيب جدا.
 

أشرف محمود

أشرف محمود

عليك أن تعرفه حتى تصدّق ما أكتبه عنه، وعليك أن تتعامل معه حتى تدرك قيمته إنسانا متميّزا، وإعلاميا  مبدعا..

هو أشرف محمود، الصحفي الذي يأسرك بأخلاقه، وتواضعه، ومهنيّته، وحرصه على أن يظل وفيا، لا يبدّل لغته ولا يغيّر جلده. تعرّفت عليه منذ سنوات ولم ينقطع تواصلنا، حتّى في عزّ أزمة الجلد المنفوخ بين مصر والجزائر. وأشهد أنّه قام بعمل كبير إلى جانب نخبة قليلة من المؤمنين بأن مباراة التسعين دقيقة لا يجب أن تكون سببا في أزمة تسعين سنة (..). وأذكر أنّني اتصلت به، بعد أن أشعرني أحدهم أنّ إحدى القنوات المصرية الخاصة، بثت برنامجا تهكّم فيه أحد الضيوف على عدد شهداء الجزائر لأنّ في ذلك مساس بمشاعرهم وامتهان لكرامتهم، فطلبت منه أن يتدخّل لدى صاحب القناة ليعتذر للجزائريين، ولم تمض سوى عشر دقائق، حتّى جاء الاعتذار وتكرّر مرات عديدة، وأدركت حينها قيمة أشرف، وقدرته في التأثير. ولا يتردد في فترة القطيعة في الاتصال بي ليقول لي "علينا أن نقوم بشيء..".

في ربيع 2009 احتفى بي أشرف في القاهرة، فأعدّ لي برنامج زيارات لا تنسى، لقاء مع حسن صقر، ومأدبة عشاء بحضور نخبة من الشخصيات الرياضية والإعلامية بنادي المقاولون العرب، وزيارة لمؤسسة الأهرام، وغداء في مطعم شعبي.. وقبل العودة قال لي "لم أجد أفضل من هذا المصحف هديّة لك.." ثم أخرج مجموعة من الأشرطة، قائلا "أعتقد أنّك مثلي تعجبك أمّ كلثوم..".

 

بوعلام رحوي

بوعلام رحوي

يقول خبراء ألعاب القوى عن هذا الرجل ذي الشنبات الرفيعة، إنّه كان قادراعلى أن يحطم الرقم القياسي العالمي لمسافة ثلاثة آلاف متر حواجز، غيرأنّه حطّم نفسه بفعل الفرح. كان ذلك في ألعاب البحر الأبيض المتوسط في 1975 بالجزائر، حين راحت قدما بوعلام رحوي تلتهم أروقة ملعب 5 يوليو في مشهد تاريخي لا ينسى.. ولمّا شعر أنّه صار قريبا من التتويج، راح يرفع يديه ويحيي الجمهور، فرحا بمنح الجزائر ميدالية أخرى، ولم يكن يعرف في تلك اللحظة أنّه قاب قوسين أو أدنى من تحطيم الرقم العالمي.. والأمر ليس غريبا، فالهدف كان الفوز، ولم يفكّر أيّ كان في تحطيم الرقم.. غير أنّ الجميع تفطّن متأخّرا إلى أنّ بوعلام كان قادرا على أن "يزيد إلى القدّام" (..) لأنّ الخبراء قاموا بقياس زمنيّ للمسافة التي تراجعت فيها سرعة رحوي، وتحيّته الجمهور قبل بلوغ خط النهاية، فتأكدوا أن الرقم العالمي كان في متناوله وبفارق زمني غير مسبوق.. لكن هيهات.

بوعلام الذي لا يبدي أسفا لما فاته، يتذكّر بسعادة ما حققه في تلك الفترة من تاريخ الجزائر المستقلّة. كنت ألتقيه دائما، وأعجبني توثيقه منذ عامين لسيرته الرياضية، في كتيّب صغير، أراد من خلاله تذكير الجيل الحالي إلى أنّه بعد بوقرة الوافي وعكاشة ميمون الفائزين بذهب أولمبي أيام الاحتلال، جاء رحوي وآخرون ليكونوا أبطال الاستقلال، ويفتحون الباب أمام مرسلي وقرني وبولمرقة.. وآخرون عليهم أن يقرأوا التاريخ جيّدا.

 

العربي دحّو

العربي دحّو

كان أوّل من قدّمني لطلبة جامعة باتنة في أول أمسية شعرية لي في العام 1983، ولم أكن تمرّستُ بمثل هذه الفضاءات. وكان أوّل من قدّم لديواني "في البدء كان أوراس" في العام 1985 في صحيفة النصر بعنوان "ميهوبي في السوق" مما أعطى دعاية أكبر لباكورة أعمالي.. وكان له شرف رئاسة المؤتمر السابع لاتحاد الكتاب الجزائريين بسطيف 1998.. هذا الرجل، العصامي، الذي كافح طويلا، ليكون اسما له حضوره في المشهد الأكاديمي ببحوثه ودراساته فقد أوقف نفسه خدمة للموروث الجزائري، وله حضوره الثقافي في كتاباته ومساهماته في الملتقيات والندوات، ولا يرى إلا وهو يأخذ بأيدي من يرى فيهم الموهبة والاستعداد، وله اسمه السياسي لنضاله المتواصل ضمن ما يتوافق وقناعاته في خدمة المواطن والوطن، وله حضوره الانساني لما يعرف عنه من تواصل مع أصدقائه، ومتابعة أخبارهم وأحوالهم..
ولعلّ ما أُكبره في الدكتور العربي دحّو هو اهتمامه الذي لا يتوقف، وجهده الذي لا يجارى، في خدمة التراث والأدب الشعبي وموروث الثورة التحريرية، فكان من القلّة القليلة التي أفردت ثلاثة أرباع وقتها للمخطوطات، دراسة وتنقيحا وتحقيقا، وكلّما اتصلنا ببعضنا إلا أفادني بجديده، ومثلما يسألني الناس "من أين لك بالوقت لتكتب؟" أحيل السؤال ذاته للأستاذ دحّو، فيقول لي "لو فكّرت في كيفية الحصول على الوقت، ما كتبت كلّ هذا..".

 

كاتشو

كاتشو

يعتقد كثير من الناس أننا شقيقان، هكذا قال لي ذات مرة، فملامحنا تتشابه، وبشرتنا القمحية متقاربة، ولنا ذات القامة، ونلتقي باستمرار.
علي ناصري، أو كاتشو، كما يعرفه الناس. كان صديقا عزيزا، لا يمرّ أسبوع إلا ويتّصل بي، أو أتصل به، أسأله عن أحواله وجديده في الفن، ويسألني عن صحّتي وجديدي في الكتابة، والأمر ليس غريبا فقد عشنا في حيّ واحد، وجمعتنا طفولة واحدة، وتواصلنا في فضاءات مختلفة، ولكنني كنت أرى فيه ذلك الطفل القادر على النجاح، والذهاب بعيدا بالأغنية الشاوية في زخم التنافس الكبير بين عشرات الطبوع والإيقاعات.. ومرّة قال لي بعد حفل أجراه تحت رذاذ المطر بسطيف "أريد أن يصل صوتي خارج الوطن". فبدأت اتصالات ببعض من أعرف في مهرجانات فنية، ولكن للأسف لم يتحقق هذا الحلم، لأن الموت كان أسبق..
زارني مرات عديدة في الإذاعة الوطنية، ولم أسمع منه مرّة واحدة، ما كنت أسمعه من بعض الفنانين، من إدراج أغاني ألبوماته الجديدة في مختلف الإذاعات للترويج، وكان يحبّ الخوض في أمور السياسة، والبحث عن أجوبة لأسئلته التي لا تنتهي، وعندما تقول له "دعنا نتحدث في الفن"، يرد ببرودة "الفن نسمعه ولا نتحدث فيه..". وتبقى فترة الحجّ هي التي كشفت للجميع عن معدن كاتشو، المؤمن، الطيب، المتخلق، الصبور، المحبّ للناس.. وحين بلغني خبر موته المفجع بكيت، لأنّ أخًا لي رحل، دون أن أكلّمه في جديد السياسة، وكنت أنتظره بعد يومين في مكتبي..

 

بختي بن عودة

بختي بن عودة

صعبٌ جدّا اختزال هذا الرجل، فهو من طينة عصيّة على  التناول بارتجال. كان يبشّر بميلاد عقل تنويري في زمن انهيار القيم وتلوث المفاهيم وحضور العنف في حياة الناس.
لم يفشل، لأنه مؤمن بقدره، ولم يتردد لأنه لم يخطئ حين اختار طريقه، ولم يُكره غيره على أن يكونوا مثله. يدافع عن رأيه في غير عناد، ويقرأ غيرَه في غير تطاول أو إقصاء. لا يغيب عن أي ندوة يُدعى لها، ولا يخرج من أيّ ملتقى إلاّ وترك وراءه فكرة، أو رأيا، أو مقترحا..
كنت ألتقيه في كلّ مرة، فلا يسأل عن صحّتي، إلاّ بعد أن يطلب منّي جديدي في الشعر، ويقدّم لي وجهة نظره بلا مجاملات، ثم يقول لي "والآن كيف حالك؟".
آخر مرّة التقيت فيها بالشهيد بختي بن عودة، في الأيام الأدبية بالعلمة، كنّا أعضاء في لجنة التحكيم، وأذكر أنني ودّعته قريبا من مسرح المدينة، وأعطيته وردة، ابتسم وقال لي "لا أعرف إن كانت ستقاوم الذبول قبل وصولي إلى وهران..". قلت له "لن تذبل لأنها ترتوي من عرق يديك".
مرت أيّام، فكانت فاجعة اغتيال الطفل الذي لم يكن يعلم أن عينا غادرة كانت تترصده، وهو يداعب الكرة مع أبناء حيّه. ليت الرصاصة عرفت من يكون.. لكنها وُلدت لتقتل الوردة. ومن حقّي أن أبكي بختي في نص "أستحي أن ألمح الورد يموت وأغنّي..".

 

عام أوله قرمز وآخره هرمز

عام أوله قرمز وآخره هرمز

 غريب هذا العام الذي انقضى ولم يرحل، فهو يجرّ خلفه تبعات أحداث ليست ككل الأحداث بدأت بقرمز وانتهت بهرمز (..) أما القرمز فأعني بها لون الدّم، وهو الأحمر القاني، هكذا جاء في القواميس والمعاجم التي تتحدث عن اللون القرمزي الذي غطّى أجزاء واسعة من الشارع العربي على امتداد العام 2011 حيث اندلعت ثورات أطاحت رؤوسا ما كان لها أن تسقط لولا أن التسونامي العربي كان أحمر على خلاف التسونامي الياباني الأصفر الذي دمّر مدنا بأكملها وكاد يحدث كارثة نووية بعد أن امتدت آثاره إلى مفاعلات فوكوشيما.. أما هرمز فأعني به المضيق الذي كلّما شعرت إيران أنّ هناك من يمسك بخناقها، أمسكت هي بخناق نصف العالم في عزّ الشتاء، وهددت بتعطيل مصانعه، إمكانية وصول سعر برميل النفط إلى مائتي دولار.. فمن يقوى على الدفع؟ ولأن هرمز في يدها، فإنّها تختار متى تمارس سياسة ليّ العنق والذراع.. وهي البارعة في المصارعة التقليدية (..) ثم إنّ هذا يعطيها وقتا إضافيا لتخصيب كميات أخرى من اليورانيوم، فالوقت ملائم جدّا، إذ أنّ أوروبا تبحث عن حلّ لعُمْلتها، وأمريكا تغادر المنطقة، والعرب يبتلعهم الشارع، وكلّ واحد يكنس أمام باب بيته..

عام 2011 عربيٌّ بامتياز، وإنْ شهد العالم أشياء تُحسب ضمن الأحداث المثيرة، سواء كانت كبيرة في وقعها أو صغيرة في وقائعها، فهذه اليونان لا تختلف عن شركة أعلنت إفلاسها، ولم يبق إلاّ عرضها في المزاد العلني، أو بيعها بالتقسيط، بفعل أزمة اليورو التي جاوزت مديونيتها الألف مليار يورو، أنست العالم أزمة الرّهن العقاري بأمريكا، فزعماء القارة العجوز لا يغمض لهم جفنٌ منذ أن سمعوا في شوارعهم من يطالب بالعودة إلى الليرة والمارك والفرنك.. ففيها "الخير والبركة" أما العملة الموحّدة فإنها أرهقت العائلات، التي أضحت عاجزة عن التخطيط لموازنتها السنوية.. وأفسدت هذه الأوضاع على العالم متابعة أفراح قصر بيرمنغهام بزواج الأمير وليام وكيت ميدلتون، أو زواج أمير موناكو ألبير بشارلين الذي لم يحجب عن الفرنسيين متابعة أخبار إنجاب ساركوزي وكارلا طفلتهما جيوليا، مثلما لم توقف أفراح الفرنسيين والإنكليز انتشار فضيحة دومينيك ستراوس كَانْ الذي أصاحت به خادمة فندق، وقضت على طموحه في بلوغ سدّة الإليزي (..). ولم يكن العام حافلا بالأفراح والمسرات فحسب، بل شهد رحيل الرّجل الذي غيّر حياة الناس من خلال منتجات "إيبل" الرقمية المثيرة، ستيف جوبز، السوري الدّم، الأمريكي العقل، العالمي التأثير..

وإذا كانت نواقيس الخطر ظلت تدقّ لأشهر طويلة هذا العام، معلنة عن جفاف قاتل ومجاعة مدمّرة في القرن الإفريقي، فإنّ العالم أشعل الشموع لميلاد الطفلة الفلبينية دانيكا مسجّلا بلوغ عدد سكان المعمورة سبعة ملايير.. وإن بدا هناك تنازع بين عديد البلدان الميسورة التي ادعت أحقيتها بالمولود الذي أكمل حلقة الصفر التاسع بعد السبعة (..) بينما في مناطق أخرى تقتل المجاعة الملايين في صمت كل يوم..

ربّما يكون أوباما أكثر السعداء من زعماء العالم في 2011، إذ أنّ الذكرى العاشرة لأحداث 11 سبتمبر حملت إليه تأشيرة دخول سباق رئاسيات 2012 بورقة قويّة، وذلك بالقضاء على عدوّ أمريكا، الرقم 1، أسامة بن لادن، المختفي بباكستان، في عملية استعرض فيها الجيش الأمريكي منتهى الذكاء والدقة والسريّة.. ورغم أنّ العالم لم يرَ صورًا لزعيم القاعدة قتيلا، فإنّ الأمريكان يقولون إنهم يراعون مشاعر المسلمين، وأنهم استعانوا بفتوى دينية تبيح لهم رمي جثته في البحر حتى لا يتحوّل قبره إلى مزار.. ولم ينتظر خلفُه في القاعدة أيمن الظواهري طويلا، ليعلن أنّه القائد الجديد، والمبشر بفتوحات في الشرق والغرب. أمّا السعيد الآخر فهو الصّين التي قفزت إلى المركز الثاني كأقوى اقتصاد عالمي بعد أمريكا، مواصلة انتشارها في كلّ القارات..

ورغم كلّ هذا فإنّ 2011 يبقى عربيا بامتياز، ينقضي فلا يترك وراءه سوى أخبار الربيع العربي الدامي، وقليل من الأخبار السعيدة. إذ يذكر الناس البوعزيزي وكيف أنه كان فتيل ثورة الياسمين التي جعلت من منصف المرزوقي المطارد في مطارات العالم رئيسا لجمهورية تونس بعد هروب بن علي، وكيف أنّ المصريين في ميدان التحرير انتفضوا ليراجعوا حساباتهم مع آل مبارك، ومثلهم يفعل الليبيون الذين خاضوا حربًا مع القذافي انتهت إلى موت تراجيدي.. وينقضي العام في اليمن بعد تصالح الثلاثي علي وعبد الله وصالح بعد أشهر من التجاذب بين ساحتي الستين والسبعين.. وينقضي العام ليظلّ السوريون يتأرجحون بين شارع تتقاذفه السياسة ومراقبو الجامعة والفيتو الروسي-الصيني وأسد لا ينزعج مما يحدث في عرينه.

ينقضي العام في العراق وقد غادر آخر جنديّ أمريكي أرض الرافدين، تاركا وراءه ذكريات مُرّة مع بريمر وأبو غريب والزرقاوي والقتل على الهوية، ويفتح أبواب العام الجديد على عراق استبدل الرفقاء بالفرقاء، ومؤكّدا أنّ فتنة الطائفية كانت نائمة فقط (..) في المنطقة الخضراء.

ينقضي العام 2011، وهذا السودان الذي نعرفه في خرائط المناهج المدرسية، لم يعد الأكبر مساحة بعد أن اختار الجنوبيون الانفصال، وتغيير بوصلتهم السياسية، بالاقتراب من إسرائيل، فلولاها، كما يقول زعيمهم سيلفا كير، ما عرفت دولته ضوء النهار.

واختارت بلدان عربية أخرى القيام بإصلاحات، لتستبق غضبا مؤجّلا، أو تفكّك ألغاما سريعة الانفجار..

ينقضي عام الشارع العربي الغاضب، وليس فيه من إنجاز مختلف سوى نجاح قطر في  دخول نادي الموندياليين، باقتطاع تأشيرة تنظيم مونديال 2022 بعد أن رفعت سقف التحدّي عاليا أمام منافسيها، وأعطت العرب فسحة من التنافس والإثارة بتنظيم ألعاب عربية متميّزة جدّا..

يرحل العام تاركا وراءه إرثا عربيا ستحمله الأجيال في صورة أسئلة لن تجد لها أجوبة جاهزة. ويرحل العام ليجتاز عتبة العام الجديد، وهو يسأل هل تقدر أوروبا على إعادة ترميم عملتها الآيلة للتفكك؟ وهل ينجح الدب الروسي في التغلب على مصاعبه؟ وهل تأمن أمريكا على بغداد وكابول بعد العودة إلى الديار بنصف انتصار؟ وهل ما قاله تشافيز من أنّ التكنولوجيا الأمريكية هي التي تزرع السرطان في أجساد حكام أمريكا الجنوبية صحيح؟ وهل سيؤدّب الزعيم الجديد لبيانغ يانغ الجارة سيوول لأنها لم تحترم روح عظيم الأمة كيم جونغ إيل؟ وهل سيخرج أردوغان وساركوزي من حرب الذاكرة التي استثمرا فيها تاريخا لا يعنيهما؟ وهل سينسي ليونيل ميسي العالم الملك بيلي ووصيفه ماردونا ليكون ملك ملوك الجلد المنفوخ؟ وهل سيأخذ الفيسبوك قدرا من الراحة لتحلّ محلّه وسائط أخرى لا تستثمر في الشارع ولا في ويكيليكس ولكن في أمور أخطر؟ وهل ستصدق نبوءات العرافين الذي يبشرّون بأمّة عربية لا مكان فيها للمتنبي وأدونيس؟.. لم يبق لي كلام أكتبه..

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ميسي يسلم على يد الفيسبوك

ميسي يسلم على يد الفيسبوك

 

لم يتردد الرئيس التونسي منصف المرزوقي في دعوة الساسة الفرنسيين إلى التخلّي عن هاجس الخوف من الاسلام، وجعل ذلك ورقة في معاركهم الانتخابية القادمة.. وينطلق المرزوقي في هذا من موقعين، الأول بعد معايشة للواقع الفرنسي أيّام محنة المنفى، والثانية وهو يتعايش مع حركة النهضة ذات التوجه الاسلامي.. وجاء الردّ سريعا من وزير داخلية فرنسا كلود غيان الذي قال بأنّ الإسلام دينٌ متفتح ومتسامح، متجذّر في المجتمع الفرنسي، وأنّه لن يكون مجالا للتجاذب السياسي في الحملة المقبلة.. وبهذا تُحفظ ملفات النقاش حول الهوية، والحجاب، والصلاة في الشوارع في أرشيف الإليزي إلى حين..

والسؤال الذي يطرحه الفرنسيون، هو ذاته الذي يُطرح بصيغ مختلفة في الغرب عموما، ويسعى ساسة كلّ بلد إلى التعاطي مع الظاهرة الدينية، وبدرجة أخص، الإسلام بمنهجيات مختلفة أيضا، بعضها يرمى لاحتواء الفيضان الروحي في شوارع تربّت على حريّة لا سقف لها.. وبعضها الآخر، يضعها تحت عدسات لا يغمض لها جفن، وبعضها يقول إنّ ما قالته الكاتبة الإيطالية أوريانا فلاتشي من أنّ أوروبا سيصير اسمها بعد سنوات قليلة إذا استمر المدّ الإسلامي "عُرُوبّا"، أي تكون الغلبة فيها للعرب والمسلمين الذين لن تتوقف عجلة الانجاب عندهم.. وليس أدلّ على ذلك من أنّ قراءات استشرافية تشير إلى أنّ بلدا مثل بلجيكا سيكون مسلما (..) في حدود العام 2050.. وهو كلام يثير الحميّة لدى ملايين الشبان المأخوذين بخطاب يمكن تلخيصه في أنّ العالم دخل ألفية جديدة لن يخرج منها إلى ألفية أخرى إلاّ وارتدى جلبابه وأطلق لحيته ويمّم وجهه شطر القبلة المشرّفة..

ورغم أنّ خطابا مشابها، ينتشر لدى جماعات متطرفة، سواء يهودية أو نصرانية أو بوذية، فكلّ واحدة ترى صِدام الحضارات في انكسار شوكة الاسلام، ونهاية التاريخ في سيطرة الفكر الرأسمالي الحرّ، ولا يحرّك التنين الأصفر شهوة أتباعه ليقولوا إنّ العالم سيركع تحت أقدام كونفوشيوس.. إلاّ أنّ الأمر مختلف بالنسبة للشارع العربي والإسلامي، فهو يتصيّد أيّ خبر يتعلّق باختراق يأتي من هنا أو هناك للإسلام في المجتمع الغربي، خاصة بعد 11 سبتمبر 2001، والشعور بأنّ هناك مؤامرة كبرى تستهدف محمّدا ودينه وأتباعه، وأنّ حروبا مقدّسة، بدأ الإعداد لها، في صورة رسوم مسيئة، أو تهديد بتفجير الكعبة، أو حرق للقرآن في ساحات عامة، أو عرض لأفلام تصور الإسلام دينا للفتنة، أو منع للآذان وإعلاء للصوامع، أو انتقاد صوم اللاعبين أثناء المباريات، أو البكاء على رشدي الهندي، وتسليمة البنغالية، وسكينة الإيرانية، وعلاّم المصري، وعبد الرحمن الأفغاني، وضياء الهندوسية، وحبيبة الجزائرية.. وهي حالات ينفخ في رمادها الإعلام والسياسة معا لتتحول إلى قضايا أعقد من معضلة الشرق الأوسط، والنووي الإيراني، وأزمة اليورو، والربيع العربي.. فالمسألة أكبر من الحرية، وأعظم من كلّ الأسئلة..

 

إنّ حالة الإبهار في إقبال النجوم الرياضية والفنية والعلمية على الإسلام، تحدث انقلابات لدى الرأي العام غربا وشرقا، وتثير حفيظة البعض وتبعث البهجة في نفوس البعض الآخر، منذ أن تحوّل محمد علي كلاي قبل حوالي نصف قرن إلى رمز وأسطورة، ومنذ رأينا فنان البالي البلجيكي بيجار يقود استعراضات عالمية، بعد أن يؤدي صلواته الخمس، ومنذ أن تحوّل المطرب الإنكليزي كات ستيفنس في ليلة إلى يوسف إسلام مطلقا لحيته ومعلنا توبته من الغناء الماجن على ردهات المسارح، وما أشيع عن إسلام مايكل جاكسون، ومنذ تخلى الملاكم مايك تايسون عن اسمه القديم في السجن إلى مليك تايسون.. ومنذ أن رأى الناس مطربة الرّاب الفرنسية القبرصية، ديامس، تطلّ على جمهورها بحجاب يغطّي شعر رأسها.. أضحى إسلام كل نجم، يشعر الناس أن كل المشاهير سيتخلون عن دياناتهم ويفتحون مساجد لهم في القارات الخمس..

 وأذكر أنه أثناء مجيء مارادونا إلى مدينة جدة في العام1987 ليشارك في مباراة اعتزال النجم السعودي أمين دابو سرَتْ إشاعة مفادها أن المدلل الأرجنتيني سينطق بالشهادتين في مكة المكرمة.. ولكنه لعب التسعين دقيقة وحمل أمتعته وكثيرا من الهدايا وعاد إلى بيته دون أن ينبس بشيء، بينما وضع طاقية اليهود عندما زار حائط المبكى في فلسطين فصفقوا له طويلا كما لم يصفقوا لأيّ لاعب آخر..

وفي السنوات الأخيرة انتشر كلامٌ واسع عن التحاق عدد من نجوم الكرة بفريق المسلمين الجدد، فبعد الليبيري جورج ويّا الذي لا يعرف إن بقي على إسلامه أم ارتدّ؟ وتحوّل المالي كانوتي رمزًا للمسلم المنضبط في الليغا الاسبانية، بعد أن دفع قيمة أرض لبناء مسجد بإشبيلية، جرى حديثُ أرصفة، بعد أن نطق أنيلكا بالشهادتين، عن اهتمام كاكا وتيري هنري بالإسلام، ثم اتجهت الإشاعات إلى ليونيل ميسي الذي نسبت له بعض المواقع قوله في أفريل 2010 أنّ "من الجيد أن يكون المرء مسلما لأن شخصية الاسلام تتجسد في المسلم كما لو أنه ولد ليكون مسلما، وأمر الديانة هو حرية شخصية لا يمكن لأي أحد التدخل فيها".. ورغم إدراكنا أنّ هذا الكلام الجميل يمكن أن يصدر عن لاعب موهوب، غير مستهتر، يمارس طقوسه الدينية أمام مرأى العالم، لكنّ ميسي لم يقل كلاما كهذا.. إنّما هي هالة الاعجاب التي تجعل البعض يُلبِسُون هؤلاء النجوم عباءات الاسلام وهو لا يعدو أن يكون رغبة كامنة.. وكأنهم يستعيرون قول النبي عليه الصلاة والسلام "اللّهم أعزّ الاسلام بأحد العُمرين".. وكأن عُمَرَيْ هذا العصر إمّا ميسي أو كريستيانو مع الفارق في المقاربة قيمة وقامة..

 

 

حروب الذاكرة على أبوابنا

حروب الذاكرة على أبوابنا

يتباهى الأرمن بجبل آرارات الذي يقولون إن سفينة نوح رست به بعد الطوفان.. ويضعون اسمه على أفخر أنواع النبيذ (..) ويرفع الأرمن قبعاتهم لأشهر مطرب في تاريخهم، شارل أزنافور، الذي جعلوه سفيرهم في سويسرا بعد أن قلدوه، وهو الفرنسي الشهرة، وسام البطل القومي المدافع عن قضية شعبه الذي "أباده" الأتراك قبل مائة عام. وكما ظل الجبل شامخا، وصوت أزنافور صدّاحا، ظل الجليد بين الأرمن والأتراك صلبا، لم تذبه مباراة كرة القدم بين البلدين في سبتمبر 2008 التي حضرها عبد الله غول بملعب إريفان الأرمني، مثلما  أذابت  مباراة كرة الطاولة الجليد بين أمريكا والصين، قبل أربعين عاما.

وليت الجليد ظل بين البلدين فقط، فربما يذيبه الزمن، بل سارع الرئيس الفرنسي ساركوزي ليضعه في مشروبات انتخابية، دون الحاجة إلى سجل تجاري لتسويقه بل استعمل سجل مبادئ الثورة الفرنسية، فأخرج من الأدراج مشروع قانون، يعاقب كلّ من ينكر جريمة إبادة الأتراك للأرمن (..) فوقع بين مطرقة منافسه للرئاسيات القادمة فرانسوا هولاند الذي تعهّد بتمرير القانون أمام مجلس الشيوخ، وسندان أردوغان الذي ألّب عليه العرب والمسلمين، فضرب سيد الأليزي أخماسه بأسداسه: يكسب نصف مليون صوت أرمني بفرنسا، ويحرم خمسة ملايين صوت من أبناء "الضواحي" من الجيلين الثاني والثالث، الذين لم يفهموا كيل ساركوزي بمكيالين، يبكي مع الأرمن وينتصر لهم، ويبخل بدمعة ندم واحدة على الجزائريين.

وإذا كان الأرمن لا تجمعهم قرابة بساركوزي وفرنسا فإن الأتراك يفخرون بتاريخهم في الجزائر، لأنهم جاؤوا قبل ستة قرون لنجدتها، ولم يكونوا غزاة كما قالت كتب التاريخ، وفي عروق الجزائريين بعض من دماء أجدادهم، فوجد رجب طيب أردوغان فيما تعرّض له الجزائريون في العام 1945 إبادة وجريمة ضد الانسانية، بقتل فرنسا في عام 1945،  ما يزيد عن 45 ألف جزائري بدم بارد، خرجوا احتفالا بسقوط النازية وانتصار الحلفاء، ومطالبة لفرنسا بالوفاء بعهد منحهم حرّيتهم إن هم وقفوا في جبهات القتال دفاعا عن شرف باريس الذي مرّغه هتلر في الوحل.. وقضى الآلاف من الجزائريين في تلك الحرب المجنونة، ولما انتهت، جاء الدور عليهم ليرمى بهم في أفران الموت التي أقامها "أشياري"، وفي نهر السّين وفي رقّان حيث ما يزال سكان الصحراء يموتون من آثار التفجيرات النووية.. ناهيك عن فاتورة مليون ونصف المليون من الشهداء قربانا للحرية.. لكن فرنسا الرسمية لا تعترف بجرائم لا تحتاج إلى إثبات.

ساركوزي لا ينكر أنه ابن مهاجر مجريّ هبت رياح السياسة لصالحه فوجد نفسه سيّدا للإليزي، واعتقد أن انتصاره لذاكرة الشعب الأرمني كفيل برفع أسهمه في استطلاعات الرأي العام التي تضعه في موقع المهزوم. وإن كان لا يدري إن كان سيكسب دجاجة ويخسر بقرة (..) فالرجل دخل في ملاسنات مع فتى اسطنبولي عنيد يعرف العالم جرأته وحدّة لسانه.

 أردوغان لا يتردد في توظيف إبادة الجزائريين للرد على ساركوزي وبرلمانه، دون غيرها.. وأمامه وقائع كثيرة تدعم مرافعته في محكمة التاريخ، فلا يغيب عن باله أن البابا يوحنا بولس الثاني اعتذر لليهود عما لحقهم من أذى المسيحية، منذ قرون، في زيارته القدس في العام 2000.. كما أنّ إسبانيا، على غرار بلدان أخرى، أقدمت بعد رحيل الجنرال فرانكو، ضمن ما أسمته ''المصالحة مع الذاكرة التاريخية'' على الاعتذار لليهود الذين طردوا بعد سقوط الأندلس، وقدمت لهم في العام 1992 (تزامنا مع سقوط غرناطة 1492) اعتذارا رسميا تكفيرا عن الذي لحق بهم من تهجير وتضييق، وأقر القانون منح الجنسية الإسبانية لمن هم من أصول أندلسية من بين اليهود السفارديم الذين كانوا يعيشون في الأندلس الإسلامية.

وكان على أردوغان التذكير بوقائع كثيرة، كموقف الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك في مدغشقر (يوليو 2005) بمناسبة ذكرى مجازر 1947 التي أباد فيها الجيش الفرنسي أزيد من 80 ألف ملغاشي، حين قال: "لا أحد بإمكانه محو ذكرى كل الذين فقدوا حياتهم بغير وجه حق.." وأنه: "ليس هناك مبرر لعدم أخذ التاريخ بعين الاعتبار أو لتجاهل هذا الوجه أو ذاك من التطور"، معترفا أن الفرنسيين محكوم عليهم بأن يكونوا واعين باللحظات الجيدة وتلك السيئة في تاريخهم.. ويضيف: "إن ذلك لا يعني تغذية الحقد، فالتاريخ محكوم بجدلية المواجهة والمصالحة وليس محكوما آليا بالنسيان"..

وكان على أردوغان استحضار اعتذار سيلفيو بيرلسكوني،  في أغسطس 2008 ، رسميا باسمه وباسم الشعب الايطالي، إلى الليبيين عن "الجراح الغائرة التي سببها الاستعمار الايطالي" لهم، ثم وقّع مع العقيد معمر القذافي "اتفاقية تعاون وشراكة وصداقة" تدفع بموجبها ايطاليا، تعويضات تصل إلى 5 مليار دولار..مثلما يعرف أردوغان موقف هولندا التي أدركت أنّ الهروب من الحقيقة بمثابة هزيمة للضمير الانساني، فقدّمت منذ أسابيع اعتذارا رسميا لأندونسيا عن جريمة قيام جنودها بإعدام مئات من القرويين الاندونيسيين، في 1947 بجزيرة جاوا.

وكان على سيّد اسطنبول أن يذكّر بالكونغرس الأمريكي الذي تبنّى في العام 2008 نصّا يعتذر فيه للسود الأفارقة عمّا تعرضوا له من قهر وتمييز. كما اعتذرت الكنيسة الانجليزية في 2006 عمّا شهده الأفارقة من استعباد ومهانة، مثلما كان عليه أن يذكّر ساركوزي ببيت العبيد في جزيرة غوري السبنغالية التي زارتها رموز عالمية، بيل كلينتون، جورج بوش، نيلسون مانديلا، البابا يوحنا بولس الثاني الذي اعتذر في العام 1992 لما حدث للسود "من خطيئة الانسان ضد الانسان، وخطيئة الانسان ضد الله"..

ولم يكن أردوغان مضطرا لأن يقول لساركوزي "قل لأبيك بال بأن يخبرك عن جرائم فرنسا في الجزائر، حيث كان مجنّدا، ضمن اللفيف الاستعماري.." وردّ بال ساركوزي مكذّبا أقوال أردوغان بأنه لم تطأ قدماه أرض الجزائر، وأحاله على مذكراته التي نشرها في مارس 2010، في دهاء اليهودي الذي يحسن الترويج لبضاعته، بل تكفيه  قصة زيارة الرئيس الفرنسي جيسكار ديستان الجزائر في العام 1975، حين قال: "فرنسا التاريخية تحيي الجزائر المستقلة"، ليأتيه الرد السريع من الرئيس هواري بومدين: "نقلب الصفحة ولا نمزقها" وهو اعتراف بأن آفة النسيان في وجود الذاكرة.ورغم أن البرلمان الفرنسيأصدر قانون 23 فبراير 2005، الممجّد للاستعمار، والمبشّر بإيجابية وحضارية (..) ودعا إلى إدراج ذلك في الكتب المدرسية(..).فإنّ الجزائريين يعرفون أنّ انتصارهم في حربهم أكبر من أي اعتراف، وأسمى من أيّ اعتذار، وأنّهم ليسوا بحاجة لأن يدخلوا في "حروب الذاكرة" التي يوظفها ساسة باريس في تجاذباتهم الانتخابية..

 

 

 

مالك بن نبي يقرأ الربيع العربي..

 مالك بن نبي يقرأ الربيع العربي..

لا أزعم أنني التقيت هذا الرجل.. لكنني أذكر ملامحه جيّدا حين دُعيَ لإلقاء محاضرة بإحدى قاعات السينما بباتنة في العام 1972.. ولم أكن حينها أفهم معنى أن يتحدث الانسان عن الحضارة والهوية والزّمن والتاريخ.. وكنت أسمع في شوارع المدينة الناس يتحدّثون عن الرجل وفكره، ولم أكن أذكر حينها سوى أن قاعات السينما أنشئت لعرض أفلام مانغالا بنت الهند، وجون واين.. وفريد شوقي.

مالك بن نبي عرفت قيمته أكثر بعد أن التقيت المفكّر السوري اللاّعنفي جودت سعيد الذي جمعتني به رحلة من دمشق إلى بيروت في العام 1998، فما أن عرف أنني جزائري، حتى قال لي "أنا لا أقول إنك من بلد المليون ونصف المليون شهيد.. ولكن أضيف إليهم مالك بن نبي، هذا المفكّر العظيم الذي أعادني إلى طريق التفكير السليم بعد أن انزلقت بعيدا.. إذ يكفي أنه صاحب مقولة عندما تغيب الفكرة ينمو الصّنم".. هو رجل كلّما ابتعد عنّا زمنيا صار أكبر مما كنّا نعتقد..

من تلمسان يعود ابن نبي بعد 38 عاما على رحيلة، وهو المفكر الاستشرافي، الذي يقول بعض عتاة الفكر الغربي إنّهم ثلاثة نجحوا في اختراق أسوار العقل الأوروبي والغربي عموما، الجزائري مالك بن نبي، والإيراني علي شريعتي والباكستاني أبو الأعلى المودودي. يعود في صورة أسئلة وأطروحات لم تمت، وأفكار تحمل بذور استمراريتها في عمقها وأصالتها. إنّه الرجل الذي رأى الأشياء بعينين ثاقبتين، وكأنه سليل زرقاء اليمامة (..). يعود مالك بن نبي المتنبئ علمًا بما سيكون من أمر هذه الأمة التي "وقفت أمام الغرب موقف الزبون فأخذت منه الأشياء والمصنوعات الجاهزة، وهذا عائد لطبيعة استهلاكية في المجتمع العربي، على النقيض من اليابان الذي وقف أمام الغرب موقف التلميذ ليتعلّم، وهذا راجع لطبيعة إنتاجية في المجتمع الياباني فاقتبس منه المعارف".. تلك حقيقة أولى دوّنها ابن نبي، قادته لاحقا إلى جملة من الآراء التي تكرّست في الواقع العربي، وهي أنّه "من عادة التاريخ أن لا يلتفت للأمم التي تغط في نومها وإنما يتركها لأحلامها التي تطربها حينا وتزعجها حينا آخر"، وتلك أيضا حقيقة أخرى، فالتاريخ اليوم لا يعني الانغلاق في الماضي وأمجاده، والتباهي بما حققه الأسلاف، إنّما صار مفهومه مرتبطا بالمستقبل والحاضر، ألم يقل بوش الإبن بعد 11 سبتمبر 2001 "هناك أمم تعتز بماضيها، فلها أن تفعل، أمّا نحن فإننا سنصنع تاريخنا، وتاريخ غيرنا"، لهذا لا غرابة أن يكون الأمريكان موجودين في كلّ حدث، مهما كان نوعه أو حجمه أو موقعه، ليضعوا بصمة الرجّل القوي الشاهد على أحداث شارك فيها أو باركها.. لهذا فإنّ رؤية ابن نبي، تتقاطع مع فكرة أن هناك هامشا للتاريخ يختاره الفاشلون في بناء الحضارة.. ويذهب المفكر الجزائري الفذّ إلى أنه "ليس يكفي مجتمعاً لكي يصنع تاريخه أن تكون له حاجات، بل ينبغي أن تكون له مبادئ ووسائل تساعده على الخلق والإبداع" وهنا مربط الفرس فيما يسمى بثورات وانتفاضات الربيع العربي، التي حرّكتها، بلا شكّ، حاجات مختلفة، قد تكون الحرية والعدالة والكرامة والمطالبة بتساوي الفرض ورفض الفساد .. ولكن ضمان بلوغ تلك المطالب لا يمكن أن يكون إلاّ بتوفّر مناخ من القيّم والمبادئ والقدرة في تجذيرها وتأصيلها، حتى لا تنبت في بيئة النفاق والديماغوجية.. ولا يمكن لثورة أن تنجح إلا إذا كانت وطنية الانتماء، واضحة الأهداف، صادقة الوعد، لأنّ كيمياء الثورة هي الذات المؤمنة بالتغيير. يقول مالك بن نبي "نحن لا نستطيع أن نصنع التاريخ بتقليد خُطى الآخرين في سائر الدروب التي طرقوها، بل بأن نفتح دروباً جديد". لأنّ التقليد يفقد الثورة هويّتها، ويجعلها أشبه بامرأة تخدع غيرها بمساحيق مغشوشة. فالسر في انتصار ثورات الجزائر والفيتنام وكوبا هو أنّها لا تشبه غيرها، ولم تستلف أدوات إنجازها من الآخرين.. فهل ثورات الشارع العربي اليوم، وهي تختلف في مضامين توجّهاتها، باعتبارها تهدف إلى تغيير واقع لا إزالة استعمار غريب، هل تمتلك هذه الرؤية، وهل هدفها إبدال فكرة بفكرة، ونظام بآخر، وإحلال أشخاص مكان آخرين أم أنها حجر في بركة ماء آسن؟. يقول ابن نبي "إن ثورة ما، لن تستطيع تغيير الإنسان إن لم تكن لها قاعدة أخلاقية قوية"، فهل أنتج ميدان التحرير والساحات الأخرى نموذجا لإنسان يملك قابلية الانتقال من مجتمع 24 يناير إلى 25  يناير، بفكر يحمل القيمة المضافة لمصر، أو لبقية البلدان التي شهدت أوضاعا شبيهة بدرجات متفاوتة؟ لا أعتقد أن شيئا كبيرا تحقق، لأن تراكمات التاريخ لا يمكن تفكيكها بخطاب لا يتكئ على قاعدة الإقناع والبديل والواقعي المقبول، وقيم التسامح والمشاركة، لأن "من سنن الله في خلقه، عندما تغيب الفكرة يبرز الصنم" كما يقول مالك بن نبي، ولا أعتقد أنّ الناس يخرجون من أجل إنتاج نسخ منقّحة من الاستبداد ورموزه، بل لتحسين أوضاعهم، وبناء دولة الحق والعدل والقانون، لأنّ "الأفكار التي تتعرض للخيانة تنتقم لنفسها" كما خلُصَ إلى ذلك مالك بن نبي، أي أنّ المجتمع عندما يشعر أنّ أمانته لدى حكّامه قد تعرّضت إلى المصادرة والتزييف، يمكنه أن يثأر لنفسه في لحظة تاريخية، غير أنّ هذا الثأر لا يكون بصواريخ الناتو لأنّ ذلك يدخل في خانة.. القابلية للاستعمار. هكذا قرأ مالك بن نبي أحداث العرب في 2011..

 

 

نهاية العالم ليست غدا

نهاية العالم ليست غدا

 

في اليوم 21 ديسمبر 2012. يجلس نوستراداموس في زاوية مقهى باريسيّ يدخّن غليونه ويرتشفُ فنجان قهوة يمنيّة. يتأمّل عقارب ساعته المتثاقلة، ثم يسأل النادل إن تغيّرت أحوال الطقس خارج المقهى، فيقول "لا"، فيبصق في وجهه ويخرج مسرعا، وهو يصرخ في الناس "يمكنكم أن تعودوا إلى بيوتكم.. القيامة ليست اليوم، ونهاية العالم ليست غدا..".

قد يكون هذا المشهد لقطة مبتورة من فيلم لم يخرجه رولاند أمريش صاحب رائعة "2012" التي استعاد فيها منذ عامين نبوءات شعب المايا التي جعلت من 21 ديسمبر 2012 نهاية للعالم، ووضع البشرية على حافة انهيار عصبيّ يستمرّ حتى مساء الجمعة من اليوم الموعود..

إنّ العرافين والمنجمين وباعة الوهم والأكاذيب، في بلادنا، يخرجون هذه الأيام من جحورهم بعد بيات شتويّ ليطلقوا نبوءاتهم في كل الاتجاهات، وهي كما عهدناها، تبشير بكوارث وفواجع ومآسي. وينتظر الناس عرافات القنوات الفضائية وقارئات الكفّ، ليعرفوا أيّ مصير يكون للفنان فلان والممثلة فلانة، والرياضي علاّن والصحفية علاّنة، ولا يسأل كثير منهم عمّا سيحمله العام الجديد للعرب بعد عام من الغليان والثورة، وأيّ مفاجآت سيحملها لكل بلد، وهل سيطلق الشارع العربي لحيته كما كان عليه الوضع في صناديق الاقتراع أم أنّ الشارع سيخرج شاهرا مقصّه ليحلق اللحى ويقرّب الجلابيب من الركبة (..) ويرفع شعار الراحل الطاهر وطّار "لا إكراه في الرأي".. ولو كان خاطئا.

سيطلع تجّار الوهم والخرافة ويُخرجون لنا آيات من القرآن وأحاديث من السنة ومأثورات وردت على ألسنة السلف الصالح، ويقولون بثقة "إنّه الحقّ"، ثم يزفّون لنا بعض تنبؤات نوستراداموس، فيقولون لقد تحدث عن الربيع العربي وانهيار الأنظمة وإعدام الحكام، مثلما تحدث عن 11 سبتمبر وأسامة بن لادن، وانشتار العنف والارهاب على امتداد الخريطة العربية وما جاورها، وفي اليوم الموالي يقولون "مبروك.. صار للفلسطينيين دولة موحّدة القيادة، مكتملة السيادة، وأنّ نتنياهو انهار عصبيا بعد أن أفاق شارون من غيبوبته الطويلة، وأنّ مبارك زار ميدان التحرير سرّا، وأنّ بن علي أرسل برقية تهنئة للغنوشي الثاني معتقدا أنّ وزيره الأول الغنوشي الأول ما زال يحكم.. وأنّ الأسد خرج إلى ساحة السبع بحرات يدخّن غليونا، وأن علي صالح زار صعدة وتصالح مع الحوثيين، وأنّ سيف الإسلام اقترح معرفة قبر والده مقابل اعترافه بثورة 17 فبراير، وأنّ إيران تعرّضت لإنزال جويّ اسرائيلي فاشل استهدف منشآتها النووية، وأن دولة جنوب السودان اقترحت على عمر البشير الوحدة بعد الانفصال، وأن الأوروبيين دفنوا عملتهم، اليورو، في مقبرة ماستريخت، وأنّ ستّ حكومات أوروبية أسقتها أزمة اليورو، وأنّ بوتين قال للأوروبيين تلك لعنة الاتحاد السوفياتي، فككتموه ليأتي عليكم الدور، وأنّ دولا خليجية عرضت على أوروبا شراكة مالية لإنقاذ اليورو بعد فوات الأوان، وأنّ فضيحة سياسية تهزّ أركان حزب أردوغان، وأنّ الظواهري اقترح على قادة وزعماء الأحزاب ورؤساء الحكومات ذات الأغلبية الإسلامية الانطواء تحت مظلّته ومبايعته أميرا عليهم تكريما لبن لادن، وأنّ أوباما اعترف بأنه أخفى إسلامه حتى لا يؤلّب الأمريكان ضدّه وأنه ينوي أداء العمرة، وأنّ ميسي سيلعب لريال مدريد مقابل 800 مليون يورو فقط (..)، وأنّ كريستيانو رونالدو يقاطع بطولة أمم أوروبا بأوكرانيا وبولندا 2012 بسبب خلاف مع اتحاد الكرة البرتغالي، وأنّ إحدى جوائز نوبل تمنح لشخصيّة عربية خليجية، وأنّ علماء العرب يهاجمون القائلين بأن نهاية العالم ستكون يوم الجمعة 21 سبتمبر..وأشياء أخرى تدخل في دائرة استعباط الخلق..

لقد قرأتْ المنجّمة الشهيرة مدام صولاي (السيدة الشمس) الفرنسية أيدي عشرات الساسة، واطمأنوا جميعا لها ولما كانت تقوله لهم، وعادوا إلى بيوتهم مقتنعين أن الشمس ستطلع من جهة الغرب (..) وأنّ كراسي السلطة لن ينالها غيرهم، ولكنّهم، في اليوم الموالي، يغرقون في بئر الخيبة، يد فارغة وأخرى لا شيء فيها، ولا يقولون إنّ مدام صولاي أخطأت، بل يرمون كلّ اللوم على إبليس والحظّ التعيس.

هكذا هو العالم. يفرح صباحا بولادة الطفل الأوّل في المليار (البليون) السابع من البشر، ويحتفي باكتشاف كوكب توأم للأرض، أطلق عليه اسم (كيبلر 22 ب)لا يبعد عنها سوى بمسافة 600 سنة ضوئية (السنة الواحدة تساوي 9.460 بليون كلم).. ويعتقد أنّ أخت الأرض تتوفر على شروط الحياة من ماء وأوكسجين.. بمعنى أنّ العلماء يبشّرون بفتوحات علمية، ولو بدت مستحيلة التحقيق، على المدى القريب أو المتوسط.. ويمكن أن تفكّر فيها الأجيال القادمة حين يصل تعداد سكان الأرض 36 مليار (بليون) نسمة.. وهو أقصى ما يمكن أن تسعه أمّنا الأرض كما قال مالتوس. فلماذا يستعجلون نهاية العالم، ويجعلون سيّد العطور ومصمم الأزياء الفرنسي باكو رابان يتنبأ في كتابه "نهاية الأزمة" أن باريس ستنمحي من على وجه الأرض في 11 أغسطس 1999، وانتظر الناس قيامة باريس، لكنّ شيئا لم يحدث، واعتذر باكو عن شطحته العلمية الفاشلة، ليقول له الناس "أفضل لك أن تصمم ملابس فاخرة، على أن تصمم تنبؤات ساخرة..". والآن هل تريدون أن أكتب لكم عن النيزك العظيم الذي سيصطدم بكوكب الأرض في العام 2028؟.. لا مزيد من القلق والحيرة..

 

الخوف من عقل لا يفكر..

الخوف من عقل لا يفكر..

 

لا يمكن لأي تغيير أو إعادة تشكل في الوعي أو البنية الفكرية أن يتم خارج حدود العقل البشري. فكل شيء منوط بالإنسان الذي يمتلك قدرة التفكير والتصور وصناعة الحضارة.

وإذا تأملنا مسار الإنسان عبر التاريخ نلمس حالة من تصاعد الفكر التنويري وبروز حالة موازية هي الفكر التدميري، وليس أدل على ذلك من أن الفضاء المتوسطي مثلا، وهو الفضاء الأكثر إنتاجا للمعرفة والحضارة، يظل الفضاء الأكثر إنتاجا للحروب والصراعات عبر التاريخ، ولا غرابة أن نجد هذه البحر بضفتيه يقدم للعالم لدى الإغريق شاعرا عظيما مثل هوميروس ويقدم أيضا محاربا عظيما هو الإسكندر المقدوني، ونجد لدى الرومان فيرجيل الشاعر مثلما نجد نيرون الذي أحرق روما، ونجد في إفريقيا فيلسوفا كبيرا مثل القديس أوغسطين مثلما يذكر التاريخ قائدا عسكريا عظيما هو حنبعل، ونجد أيضا فيلسوفا عقلانيا هو ابن رشد وقائدا عسكريا هو طارق بن زياد.

لا نختلف اليوم في أن كثيرا من الأدبيات التي تنتجها مخابر الفكر الإنساني شرقا وغربا تحمل كثيرا من مؤشرات الإخفاق في الإرتقاء بالحالة الإنسانية إلى مستوى فهم ما يحدث من شروخ واهتزازات، فمن قائل بنهاية التاريخ وسيادة قوة معينة، وفي هذا اعتداء على العقل، وقدرة الإنسان في إعادة صياغة قيم ومفاهيم مغايرة تتأسس على منظومة القيم الثابتة، كالحرية والعدل والتسامح والحق في الاختلاف، والحاجة المستمرة للتنمية. ومن قائل بصدام الحضارات وفي هذا قصور في الرؤية التي تحدد طرفي صراع فيما أن العالم يدرك أن هذين الطرفين وأطرافا أخرى تواجه انحرافا خطيرا في سلوك جماعات بشرية بجنوحها نحو العنف والإرهاب، وهي ليست نتاج فكرة دينية أو إيديولوجية فحسب، إنما الحاجة إلى تفكيكها وفهم أسباب ظهورها وانتشارها وسبل مقاومتها والحد منها، سيكشف أن تعاطي الإرهاب ليس مقرونا بأمة دون أخرى، أو دين دون آخر.. وبالتالي فكل الحضارات تدفع فاتورة الاختلال في الوعي والممارسة. ومن هنا، جاءت أفكار أخرى تدعو إلى تحالف الحضارات، وتفاعل الحضارات، وتصالح الحضارات.. وكلها تحمل دلالات الوعي بحتمية بناء جدار حضاري واحد للوقوف ضد تغوّل هذه الآفات البشرية التي أجزم أنها لا تختلف عن الأوبئة التي تقلق راحة الإنسان اليوم من جنون البقر إلى أنفلونزا الطيور والخنازير.

إن حوار الحضارات الذي وجدت الأمم والشعوب نفسها تتجه إليه اليوم مكرهة رغم اختلال الموازين، محكوم عليه بأن يجيب عن أسئلة تتكرر كل يوم، أسئلة مليئة بالمفارقات تتلخص في أن اليد التي ضربت دار السلام إحدى العواصم الفقيرة هي التي ضربت نيويورك إحدى عواصم الثروة والتفوق، واليد التي فجرت محطات سكة الحديد بمدريد ولندن هي التي فجرت مطار الجزائر ومنتجعات بالي، واليد التي أطلقت صواريخها على أطفال قانا بلبنان هي التي أحالت فنادق شرم الشيخ إلى رماد، واليد التي ضربت معبد جربة بتونس هي التي أودت بحياة الوزيرة أنا ليند بستوكهولم.. واليد التي وضعت عشرات القنابل في شوارع بلفاست هي نفسها التي قتلت همرشولد، واليد التي حاولت اغتيال البابا في شوارع روما هي التي قتلت كينيدي في دالاس، واليد التي قتلت راجيف غاندي هي التي اغتالت أمه.. كثيرة هي الأيدي وكثيرون هم الضحايا.. فمهما اختلفت الأيدي فإن الإثم واحد، ومهما اختلفت لبوس القتلة فإن الجريمة واحدة.

فكل خطوة يقطعها العالم في اتجاه فهم ذاته وتحديد أسباب اختلالاته باللجوء إلى الحوار واعتماد قيمة التسامح والتعاون، يقلص المسافة بين فعل التنوير كمنطلق للوعي وفعل التدمير كمحصلة لانحراف العقل وبروز ثقافة الرفض والشك والتمرد والرغبة في التغيير بالقوة والفوضى وتعليق كل الأخطاء والخطايا على شماعة الدين وهو براء من كل تصرف تنبذه الشرائع والنواميس، ولا تقره الأمم والشعوب.

أعرف أن العالم اليوم غارق في كثير من الأدبيات من التنوع الثقافي وحوار الحضارات إلى مجتمع المعلومات وثورة الاتصال، ولكنني أدرك أن الأصل في كل ذلك، الثقافة والحضارة وصناعة شبكات التواصل، هو الإنسان، هو العقل الذي مثلما يبحث في أصل الذرة، يفكر في اكتشاف مجاهيل الكواكب والمجرات.. وهو الذي بقدر إيمانه بأن مصير الإنسانية واحد، تحول الأنانية أحيانا دون فهمه لهذا المصير. ولنا أن نسأل ونحن ندخل أعتاب الألفية الثالثة بهذه الأرمادة من الفتوحات العلمية والتكنولوجية الخارقة، كيف يمكن أن نحقق توازنا بين شمال همه الأمن وجنوب همه التنمية، وبين هذين الهمين تكبر أسئلة كبيرة في هذا العالم، منها أسئلة الحق في التنمية بما تحمله من أبعاد، كالتعليم والصحة والتعبير والتفكير وو.. لكن الاختلال الأكبر هو الحق في المعرفة واكتساب القدرة في التطور.

ورغم أن القراءة التي يقدمها كثير من الخبراء فيها مسحة من التشاؤم لاقتناعهم بأن حروب المستقبل لن تكون كما يقول البعض، من أجل الماء فحسب، إنما من أجل المعرفة. أي أن الحداثة في أعلى مستوياتها تقتضي أن تقوم حروب لتكريس الاحتكار، وأخذها بالقوة من الأمم الأخرى. فمقولة "التاريخ تصنعه القوة" ليست مقولة ساذجة، إنما هو الواقع الذي يؤكد ذلك، وبالتالي فمن يمتلك القدرة العسكرية والقوة المعرفية، كفيل بصناعة تاريخه وتاريخ غيره.. غير أنه صار يبحث عمن يحاوره لأنه خائف وخائف جدا.

 

 

أقل من ثورة.. أكبر من انتفاضة

أقل من ثورة.. أكبر من انتفاضة

طرح أمس خبراء في السياسة والفكر والإعلام، سؤالابحجم المأساة هو: هل ما نشهده اليوم انتفاضات أم ثورات؟ وكانت الإجابة إننا إزاء "شكولاطة عربية" لا هي بيضاء ولا سوداء، فلا هي ثورة ولا هي انتفاضة، لا هي تمرّد، ولا هي انقلاب.. قد تكون سلمية، لكنها لا تعدم استخدام القوة. هي بلا رأس، وقد يكون من الأغراب.. إنها منتوج عربيّ غير قابل للتسمية (..). أو ربّما هي أكبر قليلا من انتفاضة وأقل كثيرا من ثورة.. ولكن كيف حال سؤال كهذا في التاريخ؟

يخطئ من يقول إن وضع العرب غدا سيكون أفضل مما هو عليه الآن.. لأن واقع الحال لا يحتاج إلى تحميض الصورة أكثر مما تبرزه بتفاصيلها وتجلياتها، فانتكاسة بني الأحمر وسقوط غرناطة منذ خمسة قرون لا يختلف أبدا عن سقوط الجزائر في أيدي "دي بورمون" بعد أن غدر الداي بقائد جيشه يحي آغا وأحلّ محله زوج ابنته إبراهيم آغا الذي أعطى جنوده عشرة خراطيش قائلا لهم: "بهذه الذخيرة تهزمون فرنسا.. وكل أوروبا"، وسقطت الجزائر المحروسة في أيام قليلة.. دون أن تقاوم كما كان يأمل يحي آغا الذي نصبت له مشنقة بتهمة الخيانة..

والصورة ذاتها، إنما بتحميض ملوّن، وقعت ببغداد التي اكتشف العالم أنها مدينة دون أسوار وبلا جيش، دخلها الأمريكان وحلفاؤهم غير مصدقين، وتحدث الناس في العلن عن خيانة، وفي السر عن صفقة، وفي شرم الشيخ عن ترتيبات لا يفهمها إلا الراسخون في السياسة..

وبين غرناطة وبغداد، مشاهد نكبات وانكسارات وهزائم، يمكن أن تفسر سياسيا بانتفاء الشرعية، وأخلاقيا بتفشي الفساد، وحضاريا ببلوغ الحد الأقصى من الشعور بمسؤولية قيادة العالم (..)، وهكذا حدث الانكماش الكبير الذي جعل العرب يقتنعون أنهم ليسوا أكثر من عشرين دولة يحدها شرقا الماء، وغربا الماء وشمالا الماء، وجنوبا.. الصحراء، إنما يتحكمون ـ ولو جغرافيا ـ في المنافذ الحيوية للعالم من جبل طارق، حتى خليج عُمان، مرورا بقناة السويس، والعقبة، وباب المندب.. وينامون على رُبع احتياطي العالم من النفط، إنما لا يمتلكون ربع قرار سيادي في الداخل، كما في الخارج.

وإذا كنا من أنصار المنهج التبريري فإننا سنقنع أنفسنا بأن ما يحدث من صراعات بين البلدان العربية سببه الاستعمار البغيض جدّا (..)، وهو كالعادة المشجب الذي نعلّق عليه عجزنا، وهو أيضا قميص عثمان، وفي أحسن الأحوال الذئب الذي اتهموه بأكل يوسف وهو بريء من فعل إخوته (..)، فلماذا الإبقاء على "حجة الاستعمار" كحالة تبرير دائمة، مثيرة للتشنج ومسببة للاحتقان، ما دامت المسافة بيننا وبين هذه "الاستعمارات التقليدية" صارت أبعد ما يكون التفكير فيها.. ولم تعد الأجيال الجديدة تفهم حديثا من هذا إلا في التاريخ؟، ولكن يبدو أن المفكر مالك بن نبي عندما أطلق مقولته الشهيرة "القابلية للاستعمار"، كان مدركا لأبعاد ذلك بتفكيكه العقل العربي تفكيك العارف بخباياه..

فالمبرر إذن لم يعد مقنعا لكثير من النّخب، بل حتى ولو تعلق الأمر بامرأة في ريف صنعاء أو صحراء غدامس أو جبال الناظور.. لا تكتب ولا تحسب.فالمسألة متصلة بالشرعية والحرية والتنمية والعدالة.. وبعض التفاصيل.

إنّ العملة الأكثر تداولاُ في أنظمة الحكم العربية، هي إذكاء الشعور بالانتماء الوطني من خلال النّخب المتواطئة، وكثيرا ما تكون الاختلافات والخلافات (العربية- العربية) وما يتخلل ذلك من بقايا التاريخ الدّامي بين هذا البلد وذاك، ولو تعلّق الأمر بالجلد المنفوخ، مدعاة لتأجيج نار نائمة، وبالتالي فإن التخلي عن عنصر كهذا يعني أن تقوية الجبهة الداخلية لا يتم إلا وفق أنماط الدولة المؤسساتية المبنية على الشرعية الكاملة، لا الشرعية المجزأة التي كثيرا ما تكون غطاء لتصرفات غير شرعية..

إن الانهيار الكبير الذي واجهه العرب منذ نكبة فلسطين وعجزهم عن بناء نظام عربي متماسك وموحد كفيل بتفكيك الألغام الجاهزة للانفجار بين هذا البلد وذاك، هو الذي حال دون بلوغ العرب مستويات الفهم الحقيقي لمشكلتهم مع أنفسهم ومع شعوبهم ومع الآخرين.. رغم أن الشعوب، تبيّن أنها أحيانا تبدو أكثر وعيا من الحكومات، أي أن المجتمع متقدم عن الدولة.

أمّا الجامعة العربية، بيت العرب الذي لم تعد له جدران ولا سقف، فهي تأمل في زمن أمينها العام الحامل اسم نبيل العربي، لتأكيد عروبتها، بعد أن رحل عمرو وواوه (..) كان عليها أن تكون فضاء لحل المشكلات العالقة، فاتضح أنها هي نفسها بحاجة إلى إصلاح واقعي وعميق يمكنها من أن تنشئ، وهو الحد الأدنى، محكمة عربية للفصل في نزاعات الداخل والخارج لمنع الغرباء من حشر أنوفهم في المطبخ العربي، غير أنّ أسئلة الواقع هي كم يلزم من الوقت ليكون للفلسطينيين دولة، ومتى تعالج مسألة الصحراء الغربية، وليس للجامعة موطئ قدم فيها (..)، ومتى ترتاح البلدان العربية كلّها من متاعب الحدود، والأمن والإرهاب، والطائفية، والولاءات القاتلة؟ فأينما وليت وجهك عربيا فثمة أزمة، وألغام سياسية مزروعة شرقا وغربا..

إن لم يكن هناك حدّ أدنى من التضامن العربي فابشروا باستنساخ لجيل جديد من ملوك الطوائف.

 

أطفالنا.. هل يعرفون أبوليوس؟

أطفالنا.. هل يعرفون أبوليوس؟

لا شك أن أساس النهضة السليمة تقرره النخب الوطنية التي تمتلك قدرة في الاستيعاب والتحليل والتصور والتنفيذ، ولا يمكن تصور بلد مثل الجزائر مفتقرا إلى هذه الكفاءات التي تنتشر عبر العالم مؤكدة تفوقها وإبداعها في مختلف الميادين.

وأذكر أنني شاركت قبل سنوات إلى جانب الدكتور الأعرج واسيني في لقاء دعا إليه وزير التربية السابق نور الدين صالح ضم نخبة من الخبراء الجزائريين في مختلف المجالات الفكرية والأدبية والعلمية والدينية إلى جانب أعضاء من اللجنة الوطنية للمناهج، وأقيمت ورشات للتشاور انتهت بتوصيات أهمها ضرورة الاهتمام بالأدب الجزائري والتنسيق مع الهيئات المشتغلة في هذا الحقل.. لكن يبدو أن الهيئات التي أشرفت على وضع الكتاب المدرسي لم تكلف نفسها عناء البحث في مؤلفات الكتاب الجزائريين وهم يعدّون بالمئات لانتقاء نصوص تتناسب وأطوار التعليم المختلفة.. ورغم أنه عقدت لقاءات محتشمة مع بعض الأساتذة الذين أوكلت لهم مهمة وضع النصوص ومعالجاتها البيداغوجية فإنني شخصيا لم ألمس ما كنت أتمناه ويتمناه غيري من الكتّاب لصالح المدرسة الجزائرية..ولا أعتقد أن الوزير أبو بكر بن بوزيد لن يكون معتزّا بكتاب يحفل بأسماء جزائرية.. وقد رأيت اهتمامه كبيرا عندما فاتحته في الأمر منذ أيّام.

إن ما دفعني إلى كتابة هذا المقال هو كوني اطلعت على الكتاب المدرسي في عديد البلدان وكانت الغلبة فيها للنصوص "المحلية والوطنية"، ولا أتصور مدرسة في غواتيمالا أو أوغندا أو بنغلاديش أو كندا أو بولونيا أو لبنان تعطي الأسبقية لكاتب جزائري في برامجها الدراسية ولو كان حائزا على جائزة نوبل.. بينما نقوم نحن بذلك ليس بدافع البحث عن النص الأفضل ولكن يؤسفني أن أقولها بمرارة.. نتيجة عدم اهتمام القائمين على ذلك بالأدب الجزائري الذي يتوفر على نصوص راقية جدا، وعدم متابعة لما ينشر سنويا من إصدارات فكرية وأدبية.

إنني لا أتصوّر مجتمعا مشهودا له بالحيوية وقدرة الانتقال من الحالة المغلقة إلى الحالة الأكثر اتساعا كالمجتمع الجزائري، عاجزا عن إدراك الأفكار الجديدة التي تعطي دفعا إيجابيا للمدرسة وتحرر عقل التلميذ أكثر بما يتناسب ورغبة الوصول إلى مستوى من النهضة والتنمية لتجاوز إخفاقات الماضي، وهي في مجملها إخفاقات معرفية بالدرجة الأولى. وإذا كان الخبراء الجزائريون قد أشبعوا ملف المنظومة التربوية نقاشا وتحليلا ووصلوا إلى ما وصلوا إليه من تصورات وحلول، فأعتقد أن الذي أغفله هؤلاء في زخم نقاشاتهم هو روح المدرسة، وملح مناهجها، وأعني بذلك الجانب الثقافي والفكري والإبداعي، إذ أن التفكير اتجه بصورة آلية  نحو تخليص المدرسة من بعض الترسبات ذات اللبوس السياسية.

إن عدم إيلاء الثقافة أهمية كبرى في المنهج الدراسي، والاكتفاء بالقليل، يعني عـزل هذا الفرد عن تاريخه وتراثه وهويته.. فإن لم ينشأ هذا التلميذ منذ الأطوار الأولى للتعليم على رموز بلده الثقافية والفكرية والفنية والأدبية فماذا تفيد معرفته لها بعد أن يكون على أبواب التقاعد؟، إن لم يعرف هذا التلميذ أبوليوس والقديس أوغستين وابن رشيق، وابن خلدون والشاب الظريف، وأبو الفضل النحوي، والمغيلي والمقّري وعلماء بجاية وورجلان وتوات وتلمسان وغرداية وبسكرة.. وكلهم أثروا المكتبة الإنسانية بآثارهم في مختلف الآداب والفنون. وإذا لم يعرف التلميذ الجزائري حمدان خوجة، وسليمان بن صيام الرحالة المجهول، والذي عرفني به، مستشرق انكليزي منذ سنوات، وكذلك رواد الإصلاح الديني وباعثي الحركة الصحفية والمسرحية منذ عشرينيات القرن الماضي.. وإذا لم يعرف التلميذ الجزائري سي محند أومحند ومبارك جلواح ورمضان حمود ومفدي زكريا ومحمد العيد وكاتب ياسين ومالك بن نبي، ومحمد ذيب، وأبو القاسم سعد الله، ومحفوظ قداش، ويحي بوعزيز، ومالك حداد ومولود معمري، والطاهر وطار، ورشيد بوجدرة وعبد الحميد بن هدوقة، وعبد الله الركيبي، ومرزاق بقطاش وواسيني الأعرج وأجيال من الكتاب والمبدعين المتألقين الذين تجاوز عددهم الألفين منذ الاستقلال، ممن لهم إسهامات جادة في الحياة الثقافية الوطنية والعالمية.. فهل سننتظر من هذا التلميذ أن يبني هويّته من فراغ؟.

إننا لا نريد أن نحرم التلميذ الجزائري من معرفة أدباء وكتاب عرب وأجانب.. لكننا نريده بالمقابل أن يكون عارفا ـ على الأقل- لا ملما، بأدباء بلده ورموز أمته في الفكر والإبداع، من خلال المناهج الدراسية التي لا نريدها أن تكتفي بـ "أدب المقابر" ويكتفي التلميذ بتعريف متواتر هو "ولد.. و توفي "، بينما نرى أعمال أدبائنا وهم أحياء تدرس في جامعات عالمية، في حين أنهم مجهولون في الداخل أو أنهم معروفون في أوساط إعلامية فقط.. ولنا في هذا كثير من الأمثلة التي تشعرنا بالفخر هناك وبالخيبة هنا..

وأذكر أنه عندما فاز نجيب محفوظ بجائزة نوبل في العام 1988 تحول من مجرد أديب إلى بطل قومي يعتز به المصريون مثلما يعتزون بالنيل والأهرامات.. وهذا يكشف عن شعور كبير بالانتماء، واعتزاز بحضور الأدب العربي في فضاء الأدب العالمي، ولعلنا بحاجة إلى هذا الشعور لأنه يعمق الوحدة الوطنية ويسهم في تهذيب الذوق وزيادة المقروئية بما يقلص نسبة عدم الإقبال على الكتاب كمصدر أساس من مصادر المعرفة..

وخطأ أن تكتب.. خطيئة أن تنسى

 

محمد سامي.. طفل الدهشة

محمد سامي.. طفل الدهشة

كان عليّ أن أخبئ هذه اللوحة في مكان لا تصل إليه العفاريت، ولا أعرضها على غيري خوفا من أن تمتد إليها يد الآثمين أو اللصوص ليلا فأفقدها إلى الأبد.. فأوصدت الأبواب وأحكمت إغلاق الشبابيك خوفا من ريح عابرة تتلف ألوانها، وأطفأت الأضواء حتى لا تلتفت إليها الفراشات فتتملكها الغيرة.. ووضعت عليها تمائم جلبتها عرافة الحيّ من حيث لا أدري..

 إنها لوحة غير عادية، أسميتها "الجياد المفجوعة"، ولا أعرف أي اسم أطلقه عليها محمد سامي الطفل الذي يلاحق الأحلام الهاربة..

كنت أمنّي النفس بتحفة متفردة لتكون غلافا لعمل أدبيّ قريب من وجداني، وأبقيت على أمر لوحة المبدع المتألق محمد سامي طيّ الكتمان إلى أن استكملت ترجمة روايتي "اعترافات أسكرام" إلى اللغة الفرنسية كوني وجدت كثيرا من الأصوات تطلب مني ترجمتهاإلى لغة أخرى لتصل جمهورا آخر من غير عشاق العربية.. وكان ذلك. وعندما شرعنا في توضيب وتصميم النص، أخرجت لوحة محمد سامي أمام دهشة الفنيين الذين قالوا لي "أين عثرت على هذه التحفة؟.." فأجبت بثقة عالية "إنها هدية من صاحبها.." ولم أكن اتصلت بمحمد ولم أطلب منه إذنا باستخدامها، لكنّ شعورا ما كان يراودني بأن صاحبها لن يمانع.. لأنه عندما شرع في إنجازها في العام 2006 كان يخبئها في زاوية ما من وجدانه لكاتب لا يعرفه.. وفي يوم الفصل النهائي في حجم الكتاب وشكل الغلاف، قلت لمن معي "امنحوني ليلة لأعطيكم إذنا بالطبع أو تغيير الأمر كله.." ورحت أبحر في فضاءات "غوغل" بحثا عن محمد سامي وما أعز الأسامي، ولم يطل البحث كثيرا حين توقفت طويلا في موقعه، وأعدت مشاهدة إبداعاته "المجنونة" حيث استوقفتني كثيرا بعض اللوحات التي ما كان لها لتكون لو لم يكن صاحبها من سلالة سومرية طالعا من عباءة الحلاج وممتطيا صهوات أحصنة المتنبي..

بدا لي أن محمد سامي مبدع قادم من كوكب آخر، لما يتسم به من قدرة فائقة في العبث بالألوان، وهي حرفة لا تتأتى إلا لمن أصيبوا بمسّ التفرّد والتجاوز.. فهو أشبه بمن يحرك يديه أثناء الحلم ليعيد صياغة رؤاه الطالعة من قبيلة عربية مفجوعة أو هوية متشظية أو تاريخ يقاوم الريح أو إنسان تبتلعه المنافي..

 إن قوة التخيّل، والقدرة في تمثّل الأشياء، وتوجيه الريشة في أبعاد مفتوحة أو مغلقة، بدقة متناهية، لا يمكن أن يكون إلا بفعل موهبة تختزن رغبة في تغيير العالم، ولغة الألوان.

إن محمد سامي، الذي يدرك أن حوله عالم متغير، يسعى لأن يكون الثابت برؤيته للعوالم الصغيرة، ويمنح الناس لحظة من التأمل والفرح والدهشة، وربما يكتفي بابتسامة طفل عراقي المنبت، عربي الروح، إنساني الإبداع، ويقول "ماكو ألوان.. ماكو إنسان"..

بالرغم من أنني لست ناقدا تشكيليا، إلا أنني من الذين ينجذبون لإبداع فيه مسحة التفوق والتجديد، وفيه شيء من الحداثة التي لا تلغي التراث، وهو ما جعل أعمال الفنان محمد سامي تستوقفني كثيرا، وتدعوني إلى قراءات فيها من الإعجاب ما يطغى على محاولة البحث في فلسفة فنان نجح في هدم العلاقة بين اللون والحركة، بين الفكرة والتشكيل، بين المتخيل ودهشة المتلقي، ونجح أيضا في التأسيس لفن يأخذ الهويّة الكامنة في أعطاف الروح إلى عالم أرحب.. وبذلك يأخذ موقعه كفنان متميز، مكتمل الرؤية، يقيم جسرا حالمًا بين المسحة السريالية والبعد التراثي ضمن ما يسميه بـ"الدّخانيات".. ورغم أن من صفات الدخان التلاشي في الكون، إلا أنّ كونَ محمد سامي يظل محاصرا بقدرته الفائقة في الإمساك بخيوط الدخان وتطويعها كيفما أراد، فيصنع منها عوالم المحبة والخير والفرح..

وإذا كان بعض المولعين من النقاد بإقامة خانات وتصنيفات، يربطون تجربة هذا بذاك، ويحشرون هذا في زمرة آخرين، وينتقصون من جهد هذا لحساب ذاك.. لا أعتقد أنه يضيف شيئا لسيرة أو مسيرة فنان مطبوع، مؤمن بما يقدمه من أعمال فيه ما يكفي من حق الناس عليه في الثناء وذكر الفضل، فمحمد سامي الذي امتدح نقاد وكتاب متخصصون تجربته المتفردة، لم يثرهم فضول عابر، ولا كتابة مجاملات، ولكن هزّهم العمق الذي يميّز أعماله، فهي ليست ضربة في الفراغ، ولكنها إبداع خالص تشتهيه العين وتنجذب إليه الروح..

هكذا رأيت وأرى وسأرى محمد سامي الفنان الذي وُلِدَ غدًا..

 

يا ناس.. جائزة لوجه الله

يا ناس.. جائزة لوجه الله

يبدو أن نوبل 2011 (الآداب أو السلام) ستؤول إلى العرب، ولو فكّرت لجنة أوسلو في غير العرب لكانت خارج السياق التاريخي (..) لأنّ جغرافيا الأحداث تفرض ذلك، هكذا يتوقّع خبراء الجائزة، بالنظر إلى توجّهاتها.. السياسية.
 منحت في العام 1988 للراحل نجيب محفوظ تتويجا لمرحلة من الصراع العربي الاسرائيلي، ولمواقف كاتب قال لي في حوار أجريته معه بعد أيام من نيله الجائزة "إنني مع السلام والتنمية والعيش بأمان مع كل الجيران.." ومن يومها لم يعد للعرب صوتٌ أدبي يصلح، وإن تعددت الأصوات التي تسمع في كلّ مكان إلاّ في أوسلو، المدينة التي سُمع فيها صوت تفجيرات أقدم عليها شاب أشقر متطرّف يكره العرب ودينهم.. فهل سيكون نصيب العرب هذه وافرا بمنحهم جائزة نوبل بعد أن أخذوها مناصفة من أجل السلام (السادات وبيغين) و(عرفات ورابين)، ومن أجل عالم دون ذرّة (البرادعي ووكالته) أو لأنّ الباحث في الكيمياء أحمد زويل نصفه عربي ونصفه الآخر أمريكي.. (ونالتها مثالثة النشطة الحقوقيّة اليمنيّة كرمان متوكّل) وما دون هؤلاء، صفر على الشمال.

هذه المرّة، بدأ اسم أدونيس ينبعث من مقابر النسيان. فالرجل ينتظر كلّ عام انبعاث الدخان الأبيض من قبّة  أوسلو، دون جدوى. فهم يعدونه كلّ مرّة، ويخلفون وعدهم، ويمنّونه بالجائزة الأكبر في العالم، فيسقط ذلك في الماء. وأمام وعود عرقوب الأسكندنافي، ينقلب أدونيس على عقبيه باحثا عن جائزة أخرى.. وإذا لم يأخذها هذه المرّة، فليس له أن ينتظر، وهذا العمر يجري سريعا..
 أذكر أنني سمعتُ من كاتب عربي في المهجر قبل سنوات أنّ المُفكر إدوارد سعيد قال في تصوير كاريكاتوري عن حال أدونيس والجائزة "سيظلّ يطارد نوبل حتى يأخذها من..". أمّا هذه المرّة، فالأمر  مختلف، فربّما تتناغم لجنة نوبل مع الربيع العربي لتزيده زخما بمنح جائزتها لاسم كبير، ولو إعلاميا، قد يكون أدونيس، أو إبراهيم الكوني، أو علاء الأسواني، أو كما اقترح بعضهم رسام الكاريكاتير فرزات.. لهذا فإنّ ربيعَ  الشعوب قد ينعشُ خريف الأدباء..
لا يعنيني أدونيس، مع تقديري الكبير له، فله أن يواجه تاريخه الثقافي والفكري والسياسي أمام جمهور يعرف عنه ما يكون نسيَه أو تناساه.. وله في ذلك قائمة تحفلُ بها المنتديات (..) لكن لا يمكنني أن أُنكر، ما تفطّن إليه نقّاد متمرّسون في خبايا الجائزة، من أنّ يدًا خفيّة في ستوكهولم دسّت  قصيدة أدونيس "قبر من أجل  نيويورك" التي كتبها في العام 1971 في ملفه بدعوى أنه لا يختلف كثيرا عن بن لادن والزرقاوي بالتحريض على تدمير نيويورك وإحالتها إلى مقبرة، هي يد الموساد الثقافي (..).. وهو ما فعلته جماعة محمد عطا يوم 11 سبتمبر 2001، فأدونيس لا يعدو في عيون الدوائر الصهيونية المتطرفة أكثر من شاعر محرّض على الإرهاب (..) من بلد "يدعم الإرهاب ويؤويه"، ينتمي لأمة لا تنتج سوى "التطرف والإرهاب ومعاداة السامية"، فهل بعد هذا كله يحق لأدونيس أن يحلم  بجائزة منحت لنجيب محفوظ أيام الإسلامبولي، وقبل أن يظهر.. الظواهري؟.

لا أعرف أدونيس شخصيّا، لكنني حضرتُ أمسية شعرية له في معرض الكتاب بفرانكفورت 2004، ورأيتُ يومها  رجلاً منظّرا في الفكر والإبداع، يستخدم أسلوبا فلكلوريا في قراءة أشعاره، إذ أنه يستعين بعازف عود، وليكن نصير شمة، وبأصوات مطربات يؤدّين كلاسيكيات الطرب العربي.. واللهم لا شماتة، فأنا أقرأ أدونيس شعرا ونثرا.. وأتابع حواراته في الفضائيات الفرنسية وإن بدا فيها غير مبهر  مثلما يكتب.

لا أعرف لماذا أجد شبها كبيرا بين أدونيس والروائية الجزائرية آسيا جبار.. فكلاهما يسعى لبلوغ أي جائزة  عالمية.. حتى ولو كانت نوبل للآداب (..) فإذا كان أدونيس تنازل عن اسمه الأصلي بطلب من المفكر أنطوان سعادة كما جاء في بعض الأدبيات، فإنّ آسيا جبار تخلّصت هي الأخرى من اسمها الأصلي فاطمة الزهراء إيملاين حتى لا تزجّ باسم عائلتها في متاعب مع السلطات الاستعمارية. أصدرت روايتها الأولى "العطش" في العام 1957،  وشقت طريقا فيه شيء من النضال، والبحث عن الذات، والدفاع عن المرأة، فنالت الجائزة الدولية للنقد المسرحي  تلتها جائزة أخرى في بلجيكا، قبل أن تنال جائزة معرض فرانكفورت للكتاب الدولي 2004، وظهور اسمها ضمن مرشحي جائزة نوبل 2004، ثم انتخابها عضوا في الأكاديمية الفرنسية، وهو ما لم يحققه إلا القليل من أبناء  المستعمرات القديمة..ومنها الجزائر التي لم يفهم الناس فيها سبب اختيار فرنسا الذكرى الخمسين للثورة الجزائرية ليصدر برلمانها قانونا جديدا عنوانه "الجوانب الايجابية للاستعمار" ومنذ متى كان الاستدمار.. مفيدًا؟..

التقيت صحفية جزائرية وسألتها إن حضرت معرض فرانكفورت بألمانيا الذي دعي إليه العرب ضيوفا للشرف، وكنتُ إلى جانب رشيد بوجدرة حاضرين، فقالت لي: "كنت موجودة.. إنما حضرت من أجل آسيا جبار لأنها كانت مرشحة لجائزة نوبل للآداب، وكانت مدعوة لمعرض فرانكفورت"، قلت للصحفية: "وهل كنت تتوقعين فوزها؟ "، أجابت باستغراب: "طبعا، وهل كان لك رأي غير ذلك؟"، قلت باستغراب أيضا: "طبعا، وهل يكون لي رأي غير الذي أعرفه؟ " قالت: "وما هو؟ "، أجبتها  ببساطة: "لن تمنح الجائزة لأي كاتب لا يكتب بغير لغته، واللجنة ما كانت لتمنح نجيب محفوظ الجائزة لو أنه كان يكتب بغير العربية، وأعتقد أن هذا من معايير الجائزة غير المعلنة " فانتبهت المسكينة إلى ما قلت وقالت: "ربما..".

ليس هناك من يشك في موهبة آسيا جبار وقدرتها الفائقة في صناعة أعمالها الروائية وجعل هالة الإعجاب حولها تكبر باستمرار، لكن لا أظن أن ذلك يكفي لأن تمنح جائزة نوبل  حتى ولو لم تكتب رواية " قبر لنيويورك " مثلا.. وهي التي تدرس بإحدى جامعات فرنسا غير البعيدة عن.. نيويورك، فالمعايير لا يعرفها الجميع، لأنّ حسابات الدكاكين لا وجود لها في.. أوسلو.

صديق قال لي "سأحمل لافتة في شوارع أوسلو وستوكهولم مكتوبٌ فيها لوجه الله أعطوهم الجائزة.." ثم قال لي بخبث: "أخشى أنّ من يغير اسمه.. يغيّر جلده "..

 

أنجع طريقة لفوز الريال على برشلونة..

أعجبني تعليق طريف لأحد عشّاق الكرة إذ قال ''كرة القدم لعبة سهلة جدّا، يتبارى فيها اثنان وعشرون لاعبا لمدّة تسعين دقيقة، ويكون الفائز دائما.. برشلونة''. ولكنّ الفارق أنّ ريال مدريد في أيّام عزّه كان يربح مرّة ويخسر أخرى، أمّا في السنوات الأخيرة، فسقط في فخ برتغالي رهيب، يسعى من خلال البحث عن فوز وحيد في أي كلاسيكو إلى تدمير روح الريال (..) فالذي تابع مباراة ذهاب الكأس، يكون لاحظ كيف أنّ مورينيو جعل لاعبيه يتراصّون أمام حارس مرماهم، مما أنهى المباراة بسيطرة تفوق 73 بالمائة، مع تقديم صورة غير أخلاقية بفعل التصرفات غير الرياضية لبيبي وكونتراو وتشابي ألونسو وكارفالو. ورغم هذا فإن إدارة الريال تقنع نفسها باستمرار أنّ مورينيو ما زال يصلح لقيادة النادي الملكي، وهو الذي وعد بإيقاف التفوق الكاتالوني.

فساد بدرجة خمسة نجوم..

إقامة حفل خرافي في قصر زيوريخ، توزّع فيها الجوائز على أفضل نجوم الموسم، بحضور عشرات الشخصيات الرياضية العالمية، لن يكون الغربال الذي يغطي عورة الفيفا ويكشف فضائحها التي لا تنتهي..

طرائف من سيرة كرمالي

صار اسمه الشيخ منذ عشرين عاما أو يزيد.. أي بعد أن امتد البياض إلى رأسه، ولم يكن حينها في ملاعب الجزائر مدرّبون ذوو صلعات براقة، إلا إذا استثنينا الراحل مختار عريبي، أو ذوو الشعر الأبيض الوافدين من روسيا أو يوغسلافيا أو رومانيا أو ما جاورها من بلدان في إطار اتفاقيات التعاون الرياضي بين دول المعسكر الاشتراكي والجزائر المستقلة..

11 حدثا لا ينثى في 2011

استوقفني أحد عشر حدثا رياضيا وطنيا وعالميا في العام .2011 يمكن أن يشاطرني بشأنها القراء والمهتمون، أو يختلفون معي.. أوجزها فيما يلي:
1 ـ فضائح الفيفا التي كادت تعصف بعرش بلاتر، حين انتشرت في أرجاء قصر زيوريخ رائحة الفساد والرشوة وبيع الذمم، فسقطت رؤوس هشّة، وألحقت بكبير الكرة في آسيا محمّد بن همّام الذي يكون، حسب بعض القراءات، كبش محرقة، لإبعاد قطر عن شبهة اللعب تحت الطاولة لكسب أصوات الهيئة التنفيذية للفيفا بقصد تنظيم مونديال .2022 ورغم محاولة لملمة الوضع، فإن حكومة كرة القدم العالمية، لم تسلم من الانتقادات الحادة..

لماذا يعشق الناس الكلاسيكو؟

يؤجّل العالم، هذا اليوم، ساعتين من وقته ليشاهد أقوى مباراة كرة على الكرة.. الأرضية (..). فلا حديث عن أزمة اليورو، ولا عن فضيحة هافيلانج، ولا عن الشبيحة في سوريا، ولا عن الجنزوري وميدان التحرير والسلفيين، ولا انتخابات روسيا، ولا اكتشاف كوكب شقيق للأرض يبعد عنها 600 سنة ضوئية فقط (..). فالعالم مشدود إلى ملعب بيرنابيو الذي يتحوّل إلى معركة بين نجوم البلاي ستيشن وثيران القلعة البيضاء، بيم ميسي الذي تحدّى كريستيانو بالفوز عليه في مدريد.. وبالتالي تكون المباراة لحظة فارقة لاختيار اللاعب الأفضل في العالم، ولن تخرج عن أحدهما إلا إذا رأى العالم حاجة في تكريم تشافي اللاعب المثالي في أواخر مشواره.

ميسي يؤدّي فريضة الحج..

في العام 1991 فوجئت في بهو فندق سوفيتيل بالمدينة المنورة بالأسطورة محمد علي كلاي، فاقتربت منه وحييته، وقلت له "أنا جزائري" فابتسم، وحرّك شفتيه، وكأني به يريد أن يحييني بأحسن مما حييته.. ثم طلبت منه أخذ صورة للذكرى، فجذبني إليه، وقام بحركة رياضية وكأنه على الحلبة، وانتبه إلى أنّنا في مواجهة الضوء مما قد يفسد الصورة، فأعاد تغيير الموقع، أمام نظرات زوجته بيليندا وأحد مرافقيه، وهو ملاكم أمريكي مسلم..

الكاميرون لم يخطئ أبدا..

قبل عامين أخبرني مدرب أحد فرق الدرجة الثانية في الدوري الجزائري عن لاعب إفريقي انتسب لفريقه مدة ثلاث سنوات على أساس أنه من بوركينا فاسو، لكنّه فاجأ الجميع يوم المغادرة بقوله "اعذروني إذا أخبرتكم اليوم أنني كاميروني ولا علاقة لي ببوركينا فاسو.. فلو لم أقم بهذا ما حصلت على رخصة التسريح من فريقي الكاميروني..".

هكذا يلعبون الكرة في 2050..

طرحت مجلة رياضية سؤالا على عدد من المختصين في السياسة والعلم والسينما والأدب والرياضة مضمونه "أيّ كرة قدم في 2050؟" وتضمّنت إجاباتهم رؤى وتصورات مذهلة، كفيلة بأن تفتح المجال واسعا لنقاش معمّق حول اللعبة الأكثر شعبية في العالم.. وقد رأيت أن أنقل بعض الأفكار التي وردت في هذا الملف.

كرة + سياسة + مال = عنف

سُئل خبير رياضي عن رأيه في ميسي فقال "ليس هناك أيّ نظام كروي في الأرض يستطيع إيقاف هذا اللاعب". وهو ما دفعني إلى البحث في سر اجتذاب الكرة للملايين من  البشر.. فوقعت عيني على مقال كتبه مانويل مونتالبان في "لوموند ديبلوماتيك" قبل سنوات حول ظاهرة الكرة وتحوّلها إلى ما يشبه الدين اللائكي الباحث عن إله جديد، فيتساءل الكاتب إن كان بيرلسكوني قادرا على بلوغ سدة رئاسة الحكومة الإيطالية لولا رئاسته لنادي ميلانو الشهير بنجومه الأسطورية فان باستن وريكارد وغوليت؟

إنجيل دييغو.. وكنيسة مارادونا

 

اخترت نشر هذا المقال اليوم لسبب ستعرفونه لاحقا.

ابتدع أمريكيان حيلة درّت عليهما مالا وفيرا، وتتمثل في إنشاء شركة مهمتها بيع أراض على القمر للراغبين (..) فتهافتَ عليهما فنانون ورجال أعمال حجزوا لأنفسهم مساحات قمرية ومنحهم سندات تمليك (..) علما أن مواطنين من اليمن السعيد رفعا دعوى ضد الأمريكان بحجة أن القمر ملك لهما ولا يحق لأي كان التصرف فيه، وإن كنت شخصيا لا أعرف إلى اليوم المحكمة التي رفعت أمامها الدعوى..

ما لم يعشه السندباد

احذر مزاج قائد الطائرة؟

تعرفت على عثمان أثناء وجودنا معا في فعاليات الأسبوع الثقافي الجزائري بدمشق في أفريل 1995 وهناك اكتشفت رجلا مختلفا تماما، جزائري الطباع، حلو المعشر، ذكي الملمح، فنان بما تحمله الكلمة من أبعاد..
عندما جلس القرفصاء كما يفعل التوراق في حياتهم، كانت والدته خديجاتا على يمينه.. أغمض عينيه ليرحل بعيدا في إيقاعاته، ويحلق مع روحه دون أن يأبه بمن حضر أو من صفق له وهو يؤدي رائعته "دمعة.. دمعة".. وكان أهل الشام، وهم من أكثر شعوب الأرض ذائقة ومعرفة لأسرار الغناء، مشدودين إليه كما لو أنه جاء من الكوكب.. الأزرق.
صفقوا كثيرا، وهو ما يزال يعيد ترنيمة أغنيته في إيقاع تواتري منخفض بينما تشد أصابعه على أوتار العود كما يشد المحارب عل مقبض سيفه.. ويرسل عثمان ابتسامة عريضة تعبر عن حالة انتصار الجمال والإبداع في حضرة الصحو الفني والألق الرائع..
منذ دمشق صرت على تواصل مستمر مع عثمان بالي فكنت ألتقي به كلما كانت هناك فعالية كبرى يكون أحد صناع الفرحة فيها.. غير أن وادي جانت صنع الفجيعة وكأنه لا يعرف أن الذي جرفته مياهه هو واحد من أعظم فناني هذا القرن..

هارون الذي ضاع منّي في الخرطوم..

أحيانا يشدك الحنين إلى أحداث عشتها أو أماكن زرتها أو أناس تعرفت عليهم، فتستعيد في كل مرة تلك الوقائع، ورحلتي إلى السودان في 2005 تعد من أجمل الذكريات التي تستدعي في كل مرة استحضارها، ورواية بعض فصولها للآخرين..
اعتقدت أول الأمر أنه يمكننا أن نجلس في أي مقعد شئنا، كما هو الحال في خطوطنا الجزائرية، لكنني رأيت مسافري الخطوط المصرية وهم يبحثون عن مقاعدهم حسب بطاقة السفر، فكان حظ الكاتب سعيد بن زرقة رفيقي في رحلة السودان مقعدا في الصفوف الأولى بينما رمى بي الحظ في مقعد على الجناح الأيسر من الطائرة وبجانبي جلس مواطن مصري بلباس شعبي، لم يتحدث طوال الرحلة، وفهمت منه أنه لا يرغب في ذلك بسبب منع التدخين، في حين أنه من فئة الذين يتسببون في تلويث الرئتين.. كان بين الفينة والأخرى يسألني "وصلنا الخرطوم؟" فأجيب "لم نصل بعد.." وقبل الوصول بحوالي نصف ساعة سلمت لنا استمارات الدخول فطلب مني أن أملأ استمارته، ورحت أسأله عن الجهة التي يقصدها فقال "وانا إيش اللي عرفني.. آهي شركة إسمنت وخلاص.. وما اعرفش فين مقرها".. كان اسمه عبد الفتاح والباقي لا أذكره..

سبعة أيام دون نوم..

صيف 1999 كان متميزا بالنسبة لي، ففيه قررت التوقف عن الترحال من أرض إلى أخرى، والبقاء في البيت. هكذا قررت بالاتفاق ديمقراطيا مع أفراد العائلة.. ولكن "تسونامي" من الدعوات وصلني في يومين أو ثلاثة أيام، أما الدعوة الأولي فمن مهرجان المتوسط بإيطاليا، والثانية من الملتقى العربي والإسلامي الثوري ببيروت، ودعوة من مهرجان المحبة باللاذقية (سوريا) ودعوة من مهرجان صيادة الثقافي بتونس ودعوة أخيرة من مهرجان جرش بالأردن، في أقل من عشرة أيام، وكل مواعيدها متقاربة، ويصعب ضمان الإيفاء بها، ولو كان صاحبها ذا بساط سحري، لكنني توكلت على الله وقلت لزوجتي سأنكث عهدي هذه المرة، وأجيب بالإيجاب على كل الدعوات.. فقالت لي "إذا فعلتها فأنت السندباد". وسأريكم ما لا يفعله السندباد".
 دعوة إيطاليا وصلتني من جينو لوكابوتو مدير مهرجان البحر الأبيض المتوسط بمدينة بتشيلية الإيطالية الذي أصرّ على حضوري بهدف تكريمي بصفتي شاعرا تشغله قضايا الإنسان، أو هكذا قرأ في نصوصي التي ترجمت إلى الإيطالية.
هذه الرحلة دونتها أكثر من مرة لأنها، وردت إليّ من رجل مناضل من أجل القضية الفلسطينية، وأقام لأجلها مهرجانا فنيا وأدبيا، ودفع بلديته إلى تمويل ذلك رغم أنف المناوئين لهذا الخط السياسي الواقف مع قضية ليس من اليسير المجاهرة بالوقوف معها، لأن ذلك يعد سباحة ضد التيار..

شاعر يضحك على أمن المطار..

 أكثر الناس "رفضا" لأحقية نجيب محفوظ بجائزة نوبل  للآداب كان الدكتور يوسف إدريس الذي أعلنها صراحة أمام الملأ: " أنا أولى منه.." وتساءل الناس عن السبب الذي جعل سيد القصة العربية يخرج عن وقاره ولا يكظم  غيظه، وبدل أن يفرح الناس لفوز محفوظ  صاروا يطاردون إدريس وهكذا استطاع صاحب "الفرافير" و"النداهة" و"جمهورية فرحات" أن يقتسم الحدث  مع "سي السيد ".
كنت مدعوا إلى حضور المربد الشعري ببغداد في نهاية حرب الخليج الأولى 1988               مع وفد من شعراء وكتاب جزائريين، من بينهم أبو القاسم خمار وعياش يحياوي وعبد العالي رزاقي وبلقاسم بن عبد الله..  وكانت رحلتنا (الجزائر- باريس- بغداد) ذهابا وإيابا.. وفي عاصمة الرشيد المنتشية بانتصار ثمنه مليون قتيل، كان أبرز المدعوين الدكتور يوسف إدريس الذي منح جائزة صدام مناصفة مع جبرا إبراهيم جبرا، واعتبرها الإعلام آنذاك تعويضا له عن خسارة نوبل.

كيف تنبت لحية في خمسة أيام؟

ليت ابن بطوطة يطل عليّ من قبره فأروي له رحلاتي بين مطارات العالم فينسى حينها أنه حين بدأ رحلته على دابة شهباء من طنجة ليصل بعد سنوات طويلة إلى بلاد الهند والسند لم يشهد من المتاعب ما عشته في رحلة دامت خمسة أيام فقط.. وليت ماجلان وأحمد بن ماجد وفاسكو دي غاما يسمعون مني حكايتي التي أرويها فلا يتباهون أمام التاريخ بأنهم فعلوا ما عجز عن فعله غيرهم..

لا تصدق حلاق الخامسة صباحا..

ترددت في كتابة ما تقرؤونه، لكنني رأيت ألا أحرمكم من مقاسمتي شيئا من الذكرى الطريفة التي كثيرا ما رويتها لأصدقائي.
كان ذلك في مطلع العام 2000 حين تقرر كسر الحصار المضروب على العراق منذ حرب الخليج الثانية، فقد أقدمت بلدان عربية كثيرة على إرسال طائرات مدنية إلى بغداد تضم فعاليات من المجتمع المدني (برلمانيون، كتاب ونقابيون وإعلاميون..) كخطوة جريئة لإحراج المجتمع الدولي ودفعه إلى اتخاذ موقف مما يحدث..
ولم تكن الجزائر خارج هذا الموقف، وبادرت فعاليات كثيرة من مجاهدين وبرلمانيين ونقابيين واتحادات مهنية وكتاب وإعلاميين إلى تحديد موعد للذهاب إلى بغداد، وهكذا اتصل بي منسقو المبادرة وطلبوا مني الحضور على الثامنة صباحا بمطار هواري بومدين الدولي، وألحوا في ألا أتأخر عن الموعد.
أخبرت زوجتي، فقالت لي كعادتها "ومن يضمن وصول الطائرة إلى بغداد والعراق يحاصره الأمريكان وحلفاؤهم؟" قلت لها بلغة الفلاح الجزائري "الضّامن ربي.."، ورحت أبحث في دفاتري القديمة عن عناوين وأرقام هواتف أصدقائي في بغداد، من كتاب وإعلاميين ورياضيين، فهي فرصة لألتقيهم عن قرب.
ولأن الرحلة لن تدوم أكثر من أربع وعشرين ساعة، فليس هناك ما يحمله المسافر من متاع، وأفقت على الرابعة صباحا، فقد اعتدت على خداع عقارب الساعة لي.. وكعادتها قامت الزوجة بما تقوم به سيدة بيت تجاه زوجها المسافر، فأعدت القهوة، واطمأنت على أن كل شيء على ما يرام.. لكنها سمعت صوتي من الحمام "أين شفرات الحلاقة؟" فردت "لا أدري..". وحاولت عبثا العثور على ما يمكنني من حلق شعر وجهي، ولو شفرة مستعملة، ولكن دون جدوى.

لست السندباد..

لم يكن همّي عندما وصلت الصين زيارة ضريح ماو تسي تونغ ولا ساحة تان آن مين، ولكن حرصت على الوصول إلى سورها العظيم، وما إن بلغت المكان، نظرت إلى السّماء وأنا أقول "يا ألله أنا في المكان الذي يُرى من القمر" ثم سألت مرافقي ماذا تعني هذه اللافتة المكتوبة بخط اليد. قال لي "من وصل هذا المكان فهو بطل".. يبدو أنني كذلك.
وعندما زرت هانوي عاصمة فييتنام، اندهشت للبيت الذي ظل يقيم به القائد هو شي منه، لكن الذي شدّني أكثر هو ذلك الجزائري الذي فتح مطعما له يقدم وجبات مغاربية وعربية لشعب تربّى على الأرز ولا يعرف كيف يؤكل الكسكسي، وعندما سألته كيف جاءته فكرة اختيار هذه البلاد قال "سل زوجتي سليلة الجنرال جياب.." ففهمت..
أما عندما زرت شيراز الإيرانية فإنني لم أزر أكثر من مقام الشاعر الحكيم حافظ الشيرازي، وهو تحفة معمارية تليق بشاعر متفرد. وفي زوايا الضريح كتبت بخط بديع مقاطع من قصائده الخالدة "بستان" و"غولستان".. وقبل أن أغادر المكان اقتنيت أعماله الخالدة. أما في طهران فلم أنس ذلك الرجل المسنّ الذي ما إن عرف أنني جزائري حتى جاء يقبلني ويحضنني ويقول لي "إنني أشم فيك رائحة الثورة التي سجنت لأجلها سبع عشرة مرة. إنني واحد من أبنائها." كان اسمه مصطفى رَهْنَمَا..
وفي اسطنبول مخرت بنا السفينة نحو جزر الأميرات، وهناك سمعت من دليلنا السياحي أن هذه الجزر كانت في فترة سابقة منفى لمناوئي السلطان، ولا يأتي إليها إلا المغضوب عليهم.. واليوم لا يزورها إلا من أوتيَ جيبا ملآن وبطنا شبعانا.. ولا أحسبني منهما.. إنما أحببت أن أكتشف هذا المكان الذي تمنع فيه مركبات البنزين ولا ترى فيه إلاّ الحناطير تتحرك بحرية في دروب وعرة وملتوية.. إنما على الأطراف تنتشر القصور والفيلات التي ينعم أصحابها بمنفى.. مستحبّ.

لَقِّم المحتوى